إظهار الرسائل ذات التسميات علوم وتكنولوجيا. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات علوم وتكنولوجيا. إظهار كافة الرسائل
السبت، 30 نوفمبر 2013
الأربعاء، 11 سبتمبر 2013
المخ.. كيف يعالج المعلومات ويفسر اللغة؟.. نبيل سليم
كيف يتفهم العقل اللغة؟ وكيف يمكن للإنسان تبيُن اللغة؟ وبماذا تميز القواعد النحوية؟! وما مغزى دلالة الكلمات فى عقل الإنسان؟!... كيف يعالج المخ المعلومات؟! وكيف يبحث عـن الحقيقة؟ وما تفاصيل الحوارات التى تدور به؟ كل هذه التساؤلات كانت مثار بحث لدى الدكتورة إنجيلا فريدرشي، مديرة معهد ماكس بلانك لعلم الأعصاب الفهمي بليبزج.
عكفت د. إنجيلا تبحث طوال
حياتها المهنية على إجابة عن تساؤل واحد - على حد تعبيرها - ظل يشغلها، وهو: ما اللغة؟
وكيف تتمثل في مخي إلى حوار جاد أنتهي منه إلى نتيجة سليمة قانعة بها؟! لقد اطلعت
على الكثير من الأبحاث والأدبيات التي تناولت هذا الموضوع، غير أنها كانت بمنزلة
نوافذ صغيرة، كل منها تطل على رؤية موضوعية تتباين عن الأخرى. وأثناء قيامي بالكشف
على المرضى، أجريت بعض التجارب اللغوية على الأطفال، واختبرت البالغين ولاحظت سلوكهم،
وجميعها بمنزلة قِطع في أحجية الصورة المقطوعة، التي باندماجها تشكل صورة شاملة عن
كيفية إتمام اللغة، ويعتبر مجال بحثها من المجالات الضيقة إلى حد ما، فهي تهتم بصورة
حصرية بتفهم اللغة.
تسترسل د. إنجيلا: إذا رغبت
في تفهم كيف تُفهم اللغة، فينبغي عليك اتباع أوسع منهاج ممكن لكي تتطرق إلى هذا الموضوع:
بماذا تمثل القواعد النحوية؟ وما مدى أهمية الكلمات؟ وما أجزاء المخ التي تدخل في
هذه العملية؟! وكيف تتفاعل هذه العناصر بعضها مع بعض؟!
وتقول: يمكن الإجابة عن
هذه التساؤلات فقط من خلال فريق عمل متعدد التخصصات، دون إغفال تعقب سيرة اللغة في
المخ، الذي يتطلب قدرًا كبيرًا من الصبر للتعامل مع الأشخاص محل الاختبار، إضافة
إلى المعرفة الفنية وقدر كبير من التخيل!
وتضيف: علينا أن نجعل الأشخاص
محل الاختبار يستمعون إلى الجُمل، ونقيس موجات المخ لديهم. ولنأخذ مثلًا جملة نموذجية
لكي نبدأ بها: «كان الرجل يجلس في...»، فأي شخص يتوقع قدوم الاسم بعد ذلك، على سبيل
المثال «المقعد»، ونقوم ببساطة بترك الاسم وتقديم الفعل بدلًا منه: كان الرجل يجلس
في قراءة الجريدة «بهدف الكشف عن مدى اعتراض المخ على تركيب الجملة. وقد أثبت هذا
الاختبار نجاحه، حيث تبين أنه بعد 160 ملي/ثانية، وقبل أن يدرك المخ معنى الكلمات،
تفاعل مع الخطأ، إذ لوحظ ازدياد نشاط المخ.
وتميز د. إنجيلا بين ثلاث
مراحل حاسمة في فهم اللغة، فتقول: في المرحلة الأولى، بعد 160 ملي/ثانية، يحلل المخ
التركيب القواعدي للجملة، فالمعلومات النحوية تشكل منظومة متكاملة متكررة ذاتيًّا،
والمخ واع حيث يكتب هذه المعرفة داخل الآنية خاصته، كما هي، ودون الضرورة إلى التفكير
فيها ثانية؛ وهي تفسر ذلك بالإشارة إلى السرعة المذهلة المرتفعة لرد الفعل.
وتضيف أن القاموس بداخل
المخ ليس مستعدًا بنفس هذه السرعة، حيث إنه في المرحلة الثانية، بعدما يتراوح بين
200و600 مللي/ثانية أخرى، يتم تحليل معاني الكلمات. وفي المرحلة الثالثة، بعد حوالي
700 مللي/ثانية، يتم ربط تركيب الجملة مع معاني الكلمات. وفي حالة ما إذا أعطت المنظومة
إشارة خطأ ما، تُعاد عملية التحليل من جديد.
لكن، هل هذه المنظومة بالغة
التطور تُعد بمنزلة ميزة حصرية للمخ البشرى؟! تعتقد د. إنجيلا أن ما يميز لغة الإنسان
هو بناء الجملة والنحو، فلو أن أي جزء من عملية اللغة متأصل في الخلايا العصبية
- إذا جاز التعبير - فإنه سيكون من المحتمل حينئذٍ أنه الجزء الذي يدرس بناء الجملة
والنحو. وتأكيدًا لذلك، نجد حتى القرود والببغاوات يمكنها تعلّم الكلمات من دون إدراك
لبناء الجملة.
وتتساءل د. إنجيلا: هل النحو
لدى الإنسان يعتبر فطريًّا، كما يدعي بعض العلماء؟! ... وتؤكد أن النحو بذاته من
المحتمل أن يكون كذلك، لكن المؤكد هو القدرة على تعلم مثل هذه القواعد.
وتعاود التساؤل: كيف يتعلم
المخ الكلمات والنحو؟! وتخضع تساؤلاتها إلى التجارب، لتقرر أنها لم تتمكن من كشف
رد الفعل السريع للمخ بعد 160 مللي/ثانية لدى الأطفال. على سبيل المثال، تصل الإشارات
بعد 260 مللي/ثانية، حيث يبدو أنها تشير إلى أننا نتعلم النحو بنفس الطريقة التي
نتعلم بها ركوب الدراجة - ففي مرحلة ما، نختلف عن التفكير في تركيب اللغة، حيث نقوم
فقط باستخدامها. وتضيف د. إنجيلا مؤكدة أن العمل مع الأطفال يتطلب صبرًا وتخيلًا
خاصًا، غير أنه أحيانًا يكون مليئًا بالمفاجآت، إذ نجد في إحدى جمل الاختبار «الأم
تخبز الكعكة» أن الطفل يقول عنها «إنها جملة
خاطئة»، ولكن... ما الخطأ فى هذه الجملة؟ فيجيب الطفل بأن الأم لا تخبز الكعكة، بل
تشتريها من الدكان أو السوق.
وتؤكد د.إنجيلا حقيقة مهمة،
وهي أن الصورة اللغوية بمنزلة مرآة تعكس صورة العالم الخارجي، وأن هذه الحقيقة لا
تزال تشغل بال الباحثين في معهد ليبزج، وأنه ليس من المدهش كثيرًا أن تُعتبر اللغة
هي الميزة الحاسمة التي تميز بين الإنسان والحيوان، حيث تعطيه إمكانية تبوؤ أعلى
مستوى من الوعي والإدراك، بينما يرى العديد من الباحثين أن اللغة والوعي مترابطان
كل منهما بالآخر.
وتعاود د. إنجيلا تساؤلاتها:
هل اللغة المجردة - فى أي شكل كانت - وما يصاحبها من مفاهيم عن الماضي والحاضر والمستقبل،
تعتبر مطلبًا ضروريًّا وأساسيًّا للوعي؟ وهل هي الشرط الأساسى للتمييز بين ما هو
حقيقي، وما هو محتمل؟!
مراحل عمل المخ
في فهم اللغة
الزمن
المرحلة الأولى
المرحلة الثانية
المرحلة الثالثة
160 مللي / ثانية
من 200-600 مللي/ثانية
بعد 70 مللي/ثانية
عمل المخ
يحلل التركيبات اللغوية
والنحوية للكلمات
يكشف المخ معاني الكلمات
يناغم المخ المعنى وتركيب
الجملة
ملاحظات
- يبدو هنا مقدمة النصف
الأيسر للمخ بصورة خاصة فى حالة نشطة
- استخدام القاموس الداخلي
- عند اكتشاف الخطأ تبدأ
عملية تحليل جديدة
وتخلص إلى إجابة عما طرحت،
بأن تركيب الجملة هو ما يميز لغة الإنسان عن أنظمة الاتصال الأخرى.
منقول من موقع العربي العلمي
منقول من موقع العربي العلمي
الثلاثاء، 13 أغسطس 2013
كتاب علمي.. (أمة من العباقرة): كيف بدأت العلوم الهندية تهيمن على العالم.. أنجيلا سايناي.. عرض: طارق راشد
«سيكون من واجب كل مواطن هندي
أن ينمّي المزاج العلمي، والمبادئ الإنسانية، وروح التقصي والإصلاح». لقد أصر جواهر
لال نهرو Jawaharlal Nehru، أول رؤساء وزراء الهند، على
اشتمال الدستور الهندي الذي بدأ العمل به في 26 يناير 1950 على هذه العبارة.
تتسم عبارة «المزاج العلمي»
التي قال بها نهرو بالإيجاز الرائع؛ حيث تصف رؤيته لإقامة أمّة يمكن للناس فيها التفكير
على نحو مستقل واستعمال المنطق وفهم المنهج العلمي. وهكذا، نجد نهرو يضع إيمانه في
العلوم والتكنولوجيا في أرض عمادها الدِّين والتديّن. لقد آمن نهرو بأن «العلم وحده
يمكنه حل مشكلات الجوع والفقر، والأمية وانعدام النظافة الصحية، والخرافات والعادات
والتقاليد المميتة» وأن «المستقبل سيكون للعلم ولمن يمتلكون ناصية العلم». لقد كان
نهرو يريد أمة من العباقرة.
تقول أنجيلا سايناي في كتاب
«أمة من العباقرة»: «يُشتهر الهنود والأفراد ذوو الأصل الهندي، أينما كنا نعيش في
هذا العالم، بأنهم محترفون ومجتهدون ومهرة ومجدون ومهووسون بالكمبيوتر». وقد أمضت
سايناي، وهي صحفية علمية بريطانية مولودة لأبوين هنديين، ستة أشهر في الهند وهي تستكشف
أمة العباقرة التي أرادها نهرو بعد نحو 50 سنة على وفاته.
تمتلك الهند بتعداد سكانها
الذي يقترب من 1.2 مليار نسمة، أكبر مَعين في العالم من العلماء والمهندسين. وعلى
الرغم من أن معدل الأمية يحوم حول نسبة مؤسفة تبلغ 60 في المائة، فإن هناك نحو
400 جامعة تفرز مليوني خريج كل عام من ضمنهم عدد مذهل من المهندسين قوامه 600 ألف
مهندس، والأشد رواجًا من بين هؤلاء هم خريجو المعاهد الهندية للتكنولوجيا وعددها
16 معهدًا. ومع ذلك، فبدلًا من اكتشاف مراتع للفضول الفكري والابتكار، وجدت سايناي
كادحين لا عباقرة. فالضغط بلا هوادة على طلاب الهند «يُضعف ملكة الخيال» ويدفع المئات
إلى الانتحار.
من مركز بابا للأبحاث الذرية
المقام على الطراز السوفييتي إلى أكاديمية الأبحاث السنسكريتية، يوجد «العبقري والغريب»
جنبًا إلى جنب، وهنا تجد الأفكار الحمقاء آذانًا صاغية أكثر منها مقارنة بالغرب.
وتشير سايناي إلى أن الهنود يتمتعون «بحرية فريدة من نوعها لاستكشاف منتهى ما يُعتقد
أنه ممكن».
العلوم الهندية بعيدة كل
البعد عن الهيمنة على العالم، فلا تساهم الهند حاليًا إلا بأقل من 3 في المائة من
المخرجات البحثية العالمية، حيث تأتي بعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بفاصل
كبير، لكن هناك عددًا متزايدًا من الباحثين الهنود بدأوا يعودون إلى ديارهم لقيادة
جيل شاب بعد أن صنعوا لأنفسهم صيتًا ذائعًا في الخارج.
تكشف الصورة النابضة بالحياة
التي ترسمها سايناي للهند، تلك الأمة رفيعة التكنولوجيا، عن بلد في عجلة من أمره.
لا أحد يعرف كم سيستغرق هذا، لكن توسع الهند الاقتصادي الحالي يذكّرنا بأنها منذ
أكثر من 1000 سنة مضت كانت تمتلك ثقافة علمية متقدمة مثلها مثل أي ثقافة أخرى في
العالم. وقد قال ونستون تشرشل Winston Churchill ذات يوم: «إمبراطوريات
المستقبل ستكون إمبراطوريات العقل».
الهند أمة من العباقرة والكادحين
والمهرة. فنحو واحد من كل خمسة من جميع العاملين في حقل الرعاية الطبية وطب الأسنان
في المملكة المتحدة من أصل هندي، وواحد من كل ستة علماء موظفين يحملون درجة الدكتوراه
في العلوم أو الهندسة في الولايات المتحدة آسيوي، بل إن هناك من ادعى مع مطلع الألفية
الجديدة أن ثلث جميع المهندسين العاملين في منطقة وادي السيليكون هم من أصل هندي،
كما يدير الهنود 750 شركة من الشركات التقنية هناك.
«أمة من العباقرة» رحلة
تقوم بها المؤلفة عند فجر هذه الثورة العلمية وتلتقي فيها المخترعين والمهندسين والعلماء
الشبان الذين يساعدون على ولادة القوة العظمى العلمية التالية في العالم، وهي أمة
لم تنبن على فتح البلاد ولا على النفط ولا على المعادن، بل أمة انبنت على عبقرية
شعبها العلمية. وتوضح أنجيلا سايناي كيف تفسح العلوم القديمة المجال للعلوم الجديدة،
وكيف بدأت تكنولوجيا الأثرياء تنتقل إلى الفقراء. كما تغوص سايناي في أعماق أنفس
مواطني الهند المتعطشين للعلم، مستكشفةً الأسباب التي حدت بحكومة البلد الأكثر تدينًا
على وجه الأرض إلى الإيمان بالعلوم والتكنولوجيا.
من خلال التحقيقات الصحفية
الذكية التي تجريها المؤلفة على أرض الحدث ومن خلال التحليل الدقيق، يشرح لنا «أمة
من العباقرة» ما يعنيه هذا بالنسبة لبقية دول العالم، وكيف تتمكن أمة روحانية من
المواءمة بين روحها والعقلانية الشديدة. كما يصف الكتاب المليء بالشخصيات اللافتة
للنظر والنابضة بالحياة والقصص الجذابة الهند من خلال شعبها. فيا لها من أمّة من
العباقرة.
لقد آمن جواهر لال نهرو
سنة 1960 بأن «المستقبل سيكون للعلوم». كان نهرو يريد إحداث تحول في الهند لتصبح
«أمة عقلانية علمية من المحترفين البارعين» كما تقول الصحفية العلمية أنجيلا سايناي،
التي تمضي حتى لتقول إن الهند ربما تكون «مهد المعرفة»؛ حيث استخدم الهنود الكسور
العشرية والجبر قبل الغرب بقرون من الزمان. سايناي، ابنة المهندس الكيميائي الهندي
والتي تعترف بأنها هي نفسها من المهووسين بالحوسبة، مؤهلة تمامًا لتفسير الأسباب
التي تجعل الهنود «مشهورين بأنهم محترفون ومجتهدون ومهرة ومجدون ومهووسون بالكمبيوتر»
وما إذا كان من الممكن أن تصبح الهند قوة عظمى علمية. تسافر سايناي في مختلف ربوع
البلد لتتحدث مع «أساتذة جامعيين غريبي الأطوار»، بداية من علماء الفضاء وعلماء البيولوجيا
الذين يصممون ثمار موز معدلة وراثيًا ذات فترة صلاحية أطول، إلى أيقونة عالم الكمبيوتر
الملياردير نارايانا ميرثي Narayana Murthy، مؤسسة شركة إنفوسيس. ربما يتجه
نظام التعليم في الهند إلى إفراز عقول كادحة لا عقول خلاقة، لكن سايناي ترى أن موطن
قوة هذه الأمة تكمن في تسامحها مع غريبي الأطوار، حيث تجادل بأن التقدم العلمي يُعنى
«بتنشئة ذلك العشق المجنون الغامض للإجابة عن الأسئلة».
|
منقول من موقع مجلة العربي
الاثنين، 12 أغسطس 2013
" بورترية ".. جورج لومتر.. راهب بلجيكي صاغ نظرية (الانفجار العظيم).. . عاطف يوسف محمود
- كان لومتر أول عالم يعطى وصفًا مفصلاً منطقيًّا لما نطلق عليه الآن «الانفجار العظيم Big Bang» كنموذج لنشأة الكون. وكان يكرر أنه ليس مجرد نموذج، بل إنه الصورة الحقيقية لمولد الكون
على خلاف
صورة الكون الاستاتيكي الأزلي المستقر استقرارًا أبديًّا، تلك الصورة التي كان
علماء الكونيات يبجلونها كثيرًا، ابتكر العالم الروسي «ألكساندر فريدمان» Alexander Friedmann رؤية
مستحدثة للكون، مؤداها أنه دائب التحوّر، آخذ في التمدّد. ومع وفاة «فريدمان»
عام 1925، توارت إلى حين رؤيته الكونية تلك، لافتقارها للمادة التجريبية الفلكية
الكافية. على أنه من حسن الحظ أن مفهوم الكون المتمدد والآخذ في التطور لم يختفِ
كلية، وعادت الفكرة لتطفو على السطح بعد سنوات قلائل من وفاة فريدمان. ولم يكن
الفضل في بعثها هذه المرة منسوبًا إلى روسيا، بل أُعيد نموذج الكون المتمدّد مرة
أخرى على نحو مستقلّ على يد «جورج لومتر» Georges Lemaître، وهو راهب
لاهوتي وعالم كونيات بلجيكي اضطربت مسيرته التعليمية، شأنه شأن غيره من العلماء،
من جراء أحداث الحرب العالمية الأولى.
وُلِد
«لومتر» (1894-1966) في «شارلروا» Charelroi، وحصل على
درجة علمية في الهندسة من جامعة «لوفين» University of Louvain لكنه اضطر
للتخلي عن دراسته حينما غزت قوات النازي الألمانية بلجيكا، حيث قضى السنوات
الأربع التالية في الجيش، ونال لشجاعته وسام صليب الحرب. وفي أعقاب الحرب،
استأنف دراسته في «لوفين»، لكنه انتقل هذه المرة من الهندسة إلى الفيزياء
النظرية. وفي عام 1920، انخرط أيضًا في مدرسة لاهوتية في «مالين» Maline، ورُسّم
في سنة 1923 كاهنًا. وقد حافظ لومتر، طيلة ما تبقى من حياته، على مسيرتيه
المهنيتين المتوازيتين كفيزيائي وقسيس على نحو متوازن، وقال عن ذلك: «إن هناك
سبيلين للوصول إلى الحقيقة، ولقد قررت أن أسلكهما كليهما».
وبعد تنصيبه
قسيسًا، أمضى لومتر عامًا في «كيمبردج» مع العالم الشهير «آرثر إدينجتون» Arthur Eddington، الذي رأى
فيه تلميذًا باهر الذكاء. وفي العام التالي رحل لومتر إلى أمريكا، حيث قضى وقته
في إجراء قياسات فلكية في مرصد «هارفارد» Harvard Observatory، وعكف على
دراسة الدكتوراه بمعهد «ماساتشوستس» التكنولوجي Massachussetts Institute.
وفي عام 1925
عاد إلى جامعة «لوفين» وشغل وظيفة أكاديمية، وشرع في تطوير نماذجه الكونية
الخاصّة به، والمبنية على أساس معادلات آينشتاين للنسبية العامة. بيد أنه تغاضى،
وبدرجة كبيرة، عن دور «الثابت الكوني» الذي أقحمه آينشتاين في معادلاته ليحافظ
على صورة الكون الاستاتيكي المستقر. وعبر العاميْن التالييْن، أعاد لومتر اكتشاف
النماذج التي تصف تمدّد الكون، دون أن يدري أن الكسندر فريدمان (العالم الروسي)
قد سبقه إلى خوض العمليات الفكرية ذاتها في وقت مبكر من العقد نفسه.
على أي حال،
مضى لومتر إلى أبعد مما توصل إليه سلفه الرّوسي، باتباعه - دون هوادة -
للتضمينات المحتواة في نموذج الكون الآخذ في التمدّد.
كان شغوفا بتاريخ الكون الفيزيائي بصفة خاصّة،
فلو أن الكون يتمدد حقًا فلابد أنه كان بالأمس أضألَ منه اليوم، وبالمثل كان
أضأل وأضألَ في العام المنصرم. وهكذا إذا ما مضينا القهقري بقدرٍ كافٍ، فلابد من
أن الفضاء برمته - منطقيًّا- كان مدموجًا في حيّز ذي ضآلة متناهية.
كان حدس
لومتر الأعظم هو أن نظرية النسبية العامة تقتضي وجود لحظة بداية. وانتهى لومتر
إلى خلاصة مؤدّاها أن الكون بدأ في حيز مدموج بالغ الضيق، انفجر إلى الخارج
ليُفضي - مع الوقت - إلى الكون الذي نجد أنفسنا فيه اليوم، كما أن من شأنه أن
يتطور في الاتجاه ذاته مستقبلاً.
وبعد أن أتم
صياغة نموذجه عن نشأة الكون، شرع لومتر في البحث في الفيزيائيات التي من شأنها
أن تدعم نظريته عن تلك النشأة وتطورها، فوقع على منطقة كانت تثير شغفًا
متناميًّا بين الفلكيين هي «فيزيائيات الأشعة الكونية» Cosmic Ray Phys. كان
لومتر بالمثل مطّلعًا على عملية انحلال النشاط الإشعاعي، التي تتكسر خلالها
الذرات الضخمة - كذرة اليورانيوم - إلى ذرات أضأل، مطلقة جسيمات وإشعاعًا وطاقة.
بدأ لومتر في
تأمل أن عملية مماثلة، وإن تكُنْ على مقياس أكبر بكثير، يمكن أن تؤدي إلى ولادة
الكون. وباستقراء الأزمنة الغابرة تصوّر لومتر كلّ نجوم الكون منضغطة في حيز
بالغ الاندماج أطلق عليه اسم «الذّرّة الابتدائية» Premeval atom، ثم تصوّر
اللحظة التي تحللت فيها تلكم الذرّة المفردة المدموجة بغتةً، مطلقةً كل مادة
الكون.
وفي إيجاز،
كان لومتر أول عالم يعطى وصفًا مفصلاً منطقيًّا لما نطلق عليه الآن «الانفجار
العظيم Big Bang» كنموذج
لنشأة الكون. وكان يكرر أنه ليس مجرد نموذج، بل إنه الصورة الحقيقية لمولد
الكون. لقد انطلق من نظرية النسبية العامة لآينشتاين، ثم استحدث نموذجًا نظريًّا
لنشأة الكون وتمدده، ثم طابقه مع أرصاد الظواهر المعروفة مثل الأشعة الكونية
وانحلال النشاط الإشعاعي.
كانت لحظة
النشأة هي جوهر نموذج لومتر، ورغم أن بحثه كان علميًّا ومنطقيًّا، فقد صاغه في
قالب شاعري: «يمكننا تشبيه تطور الكون بألعاب نارية توقف إطلاقها للتوّ،
فاستحالت إلى أشرطة واهية من الدخان والرماد. وإذ تبرد المادة المتفحمة شيئًا
فشيئًا، فإننا نشاهد الشموس الخابية، محاولين أن نستحضر صورة العالم المتوهج
الذي كان ثم لم يلبث أن اختفى».
وإذ قرن ما
بين النظرية والأرصاد، وصاغ رؤيته للانفجار العظيم في إطار من العلوم الفيزيائية
والأرصاد الفلكية، وصل لومتر إلى ما هو أبعد كثيرًا من أعمال «فريدمان» السابقة
لأعماله. ورغم ذلك، فعندما أعلن ذلك الراهب البلجيكي نظريته عام 1927، جوبِه
بالصمت الفاتر ذاته الذي قوبلت به نماذج سلفه فريدمان. ولم يشفع للومتر أنه
اختار لنشر أفكاره صحيفة بلجيكية محدودة الانتشار هي «سوسييتيه ساينتيفيك دي
بروكسيل» Societe Scientifique de
Bruxelle.
ولقد زاد من
سوء الأمر، تدخل من آينشتاين بعد أن نشر لومتر مقاله عن «فرضية الذرّة الأولية»
مباشرةً. فقد حضر لومتر مؤتمر «سولفاي» Solvay Conference ببروكسيل
عام 1927 الذي كان تجمعًا لأعظم علماء العالم آنذاك، حيث لفت الأنظار بزيّه
الكهنوتي المميز. ولقد أمكنه أن ينتحي بآينشتاين جانبًا، ويشرح له رؤيته عن مولد
الكون وتمدده، فأجاب آينشتاين بأنه سبق له أن سمع بتلك الرؤية من فريدمان، وأطلع
القسَّ البلجيكي على عمل سلفه الروسي لأول مرة، ثم لم يلبث آينشتاين أن سخّف
الفكرة وأحبط لومتر بقوله: «إن حساباتك صحيحة حقًا، بيد أن فيزيائياتك بغيضة
وممجوجة».
لقد أتيحت
الفرصة لآينشتاين مرتين كي يتقبل سيناريو «الانفجار الأعظم»، أو على الأقل كي
ينظر إليه بعين الاعتبار، لكنه في المرتين عارض الفكرة. وكان رفض آينشتاين يعني
رفض كل الدوائر العلمية. وفي غياب برهان رصين دامغ، كان انتقاد آينشتاين كفيلاً
بوأد النظرية الوليدة. لقد أصبح آينشتاين، ذلك الذي كان ذات يوم عنوانًا على
التمرد، دكتاتورًا متسلّطًا. غير أنه في خاتمة المطاف، أقر بالتضارب في موقفه،
وقال ذات مرة متحسّرًا: «لقد عاقبني قدَري على ازدرائي للسلطات، بأن جعل مني أنا
نفسي سلطة غاشمة».
أحبطت
الأحداث التي جرت في مؤتمر «سولفاي» لومتر، فقرر ألا يمضي في أفكاره إلى مدىً
أبعد.
وبنظرة
مستقبلية، يسعنا القول بأن لكل من النموذجين نقاط قوة ونقاط ضعف. وفي نهاية
الأمر كان كلاهما مترابطًا من الناحية الرياضية، وصالحًا من وجهة النظر العلمية.
وقد انطلق كل منهما من معادلات النسبية العامة، ولم يتعارض مع أي قوانين
فيزيائية مصطلح عليها، إلا أن كلتا النظريتين عانت حينذاك افتقارًا تامًا لأي
بيانات رصدية أو تجريبية تدعمها. وكان هذا الافتقار للبرهان العملي هو ما دعا
الدوائر العلمية إلى التأرجح في موقفها قبل أن تميل إلى التحامل، محبّذةً رؤية
كون آينشتاين الاستاتيكي على نموذج فريدمان ولومتر... نموذج الانفجار العظيم.
ثم كان
للأرصاد الضافية التي قام بها عالم الفلك النابه «إدوين بوويل هابل» Edwin Powell Hubble من مرصد
«مونت ويلسون» القول الفصل في تلك القضية، إذ أثبتت أرصاده - بما لا يدع للشك
مجالاً - تمدد الكون، وتباعد مجراته وأظهرت قياساته أن الكون كما لو كان قد بدأ
من حالة مدموجة متناهية في كثافتها، ثم أخذ في التمدد إلى الخارج، ذلك التمدد
الذي ما زلنا نرصده حتى الآن.
-------------------------------------
-------------------------------------
عاطف يوسف محمود
* كاتب ومترجم علمي، حاصل على الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية - مصر.
* كاتب ومترجم علمي، حاصل على الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية - مصر.
السبت، 11 أغسطس 2012
صور جديدة لكوكب المريخ
منقول من yahooمكتوب
الأحد، 1 يوليو 2012
العلم بين الأصالة والزيف
|
|
|
|
الكاتب : د. شوقي جلال: مصر |
|
دراما
الحياة الإنسانية على مدى التاريخ أن الإنسان وحده هو الذي يشعر في هذا
الكون -أو هكذا نظن- بالغربة والغرابة والحيرة, وهو دائم السؤال عن سر
الحياة والوجود. إنه وحده من يسأل ويشك ويبحث عن تفسير, يلتمس إجابة تهدئ
روعه، أو تبث في نفسه طمأنينة وسكينة، أو يحاول أن يفهم أنه أسير قلق وجودي
وبحث لا يهدأ عن المعرفة لتجيب عن سؤاله وتهدئ حيرته، وهكذا نشأت له
ثقافة.
عاش الإنسان دهراً منذ أن
تميز عن سواه بذاكرة واعية ويدين ماهرتين، فضلاً عن قامة انتصبت ليرى
الوجود من حوله بأبعاده الثلاث، والسماء فوقه تمنحه وتعطيه دفئاً وماء
فيهما الحياة. وظل الإنسان، وليس غريباً أن لا يزال، يرى نفسه يعيش في عالم
مسكون بالأشباح والقوى الخفية التي تثير في نفسه القلق والرعب ظناً منه
أنها تتحكم في مصائر البشر. تسعده أو تشقيه وليس بيده من أمره شيئاً. وتعلم
فن التوسل، كيف يسترضيها لتمنحه السعادة أو يعوذ بها لتذود عنه شراً.
عالم
ملئ بالأحداث الغامضة المبهمة المروعة التي لا يعرف لها تفسيراً. أحداث
ونوازل تقع على حين غرة ويعجز عن التنبؤ بها, برق خاطف، زلزال مدمر، بركان
تتصدع بسببه الجبال، طوفان يغرق الأخضر واليابس وتندثر معه معالم الحياة،
أمراض موجعة تحصد الأرواح. ولا يجد الإنسان لذلك تفسيراً, عالم بلا مستقبل,
يحاول أن يفهم، يراجع نفسه: لماذا؟.. ويتسع نطاق السؤال ليشمل الوجود بكل
مظاهره, وجود الإنسان والطبيعة والحيوانات والهوام، المبتدأ والنهاية.. من
أين وإلى أين المصير.. وتستبد به الحيرة، ويؤرقه العجز.
نشأت
الأسطورة مع بداية الجهود الجمعية أداةً للفهم والتفسير والتعامل مع ظواهر
الوجود.. والقابضون عليها هم أهل المعرفة.. أو العرافون.. ملاذ الناس
للسؤال وللشفاء.
وظلت الجماعات
البشرية على حالها هذا إلى أن استهلت مرحلة جديدة تمثل تحولاً كيفياً في
مسيرتها. وهو تحول اقترن بتغيرات مناخية منذ عشرة آلاف سنة. بدأت مرحلة
الاستقرار والزراعة والأسرة الممتدة بعد حياة القنص وقطف الثمار.. وأفاد
الإنسان من ذاكرته بأن تابع الظواهر المتواترة وآثارها على نفسه وعلى بيئته
إيجاباً وسلباً، ويسجلها في ذاكرته ليعزز أسلوب حياة الاستقرار الجديدة.
وتوافرت
الظروف اللازمة لاختراع الكتابة والأعداد ليسهما في إثبات وتسجيل ظواهر
الطبيعة ودلالتها ونتائجها, فيسرت المشاركة الجمعية، وتبادل الخبرة بين
الأجيال على مدى الزمان. وتخصص رجال من أجل علم أو معرفة هذه الظواهر
الخاصة بالبيئة ومردودها على الإنسان, وتسجيلها كتابة ورسوماً، وتسجيل
الكلمات والشعائر اللازمة للتفاهم معها. ومع مرور القرون تهيأت للمجتمعات
رصيدها المعرفي الذي يمثل إجابة عن تساؤلات الحياة تمنحهم الطمأنينة لكي
ينصرفوا هم إلى شؤون معاشهم. ونشأت البدايات الأولى لعلوم/معارف تطبيقية
ربما لا تعتمد نظرية أو برهاناً ولكن تعتمد النتائج في التطبيق. وشهدت
المعمورة كيانات متفرقة هي المرتكزات الحضارية الأولى في بابل وآشور ومصر
القديمة والصين وأوغاريت والمكسيك.. وغيرها.
وطبيعي
أن جرى تلاقح معرفي بين المجتمعات، ومن ثم تطور وتجديد وظهرت نهضات علمية/
معرفية على مراحل وأطوار حفظت وأثرت وطورت الرصيد الإنساني المشترك. ونذكر
هنا الحضارة العربية والصينية كمثال في القرون التاسع والعاشر والحادي عشر
التي يدين لهما الغرب بالكثير. وهكذا إلى أن مال ميزان التطور الحضاري
ناحية الغرب في أوروبا، وجاء عصر يوصف بأنه عصر العلم منذ أكثر من ثلاثة
قرون تحددت فيه خصائص ومعايير مميزة للعلم. عصر هو ثمرة وامتداداً للمتصل
الحضاري الإنساني، وطفرة كيفية جديدة امتلكت البشرية بفضلها قدرة متميزة
للفهم والتحكم في ظواهر الطبيعة وأساليب أنتاج جديدة. وذاعت معها بدايات
عبارة (العلم والتكنولوجيا) مقترنين معاً, ونصف إنجازاتهما المشروطة علماً,
أما ما دون ذلك فهو امتداد لما ليس علماً في الماضي.
ولكن
عادة التشبث بالقديم تجعل أهل الماضي حريصين على وصف أعمالهم ونظراتهم
بأنها علم، ولكنه علم زائف حتى وإن ظلت لها السيادة على الغالبية من عقول
البشر. ألا ترى الناس، كمثال، مع كل صباح يستهلون يومهم بتصفح الطالع
والأبراج ليعرف المرء كيف سيكون يومه.. أو حين يتعارف مع آخر يسأله ما اسم
البرج الذي تنتمي إليه، وهو سؤال قديم قدم تاريخ الإنسان.
وجدير
بالذكر أن مخاض ميلاد العلم الحديث في أوروبا كان شديد الوطأة قاسياً. إذ
دار صراع حاد بل حروب ضارية بين أنصار التشبث بالفكر التقليدي القديم وبين
دعاة العقل الجديد وحق الإبداع والبحث والتغيير. ويذكر لنا التاريخ عديدين
ضحوا بأرواحهم فداء إبداعاتهم. واستطاع رواد الفكر والعلم والنهضة أن
يصوغوا إطاراً حاكماً للفكر العلمي يحدد عناصر وخطوات العلم أو المنهج
العلمي في البحث والتحقيق والاكتشاف.
واستقر
الرأي، وهو رأي قابل للتطوير، أن العلم مشروع إنساني، ونشاط اجتماعي متطور
هدفه فهم العلم وقوانين ظواهره، وأن له مردوداً في خدمة ورفاه البشرية
والتنوير, أي الفهم العقلاني المنهجي لظواهر الوجود بما في ذلك الإنسان
والمجتمع شرط أن يكون ذلك قرين السلوك الرشيد المحكوم بقيم سامية. هذا على
الرغم من استخدام منجزات العلم في الصراع والحروب بين المجتمعات إلا أن ذلك
يمثل انتهاكاً للمثل الأعلى والقيم السامية للعلم.
ويعتمد
البحث العلمي على وقائع تخضع للملاحظة، والفروض العلمية والاختبار
والتجربة وصولاً إلى نظرية قابلة للاختبار، ومتطورة مع اطراد البحث وامتداد
الزمان وتنوع السياق. وتتصف النظرية العلمية بالقدرة على التنبؤ، فضلاً عن
أنها لا شخصائية بمعنى أنها ليست مرهونة برأي شخص أو سلطة خارج الظاهرة،
وقابلة للتحكيم. وتتصف أيضا بالدينامية الخصبة إذ أنها تحفز إلى المزيد من
المعرفة والبحث، وتتطور مع تطور وتباين الواقع. وتختلف جذرياً عن معارف
التقليد بأنها لا تدعي العصمة واليقين المطلق بل تحتمل الشك على عكس ما كان
الحال في أوروبا العصور الوسطى تقدس فكر أرسطو وترفض الخروج عليه أو الشك
فيه.
وفي موازاة العلم الحديث
ومنهج البحث العلمي ظهرت تيارات فكرية جديدة لبست ثياب العلم شكلاً، بينما
هي امتداد أو ردة لنهج فكري قديم، أو لنقل إحياء للقديم في ثوب عصري جديد.
ولعل من أهم أسباب ظهورها بكثافة هو طبيعة الأزمة الفكرية وكذا الأزمات
والكوارث الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها العالم في مرحلتنا الراهنة
وتنذر بنهاية منظومة كاملة هي إطار العلم الحديث. ويكفي أن نشير إلى الخوف
من احتمالات فناء العالم بسبب حرب نووية أو خطر احترار كوكب الأرض. وهذه
أخطار يردها البعض إلى العلم دون النظر إلى ما وراء ذلك من أطماع وانتهاك
لقيم إنسانية. هذا فضلاً عن أن العالم يعاني الآن أزمة اعتقاد خانقة سقطت
معها كل النظريات التي تمثل أساساً لنهضة العصر الحديث. وباتت الإنسانية
تعاني من حالة فراغ فكري وتلتمس سبيلاً للخلاص وإبداع جديد. زد على هذا
الخوف الذي يستبد بالغرب وهو يشهد نذر الانحسار الحضاري بعد هيمنة وصعود
الشرق. ومن ثم تفاقمت مشاعر الخوف والعيش أسير متاهة الحيرة.
وحقيقة
الأزمة إنها أزمة انحسار الطبقة الرأسمالية العليا المحافظة والرافضة
للتغيير بعد أن توحشت أساليبها في استغلال الشعوب، وشنت حرباً بعد أخرى ثم
حروباً بالوكالة دفاعاً عن مصالح أنانية مع إصرارها على استثمار العلم
فكراً وإنجازات وقيماً بالخداع والتضليل لتأكيد هيمنتها. إنها ليست أزمة
العلم ولكن أزمة أصحاب السلطات في استخدام وتمويل العلم. ويأبى هؤلاء إلى
أن يطرحوا أزمتهم خارجاً على شعوبهم وشعوب العالم باسم العلم وفي صورة
نظريات يدعون أنها علمية. وتروج أجهزة الإعلام التي تعمل في خدمتهم لهذه
النظريات لكي تشيع بين الناس أو لتكون ذريعة ومبرراً لسطوتهم.
ونجد
تجسيداً لذلك في نظريات ورؤى عديدة مثل النظريات الداعمة للنزعات العرقية
وادعاء أن عرقاً ما له حق السيادة والهيمنة على الأعراق الأخرى. كذلك زعم
فوكوياما أن حضارة الغرب هي الذروة ونهاية التاريخ. وهذا زعم سبق أن كرره
فلاسفة ومفكرو الغرب مع بداية عصر الاستعمار. ونذكر أيضاً زعم صمويل
هتنجتون الذي رأى أن صدام الحضارات مستمر بين الغرب وعقائد الشرق الإسلام
والكونفوشية. ومن ذلك أيضاً الزعم أن حضارة الإغريق وحدها هي مهد الحضارات
والفكر العقلاني وأن الشعوب الأخرى السابقة على الإغريق لم تسهم أو عجزت
عن أن تقدم إسهامات حضارية. واستخدم الغرب هذه النظريات في العصر الحديث
ليبرر (حقه) في استعمار الشعوب.
واقترن
هذا بشيوع حركات (فكرية) تروج لمزاعم ليس لها سند علمي من مثل حركة العصر
الجديد التي نشأت نتيجة أزمة الإيمان المسيحي في الغرب، نتيجة للتناقضات
الواضحة بين ما نص عليه الكتاب المقدس وما كشفت عنه البحوث والاكتشافات
العلمية. وتفاقمت الأزمة مع التشابك الوثيق بين مجتمعات وثقافات العالم.
وهذه أزمة لها أصداؤها ولها قرائن في المجتمعات الأخرى يغذي بعضها بعضاً.
وتحمل
هذه النظريات والتيارات اسم (العلم الزائف) أو اللاعلم. ويتمثل العلم
الزائف في صورة مجموعة أو بنية من أفكار تأسست على (نظريات) يقدمها أصحابها
باعتبارها نظريات علمية أو ربما كانت كذلك قديماً وثبت خطؤها مثل نظريات
الذكاء والعرق، أو الأثير، أو نظريات الفراسة التي ترى أن شكل الجمجمة
مرتبط بسلوك الجريمة.
ونجد من أهم
خصائص العلم الزائف من حيث تمايزه واختلافه عن العلم الأصيل أن العلم
الزائف زعم أو اعتقاد شخصي، يفتقر إلى قواعد منهج بحث علمي، كما يفتقر إلى
الدليل أو البرهان. ويستخدم العلم الزائف مصطلحات غامضة مسرفة في غموضها
ولا تخضع مزاعمه لبرهان أو ملاحظة، ولا تقبل النقد العقلاني.. إنه اعتقاد
ذاتي لدى صاحبه لا يقبل الانفتاح على المناقشة أو الاختبار على أيدي خبراء.
وبينما يخضع العلم للتحكيم ليكون ذلك شهادة تصديق على أنه معرفة علمية
معتمدة فإن العلم الزائف لا يقبل النقد أو التحكيم ويقنع بالذيوع بين
العامة. وخير مثال هنا طب الشعوذة، وأيضاً الزعم بأن إنجازات حضارة شعب ما
في الزمان القديم هي من صنع رواد هبطوا من الفضاء. كذلك الزعم بأن نجم حاكم
ما يؤكد انتصاره أو طول عمره. إنها جميعاً وغيرها مزاعم لا تخضع للاختبار،
ولا سبيل للبرهنة على صدقها.
وخطر
العلم الزائف ليس في كذبة فقط بل في ما يمثله من دعوة إلى الانصراف عن
العلم الأصيل، فضلاً عن أنه يحفز العامة للعيش أسرى سطوة قوى غير علمية ومن
ثم تعطيل العلم والعقل، وتعطيل إرادة البحث والتغيير وهو ما يعني في
النهاية تجريد الإنسانية من أهم إنجازاتها التي تكفل لها التطور والتقدم.
ويمكن إجمالاً أن نحدد أهم خصائص العلم الزائف في تعارضه مع العلم الأصيل فيما يلي:
العلم الزائف يعتمد سلطة خارج الظاهرة وليس الملاحظة والاختبار والبحث التجريبي والسببية داخل الظاهرة.
ذو طبيعة إستاتيكية لا يحفز إلى مزيد من البحث ولا يقود إلى اكتشاف عملي جديد.
لا يدعم الفكر العقلاني النقدي ولا يعنيه فهم قوانين ظواهر العلم الطبيعي.
لا يمايز بين الوقائع، ولا يبالي إزاء ما بينها من اختلاف ظاهري أو سياقي أو من حيث أسباب النشأة وتطورها التاريخي.
لا يؤمن بمعايير للصواب والخطأ.
يعتمد
على المواضعات التعسفية للثقافة المحلية، مثال ذلك التنجيم رهن الرؤية
الثقافية المحلية فيما يتعلق بمصير الإنسان الفرد دون اعتبار لاختلاف ذلك
من ثقافة إلى أخرى.
ليست له مصطلحات موحدة المنطوق والمفهوم.
لا
يؤمن بأن ظواهر ووقائع الطبيعة تخضع لقوانين هي أداة التفسير والفهم
ولكنها نزوة لقوى خفية: الصحة والمرض/ الزراعة وفرة وجدباً.. إلخ. ولذلك
ابتدع الإنسان فن الاسترضاء.
يعتمد
القياس على الماضي دون اعتبار لتطور السياق أو تطور الزمان، ويعتمد القياس
على النص. لذلك نراه امتداداً نمطياً دون إبداع، وجموداً متصلاً مع غلبة
الشكل ومع التعمد إلى لَيْ الواقع قسراً ليتوافق مع النص. إنه أيدولوجيا
مغلقة على ذاتها.
ونعود من حيث
بدأنا ونقول إن دراما الحياة الإنسانية على مدى تاريخ الإنسان على الأرض
وما شهدته من معاناة وآلام وتضحيات إنما كانت في سبيل الوصول إلى وسيلة
موثوق بها لفهم ظواهر النفس والعمل. وهذا هو جوهر البناء الحضاري، إذ يمثل
العلم الأصيل ذروة هذه الجهود مرحلياً حتى الآن. ويبشر العلم الأصيل باطراد
النجاح بما يحقق للإنسان الرفاه والأمن في الحياة شريطة الالتزام بقيم
حددها العلم ولا تتناقض مع العقائد، وأهمها المحبة والتعاون والعدالة
والأخوة والحرية بين الناس والمجتمعات.
وليس
لنا من سبيل للخلاص إلا بتكثيف الجهود على صعيد عالمي لتأكيد قيم العلم
قرين اطراد جهود البحث العلمي وليس التخلي عن العلم لصالح من استغلوا
منجزاته لأسباب ومنافع أنانية دون شعوبهم وشعوب العالم بحجج تعتمد على
العلم الزائف. ومثلما بدأ عصر النهضة بالدعوة إلى تنوير إنساني حرىُّ بنا
نحن أن ندعو إلى تنوير إنساني جديد يصحح أخطاء الماضي ويؤكد من جديد قيم
الحرية/ العدالة/ الأخوة/ الإبداع/ المساواة بين أبناء المجتمع وبين شعوب
الأرض دون تمييز على أساس من عرق أو لون أو دين. وليكن العلم أداتنا نسخرها
لتحقيق هذه القيم. نعم لقد انتهى عصر الأنبياء، إذن، وفي تناغم مع قيم
العقائد، ليكن العقل العلمي وروح المواطنة الجمعية محلياً وعالمياً هاديا
لنا ومرشداً.
منقول من المجلة العربية
| |
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)