‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب عالمي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب عالمي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 2 مايو 2014

»" في أغسطس نلتقي‮ "..‬ رواية جديدة‮ ‬غير مكتملة لماركيز‮ ‬



أكد كلاوديو لوبيث مدير دار بنجوين راندام هاوس للنشر،‮ ‬المعنية بنشر أعمال ماركيز أنه بصدد نشر رواية لم يسبق نشرها لجابو،‮ ‬مشيرا في الوقت نفسه إلي أن الرواية‮ ‬غير مكتملة وأن القرار النهائي بشأن نشرها هو أمر يخص ورثة الأديب الكولومبي‮..‬وقال لوبيث في حوار صحفي‮ :"‬هناك بالفعل رواية ولدي المسودة ولكنها رواية‮ ‬غير مكتملة ولذلك لم يتم نشرها‮..‬انها مكتملة بنسبة‮ ‬85٪‮ ‬ولكن نهايتها مفتوحة لحد كبير وهو لم ينهها‮".‬وأضاف‮ "‬اعتقد أنها ستري النور ان عاجلا أم آجلا‮ ..‬انها تستحق ذلك ولكن كرواية‮ ‬غير مكتملة‮". ‬وأكد الناشر في ذات الوقت أن القرار النهائي يعود لورثة ماركيز،‮ ‬مشيرا إلي أنه ليس هناك مزيد من المادة الأدبية التي لم تنشر للأديب الكولومبي‮.‬

‮"‬عادت للجزيرة يوم الجمعة السادس عشر من أغسطس في العبارة التي وصلت في الثانية ظهرا‮..‬كانت ترتدي قميصا ذا مربعات صغيرة وبنطلوناً‮ ‬جينز وحذاء بسيطا بدون كعب وبدون جوارب‮..‬لم تكن تحمل من أمتعة سوي مظلة وحقيبة بحر.بدا صف سيارات التاكسي بجوار الرصيف كأنه نموذج قديم متآكل بفعل البارود.استقبلها السائق بتحية صديق قديم واصطحبها عبر قرية السكان الأصليين ذات المنازل المبنية من الخوص المعشق بأسقف من سعف النخيل،‮ ‬والشوارع المفروشة برمال بيضاء مطلة علي بحر متأجج.كان عليه أن يقوم بالعديد من المناورات ليتفادي الخنازير الهائجة والأطفال العرايا الذين يتسلون بأداء حركات مصارعي الثيران‮. ‬في نهاية القرية دلفا في طريق يحفه النخيل يقود إلي الشواطي والفنادق السياحية الواقعة بين البحر المفتوح وبحيرة مغلقة تسكنها طيور البلشون الزرقاء.أخيرا توقفا أمام الفندق الأقدم والأكثر حقارة.كان الحاجب ينتظرها حاملا مفاتيح الحجرة الوحيدة في الطابق الثاني التي تطل علي البحيرة.صعدت الدرج في أربع قفزات ودلفت إلي الحجرة الفقيرة المعبأة برائحة المبيد الحشري والمشغولة تماما تقريبا بذلك الفراش المعد للازواج.أخرجت من حقيبتها علبة جلدية وكتابا سميكا يحمل بين صفحاته فتاحة خطابات من العاج وضعته علي الطاولة المجاورة للفراش‮ ..‬وأخرجت كذلك قميص نوم من الحرير وضعته تحت الوسادة.أخرجت منديلا من الحرير يحمل صورا مطبوعة لطيور استوائية وقميصا أبيض قصير الاكمام وحذاء تنس مستخدما وحملت كل ذلك معها إلي الحمام مع العلبة الجلدية‮.‬
قبل أن تستحم خلعت القميص ذا المربعات وخاتم الزواج والساعة ذات الطابع الرجالي التي كانت تضعها في يدها اليمني وأخذت ترش وجهها بالماء لتزيل‮ ‬غبار السفر وتطرد نوم القيلولة.عندما انتهت من تجفيف وجهها راحت تنظر في المرآة متفحصة نهديها المدورين المشدودين علي الرغم من ولادتين سابقتين،‮ ‬ومع أنها تجاوزت العقد الخامس من العمر‮..‬شدت وجنتيها بأطراف أناملها للخلف لاستعادة مظهرها في شبابها وشاهدت وجهها بهاتين العينين المسحوبتين والانف المفلطح والشفتين الدقيقتين‮ .‬تغاضت عن التجاعيد الاولي التي بدأت تظهرعلي جيدها ولا مفر منها،‮ ‬وأظهرت أسنانها المستوية التي فرشتها جيدا بعد الافطار الذي تناولته في العبارة‮ .‬حكت ابطيها اللذين ازالت الشعر عنهما حديثا بمزيل العرق وارتدت القميص القطني الناعم الذي نقشت الحروف‮  ‬AMB‮ ‬يدويا اعلي جيبه.مشطت شعرها الهندي الطويل الذي يغطي كتفيها وربطته للخلف بالمنديل المنقوش بصور الطيور.وأخيرا رطبت شفتيها بإصبع المرطب ثم بللت طرف اصبعها بلسانها ومسحت حاجبيها المرسومين ثم أضفت رشة من عطرها الثقيل خلف اذنيها وألقت نظرة أخيرة في المرآة بوجه أم في خريف العمر‮..‬هذه البشرة التي لا تبدو عليها أية آثار لمواد التجميل تشع بلونها الطبيعي والعينان العسليتان الغارقتان بين الاجفان البرتغالية لا يكشفان عن سن‮. ‬حاسبت نفسها بعمق وبلا رحمة ووجدت نفسها علي ما يرام بقدر ما كانت تشعر.فقط عندما وضعت خاتم الزواج والساعة تنبهت إلي أنها كانت متأخرة:بقيت ست دقائق علي الخامسة‮.‬غير انها منحت نفسها دقيقة من الحنين لتأمل طيور البلشون التي وقفت بلا حراك وسط أبخرة البحيرة المتأججة.أنبأتها كتل السحب السوداء المتراكمة علي جانب البحر بضرورة حمل المظلة‮..‬
كان التاكسي ينتظرها تحت أشجار الموز قبالة مدخل الفندق.مضت في الطريق المحفوف بالنخيل حتي وصلت إلي منطقة لا تقع بها أي فنادق حيث يوجد سوق شعبي في الهواء الطلق،‮ ‬وتوقفت عند أحد دكاكين الزهور.ثمة عجوز زنجية كانت تأخذ القيلولة علي مقعد بحر استيقظت فجأة وتعرفت علي السيدة الجالسة في المقعد الخلفي للسيارة وأعطتها،‮ ‬وسط ضحكات وثرثرة فارغة فرع من زهور الجلاديولس احتفظت لها به منذ الصباح‮. ‬بعد بضعة أمتار انحرف التاكسي في طريق‮ ‬غير ممهد يصعد إلي تل من الاحجار المتراصة‮ .‬وعبر الهواء المعبأ بالحرارة كان يمكن رؤية اليخوت الفاخرة تقف بمحاذاة الرصيف السياحي والعبارة التي توشك علي المغادرة بينما يلوح منظر المدينة عن بعد وسط الضباب والكاريبي المفتوح‮.‬
علي قمة التل تقبع مقابر الفقراء البائسة‮..‬دفعت البوابة التي يعلوها الصدأ بلا أدني جهد ثم دلفت حاملة فرع الزهور وسارت في الطريق الذي تحيطه القبور التي تغطيها النباتات المتسلقة حيث تتناثر حطام توابيت وعظام فحمتها الشمس.بدت القبور جميعها متشابهة في تلك المقابر المهجورة التي تتوسطها شجرة سيبا ذات أفرع ضخمة.كانت الحجارة المدببة تلحق الضرر بالحذاء الكاوتشوك الملتهب أصلا بفعل الشمس الحارقة التي تتسلل عبر نسيج المظلة.ثمة سحلية اجوانا ظهرت أمامها فجأة من بين الاشجار فتوقفت ونظرت إليها لبرهة قبل أن تفر بسرعة‮.‬
كانت قد انتهت من تنظيف ثلاثة شواهد وأصابها الارهاق وراحت تتصبب عرقا عندما نجحت أخيرا في التعرف علي ذلك الشاهد الرخامي المائل للاصفرار الذي يحمل اسم والدتها وتاريخ وفاتها قبل تسعة وعشرين عاما‮..‬كانت قد اعتادت أن تروي لها كافة الاخبار،‮ ‬فقد أخبرتها مثلا بجميع التفاصيل السرية لكي تساعدها علي اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان عليها أن تقبل الزواج أم لا واعتقدت أن الرد جاءها بعد أيام قليلة في صورة حلم بدا لها حكيما ولا يحتمل الخطأ.وتكرر الأمر ذاته عندما ظل ابنها بين الحياة والموت لاسبوعين بعد ان تعرض لحادث سير‮ ‬غير أنها اعتقدت انها تلقت الرد هذه المرة ليس في صورة حلم بل عبر محادثة بالصدفة البحتة مع سيدة اقتربت منها في السوق بدون أي مبرر‮..‬لم تكن ممن يؤمنون بالخرافات‮ ‬غير أنه كان لديها هذه الثقة المستندة إلي المنطق في أن هذا التناسخ الكامل بينها وبين والدتها مستمر حتي بعد وفاة الوالدة.وهكذا فقد طرحت عليها كافة الاسئلة التي جمعتها علي مدار العام ووضعت الزهورعلي القبروهي واثقة تماما في أنها ستتلقي الرد في أقرب وقت ممكن‮.‬
المهمة اكتملت:لقد اعتادت تكرار هذه الرحلة طيلة ثمانية وعشرين عاما متتالية في السادس عشر من شهر أغسطس من كل عام في نفس الوقت وفي نفس الحجرة بذات الفندق ومع نفس التاكسي ومن بائعة الزهور ذاتها تحت نفس الشمس الملتهبة في تلك المقابر الخاصة بالسكان الاصليين لتضع فرع الجلاديولس علي قبر والدتها‮..‬ومنذ هذه اللحظة لم يعج لديها ما تفعله حتي التاسعة من صباح اليوم التالي،‮ ‬وهو الموعد المحدد لمغادرة العبارة في رحلة العودة‮.‬
كانت تدعي انّا مجدالينا باخ،‮ ‬وكانت قد أكلمت عامها الثاني والخمسين من العمر والثالث والعشرين في زيجة تسير علي نحو طيب من رجل يحبها تزوجته قبل أن تتم تعليمها وهي عذراء بدون أية علاقات عاطفية سابقة‮..‬أما والدها فهو استاذ للموسيقي لا يزال وهو في الثانية والثمانين من العمر يشغل منصب مديرمعهد الموسيقي البلدي.وكانت والدتها معلمة نابهة للمرحلة الابتدائية ولم ترغب حتي آخر أنفاسها في أن تكون‮ ‬غير ذلك علي الرغم من مميزاتها الكثيرة‮.‬
ورثت أنا ماجدالينا عن والدتها جمال العينين المائلتين للصفرة وفضيلة قلة الكلام والذكاء الذي يمنحها القدرة علي اخفاء قوة شخصيتها.كانت والدتها قد أعربت عن رغبتها في أن تدفن في الجزيرة قبل وفاتها بثلاثة أيام.وكانت أنا ماجدلينا ترغب في أن ترافقها منذ الرحلة الاولي‮ ‬غير أن أحدا لم يتحمس فهي ذاتها لم تكن واثقة في قدرتها علي التغلب علي الشعور بالضيق.وعلي الرغم من ذلك فإنه في الذكري السنوية الاولي اصطحبها جدها للجزيرة لوضع الشاهد الرخامي علي مقبرة الام.شعرت بالفزع خلال الرحلة التي قطعتها في قارب بموتور والتي استغرقت قرابة الاربع ساعات وسط بحر لم يشهد لحظة من الهدوء‮..‬اعجبتها كثيرا تلك الشواطئ ذات الرمال الذهبية التي تجاور الغابة البكر وتلك الضوضاء الهادرة التي تحدثها الطيور والتحليق المبهر لطيور البلشون علي ضفاف البحيرة المغلقة‮.‬غير أنها شعرت بالحزن الشديد تجاه البؤس الذي تعانيه القرية التي يتعين علي أهلها أن يناموا في العراء في شباك النوم المعلقة بين نخيل جوز الهند،‮ ‬وهذا العدد الكبير من الصيادين الزنوج مبتوري الاذرع بسبب الانفجار المبكر لاصابع الديناميت.إلا أنها علي الرغم من كل ذلك فقد تفهمت رغبة والدتها عندما شاهدت بهاء العالم من القمة التي تقع عليها المقابر‮..‬عندئذ فقط اخذت علي نفسها ذلك العهد بأن تضع فرع الزهور علي قبر والدتها طوال حياتها‮.‬
أغسطس هو الشهر الأكثر حرارة خلال العام العام كما أنه الأغزر أمطارا،‮ ‬غير أنها كانت تنظر للأمر باعتباره التزاما شخصيا ينبغي عليها الوفاء به دون تأخير‮..‬ودائما بمفردها.وكان هذا هو الشرط الوحيد الذي فرضته علي زوجها قبل الزواج،‮ ‬وكان هو من الذكاء أن اعترف بأنه أمر خارج عن سلطته‮..‬وهكذا فقد تابعت أنا ماجدالينا تزايد الممرات الزجاجية التي تقيمها الفنادق السياحية،‮ ‬كما مرت بالتطور الذي شهدته الزوارق إلي اللنشات ذات المحرك وصولا إلي العبارت،‮ ‬وعلي هذا فقد كان لديها من الدوافع ما يشعرها بأنها أقدم سكان القرية‮.‬
عندما عادت إلي الفندق في تلك الظهيرة تمددت علي السرير بملابسها الداخلية فقط واستأنفت قراءة الكتاب الذي بدأت فيه خلال الرحلة.كانت رواية دراكولا الاصلية لبرام استوكر.كانت دوما قارئة ممتازة وكان أكثر ما يعجبها وتقرأه بنهم هي الروايات القصيرة من أي نوع مثل لاثاريو دي تورمس والعجوز والبحر والغريب وغيرها.ولكنها خلال الاعوام الاخيرة بعدما تجاوزت الخمسين أصبحت مولعة بروايات ما وراء الطبيعة‮.‬
أبهرتها دراكولا منذ البداية بيد أنها في ذلك المساء استسلمت للهديرالمتصل للمروحة المعلقة في السقف واستغرقت في النوم محتفظة بالكتاب فوق صدرها‮. ‬استيقظت بعد ساعتين فوجدت نفسها محاطة بالظلام وهي تتصبب عرقا وتشعر بجوع شديد وقد تعكر مزاجها.لم تكن هذه حالة استثنائية في روتينها خلال هذه السنوات.كانت حانة الفندق تظل مفتوحة حتي العاشرة مساء وكثيرا ما نزلت إليها لتتناول شيئا من الطعام قبل أن تنام.لاحظت أن هناك عددا من الزبائن يفوق المعتاد في مثل هذا الوقت وخيل إليها أن النادل قد تغير.طلبت ساندوتشا من اللحم المقدد والجبن مع الخبز المحمص وقهوة باللبن.لاحظت أنها كانت محاطة بعدد من الزبائن يماثل تلك الاوقات التي كان فيها الفندق الوحيد في المنطقة.ثمة طفلة سمراء كانت تغني بضع اغنيات بوليرو من الرائجة في ذلك الوقت،‮ ‬بينما يصاحبها أجوستين روميرو بالعزف علي بيانو ذي اوتار افقية‮ .‬
شعرت بالاكتئاب وأثقلها شعور بالمهانة لكونها تتناول طعامها وحيدة،‮ ‬لكنها كانت مرتاحة للموسيقي التي كانت ناعمة وحنونة كما أن الطفلة كانت تجيد الغناء‮..‬عندما عادت إلي طبيعتها لم يكن تبقي في الحانة سوي ثلاثة أزواج علي موائد متفرقة،‮ ‬وأمامها مباشرة كان يقف رجل مختلف لم تكت قد شاهدته يدخل للمكان.كان يرتدي ملابس من الكتان الابيض كتلك المنتشرة في زمن والدها وله شعر لامع وشارب جندي ذي طرفين مدببين.كانت المائدة التي يجلس عليها تحمل زجاجة من العرق وكأسا مملوءا حتي منتصفه‮ ‬،‮ ‬بينما كان هو يبدو وحيدا في العالم‮.‬
بدأ البيانو يعزف ضوء القمر لديبوسي في إيقاع يتلائم مع رقصات البوليرو وشدت الطفلة السمراء في حب.تأثرت أنا ماجدالينا بالموسيقي فطلبت كأسا من الجن بالصودا والثلج،‮ ‬وهو المشروب الروحي الوحيد الذي تسمح لنفسها به بين الحين والحين ويمكنها احتماله.اعتادت أن تستمتع بشربه علي رشفات مع زوجها الخبير في الشراب الذي كان يعاملها بأدب ولطف عشيق سري‮.‬
تغير العالم تماما بعد الرشفة الاولي وشعرت بأنها أصبحت علي ما يرام وبأنها سعيدة وجريئة وقادرة علي فعل اي شيء،‮ ‬وأشعرها ذلك الخليط السحري بين الموسيقي والكحول بأنها ازدادت جمالا.كانت تعتقد أن الرجل علي المائدة المقابلة لم ينظر إليها لكنها عندما أعادت النظر إليه بعد الرشفة الاولي من الجن فوجئت بأنه ينظر إليها‮..‬اصطبغ‮ ‬وجهه بالحمرة أما هي فعلي العكس تماما إذ ركزت بصرها عليه بينما راح هو ينظر للساعة في صبر نافد ثم نظر للباب وصب لنفسه كأسا آخر بارتباك بعدما أدرك أنها كانت تنظر إليه بلا هوادة‮...‬عندئذ بادلها النظر فابتسمت بدون تحفظ بينما حياها هو بهزة خفيفة برأسه وحينها قامت متوجهة إلي مائدته وباغتته بوخزة في كتفه‮ .‬
هل يمكنني أن أدعوك إلي شراب؟
هذا يشرفني‮.‬
يكفيني أن تقول إنه يسعدك‮.‬
قبل أن يجيب كانت قد جلست إلي المائدة وصبت الشراب في كأسه ثم في كأسها.وكانت تفعل ذلك بتمكن وأسلوب رفيع جعله لا يجرؤ علي أخذ الزجاجة منها ليمنعها من الصب‮.‬
في صحتك
رد بالمثل وقام كلاهما بتجرع الشراب دفعة واحدة.شعر بالاختناق وراح يسعل وقد ارتج جسده كله وسالت دموعه بغزارة‮. ‬أخرج منديله المعطر باللافندر ونظر إليها عبر دموعه المنسالة.لاذ كلاهما بالصمت لبرهة حتي انتهي من تجفيف وجهه واستعاد صوته‮. ‬تجرأت وسألته‮ :‬
امتأكد أن أحدا لن يحضر؟
قال بلا وعي‮- ‬الأمر كان يتعلق بلقاء عمل ولكنه لن يحضر‮.‬
سألته في دهشة محسوبة‮: ‬
لقاء عمل؟
ها أنا لم يعد لدي ما أفعله‮.‬
انهت الحديث في وقاحة ليست من طبيعتها ولكنها محسوبة جيدا‮.‬
سيتم الأمر في منزلك‮.‬
واصلت سيطرتها علي الوضع عبر لمساتها الرقيقة وحاولت أن تحزر سنة فأخطأته بعام إضافي:ستة وأربعون.حاولت كذلك أن تحزر جنسيته عبر لهجته إلا أنها أخطأت في ثلاث محاولات.ثم حاولت أن تحذر مهنته فسارع بالقول إنه مهندس مدني لكنها شكت في أنه يخدعها لإخفاء الحقيقة‮..‬
تحدثا عن وقاحة تحويل مقطوعة مقدسة لديبوسي لموسيقي لرقصة البوليرو‮ ‬غير أنه لم يكن قد لاحظ ذلك.تنبه إلي أنها تعرف الكثير عن الموسيقي بلا أدني شك أما هو فلم تكن معرفته تتعدي الدانوب الازرق.أخبرته بأنها تقرأ دراكولا بينما كان هو قد قرأها في طفولته في نسخة مبسطة للاطفال ولا يزال مبهورا بفكرة وصول الكونت إلي لندن متحولا إلي كلب.بعد الرشفة الثانية شعرت بأن العرق يختلط مع الجن في مكان ما من القلب وكان يتعين عليها أن تركز جيدا حتي لا تفقد اتزانها‮..‬انتهت الموسيقي في الساعة الحادية عشرة وكانت الحانة تنتظر انصرافهما لكي تغلق أبوابها‮.‬
في تلك اللحظة شعرت أنها تعرفه كما لو كانت تعيش معه منذ الأزل.كانت تعرف أنه نظيف ومهندم وله يدان نظيفتان مع أظافر تبدو وكأنها مطلية بشكل طبيعي.لاحظت ارتباكه أمام عينيها الواسعتين اللتين لم ترفعهما عن عينيه وأنه كان رجلا طيبا وجبانا.شعرت بالقوة الكافية التي مكنتها من أن تمنحه قبلة لم تخطر له باله ولا في أحلامه طوال حياته.سألته دون مواربة‮:‬
أنصعد؟
أجاب في خجل‮ ‬غامض‮:‬
لكني لا أسكن هنا‮.‬
لكنها لم تمهله أن ينهي عبارته‮ .‬قامت وهزت رأسها قليلا لتطرد آثار المشروب بينما تشع عيناها المتألقتان‮:‬
سأصعد أولا بينما تدفع الحساب‮..‬غرفة‮ ‬203‮ ‬بالطابق الثاني يمين السلم‮..‬لا تقرع الباب ادفعه فقط‮..‬
صعدت‮ ‬غرفتها تغمرها حالة من الشهوة لم تشعر بها منذ آخر لياليها كعذراء.أدارت مروحة السقف ولكنها لم تشعل الضوء.تعرت في الظلام‮  ‬وتركت الملابس ملقاة علي الارض في صف ممتد من الباب وحتي الحمام‮.. ‬عندما أشعلت المصباح كان عليها ان تغلق عينيها وتتنفس بعمق في محاولة لتنظيم أنفاسها والتحكم في الرجفة التي اصابت يديها.اغتسلت بسرعة‮ ..‬فرجها‮ ‬،ابطيها وأصابع قدميها التي كانت تحمل اثار خطوط الحذاء،‮ ‬ذلك أنه علي الرغم من العرق الغزير طوال اليوم فإنها لم تفكر في الاستحمام حتي موعد النوم‮..‬لم يكن لديها وقت لتفرش‮  ‬أسنانها فوضعت قطعة من المعجون علي طرف لسانها وعادت إلي الحجرة المضاءة بنور المصاح الخافت‮.‬
لم تنتظر ضيفها ليدفع الباب‮ ‬،‮ ‬بل فتحته هي من الداخل بمجرد أن أحست بوصوله فأصابه الفزع‮ :‬يا أمي‮..‬
لكنها لم تعطه المزيد من الوقت‮..‬خلعت الجاكت وربطة العنق والقميص وكانت تلقي كل ذلك علي الأرض.وبينما كانت تفعل كل ذلك كان جو الحجرة يعبأ برائحة اللافندر القوية‮.‬
حاول أن يساعدها في البداية ولكنها منعته بوقاحة‮ .‬وعندما أصبح نصفه العلوي عاريا أجلسته علي السرير وجلست علي الأرض لتخلع حذاءه وجوربه‮.‬
أما هو فقد فك الحزام فأصبح من السهل أن تجذب البنطال بدون أن يلتفت أي منهما لصليل المفاتيح وأصوات العملات المعدنية التي سقطت من الجيب‮...  ‬سلم تترك له زمام المبادرة‮ ..‬
امتطته وراحت تنهشه دون أي تفكير فيه حتي‮ ‬غرقا سويا في العرق‮..‬ظلت فوقه تكافح أولي وخزات الضمير وسط العرق وضوضاء مروحة السقف حتي تنبهت إلي أنه لم يكن يتنفس جيدا‮..‬
عندئذ نزلت عنه واستلقت بجواره‮ .‬ظل هو بلا حراك لبرهة حتي استعاد انفاسه وسألها‮:‬
لماذا أنا؟
لأنك بدوت لي رجلا‮..‬
الوجود مع سيدة مثلك شرف لي‮..‬
آه شرف‮..‬ألم يكن ممتعا؟
لم يجب وظلا ممددين سويا وسط ضجيج الليل‮ ..‬كانت الغرفة‮ ‬غارقة في عتمة البحيرة وكان من الممكن سماع خفقات أجنحة قريبة.سأل‮: ‬ما هذا؟
حدثته عن عادات البلشون في الليل‮ .‬وبعد ساعة بدت طويلة من الهمسات الخافتة،‮ ‬بدأت تستكشفه بأصابعها من صدره وحتي أسفل بطنه.ثم استكشفته كذلك بقدمها بطول ساقيه اللتين وجدتهما مغطاتين بزغب مجعد ذكرها بحشائش أبريل.بعد ذلك بدأت تستثيره بالقبلات الناعمة في اذنيه وعنقه ثم تبادلا للمرة الاولي قبلة في الفم‮.‬
عندئذ تحول هو إلي عشيق لطيف أوصلها بدون تعجل إلي أقصي درجات الشهوة.شعرت بالدهشة لأن تتمكن يدان مبتدئتان قادرتان علي الاتيان بكل ذلك ولكنه عندما حاول اثارتها بالطرق المتعارف عليها قاومت خشية أن تفسد فلتة المرة الاولي‮..‬ومع ذلك فقد دفعها بقوة وأجبرها علي الخضوع لذوقه وأسلوبه‮..‬وقد فعلت ذلك عن طيب خاطر‮..‬
بعد أن انتهيا من المرتين أيقظها دور رعد هزت الارجاء وفتحت الرياح القوية مزلاج النافذة.سارعت لاغلاقها وشاهدت عبر ضوء مفاجئ لضربة برق البحيرة الهائجة والقمر يلمع في الافق والبلشون الازرق يحرك جناحيه وسط العاصفة‮.‬
في طريقها للفراش تعثرت في ملابسهما الملقاة علي الأرض.تركت ملابسها لتلتقطها فيما بعد وقامت بتعليق الجاكت الخاص به علي ظهر المقعد وفوقه القميص وربطة العنق ثم طوت البنطال في دقة ووضعت فوقه المفتاح والمطواة والنقود التي كانت قد سقطت من الجيب.أصبح الهواء في الحجرة منعشا بفعل العاصفة ولذلك فقد ارتدت قميص النوم الوردي المصنوع من الحرير شديد النعومة‮ .‬كان الرجل نائما وقد باعد بين ساقيه وبدا لها كأنه يتيم ضخم فلم تستطع مقاومة دفعة مفاجئة من الشهوة.استلقت خلفه واحتضنته من وسطه إلا أنه أطلق شهقة وبدأ يشخر‮.‬
غفلت لبرهة واستيقظت وسط ضوضاء المروحة الكهربائية عندما راح ضوء النهار وغرقت الحجرة في ذلك الضي الفسفوري الاخضر للبحيرة.كان الرجل يواصل شخيره في صفير متصل‮. ‬وبدأت هي تداعب ظهره بأطراف أناملها‮ .‬توقف عن الشخير بقفزة مفاجئة وبدأت‮ ‬غريزته تصحو من جديد.تركته للحظة وخلعت قميص النوم في حركة واحدة ولكنها عندما عادت إليه كانت كل حيلها بلا فائدة إذ أدركت أنه كان يصطنع النوم ليفلت من المرة الثالثة.وعندئذ ابتعدت إلي الطرف الاخر من الفراش وارتدت قميص النوم مجددا واستغرقت في النوم‮.‬
أيقظتها ساعتها البيولوجية في الصباح‮..‬ظلت مستلقية لبرهة مغلقة العينين دون أن تجرؤ بالاعتراف بالالم الذي يخز صدغيها ولا الرائحة الكريهة التي تنطلق من فمها منذرة بأمر مجهول ينتظرها في حياتها الحقيقية‮..‬تنبهت إلي أن ضوء الصباح قد طلع وأن الحجرة قد أصبحت مضاءة بفعل الفجر الذي بزغ‮ ‬في البحيرة‮.‬
وفجأة‮ ‬،‮ ‬وكقبضة الموت،‮ ‬استيقظ ضميرها بوحشية علي حقيقة أنها للمرة الاولي في حياتها زنت ونامت مع رجل‮ ‬غير زوجها‮ ..‬عادت تنظر اليه مرتاعة ولكنه لم يكن هناك‮..‬لم يكن موجودا كذلك في الحمام‮..‬أضاءت الانوار كلها واكتشفت أن ملابسه لم تكن موجودة كذلك‮ ..‬فقط ملابسها هي كانت هناك لكنها لم تكن ملقاة علي الارض كما تركتها،‮ ‬بل مكوية بعناية وموضوعة علي الكرسي.حتي تلك اللحظة لم تكن قد انتبهت إلي أنها لا تعرف عنه شيئا‮..‬ولا حتي اسمه‮ ..‬كل ما بقي لها من تلك الليلة المجنونة هو راحة اللافندر القوية.فقط عندما تناولت الكتاب الموضوع علي المائدة المجاورة للسرير لضبه في الحقيبة اكتشفت أنه قد وضع بين صفحاته ورقة بعشرين دولارا‮.‬


منقول من أخبار الأدب

الخميس، 17 أبريل 2014

غابرييل غارسيا مركيز


 رحل من عرف أن للإنسان أجنحة لا ترى فجعل الواقع سحرياً وسحر الخيال واقعاً يمشي على قديمن

«عظام الصدي‮».. قصة لصمويل بيكيت تنشر بعد رفضها من‮08 ‬سنة



داليا آلبيرج ت‮:‬‮ ‬أمير زكى

القصة الملغزة بعنوان‮ "‬عظام الصدي‮" ‬كان من المفترض أصلا أن تصبح القصة الأخيرة في المجموعة القصصية‮ "‬وخزات أكثر منها ركلات‮"‬،‮ ‬المجموعة المكونة من قصص متصلة ونشرت عام‮ ‬1934‭.‬‮ ‬ولكن الناشر في هذا الوقت،‮ ‬تشارلز برينتس بدار شاتو وويندوس،‮ ‬رفض الحكاية لأنها صعبة وغريبة جدا‮. ‬أبلغ‮ ‬برينتس الخبر لبيكيت في خطاب فظ‮: "‬إنها كابوس‮.. ‬إنها أغاظتني‮... ‬أنا متأكد أن عظام الصدي ستجعل الكتاب يفقد العديد من القراء‮. ‬سيضطرب الناس ويتحيرون ويرتبكون‮. ‬ولن يتحمسوا لتحليل الاضطراب‮". ‬مضيفا‮: "‬أنا أكره قول هذا‮".‬

القصة المكونة من‮ ‬13‭,‬500‮ ‬كلمة لم تُضَمَّن في المجموعة المنشورة وظلت مختبئة من ساعتها في الأراشيف الأمريكية،‮ ‬متلقية اهتماما محدودا من دارسي بيكيت‮. ‬نشر دار‮ "‬فيبر آند فيبر‮" ‬لها في‮ ‬17‮ ‬أبريل سيكون حدثا كبيرا للمعجبين بالكاتب الأيرلندي ومؤلف‮ "‬في انتظار جودو‮"‬،‮ ‬الذي مات عام‮ ‬1989‭.‬‮ ‬فاز بيكيت بجائزة نوبل في الأدب عام‮ ‬1968‮ ‬وألهم أدباء عظاما آخرين مثل هارولد بنتر‮.‬

حرر الطبعة الأخيرة من المجموعة د‮. ‬مارك نيكسون،‮ ‬القاريء بالأدب الحديث بجامعة ريدينج،‮ ‬وهو أيضا مدير مؤسسة بيكيت العالمية،‮ ‬هو رئيس مجتمع صمويل بيكيت ونشر بشكل واسع عن أعمال بيكيت‮. ‬كتب نيكسون في المقدمة‮: "‬الاعتبار الأدبي لعظام الصدي واضح‮: ‬وبالإضافة إلي ذلك هي وثيقة مهمة‮".‬

كان برينتس ناشرا يصعب إرضاؤه‮. ‬عام‮ ‬1932‮ ‬رفض أيضا عمل بيكيت السردي الأساسي الأول وهو روايته‮: "‬حلم جميل لنساء عاديات‮" ‬كـ‮ "‬شي‮ ‬غريب‮" ‬علي الرغم من أنه اعترف لاحقا بأن‮ "‬ربما كنت علي خطأ‮". ‬شعر أن المشكلة هي أنه‮ "‬لم يفهم نصفها‮". ‬حتي نشرت بعد وفاة بيكيت عام‮ ‬1992

عندما تلقي برينتيس المسودة لمجموعة‮ "‬وخزات أكثر منها ركلات‮" ‬في سبتمبر‮ ‬1933،‮ ‬طلب من بيكيت أن يزيد حجمها بإضافة قصة أخري‮: "‬10‭,‬000‮ ‬كلمة أخري أو حتي‮ ‬15‭,‬000‮ ‬لهذا الغرض،‮ ‬وأنا متأكد أن هذا سيساعد الكتاب‮". ‬ولكن برفضه لعظام الصدي،‮ ‬نشر المجموعة بعد عدة أشهر بـ‮ ‬10‮ ‬قصص وليس‮ ‬11

القصة المرفوضة تحتوي علي بطل القصة التاسعة،‮ ‬الأصفر‮. ‬في‮ "‬الأصفر‮" ‬الشخصية الرئيسية،‮ ‬بيلاكوا،‮ ‬يموت بعد إجراء جراحة في المستشفي‮. ‬في‮ "‬عظام الصدي‮" ‬يواجه بيلاكوا ما بعد الموت.في ديسمر عام‮ ‬1933،‮ ‬كتب بيكيت لصديق أن رفض القصة‮ "‬التي وضعت فيها كل ما أعرفه والكثير مما أنا مهتم به بشكل كبير،‮ ‬أحبطني بعمق‮".‬

يعتقد نيكسون أن فشل القصة دفع بيكيت ليكتب قصيدة بالاسم نفسه،‮ ‬ليستخدم العنوان مجددا في مجموعته الشعرية الأولي‮ "‬عظام الصدي ورواسب أخري‮"‬،‮ ‬التي نشرت عام‮ ‬1935‭.‬

يكتب في المقدمة أنه بالقراءة الأولي لقصة‮ "‬عظام الصدي‮" ‬لا يمكن للمرء سوي أن يتعاطف مع قرار برينتس،‮ ‬لأن القصة‮ "‬صعبة وغامضة في بعض الأحيان‮" ‬مضيفا‮ "‬ولكن إن كانت القصة جامحة وغير منظمةـ فهي كذلك بشكل رائع‮... ‬عظام الصدي بلا شك دالة بشكل مكثف،‮ ‬جويسية أكثر من أي عمل مبكر آخر بيكيت؛ سواء في المستوي السردي أو البناء،‮ ‬انها تستخدم مساحة من المواد،‮ ‬من العلوم إلي الفلسفة إلي الدين إلي الأدب‮... ‬وتمزج الحكايات الخيالية بالأحلام القوطية بالأساطير الكلاسيكية،‮ ‬عظام الصدي في أجزاء منها قصة رائعة ممتلئة بالعمالقة والمنازل الشجرية ونباتات اللفاح والنعام وعوش الغراب،‮ ‬تميل إلي تقليد القصص الشعبية كما اشتهرت علي يدي ييتس والأخوين جريم‮".‬

سئل نيكسون لم استغرق هذا الوقت الطويل قبل نشر القصة،‮ ‬فأجاب لجريدة الأوبزرفر‮: "‬أثناء حياته،‮ ‬كان بيكيت أقرب للسلبية تجاه معظم أعماله التي كتبت في الثلاثينيات،‮ ‬وكان متحفظا تجاه السماح بإعادة نشر النصوص التي نشرت في هذا العقد‮... ‬لم نكن لننشر هذا النص لو كان ببساطة قد تجاهلها أثناء عملية الكتابة‮. ‬أراد بيكيت بشكل واضح أن ينشر النص،‮ ‬وهذا هو سبب أنه كتبه وقدمه لدار شاتو،‮ ‬ليكون تحت تصرفهم‮". ‬إدوارد بيكيت ابن أخ الكاتب والقيم علي أعماله صرح للأوبزرفر‮: "‬هذا نص مهم جدا،‮ ‬أمر طيب أن يصير متاحا بعد وقت طويل‮".‬

عن الجارديان

منقول من موقع أخبار الأدب

الاثنين، 17 مارس 2014

ثمة أحدٌ نائمٌ في داخلي..مختارات من أليخاندرا بيثارنيك



ترجمة وتقديم - كاميران حاج محمود

أليخاندرا بيثارنيك إحدى الشاعرات البارزات في اللغة الإسبانيّة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. اتّسم شعرها بالسوداويّة، وبحضورٍ طاغٍ للخوف والعُزلة والموت، محُاذِياً اضطراب شخصيّتها الذي تفاقم ليتحوّل إلى كآبةٍ عميقةٍ ألمّتْ بها لاحقاً. ولا تُخفي النبرةُ الفريدةُ في شعرها، تشرُّبها العميق للتحوّلات التي حملتها حركة الأدب والفنّ الطليعيّ آنذاك. ولعلّ تأثرها المبكّر بالسرياليّة شكّل أوضح ملامح القصيدة عندها، وخصوصاً بعد انتقالها إلى باريس والتقائها بمجموعة من الأدباء والفنانين المُؤثِّرين، تعرّفت إليهم هناك، وانعقدت بينهم الصداقات أمثال أوكتابيو باث، وخوليو كورتاثر، وسواهما ممن ساعدوها على الدخول إلى المناخ الثقافي المُتّقد في ذلك الوقت.

لا تخفى الهواجس في شعرها، بيأسها واضطرابات ماضيها، فيما الهوسُ باللغة يقودُ إلى البحث المستمرّ عن صوتٍ ذاتيٍّ، تراهُ مفقوداً على الدوام. تبدو قصيدتُها كَيَدٍ تُزيحُ غلالةً رقيقة عن نافذةٍ تقعُ في الداخل، خلفها تتوارى رغبةُ بيثارنيك المُلحّة في إذابة الشعر والحياة، أحدهما في الآخر.

ولدت بيثارنيك في بوينس آيرس عام 1936 لعائلة مهاجرة تنحدر من أصولٍ يهوديّة روسيّة، ودرست الأدب في جامعة العاصمة الأرجنتينية. نشرت أعمالها المبكّرة في ثلاثة دواوين في خمسينيات القرن الماضي، تجلّى فيها تأثّرها بالشاعر الفرنسي آرتور رامبو. عام 1960 سافرت إلى باريس حيث درست الأدب الفرنسي في السوربون، وتعاونت مع عددٍ من الصحف والمجلّات الثقافيّة، نشرت فيها قصائدها وترجماتها لأدباء فرنسيّين كأنطونان آرتو، وهنري ميشو، وإيف بونفوا وغيرهم. سنة 1964 عادت بيثارنك إلى الأرجنتين بشهرةٍ كبيرةٍ وجوائز أدبيّةٍ عدّة، حيث نشرت أعمالاً جديدة اعتُبِرت الأهمّ في نتاجها الأدبي، كاشفةً عن نُضج شعرها وخصوصيّته مثل: «الأشغال والليالي (1965)»، و«استخراج حجارة الجنون (1968)»، و«الجحيم الموسيقيّ (1971)». بجرعةٍ زائدةٍ من الأدوية أنهتْ بيثارنيك حياتها سنة 1972.

أنا...



جناحَايَ؟

تُويجَان مُتعفّنان

عقلي؟

كؤوسٌ صغيرةٌ من نبيذٍ لاذِع

حياتي؟

فراغٌ مَدروسٌ بعِنايَة

جسدي؟

شَق ٌفي كُرسيٍّ

تردُّدِي؟

صَنجٌ طُفوليٌّ

وجهي؟

صِفرٌ مُتَخَفٍّ

عينايَ؟

آه! قِطعَتانِ مِنَ اللانهاية



الزمن



لا أعرفُ عن الطفولةِ

سِوى أنهّا خوفٌ مُضيءٌ

ويدٌ تجرُّني

نحوَ ضِفّتي الأُخرى.

طُفولَتي وعَبقُها

من مُلاطَفةِ عُصفور.

أزرق



كبرتْ يدايَ بالموسيقى

وراءَ الأزهار

لكنْ الآن،

لماذا أقْتفيكَ أيُّها الليلُ؟

لماذا أخلدُ إلى النومِ مع مَوتاك؟



من هذه الضفّة



لا أزالُ حينَ يلمعُ عاشقي

كنجمٍ غاضبٍ في دَمي

أنهضُ من جُثّتي،

وحذرةً كيلا أطأَ ابتسامَتي الميّتة

أذهبُ إلى لقَاءِ الشمس.

من ضفةِ الحنينِ هذِه

كلُّ شيءٍ يبدو ملاكاً.

الموسيقى صديقةُ الريحِ

صديقة الأزهارِ

صديقات المطرِ

صديق الموت.

***

قفزتُ مِنّي إلى الفجر.

تركتُ جسدي لِصقَ النّورِ

وأنشدتُ حُزنَ ما يُولَد

***

بقميصِها المُشتعلِ تَقفِزُ

من نجمةٍ إلى نجمة.

من ظلٍّ إلى ظلّ.

تمُوتُ من موتٍ بعيد

تلكَ، مَنْ تعشقُ الرّيح.

***

الآن

في هذه الساعةِ الوادِعة

نجلسُ، أنا والمرأةُ التي كنتُ

على عَتبةِ نظرَتي

***

أن أقولَ بكلماتٍ من هذا العالم

إنّ زورقاً انطلقَ مِنّي حاملاً إيّاي

***

القصيدةُ التي لا أبوحُ بها،

التي لا أستحِقُّها.

على دربِ المرآةِ

خوفُ أنْ أكونَ اثنتين:

ثمّةَ أحدٌ نائمٌ في داخلي

يأكلُني ويشربُني.

***

كقصيدةٍ تُدركُ

صمتَ الأشياء

أنتَ تتكلّمُ كيلا تراني

***

حينما أرى العُيونَ

التي وُشِمتْ في عينيَّ

***

في الليل

مرآةُ الصغيرةِ الميّتة

مرآةٌ مِن رُفات

***

أنتَ مَنْ يختارُ مَوضعَ الجُرح

حيثُ ننطقُ صمتَنا.

أنتَ مَنْ يجعلُ حياتي

هذا الاحتفالَ شديدَ النّقاء.



ظلُّ الأيّام الآتية



غداً

عندَ الفجرِ سيَكسُونَني بالرّمادِ

وسيملؤون فَمي بالأزهار.

سأتعلّمُ أن أنامَ

في ذاكرةِ جدارٍ،

في تنفُّسِ

حيوانٍ يحلُم.

***

ولكنّي أُريدُ أن أنظرَ إليك

إلى أن يبتعدَ وجهُك عن خَوفي

كما يبتعدُ طائرٌ عن حافّةِ الليلِ الحادّة.

***

فجأةً، كطفلةٍ من طباشيرَ ورديّةٍ على جدارٍ

رسمٌ قديمٌ محَاهُ المطرُ.

 ***

للّيل شكلُ صرخةِ ذئب.



مُقاربات



وأنا أُعانقُ ظلّك في حُلمٍ

كانت عِظامي تتقوّسُ مِثل أزهارٍ

***

خطواتٌ في ضبابِ

حديقةِ الليْلَك

القلبُ يرجِعُ

إلى نورهِ الأسود

***

تتمنّى لو تعيشُ أبداً

كشيءٍ منسيٍّ في يدِ ميّتٍ

***

أغنياتٌ غامضةٌ

من بلدٍ مّا جرفتْهُ الأمطارُ

أغنياتُ قارِعي الأجراسِ

ذكرياتُ الليلةِ التي أحبّها رجلٌ ما



إذا البحرُ من أجلِ قيثارةٍ

أغرقَ ملائكةً ساخطةً في الرّيح

***

عصافيرٌ مُغبرّةٌ

دماءٌ قديمةٌ على أجنحتِها

أزهارٌ معدنيّةٌ منسيّة

بيوتُ العنكبوتِ عاشقة الفضاء

حيثُ يعيشُ الزمنُ الذي يمضي

***

قلب المطرِ حلَلْتُ وِثاقه

أغنياتٌ شعبيّةٌ

أطعمتْ صمتي.

***

الليلُ موشومٌ على عِظامي.

الليلُ والعَدم.

***

ثمِلةٌ بصمتِ

الحدائقِ المهجورة

ذاكرتي تنفتِحُ وتنغلِق

كبابٍ في مهبِّ الرّيح
 
منقول من مجلة الدوحة الثقافية

الجمعة، 3 يناير 2014

فرانز كافكا.. ترجمة - الدسوقي فهمي


فرانز كافكا

ترجمة - الدسوقي فهمي





الحيوان في المعبد



في معبدنا يعيش حيوان في حجم النمس، وباستطاعة المرء غالباً أن يراه رؤية العين، لأنه يتيح للناس أن يقتربوا منه لمسافة مترين. لونه أزرق مخضر حائل. لم يلمس أحد قطّ فروته حتى الآن، وعلى هذا فلا شيء يمكن أن يُقال عنها، ويمكن للمرء على الأغلب أن يذهب إلى حدّ التأكيد بأن اللون الحقيقي لفرائه غير معروف، وربما كان اللون الذي يراه المرء قد نتج فقط عن التراب والطين اللذين أطفأا لون فروته. وإن اللون حقاً ليشبه لون طلاء المعبد من الداخل، وإن يكن، فقط، أفتح منه قليلاً. وبصرف النظر عن الجبن الذي يتّصف به، فهو حيوان هادئ بصورة غير معتادة وذو عادات مستقرّة؛ فلو لم يتعرَّض للإزعاج الزائد غالباً، فإنه نادراً ما كان ليوجد في هذا المكان على الإطلاق، ذلك أن مأواه المفضَّل هو ذلك الحاجز المتشابك الذي يحجز قسم النساء.

وبمتعة بادية ينشب مخالبه في داخل عيون الشبك المشغول، متمدِّداً ومحدِّقاً بنظرته المطرقة إلى داخل القاعة الرئيسية؛ كان يبدو أن هذا الوضع الجريء يبعث فيه السرور؛ إلاّ أن خادم المعبد كانت قد وُجِّهت إليه التعليمات بألا يتغاضى عن وجود الحيوان عند الحاجز الشبكي، لأنه سوف يعتاد على المكان، ولا يمكن السماح بذلك بسبب النساء الخائفات من الحيوان. أما لماذا هن خائفات، فالسبب ليس واضحاً.

حقاً إنه للوهلة الأولى يبدو مخيفاً، وبصفة خاصة عنقه الطويل، ووجهه المثلث، وصفّ الأسنان العليا التي تبرز إلى الخارج بصورة تكاد تكون أفقية، وفوق الشفة العليا خطّ من الشعيرات الشاحبة الطويلة البادية الخشونة التي تمتدّ إلى أبعد حتى من الأسنان. كل هذا قد يكون مخيفاً، إلاّ أن المرء لا يستغرقه الوقت طويلاً حتى يدرك إلى أي حدّ لا يبدو هذا الرعب الظاهري كلّه مؤذياً. وفوق هذا، فإنه يبقى مبتعداً عن البشر، إنه أكثر فزعاً من حيوان الغابة، ويبدو أنه لا يرتبط فحسب سوى بالمبنى، ولا شكّ أن سوء طالعه الخاص قد تمثّل في كون هذا المبنى هو معبد يهودي، أي أنه مكان يكون ممتلئاً أحياناً بالناس. فلو كان قد أمكن- فحسب- أن يتواصل المرء مع الحيوان، لأمكنه بالطبع، أن يعزِّيه بأن يخبره بأن شعب المعبد في مدينتنا الصغيرة هذه في الجبال يتضاءل عدده عاماً بعد عام، وأنه يواجه بالفعل صعوبة في توفير المال لصيانة المعبد، وأنه ليس من المستحيل إمكان أن يتحوَّل المعبد قبل وقت طويل إلى شونة للغلال، أو إلى شيء من هذا القبيل، وسيحصل عندئذ على السلام الذي يفتقده الآن بمرارة بالغة.

وللتأكيد، فإن النساء وحدهنّ هنّ الخائفات من الحيوان، فقد كفّ الرجال عن الاكتراث بأمره منذ وقت طويل. وهو ما بيّنه جيل للجيل الآخر، فلقد شوهد المرة بعد المرة، وبحلول ذلك الزمن لم يعد أي شخص يبدِّد اهتمامه بإلقاء نظره عليه؛ وحتى الأطفال- وإلى الآن وهم يرونه للمرة الأولى- لا يبدون أية دهشة. لقد أصبح هو ذلك الحيوان الذي ينتمي إلى المعبد؛ فلماذا لا يكون للمعبد حيوان أليف خاص به لا يوجد في أي مكان آخر؟ فلو لم يكن الأمر يتعلَّق بالنساء ما كان المرء ليعي الآن مطلقاً وجود الحيوان بسهولة. لكن حتى النساء لسن خائفات حقاً من الحيوان، فسيكون الأمر بالغ الغرابة بالفعل إن واصل المرء خوفه من مثل ذاك الحيوان يوماً بعد يوم، لسنوات ولعقود من السنين. وعذرهنّ هو أن الحيوان عادة أكثر قرباً منهن عنه من الرجال، وهذا حق. إن الحيوان لا يجرؤ علي أن يهبط إلي حيث يكون الرجال، فهو لم يُرَ بعد حتى الآن فوق الأرضية. فلو كان قد تمّ منعه من بلوغ الحاجز الشبكي لمقصورة النساء. فإنه يريد عندئذ على الأقل أن يكون على الارتفاع نفسه فوق الحائط المقابل. فهناك وفوق إفريز ضيّقٍ للغاية لا يكاد يبلغ البوصتين اتساعاً، ويمتدّ حول ثلاثة من جوانب المعبد اليهودي كان الحيوان معتاداً أحياناً على أن يمرق منطلقاً جيئة وذهاباً، لكن غالباً ما يجلس في هدوء متكوِّراً فوق بقعة معينة في مواجهة النساء. ويكاد يكون من غير المفهوم كيف استطاع بمثل هذه السهولة أن يتحايل لاستخدام هذا المَمّر الضيق، ومما تجدر ملاحظته رؤية الطريقة التي يستدير بها هناك فوق هذا الإفريز المرتفع عندما يبلغ نهايته، ذلك أنه، فوق هذا كله، حيوان عجوز جداً الآن، إلّا أنه لا يحجم عن الإتيان بقفزة بالغة الجرأة في الهواء، ولا هو حتى يفقد موقع قدمه قط، وبعد أن ينقلب في الهواء مستديراً، يجري مرة أخرى مباشرة راجعاً من حيث جاء. بالطبع عندما شاهد المرء هذا مرات عديدة، كان قد اكتفى برؤيته تلك له، ولم يعد ثمة ما يبرِّر أن يواصل المرء تطلُّعه إليه. كما أنه لم يكن الخوف، ولا الفضول هما ما يدفع النساء، إلى التململ؛ فلو كنّ يصرفن انتباههنّ أكثر إلى صلواتهنّ، فربما أمكنهنّ أن ينسين كل ما يتعلَّق بالحيوان؛ إن النساء التقيّات كنّ ليفعلن هذا لا شك، لو أن الأخريات، وهنّ الغالبية العظمى، تركنهن وشأنهن، إلّا أن هؤلاء الأخريات يحببن دائماً جذب الانتباه إلى أنفسهن؛ ويوفر لهنّ الحيوان ذريعة يرحبنّ بها. فلو كن قد استطعن، ولو كن قد جرؤن، لَكُنّ منذ زمن طويل قد أغوين الحيوان بأن يقترب منهن أكثر، عسى أن يرتعدن أكثر من ذي قبل. لكن لم يكن الحيوان في الحقيقة مَشُوقاً قطّ بأن يقربهن، فهو طالما تُرك لحاله، لا يلحظهن سوى ملاحظة قليلة للغاية، بالضبط بقدر ملاحظته للرجال، وربما كان أكثر ما يروق له هو أن يبقى مختبئاً في مكمنه حيث يعيش في الفترات التي تفصل بين أوقات أداء الشعائر، وهو ما قد يبدو، في وضوح، فجوة ما في الجدار لم نعثر بعد على مكانها. وإنه ليظهر فقط عندما يبدأ أداء الصلوات، عندما تفاجئه الأصوات. فهل يريد أن يرى ما الذي حدث! هل يودّ أن يبقى متحفِّزاً؟ هل يريد أن يكون في خارج مكمنه متأهِّباً للربّ؟ إنه ليخرج مرتعباً، وإنه ليقفز قفزاته في رعب، ولا يجرؤ على الانسحاب إلا عندما تشرف الطقوس الدينية على نهايتها. وإنه ليفضل بالطبع أن يكون في مكانه المرتفع لأنه يراه أكثر الأماكن أمناً، ويرى أن أفضل الأماكن التي تتيح له الانطلاق عَدْواً هما الحاجز الشبكي والإفريز، إلا أنه لا يبقى دوماً هنالك، ففي أحيان أيضاً يهبط قدماً نحو الرجال؛ فستارة تابوت العهد تتدلّى من قضيب لامع من النحاس الأصفر، ويبدو أن ذلك كان يلفت انتباه الحيوان، فغالباً ما يزحف نحوها، لكنه عندما يكون عندها هادئاً دوماً، وحتى عندما يكون ملتصقاً تماماً بالتابوت لا يمكن القول بأنه يسبب إزعاجاً ما، إنه يبدو محدِّقاً في حشد المصلين بعينيه اللامعتين اللتين لا تطرفان، واللتين ربما كانتا بلا جفنين، لكنه بالتأكيد لايكون عندئذ متطلّعاً إلى أي شخص، إنه يكون حينئذ فحسب في مواجهة مع الأخطار، تلك الأخطار التي يحسّها تتهدَّده.

وقد بدا في هذا المقام، حتى الآن على الأقل، أنه لا يزيد كثيراً في الذكاء عن نسائنا. فأية أخطار تلك التي قد يخشاها، على أي حال؟ ومن ذا الذي يريد به أيّ ضرر؟ ألم يترك تماماً وشأنه لسنوات طويلة؟.

إن الرجال لا يلقون بالاً لوجوده، وغالبية النساء قد يبتئسنَ لو قُدِّر له أن يختفي. وبما أنه كان هو الحيوان الوحيد في المبنى، فلم يكن له أي عدو من أي نوع. هذا شيء كان عليه حقاً أن يتداركه مع مرور السنوات. ومع أن الطقوس الدينية، بكل أصواتها، قد تكون مخيفة للحيوان للغاية، إلاّ أنها طقوس تُكَرَّر يومياً، على نحو أبسط؛ وعلى نطاق أعظم خلال الأعياد، بانتظام دائماً، وبلا انقطاع قط؛ وهكذا فإن أكثر الحيوانات جزعاً كان يمكنه إلى الآن أن يكون قد اعتاد عليها، وخاصة عندما يرى أن هذه ليست ضوضاء المطاردين له، لكنها بعض الضوضاء التي لا يمكنه أن يفهمها على الإطلاق. إلا أنه يوجد مع ذلك هذا الرعب. فهل هي ذكرى أزمان طويلة ماضية، أم هي النذر لأزمان قادمة؟ هل يعرف هذا الحيوان العجوز ربما أكثر مما تعرف الأجيال الثلاثة لهؤلاء الذين تجمَّعوا معاً في المعبد اليهودي؟

قبل سنوات طويلة مضت، هكذا قيل، كانت ثمة محاولات قد تمّت بالفعل لطرد الحيوان. ومن الممكن بالطبع أن يكون ما قيل قد حدث حقاً، إلاّ أن ما يبدو أكثر احتمالاً هو أن هذه القصص كانت محض اختراعات.

وثمة شاهد بأنه في ذلك الوقت كان قد تمّ بحث مسألة ما إذا كان من الممكن التغاضي عن وجود مثل هذا الحيوان في بيت الربّ، من وجهة نظر قانون الوصايا. وكان قد تمّ استطلاع آراء أحبار عديدين مشهورين، وقد انقسمت الاَراء، وكانت الأغلبية مع طرد الحيوان وإعادة تكريس بيت الربّ. لكن كان من السهل أن تصدر مراسيم من بعيد، أما في الواقع فكان مستحيلاً ببساطة مجرّد الإمساك بالحيوان، ومن ثم كان من المستحيل أيضاً طرده نهائياً إلى الخارج. ذلك أنه لو كان شخص ما قد استطاع فقط الإمساك به، ومن ثم أخذه بعيداً إلى مسافة نائية، فهل كان باستطاعته أن يكون قد حصل على شيء يقارب اليقين بتخلُّصه منه.

وكانت قد تمّت حقاً محاولات قبل سنوات طويلة مضت، هكذا قيل، لطرد الحيوان. ويقول خادم المعبد اليهودي أنه يتذكَّر كيف كان جدّه، الذي هو أيضاً خادم للمعبد، قد أحبّ سرد القصة. كان جدّه عندما كان صبياً صغيراً قد استمع كثيراً من المرات إلى حديث عن استحالة التخلُّص من الحيوان، ولهذا فإنه وهو يتحرّق شوقاً، ولأنه متسلّق ممتاز فقد تسلَّل إلى الداخل ذات صباح مشرق عندما كان المعبد كلّه بكل أركانه وشقوقه معرضاً لضوء الشمس، ومعه حبل ومرجام، وعصا ذات مقبض معقوف....



بروميثيوس



ثمّة أساطير أربع تتعلَّق ببروميثوس؛ فلقد كان تبعاً للأسطورة الأولى موثوقاً إلى صخرة في القوقاز لإفشائه أسرار الاَلهة لبني الإنسان، وأرسلت الآلهة عقباناً تنهش كبده، الذي كان يتجدّد على الدوام. وتبعاً للثانية ضغط بروميثيوس نفسه، بدافع من الألم الذي يسبِّبه نهش المناقير عميقاً عميقاً في داخل الصخرة، حتى أصبح هو والصخرة شيئاً واحداً. وتبعاً للثالثة تمّ نسيان خيانته بمرور الآلاف من السنين. نسي الآلهة، والعقبان نسيت، وهو نفسه نسي. وتبعاً للرابعة سئم كلّ امرئ ذلك الأمر الذي لا معنى له، سئمته الآلهة، وسئمته العقبان، واندمل الجرح في سأم. وبقيت هناك كتلة الصخر الغامضة التي لا تفسير لها – حاولت الأسطورة أن تفسِّر ما لا تفسير له. ولمّا كان ذلك الغموض قد صدر عن إحدى طبقات الحقيقة التحتية، فقد كان عليه، لهذا، أن ينتهي بدوره إلى ما لا تفسير له.



بناء المعبد



خفّ كلّ شيء لمساعدته في أثناء العمل

في البناء. أحضر العمال الأجانب كتل الرخام مصقولة التشكيل، تتوافق كل كتلة في التركيب مع الأخرى، وارتفعت الأحجار، واتخذت مواضعها تبعاً لتحرُّكات القياس التي اتَّخذتها أصابعه. لم يحدث قط أن وُجِد أي مبنى بمثل السهولة التي خرج بها ذلك المعبد إلى الوجود – أو على الأصح، أن هذا المعبد قد خرج إلى حيّز الوجود على النحو الذي ينبغي لمعبد أن يخرج به إلى الوجود. وحتى لا تنصبُّ عليه نقمة ما، أو أن يتدنَّس، أو يتحطّم تماماً، كانت أدوات تتميَّز في وضوح بحدَّتها الفائقة قد تمَّ استخدامها في خدش شخبطات خرقاء على كل حجر – من أي محجر جاءت هذه الأحجار؟ بأيدي أطفال غير واعين، أو الأرجح تدوينات للبرابرة قاطني الجبل، وذلك كي تدوم أبديّة تتجاوز وجود المعبد.



بوزايدون



جلس بوزايدون إلي مكتبه مستغرقاً في حساباته فإدارة كل المياه تلقي على كاهله أعباء لا نهاية لها. وقد كان في مقدوره أن يتَّخذ لنفسه من المساعدين ما شاء أن يتخذ لنفسه منهم، وإن لديه بالفعل منهم الكثيرين، لكنه لمّا كان قد أخذ عمله بغاية الجدية، فقد تعيَّن عليه أن يراجع كل الأرقام وكل التقديرات بنفسه، ولهذا لم يكن لمساعديه سوى القليل من النفع له. ولا يمكننا القول إنه وجد متعة ما في ممارسة عمله هذا، فهو قد قام بأدائه فحسب. لأنه كان قُدِّر له القيام به. وكان، في الحقيقة، قد قدّم بالفعل التماسات عديدة انطوى عليها ملفّه، التمس فيها، على حدّ قوله، عملاً أكثر بهجة. لكن محاولة إسناد عمل آخر إليه، كان يتَّضح في كل مرة أنه لا يناسبه عمل قط، كما يناسبه عمله الحالي. وكان صعباً على أي حال، صعوبة بالغة، إيجاد عمل آخر يمكن أن يسند إليه القيام به، وفوق هذا كله كان من المستحيل بالطبع أن تسند إليه إدارة بحر بعينه، بصرف النظر عن حقيقة أنه حتى في تلك الحالة، فإن النتيجة لن تسفر عن تخفيف للعبء عن كاهله بل عن تقليل لمركزه؛ فبوزايدون العظيم لا يمكنه بحال من الأحوال أن يضطلع بمجرَّد عمل تنفيذي. وعندما قامت ذات مرة فكرة أن يسند إليه عمل بعيد عن البحر؛ أعيته مجرَّد الفكرة في حَدّ ذاتها؛ ذلك أن أنفاسه الإلهية كانت تضطرب وصدره النحاسي كان يشرع في الخفقان. وبالإضافة إلى ذلك لم تكن شكواه تؤخذ قط مأخذ الجد، فعندما يحدث عادة أن يتكدَّر أحد الآلهة كانت تقوم شكليات توحي ببذل الجهد الذي لم يكن منه بدّ لتهدئته، ولقد كانت هذه المحاولات الشكلية تجري مهما بدت الحالة خطيرة وميئوساً منها إلى أبعد الحدود، ذلك أن حركة التنقلات في المناصب فعلياً، كانت أمراً غير وارد بالمرة بالنسبة لبوزايدون، لأنه كان قد نُصِّب إلهاً للبحر منذ البداية، وكان عليه أن يظل كذلك. أمّا أكثر ما كان يثيره - وهو ما كان يبعثه على أن يسخط على وظيفته - فهو سماعه لتلك التصورات التي تكوَّنت عنه؛ وعن الطريقة التي كان يتجوَّل بها دائماً في مركبته خلال حركة المدّ والجَزْر، وهو يمسك بصولجانه ذي الشعَب الثلاث. بينما كان قد جلس طوال الوقت هنا في أعماق محيط العالم يراجع حساباته بلا إزعاج؛ عدا رحلة قصيرة كان يقوم بها بين الحين والآخر متَّجهاً الي جوبيتر؛ حيث كانت هذه الرحلة هي وحدها ما يقطع اتّصال الرتابة – رحلة كان يعود منها، فوق ذلك، في حالة هياج. وعلى هذا فهو لم يكن قد أتيحت له حتى رؤية البحر تقريباً – ذلك أنه كان قد رآه رؤية عابرة في سياق طلعاته المتعجِّلة إلى جبل الأولمب، ولم يكن قد تجوَّل فعلياً قطّ في أنحائه. ولقد كان معتاداً أن يقول أنّ كل ما كان ينتظره، هو انهيار العالم؛ ثم قد تسنح له قبل ذلك ربما؛ لحظة ما من لحظات الهدوء على حافة النهاية؛ وبعد أن يكون قد أتمّ مراجعة خطّ أفكاره الأخيرة، قد يسعه فيها القيام بجولة سريعة قصيرة.

كان بوزايدون قد أصابه بحرُه بالسأم. وكان قد ترك صولجانه ذا الشعب الثلاث يسقط من يده؛ وجلس في صمت على الشاطئ الصخري. وكان أحد طيور النورس، وقد أصيب بالدوخة في حضرته، قد دوَّمَ محلِّقاً في دورات مترنِّحة حول رأسه.



جبل سيناء



يتجوَّل الكثيرون حول جبل سيناء. حديثهم مشوَّش، فهم إما يثرثرون وإما يصيحون، أو يظلّون صامتين. إلاّ أن أحداً منهم لم يحضر مباشرة عبر طريق عريض، ممهَّد حديثاً، طريق أملس يقوم بدوره في جعل خطى المرء واسعة، وأكثر سرعة.



مشكلة قوانينا



قوانيننا عموماً ليست معروفة، فهي قد ظلت سراً من أسرار المجموعة الصغيرة التي تحكمنا من النبلاء، ونحن مقتنعون بأن هذه القوانين القديمة قد تمّ الالتزام بها بدقّة. وعلى الرغم من ذلك، فإنه مما يؤلم إلى أقصى حدّ أن يُحْكَم المرء بواسطة قوانين لا يعرف عنها شيئاً. ولا تشغلني التناقضات المحتملة التي قد تنشأ عند تفسير القوانين، كما أنني لا أفكر في الأضرار المشتبكة التي يتسبَّب فيها السماح لقلّة فقط من الناس، وليس لكل الناس، بأن يكون لهم رأي في تفسيرها. وربما لا تكون لهذه الأضرار أهمّيّة بالغة. ذلك أن القوانين بالغة القدم؛ وكانت تفسيراتها عبئاً اضطلعت به القرون، واكتسبت هي ذاتها- بلا شك- منزلة القانون، ومع أنه ماتزال هناك حرّيّة ممكنة للتفسير، إلا أن هذه الحرية قد أصبحت الآن مقيّدة للغاية. وعلاوة على ذلك فإنه من الواضح أن النبلاء ليس لديهم ما يدفعهم إلى أن يتأثّروا في تفسيراتهم بالاهتمامات الشخصية الضارّة بنا، ذلك أن القوانين كانت قد صُنِعت لمصلحة النبلاء منذ بداية البداية، فهم أنفسهم يقفون فوق القانون، ويبدو أن هذا هو السبب في أن القوانين قد عُهد بها بصفة خاصة إلى أيديهم. ثمة حكمة في ذلك بالطبع. من ذا الذي يرتاب في حكمة القوانين القديمة؟ - لكن ثمة مشقة لنا أيضاً، وربما كانت هذه المشقّة أمراً لا يمكن تجنُّبه. إن وجود هذه القوانين مع ذلك، هو في الأغلب، مسألة افتراض. فثمة تقاليد تقول بأنها موجودة، وبأنها سِرّ قد عُهِد به إلى النبالة، إلا أنها ليست، ولا يمكن أن تكون أكثر من مُجَرَّد تقاليد قد صَدَّق عليها الزمن. لأن جوهر وجود شِفرة سرّية ما، هو أنها يجب أن تبقى خفيَّة.

ولقد تفحَّص البعض منا، من بين الشعب، بانتباه، أفعال النبالة منذ أقدم الأزمان؛ وامتلك سجلّات، سجّلها أسلافنا الأوائل ، وهي سجلّات قد أكملناها نحن بوعي، ويزعم هذا البعض منا أنهم يمكنهم أن يدركوا من بين ما لا حصر له من أعداد الحقائق، اتجاهات أساسية بعينها تسمح بهذه الصياغة التاريخية أو بتلك. لكن عندما نسعى طبقاً لهذه النتائج التي تمّ تفحصها بتدقيق، وتنظيمها منطقياً، إلى أن نوجِّه أنفسنا على نحو ما نحو الحاضر أو المستقبل، يصبح كل شيء مفتقراً إلى اليقين، ويبدو عملنا فقط مُجَرَّد لعبة فكرية؛ ذلك أن هذه القوانين التي نحاول أن نفسِّرها ربما لا تكون موجودة على الإطلاق. وثمة جماعة صغيرة العدد يعتقدون بالفعل بهذا الرأي، ويحاولون أن يظهروا أنه؛ إذا وُجدت أية قوانين، فإنها لن تكون سوى هذا: القانون هو كل ما يروق للنبالة أن تفعل. وترى هذه الجماعة في كل مكان، فقط الأعمال التعسُّفية للنبالة؛ وتنبذ التقاليد الشعبية، التي تملك فقط، في رأيهم، بعض الميزات الطفيفة الطارئة التي لا تقوى غالباً على مواجهة أضرارها الثقيلة، ذلك أنها تمنح الشعب أماناً زائفاً خادعاً، زائد الثقة بالغير في تصدّيها للأحداث الواردة. ولا يمكن أن ينكر هذه الأضرار أحد، إلاّ أن الأغلبية الشاملة لشعبنا تعلّلها بحقيقة أن التقاليد هي بطبيعتها أبعد ما تكون عن الاكتمال، ولا بدّ من أن يتمّ المزيد من التقصّي الزائد في أمرها، ذلك أن المادة المتاحة، على ضخامتها التي تتبدى بها، ما تزال بالغة العقم؛ وأن قروناً عديدة لا بدّ لها أن تمرّ قبل أن يتمّ لهذه المادة الكفاية حقاً. هذه الرؤية التي تبعث إلى هذا الحدّ البالغ على عدم الارتياح في ما يتعلَّق بالحاضر، لا يخفّف منها سوى الاعتقاد بأن الوقت سوف يحلّ في النهاية عندما تبلغ التقاليد وبحوثنا فيها معاً نتائجهما، ويجنيان- كما يقال- هامشاً لالتقاط الأنفاس، عندما يُقَدَّر لكل شيء أن يصبح واضحاً، سوف ينتمي القانون إلى الشعب، وسوف تتلاشى النبالة. ولا يستند هذا على شيء من روح الكراهية للنبالة؛ لاشيء من هذا على الإطلاق، ولا يحسّ أحد شيئاً منه. إننا ميالون أكثر إلى كراهية أنفسنا، لأننا لم نبدِ جدارتنا بأن نُؤتمن على القوانين. وهذا هو السبب الحقيقي في أن الجماعة التي ترى أنه لا يوجد أي قانون قد بقيت جماعة صغيرة العدد إلى هذا الحدّ، على الرغم من أن مذهبها هو من نواحٍ بعينها مذهب بالغ الجاذبية؛ ذلك لأنه يعترف اعترافاً قاطعاً بالنبالة وبحقِّها في مواصلة الوجود.



ويمكن للمرء فعلياً أن يعبّر عن المشكلة فقط في صورة مفارقة من نوع ما: أي جماعة قد تجحد، ليس فقط كل اعتقاد في القوانين، بل تجحد النبالة هي أيضاً، سوف تكسب الشعب كله خلفها؛ إلا أنه لن يتسنّى لمثل هذه الجماعة أن تظهر إلى الوجود؛ ذلك أنّ أحداً لن يجرؤ على أن يجحد النبالة. إننا نعيش فوق حدّ السكّين هذا. وقد لخّص أحد الكتاب الأمر ذات مرة، على هذا النحو: إنّ القانون الوحيد المرئي والذي لا ريب فيه، ذالك المفروض علينا، إنما هو النبالة، فهل لا بدّ لنا نحن أنفسنا أن نحرم من هذا القانون الوحيد؟.

منقول من الدوحة الثقافية

الخميس، 28 نوفمبر 2013

دوريس ليسينج في حوارها الأخير: أعرف أشخاصاً حصلوا علي نوبل ولم يفعلوا شيئاً



حوار‮:‬‮ ‬أمير زكى‮ ‬ ترجمة‮ : ‬نيجيل فارنيجيل‮ ‬

قبل أيام تم إعلان وفاة الكاتبة البريطانية وصاحبة نوبل دوريس ليسينج. حازت ليسينج علي نوبل في العام 2007، لتصبح المرأة رقم 11 التي تحصل علي هذه الجائزة. من أعمالها "الشعب يغني" و"الإرهابية الطيبة". ننشر هنا مقتطفات من حوارها الأخير مع صحيفة التليجراف

عندما قابل نيجيل فارنديل دوريس ليسينج في أبريل 2008، وهي في عمر الثامنة والثمانين، وجدها ما تزال غاضبة؛ من الشيوعيين، والسيدة تاتشر، و"السويديين الملعونين" الذين قدموا لها جائزة نوبل.

لا يستغرق الأمر مع دوريس ليسينج سوي أربع دقائق للتحدث عن شيء غير متوقع إن لم يكن جدليا بشكل كبير. تتحدث عن هتلر وتقول إنها تتفهمه، كعضوة سابقة في الحزب الشيوعي. (تركته عام 1956، العام الذي خطب فيه خروشوف في اجتماع الكونجرس العشرين، وأنكر فيه ستالين). عليّ أن أشرح أننا كنا نتحدث عن إريك ماريا ريمارك، مؤلف كتاب "كل شيء هاديء في الجبهة الغربية". كانت قد قرأت مؤخرا واحدا من كتبه، عن ثلاثة جنود ألمان عادوا ذ مثل هتلر ذ من الحرب العظمي ليجدوا الفوضي الاقتصادية في جمهورية فايمار. "رأوا الناس ينقلون العديد من الماركات في عربات يدوية، ولأنهم رفاق قدامي وقفوا بجانب بعضهم البعض. وأنت تقرأ هذا تتفهم هتلر فجأة".

هي بالطبع لا تتسامح مع هتلر، هي فقط تشرح شعبيته المبكرة. أذكر هنا تعليقها الذي يظهر شجاعتها المحببة مع اللغة؛ هي لا تهتم بما يمكن أن يفكر فيه الناس، لقد تجاوزت مرحلة الاهتمام، وهناك عظمة في تجاوز الاهتمام بالناس. علي سبيل المثال كم عدد الناس الذين يبلغون الثامنة والثمانين ويصبحون ظاهرة عالمية علي اليوتيوب؟ هي كانت كذلك في العام الماضي، عندما ذهبت الصحافة إلي المنزل الذي عاشت فيه الثلاثين سنة الماضية في ويست هامبستيد، المنزل الذي نجلس فيه الآن، حيث خرجت من تاكسي أسود مع ابنها بيتر، قيل لها إنها فازت بجائزة نوبل للأدب وطلب منها التعليق. كانت هذه أول مرة تسمع الخبر، إلا أنها لم تتأثر بشكل بطولي، قالت وهي تتجاهل الأسئلة: "يا يسوع المسيح"، مضيفة: "أنا لا يمكنني الاهتمام كثيراً.. لقد حصلت علي كل الجوائز في أوروبا، كل جائزة لعينة".

كانت أكثر لطفا لاحقا، قالت كل الأشياء الطيبة، ولكن الآن عندما أسألها عن لحظة نوبل تعود وتقول "من هؤلاء الناس؟ إنهما مجموعة من السويديين الملعونين".

يقول بيتر: "إنهم يبيعون كميات كبيرة من الديناميت".

تقول: "بيتر ابني" وكانت إشارتها غير ضرورية.

يضيف بيتر: "ابنها الآخر مات". وهذا أيضا كان غير ضروري. (ابنها الأكبر جون، مزارع في حقول البن في زيمبابوي. مات بأزمة قلبية عام 1992).

تقول: "المسألة كلها نكتة. تدير جائزة نوبل مجموعة ذاتية مستديمة. يصوتون لأنفسهم ويجعلون صناع النشر في العالم يسيرون علي نغمتهم. أعرف عدة أشخاص حصلوا علي نوبل ولم يفعلوا شيئا لسنة سوي نوبل. وهذا يجلب لي ضيقات جديدة لي. بالأسفل هناك 500 شيئا عليّ أن أوقعه".

عندما توجهت للمنزل، كنت قد مررت بالفعل بالعديد من الكراتين في طريقي إلي السلم. كنت قد رأيت بيتر أيضا في نهاية الممر، يجلس علي طاولة المطبخ ببيجامته. وبلا مبالاة ولا كلمات أشار بإبهامه إلي غرفة الجلوس. حيث وجدت أمه، طولها خمس أقدام، وبوجه لطيف ومجعد، محاط بخصلات شعر كانت تتهرب من تسريحتها.

بالمناسبة، كانت الغرفة تشبه كل شيء تأمل أن تراه في غرفة جلوس عملاق أدبي: كانت فوضوية بشكل رائع، كمتجر للسلع الرخيصة. قال أحدهم مرة أن ليسينج تبدو وكأنها تعسكر في منزلها. هناك أكوام من الكتب، بعضها مائلة وغير مستقرة، شكل للكرة الأرضية، صينية للعرض، أقنعة أفريقية، لوحات زيتية، أبسطة مطوية علي الأرضية. تعيش هنا الآن، تنام علي الكنبة الحمراء بسبب آلام ظهرها إذ تعاني من هشاشة العظام، هذا يجعل من الصعب عليها أن تنام علي سرير. يشاركها علي الكنبة قط ضخم تسميه يوميوم، الاسم المتخذ من أوبرا ميكادو. تقول وهي تربت علي قطها: "يوما ما سأسقط علي يوميوم وسيكون عليهم أن يحملوني إلي المستشفي".

الكاتبة الأكثر إنتاجا وغيرالتقليدية كتبت رواية تزعم أنها ستكون الأخيرة (كتبت أكثر من خمسين كتابا وتقول إن "هذا كاف") النصف الأول من كتاب "ألفريد وإيميلي" هو رواية قصيرة عن كيف يمكن أن تتغير حياة والديها لو لم تكن الحرب العالمية الأولي قد اندلعت. الجزء الثاني هو سيرة ذاتية عن والديها. كانت أمها ممرضة أثناء الحرب. تقول ليسينج: "كان قلبها دافئا ولكنها لم تكن حساسة. من المحتم أن تمريض المجروحين كان أشبه بالجحيم. يصلون بعربة لوري، وبعضهم مات فعليا. المحتم أن هذا مزقها".

كان أبوها جنديا في معارك الخنادق. كادت الشظايا أن تقتله عام 1917. كان يرتدي قدما خشبية ويتذكر معركة باشانديل، المعركة التي قتل فيها بقية رفاقه. تقول ليسينج "كان أبي يتحدث عن الرجال الذين عرفهم وماتوا في معركة باشنديل حتي اليوم الذي مات فيه. كان يتساءل دوما إن كان من الأفضل أن يموت معهم، ولكن علي الرغم من ذلك لم يجعل الإصابة تعيقه. كان يفعل كل شيء". مات في سن الثانية والستين. "كان من المفترض أن يكتب في شهادة وفاته أن سبب الموت هو الحرب العظمي".

تعتقد أن شخصيتها تربت علي الحروب، عن طريق والديها. بدونها ربما لم تكن لتصير كاتبة، ولن يكون لديها ما قال جراهام جرين أنه يجب أن يكون لدي كل الكتاب: قطعة من الثلج في القلب. "حسنا، لقد فكرت كثيرا في هذا. لقد ولدت عقب الحرب العالمية الأول. وغضب أبي من الخنادق سيطر عليّ عندما كنت صغيرة ولم يتركني أبدا. وكأن الحرب القديمة كانت في ذاكرتي وضميري. أعطتني إحساسا رهيبا بالنذير، اعتقادا بأن الأشياء لا يمكن أن تكون عادية ومنظمة، إنها ملعونة دوما. جثمت الحرب العظمي علي طفولتي. الخنادق كانت حاضرة

أمامي أكثر من أي شيء أراه. ولم يفوت أبواي فرصة ليجعلوني أشعر بالبؤس من الماضي. أجد أن الحرب تثقل عليّ كلما كبرت. كيف كان من الممكن أن نسمح بهذه الحرب الوحشية؟ لم نظل نسمح بالحروب؟ نحن انزلقنا الآن في العراق في موقف مستحيل. سأكون سعيدة حينما أموت، هذا سيجعلني أتوقف عن القلق من كل هذه الحروب". لا يمكنك أن تخمن من عيني ليسينج الصغيرتين والطيبتين أنها كانت تكره أمها، توضح: "لقد كرهنا بعضنا. كنا نتشاجر من البداية، هي لم تخترني كابنة، لقد سقطت عليها. من المؤكد أنني أغضبتها. فكرت أن كل شيء أفعله هو أنني أضايقها. كان لديها قدرة غير عادية علي التوهم الذاتي".

هل تساعدها الكتب علي فهم أهلها أكثر، أن تتعاطف معهم؟ "لأن أبي فقد قدما في الحرب، تصرف وكأنه الوحيد الذي له الحق في المعاناة، في حين أن أمي كانت تعاني أيضا؛ زعمت أن حبيبها الحقيقي غرق في سفينة، ولكني لم أكن متأكدة أبدا من ذلك، لأن الصورة الوحيدة التي كانت لديه لها كانت من جريدة، هناك شيء زائف في هذا. لم ليس لديها صورة أفضل؟" بدأت ليسينج في احتقار أمها، نقطة التحول في علاقتهما بدأت عندما زعمت أمها أنها تعاني من أزمة قلبية. "جمعت أولادها وقالت: أمكم بائسة، أمكم بائسة جدا. كنت في السادسة وكرهتها بسبب ذلك. هذه المرأة تئن علي سريرها وتشكو مرضها. كيف يمكن للممرضة أن تقول كلاما فارغا عن قلبها؟ من المفترض أن تعرف أنها نوبة قلق وليس أزمة قلبية، لقد اختلقت الأمر. ماتت أمي برضا من جلطة في السبعينيات من عمرها".

ولكنها لم تمت قبل أن تبدأ في إرسال خطابات إلي ابنتها لتتهمها بأنها عاهرة. بعد فترة، ستمزق دوريس خطابات أمها لحظة وصولها. في النهاية ستجبر علي زيارة طبيب نفسي لبحث هذه العلاقة العجيبة. تقول ليسينج: "أبي وأمي لم يكن من المفترض أن يتزوجا، كان هو حالما جدا وجنسانيا، بينما كانت هي نشيطة جدا وماهرة وعنيدة. لم يفهما بعضهما أبدا. كانت تسخر دوما من الجنس، لم تكرهه، بقدر ما كانت تعتبره غير موجود. كانت تتحدث عن الجنس وكأن شخصا مزعجاً مصاب بالبرد يضايقها".

ولدت ليسينج في فارس (كما كانت تسمي ساعتها) عام 1919، دوريس ماي تايلر (كما كانت تسمي ساعتها) نشأت فيحقل ذرة في روديسيا المستعمرة (زيمبابوي الآن)، هاجر أبواها إلي هناك بعد الحرب. كانت تقرأ بشراهة: كانت تُرسل لها الكلاسيكيات الأدبية من ناد أدبي بلندن. ولكنها لم تكن طفلة سعيدة، وكانت تهرب من آن لآخر. كانت تراودها أيضا توهمات عن وزنها وبدأت حمية من زبدة الفول السوداني والطماطم. لم تأكل شيئا آخر لشهور، ونجح الأمر. تركت المنزل والمدرسة عندما كانت في الخامسة عشر وتزوجت فرانك ويسدام وهي في التاسعة عشر، الذي قابلته وهي تعمل في سنترال في سالزبري. كان موظفا مدنيا أكبر منها بعشر سنوات. أنجبت طفلين وبدأت في القفز علي - ما وصفته بشكل قوي - "جبال هيمالايا الضجر" بالنسبة لأم شابة.

عام 1945، في عمر السادسة والعشرين، هجرت أسرتها وتزوجت من جوتفريد ليسينج، شيوعي وكان عنصرا أساسيا في نادي الكتب اليساري. طلقا بعضهما بعد أربع سنوات، عام 1949. ظلت محتفظة باسم زوجها الثاني، هذا الذي يبدو شيئا غريبا علي امرأة نسوية، ولكن ليسينج لم تكن أبدا نسوية تقليدية. لم تكن تقليدية علي الإطلاق.

هاجرت إلي إنجلترا مع بيتر هي ومسودة كتابها الأول "العشب يغني"؛ الذي يدور في روديسيا ويصف مزارعا أبيض فقيرا تدخل زوجته في علاقة مع خادم أفريقي، نُشر عام 1950، عندما كانت في الحادية والثلاثين، وأشار إلي نجمة قادمة، امرأة مستعدة لتحدي التقاليد العنصرية. كشف الكتاب أيضا أنها ستكون روائية ذات مواهب طبيعية كبيرة وسيطرة تقنية. علي الرغم من أن الكتاب كثيف بروائح ومناظر المروج، فتقنيته تعتمد بشكل كبير علي الروائيين الروس الذين كانت تلتهمهم، خاصة دوستويفسكي وتولستوي. ولكن حياة الكاتب عنت أنه كان عليها أن تصير أنانية. تقول: "لا أتسامح مع العواطف لأنها مشاعر زائفة". للسنوات الخمس التالية كانت تدفع لعائلة في الريف لتأخذ طفلها الصغير لأسبوعين كل مرة حتي تستطيع الكتابة. تقول: "لا يمكن لأحد أن يكتب وهناك طفل موجود، هذا ليس أمرا سليما، هذا سيضايقك".

بدأت تختلط بالمشهد الأدبي الراقي والعظيم في لندن: ضمت دائرتها جون برجر، جون أوزبورن، برتراند راسل، آرنولد ويسكر. وفقا لويسكر: "كانت طباخة جيدة وكانت تقيم حفلات غداء رائعة، إذ كنا نأخذ الطعام من مجموعة من الأطباق ونجلس واضعين ساقا علي ساق ونحن نأكلها. كانت مثلها مثل أفضل شخصياتها: مهتمة بالأصدقاء، ذكية بشكل كبير، لا تهتم بالتفاهات. كانت لا تصبر علي الكلام الفارغ والتظاهر. إن لم تكن تتصف بهذه الأشياء، يتم الترحيب بك في العائلة".

كتابها الأكثر تأثيرا "المفكرة الذهبية" نشر عام 1962 واعتبر حتي يومنا هذا عملا نسويا كلاسيكيا. هذه الممارسة التي تميل للتجريب في السرد ما بعد الحداثي تدور حول الحياة الداخلية لآنا وولف، يستكشف الكتاب ما الذي يعنيه أن يكون الإنسان ذكيا وغاضبا وامرأة. يبدأ من افتراض أن حيوات النساء متصلة بشكل حميمي بقصص عن أنفسهم يسمح المجتمع لهم أن يقدموها. هذه الرؤية غيرت شكل الرواية نفسها، فقد قسمت حياة آنا إلي مفكرات متعددة الألوان: الأسود للكتابة، الأحمر للسياسة، الأزرق للحياة اليومية، والأصفر للمشاعر. تمثل "المفكرة الذهبية" ما تطمح إليه آنا ذ اللحظة التي ستحضر كل ذواتها المتعددة إلي كل واحد.

تجد المؤلفة الآن أشياء أكثر لتناقشها عن العمل الذي كتبته في شبابها أكثر من النسويات الذي رفعوه إلي مكانة مقدسة. تقول عن الرواية إنها كانت عقبة في طريقها وتأسف لأن النقاد فشلوا في تقدير بنية الرواية، مركزين الاهتمام فقط علي رسالتها النسوية، وموضوعها عن الانهيار العقلي كوسيلة للشفاء وتحرير النفس من الأوهام. الغضب الظاهري من الكتاب ربما يتعلق بالمعجبين، خاصة النسويات من أمريكا وألمانيا، الذين اعتادوا علي الوقوف عند بوابة منزلها في الصيف. تقول: "لقد أصبح المنزل ملك للنسويات، إلا أن الكتاب في الأصل كان سياسيا، اعتدت أن أضجر من حاجتي للشرح للقراء في السبعينيات ما الذي عناه خطاب خروشوف في اجتماع الكونجرس السوفييتي العشرين بالنسبة للشيوعية العالمية. هذا هو ما يعطي للكتاب طاقته حقا. في هذا الوقت كان الرفاق ينكرون أن خروشوف ألقي هذا الخطاب، قائلين إنه اختلاق من الصحافة الرأسمالية. اختنق الرفاق بعد ذلك من اليأس".

تبدو هذه الأيام رافضة تماما لحركة التحرر النسائية، تقول: "لقد تم الانتصار في كل المعارك، باستثناء المقابل المتساوي للعمل المتساوي". ويبدو أن هذا عزل بعض تلاميذها السابقين. تبدو ليسينج أنها تستمتع بالثقل الأكبر الذي تمثله آراءها بعدما أصبحت فائزة بنوبل. تصريحها بعد فوزها بنوبل لجريدة إل باييس الإسبانية كانت إحدي الحالات، قالت: "11 سبتمبر كان حدثا بشعا، ولكنا إن عدت بالتاريخ إلي الجيش الجمهوري الأيرلندي، فالأمر ليس بهذه البشاعة". هذا أحدث غضبا في أمريكا، بدت ملتذة بذلك. ولكونها لا تساوم وذات عقل منفرد، فهي تعتبر نفسها مخالفة محترفة.

في كتابها الأخير عادت ليسينج إلي الأصل، إلي روديسيا حيث طفولتها. هناك فصل مؤثر تصف فيه العودة كامرأة عجوز للبلد الذي أحبته من قبل، لتجده ممزقا بسبب حكم موجابي الطاغي. تقابل شخصا أسود بغيضا سكيرا لا يسمح لها برؤية مزرعة أبيها القديمة. كانت مدافعة كبيرة عن حكم السود. سألتها إن كان هذا اللقاء قد غير رأيها؟ "هل كنت سأهاجم السود لو كنت أعرف ما الذي سيحدث؟ الإجابة هي لا. ومجددا فلم يكن المجتمع الذي نشأت فيه جذابا. كان قبيحا في الحقيقة. لكن إن كان من الممكن قول شيء عن الأمر فهو أنني سأدعمك فقط إن تصرفت بشكل سليم حينما تحصل علي السلطة، بدلا من التحول إلي وحش دموي مثل موجابي. علي كل حال، نحن مخطئون بشكل جزئي لأننا تصورنا أنه حين يحصل السود علي السلطة سيتصرفون مثل فيليب توينبي مثلا. لم افترضنا هذا؟ بدلا من ذلك أصبح لدينا موجابي؛ رجل كريه. أنا لا أفهم ما الذي حدث له، كل من عرفه قاله إنه كان ذكيا. كم هو منافق حين يلقي بالبيض خارجا رغم قوله إنه لن يفعل. والآن أنظر إلي المكان، مجاعة، مرض، فساد، مستوي أقل من الحياة، شيء بشع".

هل لديها أي مشاعر عنصرية؟ "بالطبع لديّ، لقد نشأت محاطة بعنصريين بطريقة لا أحد يتوقع الآن إنها كانت موجودة، ولكنها ليست مسألة عنصرية. إنه أمر يشبه وجود الرومان في بريطانيا، لقد وجدونا همج وتركونا همج، ولكن بعد بضعة قرون نحن متحضرون الآن".

بالطبع كانت تختلف سياسيا مع زوجها الثاني. تقول: "لم يكن يعامل كتابتي بجدية، لأنه كان شيوعيا ويعتقد أنني برجوازية وفرويدية وكل هذه الأوصاف. أجد أنه من المستحيل تصديق أن ظل شيوعيا طوال حياته. لقد قتل في كمبالا، في كمين. كان في سيارة مع زوجته الثانية وساقها نحو تنزانيا، هذا كان أمرا مجنونا، ألقوا عليه النيران، وكان موتا بشعا، وهذا أثر علي ابنه، بيتر ممزق بسبب هذا. نعتقد أن الشيوعيين هم من فعلوا هذا لأنهم سموا شارعا باسمه. هذه هي الطريقة التي يتصرفون بها". هي تؤمن الآن أن الشيوعيين "قتلة بضمير مستريح". ولكنها أخذت وقتا طويلا لتصل لهذا الاعتقاد. "نعم لقد وصفت الشيوعية بأنها أجمل الأحلام في أحد كتبي. ثم اكتشفت أنها أشبه بكمية من الجوارب القديمة. أنا لا أصدق الان أنه هناك أناس أذكياء يؤمنون بها".

كنت أعرف عقلها القلق وعدم قدرتها علي مقاومة فرصة لتصدمك. سألتها إن كانت تعتبر مارجريت تاتشر بطلة لأنها واجهت الاتحاد السوفييتي وأنهت الحرب الباردة. لم يكن حظ تاتشر حسنا، قالت: "هل انتهت الحرب الباردة؟ هذا أمر جيد، أنا لم اكن أطيقها

منقول من موقع أخبار الأدب

الاثنين، 14 أكتوبر 2013

نوبل‮ ‬2013 آليس مونرو‮ ..‬تشيكوف عصرنا



عندما سئلت‮: ‬لماذا تصر علي كتابة القصة القصيرة وحدها؟

أجابت آليس مونرو‮: "‬إذا كنت بدأت بكتابة القصص،‮ ‬فهذا لأن حياتي لم تترك لي الوقت الكافي لكي أكتب رواية،‮ ‬ولم أغير أبدا نبرتي‮". ‬تلتفت إذن جائزة نوبل هذه المرة لفن‮ ‬يظن الكثيرون أنه في طريقه إلي الانقراض،‮ " ‬القصة القصيرة‮"‬،‮ ‬وأيضا إلي كاتبة ليصبح عدد الكاتبات اللائي‮ ‬يحصلن علي الجائزة ثلاثة عشر كاتبة من بين‮ ‬109‮ ‬كاتب حصلوا علي الجائزة‮. ‬الكاتبة المولودة في‮ ‬10‮ ‬يوليو‮ ‬1931‮ ‬والتي‮ ‬تعد أول كندية تفوز بالجائزة،‮ ‬يطلق عليها النقاد لقب‮ "‬تشيكوف عصرنا‮"‬،‮ ‬واعتبرها بيان الجائزة‮ "‬أعظم من كتب القصة القصيرة في العصر الحالي‮".‬

ولدت مونرو لوالد مزارع،‮ ‬وأم تعمل في التدريس،‮  ‬بدأت دراسة الصحافة واللغة الإنجليزية سنة‮ ‬1951‮ ‬بجامعة ويسترن أونتاريو،‮ ‬لكنها قطعت الدراسة بعد زواجها،‮ ‬واستقرت للعيش في فيكتوريا‮- ‬كولومبيا البريطانية،‮ ‬بدأت كتابة القصص القصيرة حين كانت في سن المراهقة،‮ ‬إلا أنها نشرت أول مجموعة قصصية لها بعنوان‮ "‬رقص الظلال السعيدة‮" ‬سنة‮ ‬1968،‮ ‬والتي حظيت باهتمام كبير،‮  ‬وكانت قبلها‮  ‬تنشر أعمالها تباعاً‮ ‬في المجلات المختلفة منذ سنة‮ ‬1950،‮ ‬وفي سنة‮ ‬1971‮ ‬بدأ نجاحها المدوي مع نشر مجموعتها القصصية‮ "‬حياة الفتيات والسيدات‮"‬،‮ ‬و لها عدد كبير من الأعمال منها‮: "‬من تظن نفسك‮" ‬1978،‮ ‬و"أقمار المشتري‮" ‬1982‮ ‬و"هروب‮" ‬2004،‮ "‬المشهد من قلعة روك‮" ‬2006،‮ ‬و"سعادة‮ ‬غامرة‮" ‬2009،‮ ‬ومجموعة كتب حملت عناوين‮" ‬الكراهية‮"‬،‮ ‬و"الصداقة‮"‬،‮ "‬التودد‮"‬،‮ ‬و"المحبة‮"‬،‮ ‬و"الزواج‮" ‬التي صدرت سنة‮ ‬2001‮ ‬وأصبحت مصدر إلهام للعديد من الأفلام،‮ ‬خاصة التي قامت بإخراجها سارة بولي،‮  ‬وآخرها مجموع قصصية بعنوان‮ " ‬الحياة العزيزة‮".‬

مونرو معروفة لدي النقاد بدقة سرد التفاصيل الحياتية،‮ ‬علاوة علي تحليل الواقع النفسي،‮ ‬تدور أحداث أعمالها القصصية‮ ‬غالباً‮ ‬داخل بلدات صغيرة،‮ ‬وتناقش‮ ‬غالباً‮ ‬مسألة القبول الإجتماعي بين الفئات المختلفة للمجتمع،‮ ‬التي تحددت نتيجة العلاقات المتواترة والصراعات المتعلقة بالمباديء،‮ ‬والمشاكل النابعة من صراع الأجيال،‮ ‬وصدام اختلاف طموحات الحياة،‮ ‬ويتميز أسلوبها السردي بتصوير تفاصيل الحياة اليومية والطقوس المعتادة في المجتمع مع تسليط الضوء علي لحظات بعينها مما‮ ‬يطرح أسئلة تثري الأحداث ويدفع القارئ لطلب المزيد‮.‬

حصلت أليس مونرو علي عديد من الجوائز منها جائزة الحاكم العام للرواية باللغة الإنجليزية سنوات‮ ‬68،‮ ‬78،‮ ‬86،‮ ‬وجائزة بولو سيلرز المخصصة للكتابة من أجل الفتيات سنة‮ ‬1971،‮ ‬كما حصلت علي جائزة المان بوكر الدولية سنة‮ ‬2009،‮ ‬وكانت قصتها‮ "‬الخادمة الشحاذة‮" ‬أدرجت بالقائمة القصيرة بها سنة‮ ‬1980‮ . ‬وفي‮ ‬أول رد فعل علي‮ ‬فوزها بالجائزة قالت إنها لا تصدق هذا‮.‬

في حوار مع مونرو عن مجموعتها الأخيرة‮ "‬الحياة العزيزة‮"‬

كنا فقراء‮..‬ولكن الكتب كانت حولنا دائما

حوار‮ ‬ديبورا تريسمان

ترجمة‮: ‬أمير زكي


اجرت مجلة نيويورك حوار مطولا مع أليس مونرو بمناسبة صدور آخر مجموعاتها القصصية‮ " ‬الحياة العزيزة‮" ‬،‮ ‬وهي مجموعة تتضمن قصصا عن نساء‮  ‬تلقي عن أكتافها قيود تربيتهن والقيام بشيء‮ ‬غير تقليدي‮ ‬،‮ ‬وربما‮ ‬يُعاقبن علي ذلك من قبل رجال‮ ‬يخونونهم ويهجرونهم في ذروة ضعفهن‮. ‬هذا‮ ‬يحدث في قصص‮: "‬هَجْر مارفلي‮"‬،‮ "‬آموندسين‮"‬،‮ "‬كوري‮"‬،‮ "‬القطار‮"‬،‮ ‬وقصص أخري‮. ‬حتي العمة في قصة‮ "‬الملاذ‮" ‬تدفع ثمن ما‮ ‬يبدو التمرد المحدود ضد ديكتاتورية زوجها‮. ‬وهو الأمر الي اعتبره الصحفي الذي اجري الحوار وكأنه مسار حتمي بالنسبة لمونرو‮: "‬آموندسين‮" ‬تجربة الفتاة الأولي تكون مع رجل أناني تماما‮ ‬،‮ ‬هذا هو النمط الذي‮ ‬يستهويها‮. ‬جائزة تستحق السعي إليها،‮ ‬علي الرغم من أن العلاقة تنتهي بشيء أكثر واقعية،‮ ‬هي تحفظه في عالم الخيال‮. ‬كما أري الأمر.في‮ "‬هَجْر مارفلي‮" ‬عدد معقول من الناس‮ ‬يبحثون عن الحب والجنس‮. ‬يبدو لي أن المُعاقة وزوجها حصلا علي ذلك،‮ ‬بينما حولهما،‮ ‬لا‮ ‬يلتحق العديد من الناس بالركب لأسباب عديدة‮. ‬أنا أعجبت بالفعل بالفتاة التي خرجت،‮ ‬وآمل بالأحري أن تجتمع بطريقة ما مع الرجل الذي ماتت زوجته‮. ‬في‮ "‬الملاذ‮"‬،‮ ‬هناك‮ "‬زوجة مثالية‮" ‬واضحة،‮ ‬تقريبا شخصية كاريكاتورية،‮ ‬كأنها تسير علي خطي مجلات المرأة التي كانت موجودة عندما كنت شابة‮. ‬في النهاية،‮ ‬تشعر بالضجر من ذلك،‮ ‬والله‮ ‬يعلم ما الذي سيؤدي إليه هذا الضجر‮. ‬قصة‮ "‬القطار‮" ‬مختلفة تماما،‮ ‬إنها عن رجل‮ ‬يشعر بالثقة والرضا طالما لا‮ ‬يقف الجنس في طريقه‮. ‬أظن أن امرأة لعوب قد جرحته عندما كان شابا،‮ ‬ولا أظن أنه استطاع أن‮ ‬يفعل مع ذلك شيئا سوي الهروب‮.‬

س‮: ‬في قصصك هناك عادة جرح عند كل فتاة تحاول جذب الاهتمام لنفسها‮ ‬،‮ ‬الفردية،‮ ‬بالنسبة للنساء،‮ ‬يتم رؤيتها كدافع مثير للعار‮. ‬هل احتاج الأمر منك جهد كبير لاختراق ذلك في حياتك،‮ ‬لتأخذي مكانة الكاتبة؟ هل كان من الطبيعي بالنسبة للفتيات القادمين من أونتاريو الريفية أن‮ ‬يلتحقن بالجامعة مثلما فعلت؟

مونرو‮: ‬لقد تربيت علي الاعتقاد أن أسوأ شيء‮ ‬يمكن أن تفعلينه هو أن‮ "‬تلفتي الانتباه لنفسك‮" ‬أو‮ "‬أن تعتقدي أنك ذكية‮". ‬كانت أمي استثناء لهذه القاعدة وعوقبت بالعلامات المبكرة لمرض باركنسون‮. (‬القاعدة كانت تنطبق علي الريفيين مثلنا،‮ ‬لا سكان المدن‮). ‬حاولت أن أمضي في حياة لائقة وخاصة وحصلت علي القبول في معظم الأوقات‮. ‬لا توجد فتيات أعرفهن كن‮ ‬يذهبن إلي الجامعة،‮ ‬والقليل من الأولاد كانوا‮ ‬يفعلون ذلك‮. ‬حصلت علي منحة لعامين،‮ ‬ولكن في هذا الوقت كنت قد حصلت علي فتي أراد أن‮ ‬يتزوجني ويأخذني إلي الساحل الغربي؛ بالتالي كان باستطاعتي أن أكتب طوال الوقت‮. (‬هذا ما كنت أرغب فيه منذ كنت في بيتنا‮. ‬كنا فقراء ولكن كانت الكتب دوما حولنا‮).‬

س‮: ‬لقد كتبت الكثير عن نساء شابات‮ ‬يشعرن أنهن محبوسين بداخل الزواج والأمومة،‮ ‬ويبحثن عن شيء آخر في الحياة‮. ‬أنت أيضا تزوجت في وقت مبكر،‮ ‬وكان لديك ابنتان وأنت في منتصف العشرينيات‮. ‬ما مدي صعوبة موازنة التزاماتك كزوجة وأم وطموحاتك ككاتبة؟

مونرو‮: ‬ليست الأعمال المنزلية أو الأطفال هي التي كانت تشدني للأسفل‮. ‬كنت أقوم بالأعمال المنزلية طوال حياتي‮. ‬إنها نوع من القاعدة الاعتباطية تتعلق بأن كون النساء تحاولن فعل شيء‮ ‬غريب كالكتابة سيجعلهن‮ ‬غالبا مهملات‮. ‬لقد وجدت صديقات بالفعل،‮ ‬نساء أخريات‮ ‬يمزحن ويقرأن خلسة وكنا نقضي أوقاتا طيبة‮. ‬المشكلة هي في الكتابة نفسها،‮ ‬التي عادة ما لا تكون جيدة‮. ‬أعمل في ظروف تعاقد لم أكن أتوقعها،‮ ‬كان للحظ دور في ذلك،‮ ‬كان ذلك في وقت طُرح فيه سؤال‮ "‬أين أدبنا الكندي؟‮" ‬لاحظ بعض الناس نقص العروض التي توجه لي،‮ ‬وساعدوني من ساعتها‮.‬

س‮: "‬الحياة العزيزة‮" ‬تتضمن أربع قصص تصفينها علي أنها‮ "‬ليست قصصا تماما‮... ‬هي بمثابة سير ذاتية من جهة المشاعر،‮ ‬لا‮ ‬يوجد تفكير،‮ ‬غالبا،‮ ‬أو في الحقيقة فالأمر كذلك كلية‮" (‬إحدي القصص‮ "‬الحياة العزيزة‮" ‬تدور في نيويورك كمذكرات وليس قصة‮). ‬هذه القصص تبدو أشبه بالأحلام؛ مجزأة،‮ ‬تسترجع اللحظات‮ ‬غير المذكورة جيدا وغير المفهومة جيدا من طفولتك‮. ‬هل هي منقولة من مذكرات كنت تكتبينها في هذا الوقت؟

مونرو‮: ‬أنا لم أحتفظ أبدا بمذكرات‮. ‬أنا فقط أذكر الكثير لكوني منغمسة ذاتيا أكثر من معظم الأشخاص‮.‬

س‮: ‬تلعب أمك دورا في القصص الأربع‮. ‬قلت في حوار عام‮ ‬1994‮ ‬في باريس ريفيو أنك أمك كانت المادة الرئيسية في حياتك‮. ‬هل هذا حقيقي؟

مونرو‮: ‬أمي كما أفترض هي الرمز الرئيسي في حياتي لأن حياتها كانت حزينة جدا وظالمة لها،‮ ‬وقد كانت شجاعة،‮ ‬ولكن أيضا لأنها كانت مصرة علي جعلي فتاة كنيسة تقليدية،‮ ‬هذا الذي قاومت لرفضه منذ كنت في السابعة تقريبا‮.‬

س‮: ‬فوجئت أن أراك تصفين هذا القسم من الكتاب بأنه‮ "‬الأول والأخير‮" ‬الذي سيدور حول حياتك‮. ‬يبدو أن العديد من قصصك استعانت بعناصر من طفولتك وحياة أبويك،‮ ‬مجموعتك المنشورة عام‮ ‬2006‮: "‬منظر كاسل روك‮" ‬كانت مبنية علي تاريخ عائلتك،‮ ‬أليس كذلك؟

مونرو‮: ‬لقد استعنت بأجزاء من كل تاريخ حياتي،‮ ‬ولكن الأشياء الأخيرة في الكتاب الجديد كانت كلها حقائق بسيطة‮. ‬كان من المفترض أن أقول إن‮ "‬منظر كاسل روك‮" ‬هي قصة عائلتي بقدر ما استطعت الحكي‮.‬

س‮: ‬لقد اكتشفتِ‮ ‬وأنت تبحثين من أجل الكتاب،‮ ‬أنه كان هناك كاتب في كل جيل من أجيال عائلتك‮. ‬هل كان لديك إحساس بهذا عندما كنت في طريقك لتصبحي كاتبة،‮ ‬أم كنتِ‮ ‬ترين طموحاتك علي أنها شيء فريد من نوعه؟

مونرو‮: ‬فوجئت بوجود العديد من الكتاب في العائلة‮. ‬الأسكتلنديون مهما كانوا فقراء فهم‮ ‬يتعلمون القراءة‮. ‬الأغنياء والفقراء والرجال والنساء‮. ‬ولكن بشكل‮ ‬غريب لم‮ ‬يكن لديّ‮ ‬علم بذلك وأنا صغيرة‮. ‬كان هناك سعي منهم لأتعلم فنون الخياطة‮ (‬من قبل عماتي وجداتي وليس أمي‮). ‬وفي مرة صدمتهم وقلت إنني سألقي بكل هذه الأشياء عندما أكبر،‮ ‬ولقد فعلت ذلك‮.‬

س‮: ‬عندما كنت تكتبين في هذه الأيام المبكرة،‮ ‬هل كان هناك كتاب آخرون اعتبرتيهم بشكل واع نموذج لك،‮ ‬كتاب كنت متعلقة بهم؟

مونرو‮: ‬الكاتبة التي أعجبت بها كانت إيدور ويلتي‮. ‬وما زلت أحبها،‮ ‬لم أحاول أبدا أن أقلدها‮. ‬هي جيدة جدا،‮ ‬وتكتب نفسها جدا‮. ‬كتابها الأروع هو‮ "‬التفاح الذهبي‮" ‬علي ما أظن‮.‬

س‮: ‬كيف استقررت علي شكل القصة القصيرة‮ ‬،‮ ‬أم الشكل هو الذي استقر بادخلك؟

مونرو‮: ‬لسنوات وسنوات كنت أفكر أن القصص مجرد تدريب،‮ ‬حتي أصل للوقت الذي سأكتب فيه رواية‮. ‬ثم اكتشفت أن القصة هي كل ما أستطيع فعله،‮ ‬وواجهت الأمر‮. ‬أظن أن محاولتي لأن أضع الكثير من الأشياء في القصص هي بمثابة عزاء لي‮.‬

س‮: ‬عادة عندما أحرر قصة لك،‮ ‬أحاول حذف فقرة تبدو زائدة عن الحاجة جدا في الصفحة الثالثة،‮ ‬ثم عندما أصل للصفحة‮ ‬24‮ ‬أكتشف فجأة أنها كانت أساسية للقصة‮. ‬نقرأ القصص وكأنك تكتبينها بنفس طويل،‮ ‬ولكني أخمن أنك تقضين وقتا طويلا في التفكير في وضع هذه الفقرة هنا أو هناك‮.‬

مونرو‮: ‬أنا أتجول كثيرا جدا مع القصص،‮ ‬أضع الأشياء هنا وهنا‮. ‬أصبح واعية عندما أفكر فجأة أن كل هذا‮ ‬يمضي بشكل خاطيء‮.‬

س‮: ‬هل تجدين الكتابة صعبة،‮ ‬وأن هذه القاعدة،‮ ‬وهل تصبح أسهل مع الوقت؟

مونرو‮: ‬أجد الكتاب صعبة وغير صعبة‮. ‬البداية تكون لطيفة في المسودة الأولي،‮ ‬ثم التألم عند المراجعة،‮ ‬وإعادة الكتابة وهكذا‮.‬

س‮: ‬قلت مرتين في العقد الماضي أنك ستعتزلين الكتابة‮. ‬ثم أجد قصصا جديدة لك علي مكتبي‮. ‬ما الذي‮ ‬يحدث لك عندما تحاولين التوقف؟

مونرو‮: ‬أتوقف بالفعل،‮ ‬من أجل الرغبة الغريبة في أن أكون‮ "‬أكثر طبيعية‮" ‬وأن آخذ الأمور ببساطة‮. ‬ثم تأيني فكرة مثيرة‮. ‬هذه المرة أظن أن الكلام عن الاعتزال حقيقي،‮ ‬أنا في الحادية والثمانين،‮ ‬أنسي الأسماء والكلمات كما هو متوقع‮.‬

س‮: ‬علي الرغم من أن القصص في‮ "‬الحياة العزيزة‮" ‬فيها انفتاح ونزوع متسامح،‮ ‬فتراكم الندم والاغتراب في حيوات شخصياتك‮ ‬يضفي نهاية مريرة بشكل ما‮. ‬قليلة هي قصص حيوات النساء الخالية من الفقد أو الحزن‮. ‬أنا واثقة من أن هذا سؤال مزعج،‮ ‬ولكن هل تعتبرين نفسك كاتبة نسوية؟

مونرو‮: ‬لم أعتقد أبدا أنني كاتبة نسوية،‮ ‬ولكن بالطبع لن أعرف،‮ ‬أنا لا أظن أن كل الأمور تجتمع معا بهذه الطريقة‮. ‬أعتقد أنه من الصعب جدا أن تكون رجلا؛ أفكر كيف‮ ‬يمضي الأمر إن كان عليّ‮ ‬أن أحمل هم عائلة خاصة في السنوات الفاشلة الأولي‮.‬

س‮: ‬هل هناك قصة في‮ "‬الحياة العزيزة‮" ‬تميلين عاطفيا إليها بشكل خاص؟ واحدة تؤثر فيك بشكل أكبر من القصص الأخري؟

مونرو‮: ‬بشكل جزئي أميل الي‮ "‬آموندسين‮" ‬،‮ ‬إنها تؤثر فيّ‮ ‬كثيرا‮. ‬ومشهدي المفضل موجود في قصة‮ "‬الكبرياء‮"‬،‮ ‬عندما بدأ طفل الظربان بالسير علي العشب‮. ‬في الحقيقة،‮ ‬أنا أحب القصتين جدا،‮ ‬علي الرغم من كوني أعلم أنه ليس من المفترض أن أقول ذلك‮. ‬

النيويوركر‮ ‬20‮ ‬نوفمبر‮ ‬2012

نهر منستيونغ

ترجمة‮: ‬أحمد‮  ‬الشيمي

I

أزهار سوسن ودموية،

ونعناع بري،

نجمع ملء الذراعين،

ونرجع جذلين‮. ‬

تقدمات،‮ ‬ذلك هو اسم الكتاب‮.  ‬كُتِب بحروف ذهبية علي‮ ‬غلاف أزرق‮ ‬غامق‮.  ‬أسفل الحروف نُقش الاسم الثلاثي لمؤلفته‮:  ‬ألميدا جويانت روث‮.  ‬كانت الجريدة المحلية‮ " ‬الفيديت‮"  ‬تنعتها‮  ‬بـ‮  ‬شاعرتنا‮.   ‬يبدو أن ثمة مزيجًا من الاحترام والازدراء لمهنتها وجنسها كليهما،‮ ‬أو لما‮ ‬يوحي به الاسم والمهنة من أزمة متوقعة‮.  ‬علي‮ ‬غلاف الكتاب صورة فوتوغرافية،‮ ‬واسم المصور في زاوية،‮ ‬وفي زاوية أخري التاريخ‮:  (‬1865‮).   ‬نُشر الكتاب فيما بعد عام‮ (‬1873‮). ‬

كانت الشاعرة ذات وجه أسيل،‮ ‬وأنف‮ ‬يميل إلي الطول،‮ ‬وعينين بارزتين حزينتين سوداوين،‮ ‬يخيل للناظر إليهما أنهما علي وشك السقوط علي خديها مثل دموع عملاقة‮.  ‬اجتمع بعض من شعرها الأسمر حول وجهها في ضفائر مرسلة،‮ ‬أو ستائر مسدلة،‮ ‬مع وجود خيط‮  ‬من شعر أشيب ظاهر للعيان رغم أنها بدت‮  ‬في تلك الصورة لم تتجاوز الخامسة والعشرين‮.  ‬ليست حسناء ولكنها من ذلك النوع من النساء الذي‮ ‬يعمر طويلا ولا‮ ‬يزداد مع الأيام سمنة‮.  ‬ترتدي فستانًا مزينًا بثنيات ضفيرية من شريط عريض مطرز بحاشية من قماش أبيض،‮ ‬أهداب أو عقد،‮ ‬يؤنس القبٌة عند الرقبة‮. ‬علي رأسها قبعة مصنوعة،‮ ‬علي ما‮ ‬يبدو،‮ ‬من القطيفة ذات اللون الغامق ليضاهي لون الفستان‮.  ‬القبعة عاطلة من الزينة،‮ ‬لا تبعث علي الإعجاب،‮ ‬أشبه بالبيريه ناعم الملمس مما‮ ‬يجعل الناظر‮ ‬يحس بمقاصد فنية،‮ ‬أو علي الأقل‮ ‬غرابة حيية تشي بطبع حرون لـهذه السيدة الشابة ذات الرقبة الطويلة ورأسها المائل للأمام مما‮ ‬يدل علي أنها كانت طويلة القامة ضامرة الجسم تعوزها البراعة‮.  ‬تبدو بدءا من خصرها أشبه بشاب من طبقة النبلاء عاش في قرن سابق،‮  ‬أو لعلـها كانت الموضة‮. ‬

جاء في التصدير لكتابها‮:  " ‬في عام‮ ‬1854‮ ‬جاء أبي بنا ـ أمي وأختي كاثرين وأخي وليام وأنا ـ إلي براري كندا الغربية‮ (‬كما كانت تسمي حينذاك‮).  ‬كان أبي‮ ‬يصنع عدة الحرب للفرس والإنسان‮.  ‬كانت هذه مهنته التي امتهنها،‮ ‬ولكنه كان رجلا مثقفا‮ ‬يحفظ عن ظهر قلب صفحات من الكتاب المقدس،‮ ‬وصفحات من مسرحيات شكسبير،‮ ‬وكتب إدموند بيرك‮.  ‬استطاع أن‮ ‬يحقق نجاحا اقتصاديا بعد وقت قصير من هجرته إلي تلك البلاد الجديدة‮.  ‬أنشأ متجرا كبيراً‮ ‬لبيع السروج والمصنوعات الجلدية‮.  ‬وبعد عام شيد هذا المنزل المريح الذي فيه أقيم الآن‮ ... ‬وحدي‮. ‬كنت في الرابعة عشرة،‮ ‬أكبر إخوتي،‮ ‬عندما جئنا إلي هذه البلاد من كنغستون،‮ ‬تلك المدينة الجميلة التي لم أعد أري شوارعها الأنيقة،‮ ‬بيد أنها لا تبرح الذاكرة‮.  ‬كانت أختي في الحادية عشرة وأخي في التاسعة‮.  ‬وفي الصيف الثالث من إقامتنا الجديدة مرض أخي وأختي فجأة بحمي كانت منتشرة،‮ ‬وقضيا نحبهما لا‮ ‬يفصلـهما إلا أيام قلائل‮.  ‬أما أمي الغالية فلم تستعِد نشاطها وحيويتها بعد تلك الضربة القاصمة لأسرتنا‮.  ‬تدهورت صحتها ووافتها المنية هي الأخري بعد ثلاث سنوات‮.  ‬أصبحت من ثم بمثابة ربة بيت بالنسبة لأبي،‮  ‬وكنت سعيدة أن أساعده في بيته اثنتي عشرة سنة حتي وافاه الأجل فجأة ذات صباح في متجره‮. ‬

منذ نعومة أظافري وأنا متيمة بقرض الشعر‮.  ‬رحت أشغل نفسي،‮ ‬أو قل أسّكِن آلامي التي فاقت،‮ ‬علي ما أظن،‮ ‬آلام البشر جميعا،‮ ‬بمحاولات متعثرة في نظمه‮.  ‬لم أوت براعة‮ ‬يدوية أستغلـها في أشغال الإبرة،‮ ‬وتلك المنتجات الرائعة من أعمال الزخرفة التي‮ ‬يراها المرء هذه‮  ‬الأيام،‮  ‬ذلك الفيض الوافر من سلال الفاكهة والخضراوات التي تزدان برسومات لصبية هولنديين صغار،‮ ‬أو عذاري متقلنسات‮ ‬يقبضن علي كؤوس ملأي بالماء،‮  ‬دليل آخر علي أنها فوق طاقتي‮.  ‬ولذا فإني أقدم،‮ ‬عوضا عن ذلك،‮ ‬ثمار ساعات فراغي،‮ ‬هذه الأبيات،‮ ‬أو قل هذه الزهرات المتواضعات،‮ ‬أو هذه الأغنيات البسيطة،‮ ‬أو الدوبيتات،‮ ‬أو قل هذه التأملات‮. " ‬

وفي ضمن العناوين التي أعطتها لـهذه القصائد‮:  "‬أطفال في لـهوهم‮"  ‬و‮ "‬سوق الغجر‮" ‬و‮ "‬زيارة لأسرتي‮"  ‬و‮  "‬ملائكة من ثلج‮"  ‬و‮ "‬قس عند مصب نهر منستيونغ‮"  ‬و‮ "‬جولة في الغابة القديمة‮"  ‬و‮  "‬لحن الحديقة‮".  ‬وقصائد أخري عن الطيور والزهور البرية،‮ ‬والعواصف الثلجية،‮ ‬وبعض الأشعار الـهزلية عما‮ ‬يجول في خاطر المرء وهو‮ ‬يستمع للمواعظ الكنسية‮. ‬

‮"‬أطفال في لـهوهم‮":  ‬الكاتبة طفلة تلـهو مع أخيها وأختها‮.  ‬من هذه الألعاب لعبة‮ ‬يتجاذب فيها الأطفال ويتوارون في الأركان،‮ ‬ويحاول بعضهم الإمساك بالآخر‮.  ‬كانت تلعب في ظلمة الشفق المتعاظمة حتي جاء‮ ‬يوم وأدركت أنها أكبر سنا من لداتها‮.  ‬لم تزل تسمع الأصوات الطيفية لأخيها وأختها وهما‮ ‬يناديان عليها‮:  ‬تعالي،‮ ‬هلمي،‮ ‬دع‮  ‬ميدا‮  ‬تأت‮.  (‬ربما كانت ألميدا تسمي ميدا بين أفراد الأسرة،‮ ‬ولعلـها اختصرت اسمها ليوافق مقتضي القصيدة‮). ‬

‮"‬سوق الغجر‮":  ‬كان الغجر‮ ‬يقيمون معسكرهم علي أبواب المدينة‮.  ‬سوق‮  ‬يبيعون فيه القماش وأشياء أخري بسيطة‮.  ‬وكانت الكاتبة وهي طفلة تخشي أن‮ ‬يسرقها هؤلاء الغجر من أسرتها‮.  ‬ولكن الأمور جرت علي النقيض،‮  ‬فقد سرقت أسرتها منها،‮ ‬سرقها‮ ‬غجر لا تعرف مكانهم ولا كيف السبيل إلي مساومتهم‮. ‬

‮"‬زيارة لأسرتي‮":  ‬وهي زيارة للمقابر،‮  ‬والقصيدة حديث إلي النفس‮. ‬

‮"‬ملائكة من ثلج‮":  ‬كانت الكاتبة تٌعلِم أخاها وأختها كيف‮ ‬يرسمون ملائكة بالرقود علي الثلج وتحريك الأذرع لتطبع أشكالا علي الثلج أشبه بالأجنحة‮.  ‬كان أخوها‮ ‬ينهض دائما دون أن‮ ‬يكترث تاركا ملاكاً‮ ‬بجناح واحد‮.  ‬هل سيٌمنح جناحه الناقص في السماء؟‮  ‬أم سيطير ببدائلـه؟‮ ‬

‮" ‬قسيس عند مصب نهر منستيونغ‮":  ‬هذه القصيدة تنوه باعتقاد شعبي بعيد عن الصحة بأن المستكشف أبحر صوب الشاطئ الشرقي لبحيرة هورون،‮ ‬واستقر عند مصب النهر الكبير‮. ‬

‮"‬جولة في الغابة القديمة‮" :  ‬عبارة عن قائمة بكل أنواع‮  ‬الأشجار التي تم قطعها من الغابة الأصلية،‮  ‬أسمائها وصفاتها الشكلية واستخداماتها،‮ ‬مع وصف عام للدببة والذئاب والصقور والغزلان وطير الماء‮.‬

‮"‬لحن الحديقة‮":  ‬يبدو أنها دليل أو تكملة لقصيدة الغابة‮ ‬،‮ ‬وتحتوي علي بيان بالنباتات التي جلبت من الأقطار الأوربية مع شذرات من التاريخ والخرافات التي اتصلت بها‮ ‬،‮ ‬وما استنبت منها من نباتات كندية في النهاية‮. ‬

القصائد مكتوبة في رباعيات أو دوبيتات‮.  ‬وثمة محاولتان في السونيتة‮.  ‬القافية بسيطة في الغالب أ ب أ ب أو أ ب ج‮ .  ‬تستخدم القافية المذكرة أي التي تنتهي بمقطع منبور،‮  ‬وقليلا ما تستخدم القافية المؤنثة أي التي تنتهي بمقطع‮ ‬غير منبور‮.  ‬تري هل تستخدم هذه المصطلحات اليوم؟‮  ‬لا وجود للشعر‮ ‬غير المقفي‮.‬

II

أزهار بيضـاء بـاردة كالـثلج

تزدهر حيث‮ ‬يرقد‮ "‬الملائكة‮".‬

هل‮ ‬يكتفين بالرقود تحت الثلج

أم‮ ‬يهمن في ملكوت اللـه؟


في عام‮ ‬1879‮ ‬كانت ألميدا روث لم تزل تعيش في المنزل الذي‮ ‬يقع علي الناصية عند ملتقي شارعي دوفرين وبيرل‮ ‬،‮ ‬المنزل الذي شيده الأب لأسرته‮.  ‬لم‮ ‬يزل قائما هناك حتي‮  ‬اليوم‮ ‬،‮ ‬يعيش فيه الآن مدير متجر لبيع الخمور‮.  ‬والبيت مكسو من الخارج بألواح من‮   ‬الألومنتال‮ ‬،‮  ‬واستبْدل بالشرفة مدخل مسقوف‮.  ‬أما مخزن الخشب والسور والأبواب والمرحاض والزريبة فلم‮ ‬يعد لهم وجود‮.  ‬تظهر هذه الأشياء في مكانها في صورة ترجع إلي ثمانينيات القرن التاسع عشر‮.  ‬يظهر البلي علي البيت والسور حيث‮ ‬يبدو البيت كانه في حاجة إلي طلاء‮.  ‬أو لعل ذلك لشكل الصورة الباهت ذي اللون الضارب إلي السمرة‮.  ‬بدت النوافذ ذات الستائر المصنوعة من‮  ‬شرائط‮ ‬،‮ ‬أشبه بالعيون البيضاء‮.  ‬لا تري العين أثرا لأشجار الظل‮.  ‬والواقع أن أشجار الدردار الطويلة‮  ‬التي كانت تغمر المدينة بالظلال حتي خمسينيات القرن التاسع‮       ‬عشر،‮ ‬كأشجار الجميز التي تلقي الآن بظلالـها القصيرة‮ ‬،‮ ‬أضحت أشجارا صغيرة ضامرة‮  ‬ضرب حولـها سور لم‮ ‬يدفع عنها الأبقار المعتدية‮.  ‬وخارج ذلك الحاجز من الأشجار توجد أفنية خلفية وحبال‮ ‬غسيل وأكوام خشب ومساحات صغيرة من النخيل وحظائر ومراحيض‮ ‬،‮ ‬كلـها مكشوفة عرضة للعوامل الجوية‮.  ‬قليلة هي البيوت التي تهتم بتنمية الزرع حولـها‮.  ‬لا تجد إلا مساحات صغيرة من نبات موز الجنة وكثبان النمل والقاذورات المكومة‮ ‬،‮  ‬وبعضا من نبات البطونيا الذي‮ ‬ينمو في تجاويف جذوع الأشجار المقطوعة‮.  ‬الشارع الرئيس فقط هو المفروش بالحصباء‮ ‬،‮ ‬أما سائر الشوارع فليست إلا طرقات قذرة موحلة‮ ‬يعلوها التراب حسب الفصول‮ .  ‬الأسوار ضربت حول الأفنية لتذود عنها الحيوانات المعتدية‮.  ‬أما الأبقار فقد شد وثاقها بمعاقل في أماكن خالية من العشب‮ ‬،‮  ‬أو تركت لترعي في الأفنية الخلفية‮ ‬،‮  ‬بينما تركت الخنازير وكذلك الكلاب حرة مطلقة السراح تنام بكبرياء علي الجسور الخشبية‮.  ‬لقد استقرت المدينة ولن‮  ‬تزول‮ ‬،‮  ‬بيد أنها لم تزل تأخذ طابع المخيم‮ .  ‬ومثل المخيم أصبحت مشغولة طوال الوقت‮ ‬،‮  ‬تفيض بالناس الذين تراهم‮ ‬يمشون علي أقدامهم أينما وجدتهم‮ ‬،‮ ‬مليئة بالحيوانات التي تترك مخلفاتها في كل مكان؛‮  ‬روث الخيل والأبقار وغائط الكلاب مما‮ ‬يدفع السيدات لرفع أرديتهن تجنبا للأذي‮ .  ‬أصبحت المدينة تعج بالضوضاء التي تصدر من عمال البناء وسائقي العربات الذين‮ ‬يصيحون بجيادهم‮ ‬،‮ ‬والقطارات التي تأتي مرات عدة في اليوم‮ . ‬

قرأت وصفا لتلك الحياة في جريدة‮ " ‬الفيديت‮" ‬المحلية‮.  ‬كان الناس أصغر سنا من اليوم‮ ‬،‮ ‬وربما مما سيكونون في المستقبل‮. ‬الذين تعدوا الخمسين لا‮ ‬يهاجرون إلي البلاد الجديدة‮.  ‬كانت القبور تضم عددا قليلا من الناس سيما من الشباب الذين لقوا حتفهم في حوادث،‮ ‬أو من الأطفال الذين قضوا نحبهم بسبب الأمراض المعدية‮.  ‬يشكل الشباب أغلب سكان المدينة،‮  ‬وأما الأطفال والصبية فإنهم‮ ‬يجولون الأرجاء في جماعات أشبه بالعصابات‮.  ‬الذهاب إلي المدرسة كان إجباريا أربعة أشهر في العام‮.  ‬توجد الكثير من الأعمال المؤقتة التي‮ ‬يستطيع الجميع القيام بها حتي الأطفال الذين تعدوا الثامنة أو التاسعة؛‮  ‬جمع الكتان وربط الخيول‮  ‬وتوصيل البقالة إلي المنازل وتنظيف المعديٌات القائمة أمام المحال التجارية‮.  ‬وكثيرا ما‮ ‬يشغلون الوقت بحثا عن المغامرة‮.  ‬ذات‮ ‬يوم تبعوا سيدة ثملة تدعي كوين آجي‮.  ‬وضعوها علي عربة‮ ‬يد وطافوا بها حول المدينة ثم ألقوا بها في حفرة لإعادتها إلي وعيها‮.  ‬كانوا أيضا‮ ‬يقضون جزءا‮ ‬غير قليل من وقتهم حول محطة السكة الحديد،‮  ‬يقفزون فوق العربات الواقفة،‮ ‬ويندفعون بينها،‮ ‬ويراهنون علي المخاطرة مما كان‮ ‬ينتهي بهم أحيانا إلي العجز أو الموت‮.  ‬كانوا‮ ‬يراقبون الغرباء القادمين إلي المدينة‮.  ‬يتبعونهم ويعرضون عليهم حمل حقائبهم وإرشادهم إلي الفندق لقاء خمس سنتات للحقيبة الواحدة‮.  ‬أما الذين لا‮ ‬يبدو عليهم‮ ‬يسر العيش فكانوا عرضة للمهانة والمضايقة،‮  ‬يحتشد حولهم الصبية مثل أسراب الذباب،‮  ‬ويمطرونهم بالأسئلة أينما ذهبوا‮.  ‬هل جاءوا للبدء في مشاريع جديدة؟‮  ‬أم لإغراء الناس بالاستثمار في مشاريع بعينها ؟‮  ‬أم لبيع الأدوية أو تلك الصناعات الجديدة؟‮  ‬أم‮  ‬للوعظ‮  ‬في أركان المدينة ؟‮  ‬كان ذلك‮  ‬يحدث طوال أيام الأسبوع‮ .  ‬وتنصح الفيديت الناس أن‮ ‬يأخذوا حذرهم هذه الأيام من الانتهازيين والسراق والمومسات والمحتالين والباعة الجائلين والمحامين المشبوهين واللصوص الذين تقابلـهم في الطرقات ولاسيما عند السكة الحديد‮.   ‬كانت صفحاتها تتضمن‮  ‬إعلانات عن سرقات تمت‮ ‬،‮ ‬وأموال أعطيت بقصد الاستثمار ولم ترجع لأصحابها،‮  ‬وبنطلونات سرقت من فوق حبال الغسيل‮ ‬،‮  ‬وأكوام خشب نقصت‮ ‬،‮  ‬وبيض دجاج اختفي من حظائر دواجن‮.  ‬تكثر هذه الأفعال في الطقس الحار‮. ‬

الطقس الحار مجلبة للحوادث أيضا‮.  ‬يزداد عدد الخيول الجامحة التي تقلب العربات وتهيج دون رادع‮.  ‬أيد تدهمها آلات الغسيل‮ ‬،‮  ‬ورجل‮ ‬يقطعه نصفين أحد ألواح الخشب سقط عليه في مخزن الخشب‮.  ‬النوم العميق صعب المنال‮ ‬،‮ ‬الرضع‮ ‬يذبلون بسبب أمراض الصيف‮.  ‬وأصحاب الأجسام اللحيمة لا‮ ‬يقدرون علي التقاط أنفاسهم‮. ‬الموتي‮ ‬يدفنون علي عجل‮.  ‬وذات‮ ‬يوم هام أحد الناس في الشوارع‮  ‬وهو‮ ‬يضرب علي جرس بقرة ويصيح‮ :  ‬التوبة‮ ! ‬التوبة‮ !  ‬لم‮ ‬يكن من الغرباء هذه المرة،‮ ‬كان شابا‮ ‬يعمل عند قصاب‮.  ‬أخذوه إلي منزلـه ولفوه في قماش بارد مبتل وأعطوه بعض المهدئات‮ ‬،‮ ‬ومنعوه من الخروج‮ ‬،‮ ‬وصلوا من أجلـه‮ ‬،‮ ‬وعندما لم‮ ‬يبرأ وضعوه في البيمارستان‮. ‬

يقع منزل ألميدا روث علي ناصية شارع‮  ‬دوفرين‮ ‬،‮  ‬وهو شارع معروف محترم‮.  ‬في هذا الشارع تقع بيوت التجار وبيت صاحب الطاحونة وبيت صاحب مصنع الملح‮.  ‬وأما شارع بيرل الذي تشرف عليه نوافذ بيتها وأبوابه الخلفية فحكاية أخري‮.  ‬هناك تجاورها بيوت العمال،‮  ‬صف طويل من البيوت الصغيرة ولكن المحترمة‮.  ‬إلي الآن والأمور مقبولة‮.  ‬ولكن الأمور تسوء عند نهاية ذلك الصف من البيوت المتلاصقة،‮  ‬وتزداد سوءا في الصف الثاني‮.  ‬لا‮ ‬يسكن هناك‮ ‬غير الفقراء وسيئي السمعة‮.  ‬كانوا‮ ‬يعيشون هناك علي حافة مستنقع‮ ‬يسمي مستنقع شارع‮      ‬بيرل،‮  ‬تم ردمه في ذلك الوقت‮. ‬هناك تنمو الأشجار الكثيفة والنباتات الضارة‮.  ‬هناك أقيمت الأكواخ المؤقتة‮.  ‬هناك أيضا تجد أكوام القمامة والأنقاض وأعدادا‮ ‬غفيرة من أطفال أشبه‮    ‬بالأقزام‮.  ‬هناك‮ ‬يدلق الناس الماء القذر أمام البيوت‮. ‬أجبرت البلدية الناس علي بناء المراحيض،‮ ‬ولكنهم ما لبثوا أن ذهبوا لقضاء حاجتهم في الأدغال القريبة‮.  ‬فئات من الصبية‮ ‬يذهبون إلي هناك بحثا عن مغامرة ويعودون بأكثر مما كانوا‮ ‬يرجون‮.  ‬ويقال إنه حتي مدير شرطة المدينة لم‮ ‬يكن‮ ‬يجرؤ علي النزول إلي شارع بيرل في ليلة الأحد‮.  ‬لم‮ ‬يحدث أن مشت ألميدا أمام تلك البيوت‮.  ‬في أحد هذه البيوت تعيش الفتاة الشابة آني التي تساعد ألميدا في تنظيف المنزل‮.  ‬هذه الفتاة الصغيرة نفسها لم‮ ‬يحدث أن ذهبت إلي المستنقع‮.  ‬فالسيدة المهذبة لا‮ ‬يجب أن تذهب إلي هناك‮. ‬

ولكن هذا المستنقع‮ ‬،‮ ‬وهو‮ ‬يقع إلي الشرق من منزل ألميدا روث‮ ‬،‮ ‬يعد منظرا جميلا وقت الفجر‮.  ‬تنام ألميدا في الجهة الخلفية من البيت‮.  ‬لم تبرح حجرة نومها القديمة التي كانت تشارك فيها أختها كاثرين‮.  ‬لا تفكر في الانتقال إلي حجرة النوم الأمامية الأوسع‮ ‬،‮  ‬حيث كانت أمها تنام طيلة اليوم‮ ‬،‮ ‬وأصبحت فيما بعد مختلي أبيها حتي وفاته‮.  ‬من خلال أحد نوافذها كانت تري الشمس مشرقة تغمر ضباب المستنقع الخفيف بالضياء الكثيف،‮  ‬وتتأمل الشجيرات القريبة تطفو أمام الضباب والأشجار الخلفية وهي ترتد شفافة بيضاء‮.  ‬أشجار البلوط في المستنقع وأشجار الجميز والطمراق والجوز المر‮. ‬


III

هنا حيث‮ ‬يلقي النهر البحر الداخل،

تنشر تنورتها الزرقاء من الخشب المهيب،

أفكر في الطير والحيوان والذين ووروا التراب،

أطلالـهم علي الرمال الشاحبة لم تزل قائمة‮.‬


أحد الغرباء الذين وصلوا إلي محطة السكة الحديد منذ بضع سنوات كان جارفيز بولتر الذي‮ ‬يشغل المنزل المجاور لمنزل ألميدا روث ذ‮ ‬يفصلـه عنه قطعة أرض فضاء تطل علي شارع دوفرين،‮ ‬اشتراها جارفيز فيما بعد‮.  ‬كان البيت أقل زخرفة من منزل روث،‮ ‬لا تحيط به أشجار الفاكهة أو الزهور‮.  ‬وذلك‮ ‬،‮ ‬كما كان الظن؛ لأن بولتر كان عزبا ماتت عنه زوجته ويعيش بمفرده‮.  ‬في وسعه أن‮ ‬يحفظ بيته نظيفا ولكنه لا‮ ‬يهتم بزخرفته خاصة إذا كان هو نفسه حسن الـهيئة متأنقا في ملبسه‮.   ‬ولكن الزواج من شأنه أن‮ ‬يحملـه علي العناية بزخرفة البيت‮  ‬وبالجانب العاطفي من حياته كذلك،‮ ‬ويحميه أيضا من شطط الغريزة ومن البخل والكسل والفساد والنوم الزائد وإدمان الشراب والتدخين وحتي من التجديف في الدين‮. ‬


في الشأن الاقتصادي،‮ ‬يظن أن وجيها جليلا من مدينتنا‮ ‬يواظب علي أخذ المياه من حنفية المدينة العامة،‮ ‬ويكمل مؤو نته من الوقود بجمع الفحم السائب من فوق خط السكة الحديد‮.  ‬تري هل‮ ‬ينوي دفع حق البلدية وهيئة السكة الحديد بكميات مجانية من الملح ؟


كتبت ذلك‮ "‬الفيديت،‮"  ‬جريا علي عادتها في الدعابة الحذرة والتعريض المستتر،‮ ‬أو حتي الاتهام الصريح،‮ ‬وعلي نحو لا تستطيعه جرائد اليوم دون الإفلات من عقوبة‮.  ‬إنهم‮ ‬يتعرضون لجارفيز بولتر بطبيعة الحال،‮  ‬بيد أنهم‮ ‬يتناولونه في مواضع أخري باحترام شديد بوصفه محاميا مدنيا،‮  ‬وصاحب عمل،‮ ‬وعضوا في مجلس الكنيسة‮.  ‬رجل كتوم‮ ‬غريب الأطوار إلي حد ما‮.  ‬لعل ذلك بسبب حالة العزوبة التي‮ ‬يعيشها،‮ ‬فقد ماتت عنه زوجته ويعيش وحيدا الآن؛‮  ‬حتي جلبه الماء من حنفية البلدة العامة و ملء جوالـه بالفحم السائب علي قضبان السكة الحديد كان بسبب وحدته‮.  ‬ولكنه مواطن مهذب ثري متقدم البطن قليلا‮ ‬يرتدي بذلة‮ ‬غامقة وحذاءا نظيفا،‮ ‬تزين وجهه لحية‮ ‬غزيرة،‮ ‬ويشيع‮  ‬برأسه شعر أسود‮ ‬يشوبه خط أشيب نحيل وثؤلول شاحب ظاهر في الشعر الكث وسط أحد حاجبيه‮.  ‬متجهم الوجه واثق النفس‮.  ‬يتحدث الناس عن زوجة شابة حسناء ماتت في أثناء ولادة طفلـها،‮ ‬أو بسبب حادثة مأساوية كاندلاع حريق في المنزل،‮  ‬أو حادثة‮   ‬قطار‮.  ‬ولا‮ ‬يوجد دليل علي ذلك كلـه،‮ ‬إلا أنه كان سببا في إثارة محببة‮.  ‬كل ما قالـه إن زوجته متوفاة‮. ‬

جاء إلي هذا المكان بحثا عن البترول‮.  ‬لقد تم حفر أول بئر بترول في العالم في مقاطعة لامبتون،‮ ‬جنوب هذه المدينة في خمسينيات القرن التاسع عشر‮.  ‬وأثناء الحفر اكتشف جارفيز بولتر الملح وراح‮ ‬يعمل بجد ليستفيد أقصي درجات الاستفادة‮.  ‬في إيابه من الكنيسة مع ألميدا روث كان‮ ‬يحكي لـها عن آبار الملح التي‮ ‬يمتلكها‮.  ‬يقول إنها علي مسافة اثني عشر قدما تحت الأرض‮.  "‬نقوم بضخ الماء الساخن إلي الملح كي‮ ‬يذوب،‮  ‬ثم نرفع المحلول الملحي إلي السطح ونصبه في أوعية ضخمة علي أجهزة تبخير مثبتة علي نيران هادئة حتي‮ ‬يتبخر الماء ويترسب الملح الصافي النقي‮.  ‬إنها سلعة لا‮ ‬يستغني عنها أحد‮."  ‬

‮"‬ملح الأرض‮"   ‬تقول ألميدا‮ . ‬

‮"‬نعم‮"   ‬يقول جارفيز وهو‮ ‬يقطب جبينه‮.  ‬قد‮ ‬يظن أنها تحط من قدره‮.  ‬ولكنها لا تقصد ذلك البتة‮.  ‬يحكي لـها أيضا عن المنافسين في مدن أخري من الذين حذوا حذوه‮ ‬،‮  ‬ويسعون لاحتكار السوق‮.  ‬ولحسن الحظ فإن آبارهم لم تحفر بالعمق المطلوب،‮ ‬وحتي أجهزة التبخير لديهم لا تعمل بالطريقة الفاعلة‮.  ‬الأرض تحتضن الكثير من الملح في باطنها،‮ ‬ولكن ليس من السهل استخراجه كما‮ ‬يظن بعض الناس‮. ‬

تقول ألميدا‮:  ‬ألا‮ ‬يعني أنه كان ثمة بحرٌ‮ ‬هائل في باطن الأرض؟‮ ‬

ويقول جارفيز‮:  "‬جائز جدا،‮ ‬جائز جدا‮."  ‬وراح‮ ‬يحكي لـها عن مشاريعه الأخري‮:  ‬مصنع طوب وفرن لحرق الحجر‮.  ‬ويشرح لـها كيف أن هذه المشاريع تدر أرباحا طائلة،‮ ‬وأين‮ ‬يوجد الطين الجيد‮.  ‬جارفيز‮ ‬يمتلك مزرعتين بهما مساحات من الأشجار الخشبية التي توفر الوقود لـهذه المشاريع‮ .‬


من بين الذين‮ ‬يتمشون قادمين من الكنيسة صباح أيام الآحاد المشمسة،‮ ‬رصدنا ثنائيا‮: ‬وجيه‮ (‬ملحي‮)  ‬و سيدة‮ (‬أديبة‮) ‬،‮ ‬ربما تجاوزا سن الشباب الأول ودلفا الآن إلي مرحلة الكهولة‮.  ‬فهل لنا أن نحدس؟‮  ‬


مثل هذه القفشات تظهر في جريدة‮ "‬الفيديت‮"  ‬المحلية في كل الأوقات‮. ‬

هل‮ ‬يحدسون؟‮  ‬وهل‮ ‬ينطوي مسلك جارفيز علي تودد للسيدة؟‮ ‬

ألميدا روث تمتلك مبلغا قليلا من المال ورثته عن أبيها،‮  ‬ولديها بيتها‮.  ‬ليست بالطاعنة في السن،‮ ‬وفي وسعها أن تنجب طفلا أو طفلين‮.  ‬وهي ربة بيت جيدة،‮ ‬ولـها‮ ‬غرام بعمل الحلوي الجليدية‮ ‬،‮ ‬والتورتة المزخرفة‮.  ‬وهو‮ ‬غرام نشهده‮ ‬غالبا عند الآنسات ذوات الخبرة‮.  ‬جمالـها لا تشوبه شائبة،‮ ‬وهيئتها حسنة لا تتوافر للكثيرات ممن في سنها من المتزوجات‮.  ‬فلم‮ ‬يرهق كاهلـها تربية أولاد أو عناية بزوج‮.  ‬ولكن لماذا تجاهلت‮ ‬يفاعتها الأولي وضربت صفحا عن الزواج في بلد‮ ‬يستغرب فيه الناس امرأة دون شريك وأولاد‮.  ‬كانت فتاة تميل للتشاؤم‮.  ‬ربما كانت هذه هي المشكلة‮:  ‬موت أخيها وأختها ثم أمها التي فقدت عقلـها قبل عام من وفاتها‮ ‬،‮ ‬وكانت تنام علي سريرها وتهذي بما لا تعرف‮.  ‬كل ذلك كان ثقيل الوطأة علي نفسها،‮ ‬وتركها شخصا صعب العشرة‮.  ‬وهل كان‮ ‬غرامها بالقراءة وقرض الشهر إلا دليلا علي حاجتها وهي شابة،‮  ‬وليس عندما اكتهلت،‮  ‬إلي شيء تملأ به فراغها وتؤنس به وحدتها؟‮  ‬لقد مضت خمس سنوات علي نشر كتابها‮.  ‬وربما شجعها أبوها المتفاخر المولع بالكتب‮. ‬

يعتقد الناس أن ألميدا روث تفكر في جارفيز بولتر بعلا‮  ‬لـها،‮ ‬وأنها ستوافق إذا طلب‮ ‬يدها‮.  ‬هي تفكر فيه بالفعل‮.  ‬ولكنها لا تريد أن تشتط في الآمال وتخدع نفسها‮.  ‬كانت تنتظر إشارة منه‮.  ‬فلو كان‮ ‬يذهب إلي الكنيسة في ليالي الآحاد لكانت فرصة لمرافقته هذه المسافة إلي البيت في جنح الظلام‮ .  ‬يحمل هو الفانوس‮ ( ‬لم تكن الشوارع مضاءة في ذلك الوقت‮) ‬ليضئ الطريق عند أقدام الآنسة ويلقي نظرة علي قدميها الـهزيلتين الرقيقتين‮.  ‬وقد‮ ‬يمسك‮ ‬يدها ليعينها علي عبور المعدية الخشبية‮.  ‬ولكنه لم‮ ‬يكن‮ ‬يذهب إلي الكنيسة ليلا‮.  ‬و لم‮ ‬يكن‮ ‬يعرج عليها أو‮ ‬يصحبها إلي الكنيسة صباح الآحاد‮.  ‬فمن شان ذلك أن‮ ‬يكون إعلانا‮.  ‬قد‮ ‬يسير معها وهي في طريقها إلي البيت وعندما تصل إلي باب بيتها‮ ‬يرفع قبعته وينكفئ راجعا‮.  ‬لا تدعوه للدخول،‮ ‬فسيدة تعيش وحدها لا‮ ‬يمكنها أن تفعل ذلك‮.  ‬فما‮ ‬يخلو رجل بامرأة،‮ ‬من أي سن،‮ ‬داخل جدران أربعة حتي‮ ‬يحدث المحظور‮:  ‬الاهتياج الفوري والـهجوم العاطفي والشهوة الحيوانية والزنا وانتصار الحواس‮.  ‬تري ما هي الشواهد التي‮ ‬يراها الرجال والنساء كل في الآخر حتي‮ ‬يخشوا هذه المخاطر؟‮  ‬

عندما تمشي بجواره كانت‮  ‬تشم رائحة صابون الحلاقة والزيت الذي استخدمه الحلاق،‮  ‬ودخان‮ ‬غليونه ورائحة الصوف والكتان والجلد‮  ‬في ملابسه الرجالية‮.  ‬الملابس المضبوطة المرتبة‮.  ‬كانت ملابسه ثقيلة أشبه بملابس أبيها التي كانت تنظفها بالفرشاة والنشادر‮.  ‬تاقت لمهنة الأمومة تقدير الأب وسلطته الغامضة الحنون‮.  ‬إن ثياب جارفيز بولتر ورائحته وحركته تجعل الجانب المجاور لـه من جسدها‮ ‬يستشعر وخز الأمل،‮  ‬ويسبب لـها رعشة تسري في جسدها وتستثير الشعيرات الخفيفة علي ذراعيها‮.  ‬هل هو الحب؟‮  ‬إنها تحلم به داخلا حجرة نومها‮ (‬أو حجرة نومهما‮) ‬في ملابسه الداخلية الطويلة وقبعته‮.  ‬إنها تعلم أن هذه الملابس مثيرة للسخرية‮. ‬ولكنها في الخيال لا تبدو كذلك‮ ‬،‮ ‬ويكون لديه جرأة رجل في الحلم‮.  ‬يدخل حجرتها ويرقد علي الفراش بجوارها ويهم بأخذها بين ذراعيه‮.  ‬يخلع قبعته بثقة‮ ‬،‮ ‬و تأخذها في تلك اللحظة نوبة من الإذعان لـه والتوق الغامر،‮ ‬و‮ ‬يصبح زوجها‮.‬

شئ واحد لاحظته علي النسوة المتزوجات‮:  ‬كيف أن الكثيرات منهن‮ ‬يعمدن لرسم صورة ما لأزواجهن‮.  ‬يبدأن بأن‮ ‬ينسبن إليهم الأشياء المفضلة لديهم ثم الآراء والأساليب السلطوية‮.  ‬تقول الواحدة منهن مثلا‮:  ‬نعم‮ ‬،‮ ‬زوجي أنيق جدا ويدقق في كل شئ‮. ‬لا‮ ‬يلمس اللفت ولا‮ ‬يحب اللحم المقلي‮ (‬أو‮ ‬يحب اللحم المقلي‮).  ‬يحبني أن أرتدي الأحمر‮ (‬أو اللبني‮) ‬طوال الوقت‮.  ‬لا‮ ‬يطيق صوت الأرغن‮ ‬،‮  ‬ولا‮ ‬يحب أن‮ ‬يري امرأة عارية الرأس‮.  ‬يقتلني لو رآني آخذ نفسا من سيجارة‮.  ‬بهذه الطريقة‮ ‬يتحول الرجال ضعاف الشخصية إلي أزواج،‮  ‬أصحاب بيوت‮ . ‬ألميدا روث لا تتخيل نفسها تفعل ذلك‮.  ‬تريد رجلا لا‮ ‬يحتاج إلي من‮ ‬يصنعه من جديد،‮  ‬واثق من نفسه وصاحب رأي ومكتنف بالأسرار‮.  ‬إنها لا تبحث عن مجرد رفيق‮.  ‬الرجال في رأيها ذ فيما عدا أباها ذ مفتقرون للحياة،‮ ‬غافلون‮.  ‬وتري أن هذه صفات لابد منها في الرجال حتي‮ ‬يفعلوا ما‮ ‬يجب أن‮ ‬يفعلوا‮.  ‬فهل كانت ذ لو عرفت أن الأرض تختزن الملح في باطنها ذ تسعي لاستخراجه وبيعه؟‮  ‬أبدا‮.  ‬كانت ستفكر في البحر القديم‮.  ‬وهو نوع من التأمل لا‮ ‬يجد جارفيز بولتر وقتا لـه بأي حال‮ . ‬

بدلا من المرور عليها في بيتها واصطحابها إلي الكنيسة فقد‮ ‬يأتي جارفيز بولتر بمغامرة أوقع‮.  ‬يستأجر حصانا ويأخذها خلفه في نزهة ريفية‮.  ‬عندئذ ستكون سعيدة وحزينة في الوقت نفسه‮.  ‬سعيدة لأنها بجواره،‮  ‬يأخذ بزمامها،‮  ‬وتلقي هذا الاهتمام منه أمام الناس جميعا‮.   ‬وحزينة لأن الريف انتقل إليها‮.  ‬وصفه لـها بحديثه واهتمامه‮.  ‬الريف الذي صورته في قصائدها لا تريده أن‮ ‬يصدر من رؤيته ووصفه‮.   ‬بعض الأشياء تصرف عنها النظر‮:  ‬أكوام السماد ومساحات المستنقعات المليئة بجذوع الأشجار المحروقة،‮  ‬والأكوام الضخمة من الأغصان المقطوعة في انتظار اليوم المناسب لإحراقها‮.  ‬النهيرات المتعرجة التي تم تقويمها وتحولت إلي قنوات صغيرة للري بضفاف موحلة كئيبة‮.  ‬وأخري ضربت حولـها السياج ذات القضبان المتشابكة‮.  ‬الأشجار أعيد‮ ‬غرسها في المساحات المخصصة لزراعة الخشب‮ ‬،‮  ‬وأشجار الغابة كلـها قصيرة جديدة‮.  ‬ولا‮ ‬يوجد علي جوانب الطرق أو الحارات أو حول المزارع شيء خلا القليل من الغرس الحديث كثير الأغصان‮ ‬غض الأوراق‮.  ‬توجد أعداد كبيرة من مخازن الخشب ذ مخازن الخشب الكبري التي ستغمر الريف خلال مائة السنة التالية كانت في بداية الإنشاء‮.  ‬ومخازن الخشب ذات المنظر المزعج‮.  ‬وكل أربعة أو خمسة أميال توجد قرية صغيرة بها كنيسة ومدرسة ومتجر ومحل حدادة‮.  ‬ريف صرف منبت الصلة عن الغابة ولكنه عامر بالناس‮.  ‬كل مائة فدان مزرعة وكل مزرعة بها أسرة وكل أسرة بها عشرة أو اثنا عشر طفلا‮.  ‬ذلك هو الريف الذي سيرسل بموجة بعد موجة من المستوطنين إلي المدينة،‮  ‬وبدأ‮ ‬يرسلـهم فعلا إلي أونتيريو الشمالية والغرب‮.  ‬والحق أنك تستطيع أن تجمع الزهور البرية في الربيع من مساحات الأشجار الخشبية،‮  ‬ولكن عليك أن تسير بين قطعان من الأبقار ذوات قرون طويلة لكي تصل إليها‮.‬


‮      ‬IV

لقد رحل الغجر‮. ‬

أرض مخيمهم أصبحت خاوية‮.‬

فهل لي أن أساوم بجرأة الآن‮ ‬

في سوق الغجر؟‮ ‬

‮ ‬

تعاني ألميدا روث كثيرا من السهاد‮.  ‬وصف لـها الطبيب دواء البروميد وعلاجا للأعصاب‮.  ‬ولكن قطرات البروميد توقظ أحلامها المزدحمة بالصور المزعجة‮.  ‬لذا ادخرت الزجاجة للطوارئ‮.  ‬قالت للطبيب إنها تحس بمقلتيها صلبتين كزجاج ساخن‮ ‬،‮  ‬وتحس بألم في مفاصلـها‮.  ‬قال لـها‮:   ‬قللي من القراءة والدرس،‮ ‬علاجك هو الانغماس في أعمال المنزل وممارسة بعض التمرينات الرياضية‮.   ‬إنه‮ ‬يعتقد أن مشاكلـها ستزول إذا تزوجت‮.  ‬يعتقد ذلك رغم أن جل وصفاته لعلاج الأعصاب تذهب للمتزوجات‮.  ‬ولذا فإن ألميدا تعتني ببيتها‮ ‬،‮  ‬وتساعد في‮  ‬نظافة الكنيسة،‮ ‬وتمد‮ ‬يد العون لصديقاتها اللاتي‮ ‬يغطين جدران منازلـهن بأوراق الحائط أو‮ ‬يستعددن للزواج‮ ‬،‮  ‬وتعد إحدي كعكاتها المشهورة لأطفال المدرسة في نزهة الأحد‮.  ‬وفي‮ ‬يوم سبت حار من أيام أغسطس تقرر عمل حلوي العنب؛‮  ‬عدة قوارير صغيرة من حلوي العنب تنفع هدايا قيمة في عيد الميلاد،‮  ‬أو حتي إعانات للمرضي‮.  ‬ولكنها بدأت في وقت متأخر من النها،‮  ‬والحلوي لا تنضج إذا حل الظلام‮.  ‬وضعت العصير الساخن في كيس قماش الجبن لتصفيته‮. ‬وتناولت ألميدا كأسا من الشاي مع شريحة من الكعك بالزبد الذي كانت تحبه منذ الطفولة‮ ‬،‮ ‬وهو كل طعامها للعشاء‮.  ‬ثم تأخذ حماما سريعا استعدادا ليوم الأحد‮.  ‬تلف ملاءة حول خصرها وتترك النافذة مفتوحة وترقد علي السرير دون أن تشعل المصباح‮.  ‬وتحس بتعب شديد‮.  ‬وتحس بنسيم خفيف‮ ‬يداعب الحجرة‮.  ‬وتحس بشجار خفيف‮. ‬

ولم تلبث أن تستيقظ‮.  ‬وعندما تستيقظ تحس بالليل متقدا بالحر منذرا بالخطر‮.  ‬وترقد من جديد وجسدها‮ ‬ينز عرقا‮.  ‬تحس أن الصخب الذي تسمعه‮ ‬يعمل في جسدها عمل السكاكين والمناشير والفؤوس‮ ‬،‮ ‬كل تلك الأدوات تقطع وتحز وتثقب في رأسها‮.  ‬ولكن الأمر لم‮ ‬يكن كذلك‮.  ‬عندما تكتمل‮ ‬يقظتها تبدأ في التعرف علي مصدر تلك الأصوات التي سمعتها أو التي كانت تسمعها،‮ ‬أصوات الشجار في ليالي الأحد الصيفية في شارع بيرل‮.  ‬عادة ما‮ ‬يصدر الصخب من قتال حقيقي بين السكاري‮.  ‬تسمع احتجاجا وصياحا‮.  ‬تسمع من‮ ‬يهتف‮:   ‬جريمة قتل‮! ‬جريمة قتل‮!  ‬حدثت جريمة قتل ذات‮ ‬يوم‮.  ‬ولكنها لم تكن نتيجة شجار‮.  ‬عثر علي جثة عجوز في بيته أردي طعناً‮.  ‬ربما كان السبب بضع دولارات كان‮ ‬يخفيها تحت المرتبة‮. ‬

وتنهض من فراشها وتذهب إلي المطبخ‮.  ‬كانت سماء الليل صافية‮ ‬غاب عنها القمر وسطعت النجوم‮.  ‬بيغاسوس‮ ‬يطل برأسه علي المستنقع‮.  ‬علمها أبوها كيف تحصي النجوم في تلك المجموعة‮.  ‬وبشكل تلقائي راحت تحصيها‮.  ‬تستطيع أذناها الآن أن تميز بعض الأصوات‮:  ‬إضافات جديدة للمشاجرة‮.  ‬بعض الناس،‮ ‬مثلـها،‮ ‬استيقظ من نومه‮.  ‬تسمع من‮  ‬يصرخ‮:  "‬اخرس‮!  ‬كفوا عن هذا الشجار وإلا نزلت وأشبعتكم ضربا علي مؤخراتكم‮ ‬يا أولاد الـ‮ .... ". ‬

ولكن أحدا لم‮ ‬يتوقف‮.  ‬وكأن كرة من النار تتدحرج في شارع بيرل تقذف الشرر في طريقها‮ ‬،‮ ‬النار هي الجلبة والصراخ والضحك والسباب‮ ‬،‮ ‬والشرر هو الأصوات التي تنطلق‮  ‬نشازا وحيدة‮.  ‬صوتان‮ ‬يتميزان عن‮  ‬باقي الأصوات حتي الآن ويصدران صياحا أشبه بالنباح،‮ ‬وينخفض شيئا فشيئا ويتحول إلي ارتعاش متواصل‮.  ‬ثم تيار من السباب‮ ‬يحمل كل الألفاظ التي تربط ألميدا بينها وبين الخطر والحرمان والرائحة الكريهة والمناظر المقززة‮.  ‬شخص ما‮ ‬ينهالون عليه ضربا ويصيح‮:  "‬اقتلوني‮!  ‬اقتلوني الآن‮!"   ‬إنهم‮ ‬يضربون امرأة وهي تصرخ‮:  "‬اقتلني‮! ‬اقتلني‮!"   ‬ويظهر جانب من فمها مترعا بالدم رغم ما في صوتها من نبرة استخفاف وانتصار‮.  ‬شيء من التصنع في صوتها‮.  ‬الناس حولـهم‮ ‬ينادون‮:  "‬كفي‮! ‬كفي‮!"  ‬ومنهم من‮ ‬يصيح‮:  "‬اقتلـها‮! ‬اقتلـها‮!"  ‬يصيحون في جنون وكأنهم علي خشبة مسرح،‮ ‬أو‮ ‬يشاهدون مباراة مصارعة أو ملاكمة محترفين‮.  ‬أجل،‮ ‬تقول ألميدا في سرها،‮ ‬رأيت ذلك من قبل‮.  ‬لعلـها‮  ‬تمثيلية،‮ ‬أو لون كئيب من محاكاة ساخرة مبالغ‮ ‬فيها‮.  ‬وكأن ما‮ ‬يفعلـه هؤلاء القوم‮ ‬،‮ ‬حتي جرائم القتل‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬يؤمنون به،‮ ‬ولا‮ ‬يطيقون وقفه في الوقت نفسه‮. ‬

الآن تسمع صوت شئ‮ ‬يلقي علي الأرض‮ ‬،‮ ‬مقعد أو لوح خشبي أو صوت كومة من الخشب أو جزء من سور‮ ‬ينهار وكم آخر من الأصوات مباغتة جديدة‮.  ‬صوت جريء،‮ ‬أناس‮ ‬يفرون من الطريق،‮ ‬أصبح الـهرج قاب قوسين أو أدني‮.  ‬هذه هي المرأة‮.  ‬كانت تمسك بشيء مثل عصا خشبية أو لوح من الخشب‮.  ‬وتديرها وتدفعها نحو شخص آخر لامرئي‮ ‬يجري خلفها‮.  ‬وتهتف الأصوات‮:  "‬آه،‮ ‬أسرع،‮ ‬الحق بها‮!  ‬الحق بها واضربها‮ ‬يا رجل‮!"   ‬أناس‮ ‬يقعون علي الأرض الآن‮.  ‬شخص‮ ‬يمسك بتلابيب الآخر،‮  ‬ثم‮ ‬يتباعدان ويسقطان علي سور ألميدا‮.  ‬يصبح الصوت الذي‮ ‬يأتي منها‮ ‬غامضا مشوشا كأنه‮ ‬يصدر من فم مكعوم،‮ ‬ثم صوت تقيؤ ونخير وضرب شديد‮.  ‬يتبع ذلك صوت طويل مرتجف مذبذب،‮  ‬صوت ألم مخنوق ونفس مذلولة أو روح مغادرة‮. ‬

تركت ألميدا النافذة وجلست علي سريرها‮.  ‬تقدح زناد فكرها‮.  ‬أليست هذه الأصوات التي سمعتها جريمة قتل؟‮  ‬ماذا‮ ‬يجري؟‮  ‬ماذا‮ ‬يجب أن تفعل؟‮  ‬يجب أن تشعل مصباحا‮.  ‬يجب أن تترك الدرج وتشعل مصباحا‮.  ‬لابد أن تخرج إلي الفناء‮.  ‬الفانوس‮.  ‬تلقي بجسدها علي الفراش‮.  ‬تضع وسادة علي وجهها‮.  ‬في لحظات‮.  ‬الدرج‮.  ‬المصباح‮.  ‬تري نفسها هناك‮.  ‬في الصالة الخلفية‮.  ‬تحكم رتاج الباب الخلفي‮.  ‬تصبح فريسة لنوم لا‮ ‬يقاوم‮. ‬

وتستيقظ مروعة مع أول أضواء الصباح‮.  ‬تري‮ ‬غرابا كبيرا‮ ‬يجثم علي عتبة نافذتها‮ ‬يتحدث في نبرة مستنكرة وبطريقة‮ ‬غير مستغربة،‮ ‬عن أحداث الليلة المنصرمة‮.  ‬يقول لـها‮  ‬مؤنبا‮: "‬استيقظي وحركي عربة اليد‮."  ‬وتفهم أنه‮ ‬يقصد شيئا آخر بعربة اليد‮.  ‬شيئا بغيضا مجلبة لكرب عظيم‮.  ‬وتستيقظ بالفعل وتعلم أنه لا وجود للطائر‮.  ‬وتنهض علي الفور،‮  ‬وتنظر من النافذة‮ .  ‬وتلاحظ شيئا‮ ‬يستند إلي سور بيتها‮.  ‬شخصا ضخما‮.  ‬جثة‮. ‬

عربــــة‮ ‬يــد


وتضع مئزرها فوق قميص النوم وتنزل الدرج‮.  ‬الحجرات الأمامية لم تزل مظلمة‮. ‬الستارة مسدلة في المطبخ‮.  ‬شئ ما‮ ‬يتحرك محدثا صوتا كصوت شئ‮ ‬يغوص في الماء علي مهل،‮ ‬يذكرها بحديث الغراب‮.  ‬إنه عصير العنب‮ ‬يصفٌي أثناء الليل‮.  ‬تسحب المزلاج‮ ‬،‮ ‬وتخرج من الباب الخلفي‮.  ‬العناكب نسجت شباكها علي المداخل في جنح الظلام‮.  ‬الزهور تخفض رؤوسها مثقلة بالندي‮ ‬،‮  ‬وبجوار السور تغرق في زهور الخطمي المتشابكة وتنظر تحت رجليها وتري‮. ‬

جثة امرأة مكومة هناك،‮  ‬نائمة علي جنبها ووجهها منكفئ علي الأرض‮. ‬لا تستطيع ألميدا أن تري وجهها‮.  ‬ولكن هناك ثديين عاريين متدليين،‮  ‬وحلمة سمراء مشدودة مثل حلمة بقرة،‮  ‬وساقا عارية وردفاً‮ ‬به أثر كدمة في حجم قرص دوار الشمس‮.  ‬أما الجلد الذي خلا من آثار الكدمات فلونه ضارب إلي الرمادي،‮ ‬أشبه بلون نقارة الطبل‮.  ‬ترتدي ثياب نوم،‮ ‬أو ثيابا لكل الأغراض و تفوح منها رائحة قيء وبول وشراب‮. ‬

وتعدو ألميدا في قميص نومها ومئزرها الرقيق‮.  ‬تجتاز الفيراندا وأشجار التفاح،‮ ‬وتفتح الباب الأمامي وتسرع خلال شارع دوفرين إلي منزل جارفيز بولتر،‮  ‬أقرب المنازل إليها‮.  ‬تضرب الباب بكف‮ ‬يدها عدة مرات‮. ‬

وعندما‮ ‬يظهر جارفيز في النهاية تقول لـه‮: ‬

جثة سيدة‮. ‬

كان في بنطالـه الداكن المشدود بحمالتين،‮ ‬وقميصه المزرر نصفه ووجهه‮ ‬غير الحليق وشعره المنكوش‮. ‬

سيد بولتر،‮ ‬سامحني‮ .  ‬هناك جثة سيدة أمام بوابتي الخلفية‮. ‬

‮    ‬ويحدجها بنظرة عنيفة وهو‮ ‬يقول‮ : ‬

ميتة؟‮ ‬

أنفاسه رطبة‮.  ‬وجهه متجعد‮.  ‬عيناه محتقنتان بالدم‮.  ‬وتجيب ألميدا‮: ‬

نعم‮.  ‬أظن أنها ماتت مقتولة‮. ‬

تلمح جزءا من الصالة الأمامية الكئيبة‮.  ‬قبعته معلقة علي مقعد‮.  ‬ثم تضيف وهي تجتهد لتجعل صوتها خفيضا مفهوما‮: ‬

استيقظت في الليل علي أصوات لغط وجلبة في شارع بيرل‮.  ‬سمعت اثنين‮.  ‬رجلا وسيدة‮ ‬يتشاجران‮. ‬

ويلتقط قبعته ويضعها علي رأسه‮.  ‬ويغلق الباب الأمامي،‮ ‬ويضع المفتاح في جيبه،‮  ‬ويسيران علي الممشي الخشبي وتلاحظ أنها حافية القدمين‮.  ‬وينتابها إحساس بأن هناك من سيلقي عليها ببعض المسؤولية‮.  ‬كان‮ ‬يمكن أن تخرج بفانوس‮.  ‬كان‮ ‬يمكن أن تصرخ،‮ ‬ولكن من كان في حاجة إلي مزيد من الصراخ؟‮  ‬كان‮ ‬يمكن أن تضرب الرجل علي رأسه‮.  ‬كان‮ ‬يمكن أن تسرع في طلب النجدة،‮ ‬ساعتها وليس الآن‮.  ‬ويتجهان إلي شارع بيرل بدلا من دخول فناء روث‮.  ‬كانت الجثة بطبيعة الحال منكفئة علي وجهها شبه عارية كما رأتها في البداية‮. ‬

جارفيز بولتر لا‮ ‬يسرع ولا‮ ‬يتردد‮.  ‬يتجه إلي الجثة مباشرة‮.  ‬ويمعن فيها النظر،‮ ‬ويمس الساق بمقدم حذائه مثلما تمس كلبا أو خنزيرا‮.  ‬يكزها مرة أخري وهو‮ ‬ينادي في جرأة ودون أن‮ ‬يرفع صوته‮:   ‬أنت‮.  ‬

وألميدا تحس بطعم الصفراء في أسفل حلقها‮. ‬

‮"‬حية‮!"   ‬يقول جارفيز بولتر‮.  ‬وتؤكد المرأة استنتاجه‮.  ‬إنها تتحرك حركة خفيفة‮.  ‬ويصدر منها شخير واهن‮. ‬

تقول ألميدا‮:  ‬سأحضر الطبيب‮.  ‬ولو أنها لمست المرأة،‮  ‬لو أنها وجدت الجرأة علي لمسها،‮ ‬لما قالت ذلك‮. ‬

قال جارفيز بولتر‮:  ‬انتظري،‮ ‬لنري إذا ما كان‮ ‬يمكن أن تنهض‮ . ‬

وهتف بالمرأة‮:  ‬قومي الآن،‮ ‬هلمي‮! ‬انهضي الآن‮! ‬

ويحدث شيء مذهل‮.  ‬الجثة تقوم علي أربع‮.  ‬ترفع الرأس أولا‮.  ‬الشعر كلـه ملطخ بالدم والقيء،‮ ‬وتبدأ المرأة في ضرب رأسها بعنف علي أوتاد سور ألميدا،‮ ‬ويخرج صوتها أثناء ذلك،‮  ‬ويصدر منها صراخ ملء الفم مثل العواء‮.  ‬صراخ قوي‮ ‬يشي بشيء من بهجة مكروبة‮. ‬

ويقول جارفيز بولتر‮:  ‬أبعد ما تكون عن الموت‮. ‬لا تحتاج حتي لطبيب‮. ‬

وتقول ألميدا حين رفعت المرأة رأسها الملطخ‮: ‬

يوجد دم‮! ‬

‮    ‬ويقول‮ : ‬

الدم من فمها وليس جديدا‮. ‬

ويقترب منها ويمسك شعرها البشع الغريب،‮ ‬ويجذبها بقوة ليمنعها من ضرب نفسها في الجدار وهو‮ ‬يقول‮ : ‬

‮-    ‬كفي عن هذا الآن،‮ ‬كفي‮.  ‬اذهبي لبيتك‮.  ‬اذهبي لبيتك الآن‮!  ‬من أين أنت؟‮ ‬

ويتوقف الصوت القادم من فم المرأة‮.  ‬ويهز رأسها برفق محذراً‮ ‬إياها قبل أن‮ ‬يترك شعرها‮. ‬

اذهبي إلي بيتك الآن‮! ‬

وبعد أن‮ ‬يتركها تندفع المرأة للأمام بشدة‮.  ‬وتنهض علي قدميها،‮ ‬وتشير وتترنح‮  ‬وتتعثر في مشيها في الشارع‮ ‬،‮ ‬وتصدر منها أصوات احتجاج متقطعة حذرة‮.  ‬ويتبعها جارفيز بولتر بنظراته برهة‮  ‬ليتأكد من أنها في طريقها إلي بيتها‮.  ‬ثم‮ ‬يجد ورقة أرقطيون‮ ‬يمسح بها‮ ‬يده ويقول‮ : ‬

ها هي جثتك تسير علي قدمين‮! ‬

‮    ‬كان الباب الخلفي مغلقا‮.  ‬اتجه إلي الباب الأمامي الذي‮ ‬يظل مفتوحا‮.  ‬ما زالت ألميدا تحس بالتعب‮.  ‬بطنها منتفخ وحرارتها مرتفعة وتحس بدوخة‮. ‬

‮ ‬تقو ل بصوت ضعيف‮ : ‬

الباب الأمامي مغلق‮.  ‬لقد خرجت من المطبخ‮. ‬

‮    ‬لو تركها الآن لشأنها لذهبت إلي الحمام مباشرة‮.  ‬ولكنه‮ ‬يتبعها حتي الباب الخلفي والصالة‮.  ‬يتحدث إليها بلـهجة قاسية لم تعرفها منه من قبل‮.  ‬يقول‮: ‬

لم‮ ‬يكن هناك داع‮  ‬لكل هذا القلق‮.  ‬هذه المرأة كانت ثملة‮.  ‬سيدة‮  ‬بنت ناس لا‮ ‬ينبغي أن تعيش بمفردها وسط جيران كهؤلاء‮. ‬

ويمسك بذراعها فوق المرفق بقليل‮.  ‬ولا تستطيع أن تفتح فمها لتكلمه،‮  ‬لتشكره‮.  ‬فلو فتحت فمها لتقيأت‮. ‬

ما‮ ‬يحس به جارفيز بولتر نحو ألميدا في تلك اللحظة هو ما لم‮ ‬يحس به في السابق خلال التمشيات الحذرة وخلال جميع حساباته في عزلته‮.  ‬قيمتها التي لا خلاف عليها،‮ ‬و جدارتها بالاحترام لا شك فيها،‮ ‬وجمالـها مقبول‮.  ‬لم‮ ‬يتخيلـها زوجة من قبل كما‮ ‬يتخيلـها الآن‮.  ‬أثاره شعرها المرسل الذي شاب قبل الأوان،‮ ‬ولكنه كثيف ناعم علي أية حال‮.  ‬وجهها مخضب بحمرة خجل‮ ‬غامضة‮.  ‬ثيابها الخفيفة التي لم‮ ‬يكن‮ ‬ينبغي أن‮ ‬يراها بها أحد‮ ‬غير زوجها‮.  ‬طيشها و تسرعها وطيبتها‮ ...  ‬وحاجتها ؟‮  ‬يقول لـها‮: ‬

سأزورك فيما بعد‮.  ‬سأذهب معك إلي الكنيسة‮.‬


عند ملتقي شارع بيرل بدوفرين صباح الأحد الفائت عثرت سيدة من سكان الحي علي جثة امرأة من قاطني شارع بيرل ظنت أنها ميتة‮.   ‬ولم تكن،‮ ‬كما تبين فيما بعد،‮ ‬إلا ثملة‮.   ‬ولم تستيقظ من نعيمها ذ أو قل سباتها ذ إلا بجهد السيد بولتر الحثيث وهو من قاطني الشارع‮ ‬،‮  ‬ومحام مدني معروف كانت السيدة قد استدعته‮.   ‬ذلك النوع من الحوادث‮ ‬غير اللائق والمزعج والشائن لمدينتنا أصبح في الآونة الأخيرة كثير الوقوع‮ . ‬


V

أجلس في أعماق النوم،

وكأني في قعر البحر‮.‬

وأناس من سكان القاع

تحييني بكرم زائد‮.‬

‮    ‬

وما ذهب جارفيز بولتر وسمعت باب بيتها الأمامي‮ ‬يوصد حتي هرعت ألميدا إلي الحمام‮. ‬ولكنها لم ترتح تماما‮.  ‬وتدرك أن تراكم دم الحيض الذي لم‮ ‬يبدأ في التدفق هو السبب في انتفاخ بطنها والألم الذي تحس به‮.  ‬وتغلق الباب الخلفي بالقفل‮.  ‬ثم،‮ ‬وهي تتذكر كلمات جارفيز بولتر عن الذهاب إلي الكنيسة،‮  ‬تترك لـه ورقة كتبت عليها‮:  ‬لست علي ما‮ ‬يرام‮ ‬،‮ ‬وأرغب في الراحة اليوم‮.  ‬وتثبت الورقة في الإطار الخارجي للنافذة الصغيرة للباب الأمامي‮.  ‬وتغلق الباب بالقفل أيضا‮.  ‬إنها ترتعش وكأنها تعاني من صدمة عصبية أو خطر داهم‮.  ‬ولكنها تشعل النار لتصنع لنفسها كوبا من الشاي‮ .  ‬تغلي الماء وتضع أوراق الشاي في الإبريق الكبير‮.  ‬بخار الشاي ورائحته‮ ‬يزيدان مرضها‮.  ‬وتصب كوبا من الشاي الباهت لتشربه دون أن ترفع ستارة المطبخ‮.  ‬هناك علي الأرض كان كيس الجبن ما زال معلقا بين ظهري المقعدين‮.  ‬وعصير العنب قد صبغ‮ ‬القماش المنتفخ بلون الورد الداكن‮.  ‬ألقت به في الحوض‮.  ‬لا تستطيع أن تجلس وتنتظر شيئا كهذا‮.  ‬وتشرب كأسها‮.  ‬وتضع البراد وزجاجة الدواء في حجرة السفرة‮.  ‬

ولم تزل هناك حتي سمعت وقع حوافر الخيل الذاهبة إلي الكنيسة مثيرة سحابات من التراب تسخن تراب الطريق فيصبح مثل تراب البراكين‮.  ‬وهي في الفيراندا‮ ‬يتناهي إلي مسمعيها صوت الباب‮ ‬يفتح ووقع خطوات واثقة لرجل‮.  ‬كأنها تسمع الورقة وهو‮ ‬ينزعها من النافذة‮ ‬،‮ ‬ويفردها ويقرؤها‮.  ‬وكأنها تسمع رنين الكلمات في عقلـه‮.  ‬ثم تأخذ الخطوات طريقا آخر‮. ‬ينزل الدرج ويغلق الباب‮.  ‬تقفز إلي ذهنها صورة الضريح‮.  ‬تجعلـها تضحك‮.  ‬أضرحة تسير في الشارع بأقدام تنتعل الأحذية،‮  ‬وأجساد طويلة تميل للأمام‮.  ‬علي سحنهم القاسية علامات استغراق‮.  ‬أجراس الكنيسة تقرع‮. ‬

الساعة في الصالة تدق معلنة الثانية عشرة‮.  ‬مضت ساعة‮.  ‬المنزل‮ ‬يتقد‮  ‬بالحر‮.  ‬تشرب كوبا آخر من الشاي تضيف إليه قطرات من الدواء‮.  ‬تعرف أن الدواء‮ ‬يؤثر علي قوتها‮.  ‬إنه المسؤول عن كسلـها الغريب،‮ ‬ولكنه ضروري‮. ‬

أشياؤها التي تحيط بها،‮ ‬في حجرة المائدة فقط،‮ ‬جدران مغطاة بورق حائط أخضر‮ ‬غامق مزين بأكاليل الزهور،‮ ‬ستائر منقوشة بخطوط ملونة،‮ ‬ومائدة عليها مفرش من الكروشيه،‮ ‬وسلطانية تمتلئ بالفاكهة الشمعية،‮ ‬وسجادة رمادية ضاربة إلي اللون القرمزي عليها نقوش باقات من زهور زرقاء وقرنفلية‮ ‬غامقة،‮ ‬وخوان مبسوط عليه أغطية مزخرفة وأطباق وأباريق،‮ ‬وأكواب شاي عليها زخارف شتي‮.  ‬أشياء كثيرة تراها‮.  ‬كل هذه الزخارف تبدو زاخرة بالحياة،‮ ‬علي أهبة التحرك والتدفق والتغير،‮ ‬أو ربما الانفجار‮.  ‬كل شغل ألميدا الشاغل طوال اليوم هو أن تتأمل هذه الزخارف‮.  ‬لا لكي تمنع تغيرها بقدر ما كانت ترصده وتفهمه وتكون جزءا منه‮.  ‬لا تحرك شيئا مما في هذه الحجرة‮ . ‬

وبالطبع لا طاقة لألميدا علي الـهرب من الكلمات‮.  ‬ربما تظن أنها تستطيع أحيانا،‮ ‬ولكن هذا لا‮ ‬يحدث‮.  ‬ذلك التوقد لا‮ ‬يلبث أن‮ ‬يدفع بالكلمات في ذهنها للخروج‮.   ‬قصائد‮.  ‬أجل،‮ ‬مرة أخري قصائد تتضاءل أمامها جميع القصائد التي كتبتها في السابق‮.  ‬تصبح مجرد محاولة وخطأ،‮ ‬أسمالا بالية‮.  ‬النجوم والطيور والأشجار والملائكة علي الثلج والأطفال الذين ماتوا في الغسق‮.  ‬كل هذا لا داعي لوصفه مرة أخري‮ .  ‬عليك الآن بالصخب الفاحش في شارع بيرل،‮  ‬ومقدم الحذاء اللامع الذي‮ ‬يرتديه جارفيز بولتر،‮ ‬وردف المرأة الأملس بالكدمات عليه أشبه بزهور زرقاء‮ ‬غامقة‮.  ‬ألميدا الآن علي مبعدة من العواطف الإنسانية أو المخاوف أو اعتبارات الأسرة الحميمة‮. ‬لا تفكر فيما‮ ‬يمكن عملـه لتلك المرأة،‮ ‬أو في حفظ عشاء جارفيز بولتر ساخنا،‮ ‬أو نشر ملابسه علي حبل الغسيل‮.  ‬فاض عصير العنب وجري علي أرض المطبخ‮ ‬يلطخ الألواح الخشبية ببقع لن تزول‮. ‬

عليها أن تفكر في عدة أمور في وقت واحد‮.  ‬الشرائط المعدنية التي تفصل بين النقوش،‮ ‬الـهنود العرايا،‮ ‬والملح في أعماق الأرض،‮  ‬والمال الذي‮ ‬يجلبه الملح،‮  ‬والسعي لجمع المال الذي تتقنه رؤوس مثل رأس جارفيز بولتر،‮ ‬والعواصف القاسية في الشتاء،‮ ‬والأفعال الخرقاء في شارع بيرل‮.  ‬وعندما تفكر في تقلبات الطقس العنيفة فلا سلام حتي بين النجوم‮.  ‬يمكن احتمال كل هذه الأشياء إذا نظمناها في قصيدة‮.  ‬ونظمناها هي الكلمة المناسبة‮.  ‬لأن القصيدة سيكون عنوانها،‮ ‬أو هو عنوانها في الواقع‮  : " ‬منستيونغ‮ " .  ‬اسم القصيدة هو اسم النهر‮.  ‬كلا،‮ ‬إنها النهر نفسه‮ : " ‬المنستيونغ‮ ".  ‬ذلك هو اسم القصيدة،‮  ‬بكل حفره العميقة وأحواضه الـهادئة تحت أشجار الصيف البهيجة وكتل الثلج المطروحة عقب الشتاء،‮ ‬تحدث صريرا أثناء الحركة،‮ ‬وفيضاناته الربيعية الكئيبة‮.  ‬ألميدا تمعن النظر في قاع نهر عقلـها‮.  ‬وعلي مفرش المائدة زهور الكروشيه الطافية،‮ ‬تبدو ناتئة بلـهاء،‮  ‬تبعث علي الضحك‮.  ‬الورود التي نسجتها أمها‮ ‬يوما لا تبدو مثل الورود الحقيقية‮.  ‬ولكن الجمال كامن في الجهد المبذول،‮ ‬واستقلالـها الزائف،‮ ‬والرضا بنفوسها البسيطة‮.  ‬علامة مفعمة بالأمل‮.  ‬منــســـتيـونـــغ‮ . ‬

وتلزم ألميدا الحجرة حتي الغسق عندما تذهب إلي الحمام وتكتشف أنها تنزف‮.  ‬الدم بدأ‮ ‬يتدفق‮ .  ‬تناولت فوطة وشدتها حول بطنها كنطاق‮ .  ‬لم‮ ‬يحدث من قبل،‮ ‬أيام صحتها،‮ ‬أن قضت الليل في ثياب النوم‮.  ‬لا تحس بقلق خاص بسبب ذلك‮.  ‬في طريقها إلي المطبخ عبر عصير العنب المسكوب‮.  ‬تعرف أنه سيكون عليها أن تزيل البقع‮.  ‬ولكن ليس بعد‮.  ‬ترتقي الدرج إلي الطابق الثاني مخلفة آثار أقدام‮  ‬وردية‮.  ‬تشم رائحة دمها الـهارب وعرق جسدها الذي مكث طوال النهار في الحجرة المغلقة المتقدة‮. ‬

لا داعي للقلق‮ . ‬

لأنها لم تظن أن الزهور المنسوجة‮ ‬يمكن أن تطفو بعيدا،‮  ‬وأن شواهد الأضرحة‮ ‬يمكن أن تسير في الشوارع‮.  ‬لم تحسب أن ذلك كان الحقيقة،‮  ‬وأن أي شئ آخر كان المجاز،‮ ‬وبذلك كانت تعرف سلامة عقلـها‮.‬


VI


أحلم بكم كلما أقبل الليل،

وأزوركم حين‮ ‬يأتي النهار‮.‬

أبي،‮ ‬أمي،

أخي،‮ ‬أختي،

لم لا تجيبون ندائي ؟


22‮ ‬أبريل‮ ‬1903‭.‬‮   ‬في مسكنها‮ ‬يوم الثلاثاء الفائت بين الثالثة والرابعة بعد الظهر رحلت عن دنيانا سيدة ذات موهبة وخلق حسن‮.   ‬أثري قلمها في الأيام الخوالي أدبنا الإقليمي بسفر من الشعر البليغ‮ ‬العذب‮.   ‬وإنها لبلية كبيرة أن‮ ‬يصبح عقل هذه السيدة المهذبة موضع ريبة في السنوات الأخيرة،‮ ‬وسلوكها،‮ ‬نتيجة لذلك مندفعا خارجا عن المألوف حتي نال من مسلكها وعنايتها بتهذيب شخصها فأصبحت في نظر الغافلين الذين لا‮ ‬يعرفون قيمتها وأناقتها السابقة،‮ ‬غريبة الأطوار أو موضع سخرية علي نحو محزن‮.  ‬ولكن هذه الـهنات قد نسيت الآن ولا‮ ‬يذكر لـها‮ ‬غير شعرها الممتاز وخدماتها الماضية في مدرسة الأحد،‮ ‬واهتماماتها الخيرية وعقيدتها الدينية الراسخة‮.   ‬كان مرضها الأخير قصير المدي من رحمة اللـه‮.  ‬أصيبت بالبرد بعد أن‮ ‬غمرها الماء أثناء جولة في شارع بيرل‮.  ( ‬قيل إن بعض الصبية الأشرار طاردوها في المياه،‮ ‬وهذه نتيجة وقاحة وقسوة بعض شبابنا الصغار،‮ ‬واضطهادهم المتعمد لتلك السيدة لدرجة أن السامع لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكذب الحكاية برمتها‮ ) ‬وتطور البرد إلي التهاب في الرئة توفيت علي أثره تحت سمع وبصر إحدي جاراتها المسز بيرت‮ ( ‬آني‮ )  ‬فرايلز التي شهدت نهايتها الـهادئة المحزنة‮. ‬

يناير‮ ‬1904‭.‬‮  ‬أحد مؤسسي مجتمعنا،‮ ‬أحد صناع مدينتنا وباعثي نهضتها،‮ ‬رحل فجأة عن دنيانا صباح الاثنين الفائت بينما كان منكبا علي قراءة بريده في مكتبه بالشركة‮.  ‬السيد جارفيز بولتر الذي كان‮ ‬يتمتع بموهبة تجارية قوية ونشاط ملحوظ مما مكنه من إنشاء عدة مشاريع تجارية محلية جلبت فوائد الصناعة والإنتاجية والتوظيف لمدينتنا‮.‬

بحثت عن ألميدا روث في المقابر‮.  ‬وجدت الضريح الخاص بالأسرة‮.  ‬لم‮  ‬يكن هناك‮ ‬غير اسم واحد مكتوب عليه روث‮.  ‬ثم تنبهت لوجود شاهدين علي الأرض،‮ ‬علي مسافة بضعة أقدام أو ستة أقدام من الشاهد القائم كتب علي أحدهما كلمة‮ "‬بابا‮"  ‬وعلي الآخر كلمة‮  "‬ماما‮".  ‬وعلي مبعدة من هذين الشاهدين وجدت شاهدين آخرين علي الأرض أيضا‮ .  ‬عليهما أسماء وليام وكاثرين،‮ ‬وكان عليٌ‮ ‬أن أزيح ما تراكم عليهما من حشائش نامية وقذارة لأري الاسم الكامل لكاثرين‮.  ‬لا وجود لتواريخ ميلاد أو وفاة‮.   ‬لا وجود لعبارات ثناء أو رثاء‮.  ‬لون فريد من إحياء الذكري لا‮ ‬يأبه بهذا العالم‮.  ‬لا وجود لورود ولا وجود حتي لعلامات علي شجيرات ورود ربما اقتلعت،‮ ‬اقتلعها الحارس لأنه لا‮ ‬يحب هذه الأشياء،‮ ‬أو مصدر ضيق قاطع العشب،‮ ‬لم‮ ‬يجد من‮ ‬يعترضه فاقتلعها‮. ‬

اعتقدت أن ألميدا دفنت في مكان آخر‮.  ‬عندما تم شراء هذه البقعة،‮  ‬عند موت الطفلين،‮ ‬كان‮ ‬يعتقد أنها سوف تعيش وتتزوج وترقد في النهاية بجوار زوجها‮.  ‬لم‮ ‬يعملوا حسابها في مكان بينهم‮.  ‬ثم لاحظت أن الشواهد التي كانت ملقاة علي الأرض إنما سقطت من الشاهد القائم‮.  ‬شاهدان للأبوين وشاهدان للصبيين،‮  ‬ولكن الشاهدين الآخرين وضعا بطريقة تسمح لثالث بينهما لتكملة المروحة‮.  ‬خطوت من شاهد كاثرين عدد الخطوات نفسه حتي أصل من كاثرين إلي‮  ‬وليام‮ .  ‬وعند تلك البقعة رحت أجذب العشب وأزيل القذارة بيدي العاريتين‮.  ‬وما مضت برهة حتي أحسست بالشاهد وأدركت أني كنت علي حق‮.  ‬اجتهدت في الوصول إلي الشاهد كلـه نظيفا وقرأت الاسم‮:  "‬ميدا‮".   ‬كان مع الآخرين‮ ‬يتطلع للسماء‮.  ‬تأكدت من وصولي إلي نهاية‮  ‬الحجر‮.  ‬كان ذلك كل ما كتبته من الاسم ؛‮  ‬ميدا‮.  ‬إذن كان اسمها ميدا في الأسرة،‮  ‬وليس في القصيدة فقط‮.  ‬أو لعلـها اختارت اسمها من القصيدة ليكتب علي ضريحها‮. ‬

كنت أظن أن أحدا لا‮ ‬يعلم ذلك‮ ‬غيري من بين الأحياء جميعا،‮  ‬وأن أحدا لن‮ ‬يستطيع الوصول لـهذا التسلسل في الأحداث‮.  ‬ولكن الأمر ليس كذلك‮.  ‬فالناس مجبولون علي حب المعرفة‮.  ‬أو قل فئة منهم‮.  ‬سيجدون الدوافع دائما لاكتشاف الأشياء‮.  ‬حتي الأشياء التافهة‮.  ‬سوف‮ ‬يضعون الشيء جنب الشيء‮.  ‬ويعرفون أنهم ربما أخطئوا في البداية‮.  ‬ألا تراهم‮ ‬يتجولون‮ ‬يحملون كراسات ويزيلون الأتربة من فوق الأضرحة،‮ ‬و‮ ‬يقرءون الأفلام،‮ ‬لا هم لـهم‮ ‬غير وضوح الرؤية،‮ ‬والعثور علي الأسباب،‮ ‬وإنقاذ شيء،‮ ‬ولو شيء واحد فحسب،‮  ‬من أنقاض الذكري‮.

 منقول من موقع أخبار الأدب