‏إظهار الرسائل ذات التسميات القدس عاصمة فلسطين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات القدس عاصمة فلسطين. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 13 سبتمبر 2013

إدوارد سعيد‮ ‬يكتب عن روايات الكوميكس‮..‬ومغامرات‮ "‬تان تان‮" ‬و"جو ساكو‮ ":‬ ‮"‬فلسطين‮" ..‬ حكايات الضحايا


ترجمة‮ :‬‮ ‬محمد عبد النبى


تُعد كُتب الكوميك ظاهرة عالمية مرتبطة بفترة المراهقة‮. ‬ويبدو أنها تُوجد في جميع اللغات والثقافات من الشرق إلي الغرب‮. ‬ومن ناحية موضوعاتها فهي تتنوع في طيفٍ‮ ‬واسع ما بين الملهم والخيالي والعاطفي والساذج؛ وجميعها مع ذلك من السهل قراءته،‮ ‬وتداوله،‮ ‬وتخزينه والتخلي عنه كذلك‮. ‬الكثير من كتب الكوميك،‮ ‬علي‮ ‬غرار آستريكس وتان تان،‮ ‬هي سلسلة مغامرات لا تنقطع بالنسبة للنشء الذي يقرأها في إخلاص شهراً‮ ‬بعد شهر؛ وهذه المغامرات المسلسلة،‮ ‬مثل الاثنتين اللتين ذكرتُهما،‮ ‬تكتسب بمرور الزمن حياةً‮ ‬خاصة بها،‮ ‬بشخصياتها المتواترة،‮ ‬وأوضاع الحبكة الخاصة بها،‮ ‬وعباراتها المميزة،‮ ‬مما يجعل من قرائها،‮ ‬سواءً‮ ‬في مصر أو الهند أو كندا،‮ ‬نوعاً‮ ‬من النادي الخاص يعرفُ‮ ‬كل عضو من أعضائه مجموعة كاملة من الأسماء والافتراضات ويمكنه الاستشهاد بها‮. ‬أظن أن أغلب البالغين يربطون كتب الكوميك بما هو طائش وسريع الزوال،‮ ‬وهناك افتراض يقول بأنه مع تقدمنا في العمر ننصرف عنها إلي نشاطات أكثر جدية،‮ ‬فيما عدا بعض الحالات النادرة‮ (‬كما في حالة رواية‮ ‬Maus ‮ ‬لمبدع كتب الكوميك آرت سبيجلمان‮) ‬عندما يعالج فنان كوميك جاد موضوعاً‮ ‬جاداً‮ ‬وكئيباً‮ ‬إلي حد أنه يُفضّل السكوت عنه‮. ‬ولكن كما سنري سريعاً،‮ ‬تعد تلك حالات نادرة للغاية في الحقيقة،‮ ‬لأن المطلوب عندئذٍ‮ ‬قبل أي شيء هو موهبة من الطراز الأول‮. ‬   

لا أذكر متي قرأتُ‮ ‬أول كتاب كوميك في حياتي،‮ ‬ولكني أذكر تماماً‮ ‬إلي أي حد شعرتُ‮ ‬بالتحرر والتمرد نتيجة قراءتي له‮. ‬كل مزايا الكتاب المغوي بصوره الملونة،‮ ‬وعلي الأخص تصميمه الفوضوي‮ ‬غير المهندم،‮ ‬والبذخ الصاخب والمفعم بالألوان لصوره،‮ ‬والانتقال الطليق ما بين ما تفكر به الشخصيات وما تقوله،‮ ‬والشخصيات العجائبية ومغامراتها المدهشة مكتوبةً‮ ‬ومرسومة‮: ‬كل هذا معاً‮ ‬يكافئ إثارة هائلة الروعة،‮ ‬مغايرة تماماً‮ ‬لكل ما عرفته أو خبرته حتي تلك اللحظة‮.   ‬في أسرتي العربية البروتسنتية بما في هذا من تنافر،‮ ‬وكذلك في نظام التعليم في الشرق الأوسط الكولونيالي خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كان الاعتماد الأساسي علي قراءة الكتب والاجتهاد الأكاديمي‮. ‬فقد كان كل شيء تحت الهيمنة المتواصلة للرصانة والحزم‮. ‬وبالطبع لم تكن تلك أيام التليفزيون أو وسائل التسلية العديدة المتاحة بسهولة‮. ‬كان الراديو هو صلتنا بالعالم الخارجي،‮ ‬وبما أن أفلام هوليود كانت لا مهرب منها،‮ ‬وبطريقةٍ‮ ‬ما خطره أخلاقياً‮ ‬فقد خضعنا لنظام الفيلم الواحد كل أسبوع،‮ ‬بعد أن يمر برقابة والديّ،‮ ‬حيث يتم الحكم عليه بمعايير‮ ‬غير معلنة‮ (‬لنا‮) ‬باعتباره مقبولاً‮ ‬وبالتالي ليس سيئاً‮ ‬بالنسبة للأطفال‮. ‬

قبل أن أتم الثالثة عشر تماماً،‮ ‬التحقت بالمدرسة الثانوية بعد سقوط فلسطين في‮ ‬1948‭.‬‮ ‬ومثل جميع أعضاء أسرتي،‮ ‬ذكوراً‮ ‬وإناثاً،‮ ‬ألحقتُ‮ ‬بالمدارس البريطانية،‮ ‬والتي يبدو أنها كانت تقتدي بنموذج نظيراتها من المدارس في رواية أيام تلمذة توم براون‮ (‬كتبها البريطاني توماس هيوز عام‮ ‬1857‮ ‬عن معاناة طالب مدرسة داخلية‮)‬ وكذلك ما قرأته من شهادات وأخبار عن مدارس مثل إيتون وهارو وراجبي،‮ ‬التي التقطها من بين قراءاتي التي لا تتعفف عن التهام كل ما تجد من كتب إنجليزية فقط تقريباً‮. ‬في هذا المحيط من الامبريالية المتأخرة لعالم متصارعٍ‮ ‬بشدة وبين طلابٍ‮ ‬أغلبهم من العرب والشرقيين،‮ ‬ومعلمين بريطانيين،‮ ‬في بلاد ذات أغلبية مسلمة هي نفسها تخضع لتغيّر عنيف،‮ ‬وحيث المناهج الدراسية معتمدة علي شهادة مدرسة أوكسفورد أو كامبريدج‮ (‬أو كما كانت‮  ‬يسمي في تلك الأيام دبلوم الثانوية الإنجليزية المعيارية‮)‬،‮ ‬وسط كل هذا بزغ‮ ‬الاقتحامُ‮ ‬المفاجئ لكتب الكوميك الأمريكية مثل إعصار صغير،‮ ‬وعلي الفور منعها كلٌ‮ ‬من الأهل ومسئولي المدرسة‮.  ‬وفي ظرف ساعات وجدتني أطفو ــ بطريقةٍ‮ ‬غير شرعية‮ - ‬مع طوفان من مغامرات سوبرمان وطرزان وكابتن مارفل والمرأة العجيبة،‮ ‬مغامرات أجفلت عقلي وحولته بالطبع عن الأشياء الأكثر خشونةً‮ ‬وكآبة التي كان ينبغي أن أنكبّ‮ ‬عليها‮. ‬

حين حاولتُ‮ ‬أن أفهم السر وراء الحظر المفروض علي هذا العالم الجديد الممتع والذي بدا مدعوماً‮ ‬بقوة في البيت لم أصل إلي أي شيء بالمرة مع والدي العنيدين فيما عدا أن كتب الكوميكس تتعارض مع العمل الدراسي للمرء‮. ‬قضيتُ‮ ‬سنوات في محاولة إعادة تركيب المنطق وراء هذا الحظر وتوصلتُ‮ ‬مع الوقت أن الحظر قد أدرك إدراكاً‮ ‬دقيقاً‮ (‬وبالطبع أكثر مما أدركتُ‮ ‬أنا حينذاك‮) ‬ما تقوم به كتب الكوميك علي خير وجه وبأسلوبٍ‮ ‬فريد‮. ‬قبل كل شيء كان هناك أشياء من قبيل اللغة الدارجة والعنف اللذين يشوّشان الهدوء المزعوم للعملية التعليمية‮. ‬وثانياً،‮ ‬وربما الأمر الأهم رغم عدم التصريح به،‮ ‬انطلاق صباي البكر المكبوت جنسياً‮ ‬علي أيدي شخصيات فاضحة‮ (‬بعضها مثل شينا الأدغال،‮ ‬التي ترتدي ثياباً‮ ‬ضيّقة ومثيرة‮) ‬تلك الشخصيات التي تفعل وتقول أشياءً‮ ‬لا يقبلها العقل ولا الإمكانية لا المنطق،‮ ‬أو لأنها،‮ ‬وربما هذه النقطة أكثر حسماً،‮  ‬تتعدي علي القواعد التقليدية للأمور قواعد السلوك،‮ ‬والتفكير،‮ ‬وكذلك القواعد الاجتماعية المقبولة‮. ‬تتلاعب كتب‮ ‬الكوميك بمنطق أ+ب+ج+د وهي بلا شك تشجع المرء علي ألّا يفكر كما يتوقع منه المعلم أو كما تُلزمه مادة كالتاريخ مثلاً‮. ‬أتذكر بكل وضوح إحساسي بالنشوة العارمة بينما أهرّب خفية‮ ‬نسخة من الكابتن مارفل في حقيبتي المدرسية وأقرأها اختلاساً‮ ‬في الباص أو تحت الأغطية بالفراش أو في الطرف البعيد من الفصل‮. ‬علاوةً‮ ‬علي ذلك،‮ ‬تقدم كتب الكوميك للمرء مقاربة واضحة ومباشرة‮ (‬المزج ما بين الكلمات والصور علي نحوٍ‮ ‬جذاب ومُضخّم بالمعني الحرفي‮) ‬مقاربة بدت صادقة صدقاً‮ ‬منيعاً‮ ‬من ناحية،‮ ‬ومن ناحية أخري قريبة وحميمة بقدر مدهش،‮ ‬ومقتحمة ومؤثرة كذلك‮. ‬لازلتُ‮ ‬بطريقةٍ‮ ‬أو بأخري مفتوناً‮ ‬بمحاولة فك هذه الشفرة،‮ ‬بدت كتب الكوميك في تميزها العنيد عن الفنون الأخري بدرجات بعيدة‮ ‬ــ لنقل مثلاً‮ ‬أفلام الكارتون أو رسوم الكاريكاتير،‮ ‬اللذين ما لم أهتم بأيٍ‮ ‬منهما ذ بدت ما لا يمكن أن يقال بأسلوبٍ‮ ‬آخر،‮ ‬وربما ما لم يكن مسموحاً‮ ‬بقوله أو تخيله،‮ ‬بحيث تتحدي العمليات المعتادة للتفكير،‮ ‬تلك التي تخضع لانضباط وتشكيل وإعادة تشكيل جميع أنواع الضغوط التربوية إلي جانب الإيديولوجية‮. ‬لم أكن أعلم شيئاً‮ ‬من هذا كله حينذاك ولكنني شعرتُ‮ ‬أن كتب الكوميك حررتني بحيث أفكر وأتخيل وأري بطريقة مختلفة تماماً‮. ‬

‮> > >‬

لننتقل الآن إلي العقد الأخير من القرن العشرين‮. ‬بصفتي أمريكياً‮ ‬من أصل فلسطيني،‮ ‬وجدتُ‮ ‬نفسي متورطاً‮ ‬بالضرورة في معركة حق تقرير المصير الفلسطيني وحقوق الإنسان‮. ‬ورغم معوقات المسافة والمرض والمنفي،‮ ‬صار دوري هو الدفاع عن هذه القضية الأشد صعوبة،‮ ‬وكذلك الدفاع عن أبعادها المخفية عمداً‮ ‬ورسم صورة لهذه‮ ‬الأبعاد كتابةً‮ ‬وتحدثاً‮ ‬أمام الجمهور،‮ ‬ومحاولاً‮ ‬طوال الوقت أن أتابع استكشاف تاريخنا كشعب في أماكن مثل عمّان وبيروت،‮ ‬ثم أخيراً‮ ‬علي الحقيقة في الضفة الغربية وغزة،‮ ‬حين صار بمقدوري أن أعود إلي فلسطين في عام‮ ‬1992‮ ‬للمرة الأولي‮ ‬منذ أن‮ ‬غادرت أسرتي القدس في‮ ‬1947‮. ‬

حين بدأت جهودي هذه بعد حرب يونيو‮ ‬1967‮ ‬كانت حتي كلمة‮ »‬فلسطين‮« ‬يكاد يكون من المستحيل استخدامها في الخطاب العام‮. ‬أذكر رؤية لافتات مرفوعة أمام قاعات النقاش والمحاضرات حول فلسطين تصرخ‮:»‬ليس هناك فلسطين‮« ‬وفي‮ ‬1969‮ ‬أطلقت جولدا مائير تصريحها الشهير قائلةً‮ ‬إن فلسطين لا وجود لها‮. ‬القسم الكبير من عملي ككاتب ومحاضر انشغل بدحض كل ما نال تاريخنا من تحريف ومسخ ونزع الصبغة الإنسانية عنه،‮ ‬محاولاً‮ ‬في الوقت نفسه أن أعطي الحكاية الفلسطينية حضوراً‮ ‬وشكلاً‮ ‬إنسانياً،‮ ‬تلك الحكاية التي محاها بكل كفاءة الإعلام وجحافل المجادلين الخصوم‮. ‬

بدون أي تحذير أو استعداد مسبق،‮ ‬وقبل عشر سنوات أحضر ابني الصغير إلي البيت كتاب الكوميك الأول لجو ساكو عن فلسطين‮. ‬ولما كنتُ‮ ‬منقطع الصلة عن عالم القراءة الحيوية لكتب الكوميكس،‮ ‬وعن شرائها ومقايضتها،‮ ‬فلم تكن لديّ‮ ‬أي فكرة عن وجود جو ساكو وعالمه الخلاب‮. ‬استعدتُ‮ ‬مباشرةً‮ ‬صلتي بعالم الانتفاضة الأولي العظيمة‮ (‬1987‮ ‬ــ‮ ‬1992‮)‬،‮ ‬كما عدتُ‮ ‬بتأثر أعظم شأناً‮ ‬إلي عالم الحيوي والمنعش للكوميكس التي كنتُ‮ ‬أقرأها قبل زمن بعيد‮. ‬كانت صدمة الاستعادة مزدوجة،‮ ‬فقد صدر من كتب ساكو عن فلسطين حوالي العشرة كتب،‮ ‬جُمعت الآن كلها في مجلد واحد وهو ما أتمني أن يجعلها متاحة علي نطاقٍ‮ ‬واسع ليس فقط للقارئ الأمريكي ولكن علي نطاق العالم كله،‮ ‬وكنت كلما مضيت مسلوب الإرادة في قراءتها زاد اقتناعي أن أمامي هنا عملاً‮ ‬سياسياً‮ ‬وجمالياً‮ ‬يتمتع بأصالة نادر المثال،‮ ‬لا نظير له في

السجالات الملتوية التواءً‮ ‬لا شفاء منه ذات البلاغة الطنانة والتي تورط فيها الفلسطينيون والإسرائيليون وأنصار كلٍ‮ ‬من الجانبين‮. ‬
وبما أننا نعيشُ‮ ‬أيضاً‮ ‬في عالم‮ ‬غارق في الميديا حيث يتحكم في الغالبية الهائلة من صور الأخبار العالمية وينشرها حفنة قليلة من الرجال المستقرين في أماكن مثل لندن ونيويورك،‮ ‬فها هو ترياق رائع تزودنا به سلسلة من كتب صور وكلمات الكوميكس،‮ ‬مرسومة بخطوط واثقة،‮ ‬وأحياناً‮ ‬مؤكّدة علي طريقة فن الجروتسك ومُضخّمة لكي تناسب المواقف المتطرفة التي تصوّرها‮. ‬في عالم جو ساكو لا وجود للمذيعين والمحاورين معسولي اللسان،‮ ‬لا وجود للحكايات المداهنة عن الانتصارات الإسرائيلية،‮ ‬والديمقراطية،‮ ‬والإنجازات،‮ ‬ولا وجود للصور المفترضة والمؤكدة المرة بعد الأخري للفلسطينيين بوصفهم رماة حجارة،‮ ‬وممانعين‮ (‬رافضين للسلام والتطبيع‮)‬،‮ ‬وبوصفهم أشراراً‮ ‬أصوليين هدفهم الأساسي هو تصعيب الأمور علي الإسرائيليين المضطهدين محبي السلام‮. ‬ما نراه هنا بالمقابل من خلال عيني وشخصية رجل شاب أمريكي متواضع المظهر بشعر قصير يحب السفر إلي كل مكان،‮ ‬يظهر أن جولاته تقوده إلي عالم‮ ‬غير مألوف وعدواني،‮ ‬عالمٍ‮ ‬من الاحتلال العسكري والاعتقال العشوائي،‮ ‬والخبرات الخانقة من هدم منازل ومصادرة أراضي وتعذي‮ (‬ضغوط بدنية معتدلة‮) ‬ونظام ذو قوة‮ ‬غاشمة يستخدمها بقسوة وسخاء وبوتيرةٍ‮ ‬يومية إن لم يكن كل بضعة ساعات‮  ‬ضد الفلسطينيين الذين يعيشون تحت رحمته‮ (‬مثلاً‮: ‬جندي إسرائيلي يرفض السماح للناس بالمرور من أحد حواجز الطرق المؤدية إلي الضفة الغربية بسبب،‮ ‬كما يقول كاشفاً‮ ‬عن أسنان هائلة ومُهددة،‮ ‬هذه،‮ ‬أي بندقيته الإم‮-‬16‮ ‬التي يلوّح بها‮). ‬
ليس هناك عمود فقري واضح،‮ ‬لا خط طريق يمكن تمييزه في اللقاءات الساخرة‮  ‬لجو ساكو بالفلسطينيين تحت الاحتلال،‮ ‬ولا محاولة للتخفيف من وطأة وجود هو في الجزء الأغلب منه وجود هش ومتوتر يقوم علي انعدم اليقين،‮ ‬والبؤس الجماعي،‮ ‬والحرمان،‮ ‬وخصوصاً‮ ‬في الأجزاء الخاصة بغزة،‮ ‬حياة التجول علي‮ ‬غير هدي في نطاق حدود المكان‮ ‬غير مريحٍ‮ ‬أو مُرحّب،‮ ‬التجوال ومن قبله ومن بعده الانتظار،‮ ‬والانتظار،‮ ‬والانتظار‮. ‬باستثناء واحد أو اثنين من الروائيين والشعراء،‮ ‬لم يستطع أحد أن يقدم الحالة الرهيبة للأمور خيراً‮ ‬من جو ساكو‮. ‬ولا شك في أن صوره نابضة بالحياة أكثر من أي شيء يمكنك قراءته أو رؤيته علي شاشة التليفزيون‮. ‬بصحبة صديقه المصور الصحافي الياباني سابورو‮ (‬الذي يبدو كأنه ضاع تماماً‮ ‬عند نقطةٍ‮ ‬ما‮)‬،‮ ‬جو هو حضورٌ‮ ‬يقظ ينصت ويراقب،‮ ‬متشكك أحياناً،‮ ‬وضجر وملول أحياناً،‮ ‬ولكنه أغلب الوقت متعاطف ومرح،‮ ‬كما حين يلاحظ أن كوب الشاي الفلسطيني‮ ‬غالباً‮ ‬ما يكون‮ ‬غارقاً‮ ‬في السكّر،‮ ‬أو كيف يجتمع الفلسطينيون عن طيب خاطر لتبادل حكايات الهول والمعاناة،‮ ‬كمما يقارن صيادو السمك بين حجم صيدهم أو كما يقارن صيادو البرية بين براعة وتسلل فرائسهم‮. ‬
‮> > >‬
نطاق الشخصيات المعروضة في الحكايات العديدة المجموعة هنا يتسم بتنوع رائع،‮ ‬بمقدرة رائعة لرسّام كوميك علي التقاط التفاصيل الموحية،‮ ‬شارب منحوت هنا،‮ ‬أسنان أكبر من اللازم،‮ ‬وبدلة رثة هناك،‮  ‬ينجح ساكو في مواصلة هذا كله ببراعة فنية يعوزها الحرص تقريباً‮. ‬كما أن الإيقاع المتمهل وغياب الهدف لجولاته يؤكدان علي أنه ليس صحافياً‮ ‬يبحث عن موضوع ولا دارس يحاول أن يثبّت الحقائق في مواضعها من أجل إنتاج بحث سياسي‮. ‬ذهب جو إلي هناك ليكون في فلسطين ــ وذلك فقط لأنه لا يستطيع إلا أن يقضي الوقت المتاح له هناك،‮ ‬وإلّا فالهدف النهائي أن يعيش حياة الفلسطينيين التي كُتب عليهم أن يعيشوها‮. ‬ومع الوضع في الاعتبار حقائق السلطة وتماهي ساكو مع الطرف المستضعف،‮ ‬فإن الإسرائيليين في كتابه مرسومين بصبغة تشككية ساخرة لا تخطئها العين،‮ ‬إن لم يكن بإساءة ظن علي الدوام‮. ‬فغالباً‮ ‬هم رموز لقوة‮ ‬غاشمة وسلطة مشبوهة‮. ‬لا أشير هنا فقط إلي الشخصيات المنفرة بوضوح مقل العديد من الجنود والمستوطنين الذين يواصلون الظهور المفاجئ لإقلاق عيشة الفلسطينيين وتحويلها عمداً‮ ‬إلي عبء‮ ‬غير محتمل،‮ ‬ولكن ــ خصوصاً‮ ‬في إحدي الحكايات‮ - ‬حتي هؤلاء من يسمون دعاة السلام ممن يناصرون حقوق الفلسطينيين‮ ‬يظهرون مراوغين،‮ ‬ومترددين للغاية،‮ ‬وأخيراً‮ ‬غير فاعلين بما يكفي ليكونوا أيضاً‮ ‬أهدافاً‮ ‬للسخرية المتسمة بخيبة الرجاء‮. ‬
ذهب جو إلي هناك ليكتشف ما سبب كون الأشياء علي ما هي عليه ولماذا بدا الطريق مسدوداً‮ ‬طوال كل ذلك الوقت‮. ‬إنه ينجذب إلي المكان جزئياً‮ ‬بسبب خلفية أسرته في مالطا خلال الحرب العالمية الثانية‮ (‬نعلم هذا من كتاب كوميك سابق له عجيب بدرجة استثنائية وهو‮ ‬War Junkie ،‮ ‬وجزئياً‮ ‬لأن العالم ما بعد الحداثي سهل المتناول بالنسبة للشاب الأمريكي ذو الفضول،‮ ‬وجزئياً‮ ‬لأن مثل مارلو شخصية‮ ‬جوزيف كونراد منجذب إلي الأماكن المنسية والأشخاص المنسيين من العالم،‮ ‬هؤلاء الذين لا يظهرون علي شاشات تليفزيوناتنا،‮ ‬وإذا وجدوا سبيلهم إليه يتم تصويرهم عادةً‮ ‬كهامش لا أهمية له،‮ ‬أو حتي جدير بالإهمال بما أنه يبدو مستحيلاً‮ ‬التخلص التام من قيمهم المزعجة،‮ ‬شأن الفلسطينيين‮. ‬ودون أن يفقد هذا الكتاب مقدرة الكوميك الفريدة علي نقل عالم سوريالي فهو حيوي وبالقدر نفسه عنيف عنفاً‮ ‬آسراً‮ ‬بطريقته الخاصة كرؤيا شاعر للأشياء،‮ ‬فإن جو ساكو يستطيع أيضاً‮ ‬ودون مباهاة أن ينقل قدراً‮ ‬عظيماً‮ ‬من المعلومات،‮ ‬ومن السياق الإنساني والأحداث التاريخية التي قلّصت الفلسطينيين إلي المعني الراهن لهم وهو العجز الراكد،‮ ‬علي الرغم من عملية السلام وعلي الرغم من البريق اللزج الذي يضفيه علي الأمور أساساً‮ ‬كلٌ‮ ‬من الزعماء‮ ‬المنافقين،‮ ‬وصانعي السياسات وخبراء الإعلام‮.‬
في أي موضع من الكتاب،‮ ‬لم يقترب ساكو إلي هذا الحد من الواقع المعيش الحي للفلسطيني العادي كما فعل في تصوير الحياة في‮ ‬غز،‮ ‬الجحيم الوطني‮. ‬فراغ‮ ‬الوقت،‮ ‬بلادة إن لم نقل دناءة الحياة اليومية في مخيمات اللاجئين،‮ ‬وشبكة العاملين في الإغاثة،‮ ‬والأمهات الثكالي،‮ ‬والشباب العاطلين عن العمل،‮ ‬والمعلمون،‮ ‬والشرطة،‮ ‬والطفيليون،‮ ‬وحلقات احتساء الشاي والقهوة المتواصلة في كل موضع،‮ ‬معني الحبس،‮ ‬الوحل الدائم والقبح الذي يرسمه مشهد مخيم اللاجئين والذي أضحي أيقونة دالة علي التجربة الفلسطينية بكاملها‮: ‬كل ذلك مُقدّم بدقة مفزعة وللمفارقة برقةٍ‮ ‬وهوادة في الحين نفسه‮. ‬وجو الشخصية موجود هناك متعاطفاً‮ ‬لكي يفهم ولكي يحاول أن يختبر بنفسه لماذا تمثّل‮ ‬غزة مكاناً‮ ‬من أشد الأماكن ازدحاماً‮ ‬لدرجة ميؤوس منها ومع ذلك تمثل فضاء بلا جذور للفلسطينيين الذين انتزعت بيوتهم وأراضيهم،‮ ‬ليس هذا وحسب بل أيضاً‮ ‬لكي يؤكد أنها موجودة هناك،‮ ‬ولا بدّ‮ ‬من التعامل معها بصيغة إنسانية،‮ ‬في تتابع الحكايات التي يمكن لأي قارئ أن يتماهي معها‮. ‬
وهكذا فإذا انتبهتَ‮ ‬سوف تلاحظ العرض المدقق للأجيال،‮ ‬كيف يتحدد الأطفال والبالغون خياراتهم ويعيشون حياتهم الهزيلة،‮ ‬البعض يتحدث والبعض يبقي صامتاً،‮ ‬وكيف يرتدون الكنزات الصوفية الرثة،‮ ‬والسترات مختلفة الأشكال،‮ ‬والكوفيات الفلسطينية‮ »‬الحطة‮« ‬الدافئة لحياة مرتجلة،‮ ‬علي هامش وطنهم الذي صاروا بداخله هم المخلوقات الأشد حزناً‮ ‬وعجزاً‮ ‬وإثارة للتناقض،‮ ‬غرباءً‮ ‬غير مرحب بهم‮. ‬يمكنك أن تري هذا كله بمعني ما من خلال عيني جو بينما يتحرك بينهم ويتلكأ هنا وهناك،‮ ‬منتهباً،‮ ‬ودوداً،‮ ‬مراعياً،‮ ‬ساخراً،‮ ‬وهكذا فإن شهادته البصرية تصير هو نفسه،‮ ‬هو مقدماً‮ ‬من خلال الكوميكس،‮ ‬من خلال أعمق أفعال الدعم والتعاضد‮. ‬وقبل هذا كله،‮ ‬فإن سلسلته الخاصة بغزة تُحي وتؤكد ثلاث شهادات بارزة أخري أتت من قبله،‮ ‬لثلاث كاتبات كتبن عن الأمر بصورة لا يمكن نسيانها‮ (‬إحداهن إسرائيلية،‮ ‬والثانية أمريكية ـ يهودية،‮ ‬والثالثة أمريكية لم يكن لها أي صلة سابقة بالشرق الأوسط‮): ‬أميرة هاس،‮ ‬المراسلة الشجاعة لصحيفة هآرتس والتي عاشت في‮ ‬غزة وكتبت عنها علي مدي أربعة أعوام،‮ ‬وسارة روي،‮ ‬التي كتبت دراسة شديدة الوضوح والحسم حول تراجع وانهيار تنمية الاقتصاد في‮ ‬غزة،‮ ‬وجلوريا إيمرسن،‮ ‬الروائية والصحافية صاحبة الجوائز التي وهبت عاماً‮ ‬من عمرها لتعيش بين أهل‮ ‬غزة‮. ‬
‮> > >‬
لكن في نهاية الأمر ما يميّز جو ساكو كمصوّر للحياة في الأراضي الفلسطينية المحتلة هو أنه اهتمامه الحقيقي ينصب علي ضحايا التاريخ‮. ‬فلتتذكر أغلب كتب الكوميكس التي نقرأها وكيف تنتهي كلها تقريباً‮ ‬بانتصار شخص ما،‮ ‬انتصار الخير علي الشر،‮ ‬أو كيف يمحو العدلُ‮ ‬الظلم،‮ ‬أو حتي بزواج العاشقين‮. ‬يتم التخلص من الأشرار علي يد السوبرمان ولا نعود نراهم أو نسمع عنهم‮. ‬يحبط طرزان مخططات الرجال البيض الأشرار ويشحنهم خارج إفريقيا مُذلين‮. ‬لكن فلسطين ساكو لا تمضي علي هذا النمط بالمرة‮. ‬فإن الناس الذين يعيش بينهم هم خاسري التاريخ،‮ ‬مبعدين إلي الهوامش حيث يبدون كأنهم يضيّعون الوقت في يأس،‮ ‬بدون كثير من الأمل أو التنظيم،‮ ‬عدا رغبتهم في البقاء التي لا تتزحزح،‮ ‬رغبتهم المضمرة‮ ‬غالباً‮ ‬في المواصلة،‮ ‬واستعدادهم للتشبث بحكايتهم وإعادة حكيها مراراً‮ ‬وتكراراً،‮ ‬ومقاومة مخططات التخلص التام منهم‮. ‬بذكاء وفطنة،‮ ‬يبدو ساكو شكّاكاً‮ ‬حيال القتال،‮ ‬وخصوصاً‮ ‬ذلك النوع الجماعي الذي ينفجر بالشعارات والتلويح بالرايات اللفظية‮. ‬كما أنه لا يحاول أن يقدم حلولاً‮  ‬من النوع المثير للسخرية لعملية سلام أوسلو‮. ‬غير أن الكوميكس الخاصة به تزود قرائه بإقامة طويلة بما فيه الكفاية بين شعب تم إهمال معاناته ومصيره‮ ‬غير العادل لوقتٍ‮ ‬أطول من اللازم وبقدر أقل من اللازم من الاهتمام السياسي والإنساني‮. ‬إن فن جو ساكو لديه القدرة علي أسرنا،‮ ‬وإبعادنا عن الشرود بنفاد صبر بحثاً‮ ‬عن عبارة لافتة أو حكاية متوقعة بصورة تعيسة عن الانتصار والتحقق‮. ‬ولعلّ‮ ‬هذا أعظم إنجازاته‮.   ‬
نص المقدمة التي كتبها إدوارد سعيد لرواية‮ ‬‮»‬فلسطين‮« ‬المصورة لجو ساكو‮..‬
والتي تصدر ترجمتها قريبا‮ ‬
عن‮ »‬دار التنوير‮« ‬في مصر وبيروت‮.

 منقول من موقع أخبار الأدب

الأربعاء، 6 أكتوبر 2010

جددوا الفضيحة وستروا القاتل!

فهمي هويدي



هما فضيحتان وليست واحدة، الأولى أن السلطة الفلسطينية تواطأت مجددا على تمكين إسرائيل من الإفلات من العقاب على ما ارتكبته من جرائم في عدوانها على غزة. والثانية أن الإعلام العربي تستر على الجريمة، وأحاطها بجدار من الصمت والتجاهل.
1
وقعت الواقعة في الأسبوع الماضي أثناء انشغال الجميع بالمفاوضات المباشرة وإحباطاتها، إذ نقلت وكالة الأنباء الفلسطينية من جنيف خبرا مفاده أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تبنى يوم الأربعاء 29/9 قرارا طالب الأمين العام والمفوض السامي لحقوق الإنسان بالاستمرار في متابعة تنفيذ توصيات تقرير القاضي الدولي ريتشارد غولدستون حول ما جرى أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة، على أن يعرض الأمر على المجلس بعد خمسة أشهر، في مارس من عام 2011.
هكذا تمت صياغة خبر الفضيحة التي أعنيها. وهي صياغة مسكونة بالتدليس والمراوغة، بمعنى أنها أعطت انطباعا بأن أمرا عاديا حدث، محوره مطالبة الأمين العام لمجلس حقوق الإنسان بمتابعة تنفيذ توصيات تقرير غولدستون وتأجيل إصدار قرار بشأنها إلى إشعار لاحق.
"
لا أتردد في القول بأنها (صياغة الخبر) نموذج للتستر على الفضيحة التي ارتكبت، واستهدفت تمكين إسرائيل من الإفلات من المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية، لمحاسبتها على الجرائم التي ارتكبتها أثناء عدوانها على غزة
"
وإمعانا في التدليس تحدث القرار عن ترحيب المجلس بتقرير اللجنة الدولية القانونية المستقلة حول نتائج التحقيقات التي قامت بها الأطراف. وأشاد بتعاون السلطة الوطنية مع تلك اللجنة، في حين أدان عدم تعاون إسرائيل وإعاقة جهودها.
وحث المجلس في قراره السلطة الوطنية على استكمال تحقيقاتها بخصوص ادعاءات لجنة تقصي الحقائق المتعلقة بقطاع غزة، كما حث إسرائيل على أن تقوم بما تمليه عليها واجباتها لإتمام التحقيقات فيما يخصها من الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي التي أوردها تقرير غولدستون.
لا أستطيع أن أفترض حسن النية في صياغة الخبر على ذلك النحو، خصوصا إذا لاحظنا أن تلك الصياغة صدرت عن وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) الخاضعة للسلطة الفلسطينية التي وقفت وراء القرار.
لذلك لا أتردد في القول بأنها نموذج للتستر على الفضيحة التي ارتكبت، واستهدفت تمكين إسرائيل من الإفلات من المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية، لمحاسبتها على الجرائم التي ارتكبتها أثناء عدوانها على غزة، وهو ذات الموقف المدهش الذي تبنته السلطة الفلسطينية منذ اللحظات الأولى لعرض تقرير غولدستون على مجلس حقوق الإنسان في شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي (2009). ولذلك قصة مخزية ينبغي أن تروى.
2
في البدء كانت فضيحة إسرائيل التي كشف عنها تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلت بتفويض من الأمم المتحدة برئاسة القاضي اليهودي الدولي ريتشارد غولدستون (من جنوب أفريقيا)، إذ أدان التقرير إسرائيل في عدوانها الذي استمر 22 يوما على غزة (آخر عام 2008 وبدايات عام 2009)، ومارست خلاله انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي، كان أبرزها استخدام الفوسفور الأبيض الذي يلتهم الجلد البشري فور تعرضه للأكسجين. وهو العدوان الذي أسفر عن قتل 1400 فلسطيني وإصابة 5000 آخرين.
في ذات الوقت فإن التقرير الذي وقع في 575 صفحة سجل عدة انتهاكات بحق السلطة المختصة في القطاع، وأوصى بأن تحول نتائجه إلى المحكمة الجنائية الدولية إذا فشلت إسرائيل وحماس في إجراء تحقيقات ذات مصداقية فيما نسب إلى كل منهما. وقد رفضت إسرائيل التقرير واعتبرته منحازا، كما رفضت التعاون مع لجنة تقصي الحقائق الدولية.
هذا التقرير كان يفترض أن يعرض على مجلس حقوق الإنسان في شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، تمهيدا لاتخاذ إجراءات المضي في الالتزام بتوصياته. ولكن مفاجأة لم تخطر على بال أحد وقعت وقتذاك في جنيف، حين تبين أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) طلب من مندوب منظمة التحرير لدى مجلس حقوق الإنسان أن يدفع بتأجيل مناقشة التقرير إلى الدورة التالية للمجلس في شهر مارس/آذار 2010.
"
التحقيقات التي تجريها إسرائيل تفتقر إلى الشفافية والنزاهة، والحكومة الإسرائيلية فشلت في التحقيق مع من خططوا وأشرفوا على الهجوم
"
ولم يكن هناك من تفسير لذلك المطلب سوى أنه يهدف إلى رفع الحرج عن إسرائيل وإخراجها من المأزق الذي وقعت فيه، وهو موقف صدم الجميع وأثار غضبا عارما في الأوساط الفلسطينية والعربية على الأقل، الأمر الذي دفع أبا مازن إلى التراجع عن قراره، فسحب طلب التأجيل وعرض التقرير على مجلس حقوق الإنسان، الذي يتمتع فيه العرب والمسلمون ودول العالم الثالث بأغلبية كبيرة.
وكانت النتيجة أن المجلس تبنى تقرير غولدستون وتوصياته وأحال الأمر إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني 2009، وقد أيدت بدورها التقرير (بالتصويت)، وأعطت مهلة لكل من إسرائيل والفلسطينيين لإجراء تحقيقات عادلة في شأن ما نسب إلى كل منهما، ترقى لمعايير العدالة الدولية.
شكلت الأمم المتحدة لجنة من الخبراء المستقلين لرصد وتقييم التحقيقات الداخلية التي قامت بها إسرائيل والجانب الفلسطيني، وقبل الاجتماع الأخير في جنيف قدمت اللجنة تقريرها إلى مجلس حقوق الإنسان، وذكرت على لسان رئيسها البرفسور كريستيان توموشات أن التحقيقات التي تجريها إسرائيل تفتقر إلى الشفافية والنزاهة، مشيرا إلى أن الحكومة الإسرائيلية فشلت في التحقيق مع من خططوا وأشرفوا على الهجوم.
ذكرت اللجنة أيضا أن الجانب الفلسطيني فشل بدوره في إجراء التحقيقات الداخلية الخاصة به.
وكان تقرير غولدستون قد أوصى بإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية إذا فشل الطرفان في إجراء التحقيقات اللازمة فيما نسب إلى كل منهما.
وكان مقررا أن ينتهي الطرفان من تحقيقاتهما في شهر مارس/آذار من العام الحالي. ولما لم يحدث ذلك مدت الأمم المتحدة المهلة إلى شهر يوليو/تموز، ولما لم يقع أي تقدم في هذا الجانب، كان على مجلس حقوق الإنسان أن يحسم الأمر المعلق، علما بأن الولايات المتحدة وإسرائيل ظلتا تطالبان طول الوقت بإغلاق الملف ودفن تقرير غولدستون بشكل نهائي، اكتفاء بالتحقيقات التي أجريت، بزعم أنها لم تنته إلى نتائج ملموسة.
ولذلك اتجهت الأنظار إلى الاجتماع الأخير الذي عقد في جنيف يوم 29 سبتمبر/أيلول الماضي، حيث توقع الناشطون في مجال حقوق الإنسان أن تأخذ الإجراءات مسارها الطبيعي، بحيث يقرر المجلس إحالة الملف إلى مجلس الأمن، لكي يوجهه بعد ذلك إلى المحكمة الجنائية الدولية. ولكن ما حدث لم يكن في حسبان أحد.
3
"
البعثة الفلسطينية لدى مجلس حقوق الإنسان في جنيف تقدمت بمشروع قرار إلى المجلس يسهل إفلات إسرائيل من العقوبات التي يمكن أن تواجهها جراء الحرب العدوانية على قطاع غزة
"
كانت صحيفة "الحياة" اللندنية الوحيدة التي سربت الخبر، إذ نشرت صبيحة يوم الأربعاء 29/9 خبرا ذكرت فيه أن "مصادر حقوقية فلسطينية كشفت النقاب عن فضيحة جديدة للسلطة الفلسطينية تتعلق بطلبها تأجيل إحالة تقرير غولدستون إلى الأمم المتحدة. مجددة بذلك موقفها في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي الذي تبنى الدعوة إلى إرجاء النظر في التقرير. وهو ما أثار انتقادات حادة، وكانت له نتائجه الخطيرة على الوضع الفلسطيني برمته.
وكشفت المصادر عن أن البعثة الفلسطينية لدى مجلس حقوق الإنسان في جنيف تقدمت بمشروع قرار إلى المجلس يسهل إفلات إسرائيل من العقوبات التي يمكن أن تواجهها جراء الحرب العدوانية على قطاع غزة، الأمر الذي يعد فضيحة كبرى جديدة، وحذرت المصادر من خطورة التصويت لصالح القرار، الذي من شأنه إجهاض تقرير القاضي الجنوب أفريقي ريتشارد غولدستون، الذي أشار إلى ارتكاب إسرائيل جرائم حرب أثناء عدوانها على القطاع.
في الخبر المنشور عرضت الحياة خلاصة لمشروع القرار الذي تقدم به ممثل منظمة التحرير قبل أيام قليلة إلى مجلس حقوق الإنسان، وكانت أخطر فقراته مادة نصت على أن "يطلب المجلس من المفوض السامي لحقوق الإنسان أن يقدم تقريرا عن تطبيق القرار إلى مجلس حقوق الإنسان في جلسته السادسة عشرة في شهر مارس عام 2011".
في التعليق على هذه الخطوة نقلت "الحياة" عن المصادر الحقوقية الفلسطينية قولها إنه "طالما أن إسرائيل رفضت بإصرار إجراء تحقيقات مستقلة ونزيهة في العدوان على القطاع فهذا يلقي الكرة إلى ملعب المجتمع الدولي لإجراء مثل هذا التحقيق، وليس التسويف والمماطلة والبحث عن مخارج لها من قبل السلطة الفلسطينية".
في مساء اليوم نفسه، في الساعة السادسة والنصف مساء، بثت وكالة الأنباء الفلسطينية من مقرها في رام الله الخبر بعد صياغته بالصورة الملتبسة التي أشرت إليها، حيث استهلته بالجملة التالية: "تبنى مجلس حقوق الإنسان قرارا مهما قدمته المجموعة العربية والمجموعة الإسلامية، يطالب الأمين العام والمفوض السامي لحقوق الإنسان بالاستمرار في متابعة تنفيذ التوصيات الواردة في تقرير غولدستون".
أخفى الخبر أن القرار قدم بإيعاز من ممثل السلطة في المجلس، ولم يشر إلى أن موضوعه الأساسي هو الحيلولة دون إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية مما قد يعرض إسرائيل للعقاب.
المدهش أن الخبر لم يحدث أي صدى في العالم العربي، على الرغم من الصدى العنيف الذي حدث في المرة السابقة، إذ باستثناء بيان أصدره مركز القاهرة لحقوق الإنسان مع منظمات حقوقية فلسطينية أخرى، ندد بالتواطؤ العربي على دفن تقرير غولدستون، فإن عملية التعتيم على القرار لم تتح لأحد أن يتابع ما جرى في جنيف، وبالتالي فقد تم تمرير ودفن القرار في هدوء ودون أن يشعر أحد.
4
"
الصمت العربي على ما جرى يبعث على الحيرة، ذلك أن أبا مازن وجماعته إذا كانوا قد تستروا على الجريمة الإسرائيلية تحت التهديد، فهل العالم العربي تلقى ذات التهديد أم أن عواصمه الكبرى اختارت الصمت لكي تتحلل من عبء القضية
"
لم ينتبه كثيرون إلى الفضيحة التي حدثت في جنيف، ليس فقط جراء الصياغة الملتبسة التي قدمت بها الوكالة الفلسطينية القرار، ولكن أيضا لأنه قدم وحسم وسط أجواء ضجيج الحديث عن أزمة المستوطنات التي عوقت المفاوضات المباشرة، وعن تداعيات أزمة أسطول الحرية التي قتل الإسرائيليون فيها تسعة أتراك، وأخبار تحرك "قافلة شريان الحياة"، التي انطلقت من إنجلترا في طريقها إلى غزة.
ولابد أن يلفت نظرنا في هذا السياق أنه في الوقت نفسه الذي طلبت فيه السلطة الفلسطينية تأجيل إحراج إسرائيل وعقابها أطلقت أخبارا معطرة عن تجدد جهود المصالحة بين فتح وحماس، ولا أعرف هل قصد بذلك صرف الانتباه عما حدث في جنيف أم أن التزامن مجرد مصادفة.
من المفارقات أنه في الوقت الذي قدم فيه أبو مازن هذه الهدية لإسرائيل، فإن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو تعامل معه بمنتهى الصلافة والاستعلاء، حين رفض أن يتراجع خطوة واحدة، ولو على سبيل التمثيل، عن موقفه بشأن استمرار بناء المستوطنات.
حين وقعت الفضيحة الأولى في شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، كتب الدكتور عزمي بشارة المثقف والسياسي الفلسطيني البارز مقالين نشرا في 4 و5/٩ تحت العنوان التالي "العار يمشى عاريا" تحدث فيهما عن التهديدات السياسية والاقتصادية التي وجهها نتنياهو لقيادة السلطة، وتهديدات وزير خارجيته ليبرمان بالكشف عن تورط السلطة في دعم الحرب الإسرائيلية على غزة، مما أدى إلى تراجع السلطة علنا عن تأييد القرار.
وذهب إلى أن موقف السلطة في حقيقته هو محاولة لإفشال القرار، وفى هذه الحالة، فإن صاحب الشأن حين يتراجع عن القضية، فإنه يصبح بإمكان الآخرين أن يتحرروا من العبء، لينتقل صاحب الشأن بعد ذلك إلى الاختباء وراء تحرر الآخرين من العبء.
إن الصمت العربي على ما جرى يبعث على الحيرة، ذلك أن أبا مازن وجماعته إذا كانوا قد تستروا على الجريمة الإسرائيلية تحت التهديد وساعدوا على أن تفلت إسرائيل من العقاب، فإن ذلك يثير تساؤلنا حول كون العالم العربي قد تلقى ذات التهديد أم أن عواصمه الكبرى اختارت الصمت لكي تتحلل من عبء القضية وتتخلص من الصداع الذي تسببه لها.
إن السلطة والأنظمة التي تقف معها أصبحت تقف علنا في صف تصفية القضية وإغلاق ملفها. وغدت الأمّة وحدها مسؤولة عن مواجهة التحدي وإدارة الصراع

منقول من الجزيرة نت

مخطط إسرائيلي لتهويد القدس

تعتزم السلطات الإسرائيلية ما أسمته تجديد أجزاء من البلدة القديمة في القدس المحتلة, يتضمن فتح بوابة جديدة في جدران المدينة المقدسة, وذلك للمرة الأولى منذ 112 عاما, إبان العهد العثماني.
وقالت تقارير إسرائيلية إن الخطة هي جزء من مخطط أكبر من شأنه أن يغير معالم حائط البراق, وسيتم فتح بوابة جديدة لدخول نفق سيتم حفره في الصخر تحت طبقات المدينة.
وقال مراسل الجزيرة في القدس إلياس كرام إن المشروع يظهر أن إسرائيل ماضية في مشاريعها التهويدية والاستيطانية في القدس المحتلة وفي عموم القدس، واعتبر أن هذا المخطط يمثل الحلقة الأخطر في القدس لأنه الحلقة الأقرب إلى الحرم القدسي والبلدة القديمة التي تهودها إسرائيل من خلال الاستيلاء على منازل وعقارات عربية، بالإضافة إلى حلقات استيطانية أوسع في محيط المستوطنات حول القدس وفي قلب الأحياء العربية.
وأشار المراسل إلى أن المخطط الاستيطاني يحاصر الحرم القدسي الشريف الذي يعتبره كثير من الجماعات اليهودية المتطرفة بأنه الهيكل الثالث المزعوم، وهي تسعى لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل مكانه.
ولفت المراسل إلى أن إقرار المشروع جاء بموافقة الحكومة الإسرائيلية وبالتعاون مع بلدية القدس وسلطة الآثار الإسرائيلية، وهو يهدف إلى تهويد حائط البراق وتوسيعه ليستوعب أعدادا كبيرة من السياح والمصلين اليهود الذين يؤمونه في أوقات الصلاة وفي أوقات الأعياد اليهودية وربطه بمجموعة من الأنفاق التي ستربطه بالمشاريع الاستيطانية في محيط الحرم القدسي كالحدائق التوراتية التي تحاصر المسجد الأقصى من عدة جوانب، وما يسمى بالحوض المقدس الذي تسعى إسرائيل لإنشائه في بلدة سلوان وفي محيطه، بالإضافة إلى مشاريع استيطانية أخرى مرتبطة بهذا المشروع.
وأشار إلى أن هذا المخطط جزء من مشروع أكبر يتحدث عن السيطرة على كل محيط الحرم القدسي الشريف من خلال حدائق توراتية وأثرية، وربط باب الأسباط بقطار هوائي يربط الشطر الشرقي من القدس بهذه المنطقة، وكذلك منطقة الطور بهذه المنطقة.
واعتبر أن خطورة المخطط تأتي أيضا من كونه يتزامن مع ظروف سياسية حرجة تتعلق بعملية السلام والتهديدات المحدقة بانهيارها بعد استئناف إسرائيل بناء المستوطنات، مؤكدا أن توقيته يحمل رسالة سياسية للمجتمعين في القمة العربية الاستثنائية المقرر انعقادها في ليبيا، وهي أن إسرائيل ماضية في مخططاتها الاستيطانية والتهويدية بمعزل عن المفاوضات، وهي تعتبر أن القدس لا تقبل القسمة على اثنين وستبقى تحت سيادتها وهي خارجة عن أي مفاوضات.
تنديد فلسطيني
حاتم عبد القادر اعتبر المخطط الإسرائيلي بأنه الأخطر على القدس منذ العام 1967 (الجزيرة-أرشيف)
وفي إطار ردود الفعل على المخطط الإسرائيلي، ندد مسؤول ملف القدس في حركة التحرير الوطني الفلسطيني(فتح) حاتم عبد القادر بهذا المخطط، ووصفه بأنه الأخطر على القدس منذ العام 1967.

وأوضح عبد القادر أنّ المشروع يقوم على هدم وإزالة كافة الآثار الإسلامية، وإحداث تغيير جغرافي غير مسبوق في اتجاه تهويد المنطقة، من خلال إزالة التلة التاريخية قرب باب المغاربة، إحدى بوابات المسجد الأقصى، وبناء جسر يمتد من ساحة البراق حتى بوابة المغاربة.

وحذر من أنّ هذا المخطط يستهدف تأمين اقتحام اليهود للمسجد الأقصى من منطقة باب محمد الذي يقع أسفل المسجد ويطل على ساحة البراق، بالإضافة إلى حفر أنفاق في ساحة البراق، وتسيير مترو أنفاق من الحي اليهودي في الجهة الشرقية المقابلة لنقل اليهود إلى ساحة البراق.
ورأى خبير الأراضي والاستيطان خليل تفكجي أنّ المصادقة على هذا المخطط تعتبر رسالة للسلطة الفلسطينية وللعالمين العربي والإسلامي من السلطات الإسرائيلية، بأن مدينة القدس عاصمة لدولة واحدة وليست عاصمة لدولتين.
مستوطنات جديدة

في غضون ذلك قال تقرير لصحيفة هآرتس الإسرائيلية إنه يجرى العمل على بناء 350 وحدة سكنية في مستوطنات الضفة الغربية منذ انتهاء فترة تعليق بناء المستوطنات قبل عشرة أيام.
وذكرت الصحيفة أن المستوطنين بدؤوا بناء 56 مسكنا في مستوطنة كدوميم إضافة إلى عدد من الفيلات. وفي مستوطنة أريئيل، بدأ العمل في بناء 54 مسكنا، كما بدأ العمل في بناء 56 مسكنا في مستوطنة كرمي تسور.
كذلك يجري بناء 24 مسكنا في مستوطنة آدم، و34 مسكنا في مستوطنة كريات، و24 مسكنا في مستوطنة متيتياهو، وما بين عشرة مساكن إلى خمسة عشر مسكنا في مستوطنة نيلي.
منقول من الجزيرة نت

الثلاثاء، 21 سبتمبر 2010

( القاء الحجارة في الضفة الغربية ) مقال للدكتور عبد الوهاب المسيري

 إلقاء الحجارة في الضفة الغربية*
د.عبد الوهاب المسيري
من المقولات التي لا يمكن للعدو الصهيوني مواجهتها مقولة العربي او الفلسطيني. فاعترافه بوجود العربي هو اعتراف ضمني يكذب أيديولوجيته من أساسها ولذا نجد الصهاينة يبذلون قصارى جهدهم في أن يزيلوا الوجود الفلسطيني تماماً لا من الوجود وحسب، وإنما من وجدانهم ووجدان الآخرين.
ويتبع الصهاينة. مناهج عديدة للوصول لهذا الهدف. فيسمون العربي بأنه متخلف (وبالتالي لا حقوق له)، أو أنه لا هوية محددة له (وبالتالي يمكن توطينه في أي مكان) أو أنه لا وجود له (ولذا قالوا عن فلسطين الآهلة بالسكان والتي كانت تعد من أزحم بقاع العالم: أرض بلا شعب، أي أرض خالية).
وكل هذه المناهج كانت تصلح للتعامل مع الفلسطينيين عن بعد، ولكن بعد حرب 1967 اختلت الأمور، وكان علي العدو الإسرائيلي أن يتعامل مع الفلسطينيين، وكان عليه أن يقاتل ضدهم وأن يحاول التصدي لمظاهراتهم وأن يهرب من رصاصاتهم، وأصبح من الصعب عليه أن ينادي بأنهم لا وجود لهم، وإلا بما يفسر تلك القلاقل التي يثيرها هذا العربي الغائب، ولذا لجا العدو، شأنه شأن كل المستعمرين، إلى تقسيم الفلسطينيين إلى أقلية مناضلة "سريرة" يسميها بالإرهابيين أو المتسللين أو المتشردين أو أتباع المنظمة (ولا يسمونهم قط بالفدائيين أو المدافعين عن الحرية) وأغلبية طيبة خيرة طيعة مستسلمة تستمع إلى أوامره وتنصاع لها. ويجب أن تنتبه إلى أن مثل هذه التقسيمات الساذجة بل والواضحة البلاهة ليست من قبيل التدليس على الآخرين وحسب ولا من قبيل خداع الرأي العام العالمي، بل هي قناعة إسرائيلية حقيقية، تحدد سلوك العدو وتفسر العديد من برامجه الفاشلة. ويظهر في الصحف الإسرائيلية من آونة لأخرى أنباء توحي بأنه "تم أخيرا السيطرة على الموقف سيطرة تامة" أو "أن المقاومة قد اجتثت  تماما من جذورها" أو أن "أهل الضفة قد بدأوا يظهرون الثقة في القيادة الإسرائيلية الحكيمة الرشيدة" وقد امتلأت الصحف الإسرائيلية بأنباء عن نجاح غزو لبنان وعن أن القوات الإسرائيلية قد حققت ما تصبو إليه (وهم يسمون غزو لبنان "عملية سلام الجليل" ، وهكذا يصبح الفلسطيني الذي يدافع عن حقه إرهابيا، والصهيوني الذي يستولي على أرض الآخرين مدافعا عن السلام).
ومن أطرف الأمثلة على هذا الاتجاه التصريح الذي أدلى به الجنرال بنيامين بن اليعازر (الذي يشغل وظيفة "منظم الأنشطة في يهودا السامرة، أي الضفة الغربية) (الجيروساليم بوست 4 نوفمبر 1983) بأنه لاحظ أخيرا علامات وقرائن على ما سماه اتجاها مترددا أو حذرا نحو البرجمانية بين عرب الضفة والقطاع.
والبراجمانية تعني في نهاية الأمر التكيف مع الأمر الواقع وتقبله، والأمر الواقع هو القهر الإسرائيلي. وكي يرتدي مسوح الموضوعية قال الجنرال الصهيوني أن الوضع الآن مختلف عما كان عليه بين عامي 1978 و 1981 (حينما كان يشغل منصب الحاكم العسكري في الضفة الغربية).
وقد حاول الجنرال تفسير التغير الذي حدث بأنه يعود إلى هزيمة المنظمة في بيروت وانقسامها في طرابلس وإلى انشغال الدول العربية كل بمشاكلها ومصالحها. ثم أضاف أن 55% من كل الفلسطينيين في المناطق المحتلة وُلدوا بعد 1967 ولا يعرفون الأردن ورمزهم الأساسي هو منظمة التحرير، و40% منهم يذهب للمدارس والجامعات وقد سألته الجريدة كيف ينوي أن يكسب قلوب هؤلاء الشبان المرتبطين بالمنظمة, فكان رده متواضعا إذ قال إنه لن يحاول بطبيعة الحال أن يحولهم إلى مؤيدين للصهيونية وإنما سيساعدهم على حل مشاكلهم المحلية بأن ينشئ عددا أكبر من البنوك وأن يؤسس شركة استثمارية ولا داعي للحديث عن القضايا السياسية العريضة!
وهكذا ستحل إسرائيل المسالة الفلسطينية بتحويل انتباه الشباب الفلسطيني إلى أمور المال والدنيا بدلا من قضايا الوطن والأرض.
ولا يعدم الصهاينة أن يجدوا من يتعاون معهم ويؤازرهم ويقدم لهم العون والنصح والاستشارة.
فالولايات المتحدة الأمريكية التي تود التوصل إلى حل سريع ودائم وشامل للمشكلة الفلسطينية عن طريق تقوية قبضة الاحتلال الإسرائيلي وعن طريق فرض الكيان الصهيوني كأمر نهائي وجدت أن من الضروري مد يد المساعدة للجنرال بنيامين بن اليعازر ولذا تمت دعوته لزيارة الولايات المتحدة ليجتمع مع وزير الخارجية الأمريكية وكبار موظفي الوزارة ليبحث معهم عن كيفية تحسين مستوى معيشة العرب في الأراضي المحتلة (أي مزيد من البنوك) وكيف يمكن للولايات المتحدة أن تساهم في التخفيف من حدة بعض جوانب الاحتلال الإسرائيلي ععن طريق المساعدات الفنية والتنموية. (وتأتي زيارة بن اليعازر ردا على زيارة وفد أمريكي رسمي قام بزيارة الضفة الغربية وبدراسة المشاكل التي يواجهها الاحتلال الإسرائيلي هناك) (الجيروساليم بوست 1 ديسمبر 1983)  وتوجد عناصر أخرى من الفلسطينيين العرب تساند هذه المحاولات البرجمانية ولا تشغل بالها بمشاكل الوطن أو الأرض، وهذه العناصر ممثله فيما كان يسمى بروابط القرى، التي أصيبت بالسكتة القلبية أو ماتت دون أن يرثيها أحد (لا العدو ولا الحبيب).
ولكن بعد مرور عشرة أيام وحسب من تصريحات الجنرال المتفائلة، وجد نفسه يحضر اجتماعا مع وزير الدفاع لمناقشة أعمال الشغب والفوضى بالضفة الغربية، وقد صرح لـ معاريف (14 نوفمبر 1983) أن الحكومة لن تسمح بتدهور الأحوال (وهو الذي كان يتحدث عن التحسن الملحوظ) وقد انذر الجنرال أنه سيضع حدا لظاهرة إلقاء الحجارة ثم أضاف قائلا: ولكن هذا لن يتم إلا حسب معايير الدولة الصهيونية جيش الدفاع الإسرائيلي (وهذه المعايير المتحضرة لا تستبعد سد مداخل مخيمات اللاجئين أو أنشاء أسوار عالية مثل أسوار السجون وحول مباني المدارس، أو فرض ساعات طويلة من حظر التجول) ولكن حسب ما جاء في الجيروساليم بوست، باءت كل هذه المحاولات بالفشل ولم يظهر الفلسطينيون الذين وُلدوا في الأرض المحتلة، أي استعداد لتقبل الكيان الصهيوني ولعل الجنرال المتفائل قد قرأ هذه الافتتاحية التي اقتبسنا منها هذه المعلومة عن شباب الأرض المحتلة، خاصة وأنهم هم محط أمله ومصدر تفاؤله!
وبعد مرور أسبوعين وحسب من تصريحات الجنرال المتفائل كان جنرال آخر هو شلومو اليا، رئيس الإدارة المدنية في الضفة الغربية، يقوم بافتتاح مبني البلدية الجديد في أحدي مدن الضفة ، وقد اصطحبه في هذه الزيارة مصطفي دودين مؤسس روابط القرى. ولكن الجماهير الفلسطينية العنيدة لم بيد أي برجمانية أو اعتدال، لم تقابل أبطال البنوك والاستثمارات والقضايا المحلية بالزهور وإنما بالحجارة (الجيروساليم بوست 16 نوفمبر 1983). وقد اندلعت الاضطرابات في نفس اليوم في مدينة نابلس وأحاطت الجماهير الغاضبة بسائق تاكسي إسرائيلي وألقت عليه الحجارة مما أضطره إلى إطلاق النار عليهم، وألقى البوليس القبض على ثلاثة طلاب من جامعة النجاح.
ويبدو أن إلقاء الحجارة أصبح سلاحا أساسيا في يد الجماهير العزل من السلاح في الضفة الغربية. ولكن يجب أن تدري مدى أهميته في الحرب ضد المستعمر الاستيطاني الإحلالي  فهذا المستعمر لا يود استغلالنا أو استغلال مواردنا الطبيعية وحسب (كما كان الحال مع الاستعمار الإنجليزي في مصر) وإنما يود استلاب الأرض والعيش فيها ينعم براحة البال والهدوء، كما أنه يود أن يسلبنا أسباب الحياة والاستمرار حتى نرحل عن الأرض ليحل محلنا فيها. وكما قلنا من قبل يتميز المستوطنون الصهاينة الجدد بأنهم أساسا من المرتزقة، الذين استوطنوا الضفة الغربية لأغراض اقتصادية نفعية ولذا بالمنظمة الصهيونية تدفع لهم الرشاوي الباهظة على هيئة منازل مريحة وطرق معبده خصيصا لهم ومدارس لأطفالهم حتى ينعموا بالعيش في هواء أرض الميعاد المكيف! ولذا فكل ما ينغص عليهم حياتهم هو في نهايته إحباط للمخطط الصهيوني. وبالفعل يبدو أن هذا السلاح، رغم ضعفه وبدائيته، قد أصبح سلاحا فعالا، ولذا نجد أن المحاكم الإسرائيلية قد حكمت على ساب عمره 17 عاما بالسجن لمدة ستة شهور وبالغرامة 30 ألف شيكل لإلقائه بالحجارة على الصهاينة (الجيروساليم بوست 22 نوفمبر 1983) (بل ويطالب ممثلو المستوطنين الصهاينة  بتوقيع عقوبة السجن لمدة 25 عاما لمن يقذف الحجارة، وذلك في اجتماع حضره وزير الخزانة كوهين/ اورجاد (الذي يعيش في منزل فاخر في الضفة الغربية) والوزير تسيبوري والوزيرة سارة دورون. وقد قال ممثلو المستوطنات أن منظمة التحرير الفلسطينية لها اذرع ممتدة في الأراضي المحتلة تتلقي التعليمات من وراء الحدود بل ويطالب المستوطنون كذلك بتوقيع عقوبة الطرد على من يلقي بالحجارة (عل همشمار 14 ديسمبر1983). وفي اجتماع سابق ناقش المستوطنون الطرق اللازم اتخاذها للقضاء على ظاهرة إلقاء الحجارة وطالبوا بتدخل الجيش وقد قام المستوطنون بمظاهرة احتجاج قادها الحاخام موشيه ليفنجر (أحد زعماء الجوش ايمونيم) لإظهار استيائهم. كما اقتحمت جماعة أخرى من المستوطنين أحدى المدارس العربية وانذروا الناظر بتوقيع العقوبات عليه أن قام أي من تلاميذ مدرسته بإلقاء الحجارة (الجيروساليم بوست  22 نوفمبر 1983) بل أن بعض المستوطنين اقتحم إحدى المدارس بعد أن ألقت طفلة لا تتعدى العاشرة الحجارة عليهم. وتصل الماساة/ الملهاة ذورتها حينما نجد رئيس وزراء الكيان الصهيوني (الجيروساليم بوست في 24 يناير 1984) وقد اجتمع مع عضوي الكنيست من كتلة هتحيا  ليخبرهما أن إلقاء الحجارة من أسباب قلقه العميق ويعد بأنه سيدرس القضية شخصياً كما قال أنه يجب اتخاذ الخطوات اللازمة لوقف هذه المضايقات خاصة على الطرق السريعة وقد أدلى بتصريحات مماثلة !
وهكذا يمكن القول أن تفاؤل الجنرال بن اليعازر كان من قبيل تهدئة الذات، وأن العدو الإسرائيلي قادر على خداع نفسه. بل أن خداعه لنفسه ضرورة لبقائه. ولذلك علينا إلا نقنع باقتباس ما يقول وكأنه الحقيقة وعلينا ألا نخاف من مخططاته لأنها هي الأخرى قد تكون من قبيل خداع الذات. هذا لا يعني بطبيعة الحال أن العدو لا يردد سوى الأكاذيب، ولكنه يعني إلا نندفع لتصديق كل ما يقول، وأن نحكم على كلماته بمحك الواقع.
والله أعلم.





* هذا المقال نشر بـ جريدة الرياض بالمملكة العربية السعودية 24 فبراير  1984 م  الموافق 23 جمادى الأولى 1404 هـ في العدد 5724 السنة العشرون.

هذا المقال منقول من موقع الدكتور عبد الوهاب المسيري