الثلاثاء، 13 أغسطس 2013

كتاب علمي.. (أمة من العباقرة): كيف بدأت العلوم الهندية تهيمن على العالم.. أنجيلا سايناي.. عرض: طارق راشد



 

  

«سيكون من واجب كل مواطن هندي أن ينمّي المزاج العلمي، والمبادئ الإنسانية، وروح التقصي والإصلاح». لقد أصر جواهر لال نهرو Jawaharlal Nehru، أول رؤساء وزراء الهند، على اشتمال الدستور الهندي الذي بدأ العمل به في 26 يناير 1950 على هذه العبارة.

 تتسم عبارة «المزاج العلمي» التي قال بها نهرو بالإيجاز الرائع؛ حيث تصف رؤيته لإقامة أمّة يمكن للناس فيها التفكير على نحو مستقل واستعمال المنطق وفهم المنهج العلمي. وهكذا، نجد نهرو يضع إيمانه في العلوم والتكنولوجيا في أرض عمادها الدِّين والتديّن. لقد آمن نهرو بأن «العلم وحده يمكنه حل مشكلات الجوع والفقر، والأمية وانعدام النظافة الصحية، والخرافات والعادات والتقاليد المميتة» وأن «المستقبل سيكون للعلم ولمن يمتلكون ناصية العلم». لقد كان نهرو يريد أمة من العباقرة.

تقول أنجيلا سايناي في كتاب «أمة من العباقرة»: «يُشتهر الهنود والأفراد ذوو الأصل الهندي، أينما كنا نعيش في هذا العالم، بأنهم محترفون ومجتهدون ومهرة ومجدون ومهووسون بالكمبيوتر». وقد أمضت سايناي، وهي صحفية علمية بريطانية مولودة لأبوين هنديين، ستة أشهر في الهند وهي تستكشف أمة العباقرة التي أرادها نهرو بعد نحو 50 سنة على وفاته.

تمتلك الهند بتعداد سكانها الذي يقترب من 1.2 مليار نسمة، أكبر مَعين في العالم من العلماء والمهندسين. وعلى الرغم من أن معدل الأمية يحوم حول نسبة مؤسفة تبلغ 60 في المائة، فإن هناك نحو 400 جامعة تفرز مليوني خريج كل عام من ضمنهم عدد مذهل من المهندسين قوامه 600 ألف مهندس، والأشد رواجًا من بين هؤلاء هم خريجو المعاهد الهندية للتكنولوجيا وعددها 16 معهدًا. ومع ذلك، فبدلًا من اكتشاف مراتع للفضول الفكري والابتكار، وجدت سايناي كادحين لا عباقرة. فالضغط بلا هوادة على طلاب الهند «يُضعف ملكة الخيال» ويدفع المئات إلى الانتحار.

من مركز بابا للأبحاث الذرية المقام على الطراز السوفييتي إلى أكاديمية الأبحاث السنسكريتية، يوجد «العبقري والغريب» جنبًا إلى جنب، وهنا تجد الأفكار الحمقاء آذانًا صاغية أكثر منها مقارنة بالغرب. وتشير سايناي إلى أن الهنود يتمتعون «بحرية فريدة من نوعها لاستكشاف منتهى ما يُعتقد أنه ممكن».

العلوم الهندية بعيدة كل البعد عن الهيمنة على العالم، فلا تساهم الهند حاليًا إلا بأقل من 3 في المائة من المخرجات البحثية العالمية، حيث تأتي بعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بفاصل كبير، لكن هناك عددًا متزايدًا من الباحثين الهنود بدأوا يعودون إلى ديارهم لقيادة جيل شاب بعد أن صنعوا لأنفسهم صيتًا ذائعًا في الخارج.

تكشف الصورة النابضة بالحياة التي ترسمها سايناي للهند، تلك الأمة رفيعة التكنولوجيا، عن بلد في عجلة من أمره. لا أحد يعرف كم سيستغرق هذا، لكن توسع الهند الاقتصادي الحالي يذكّرنا بأنها منذ أكثر من 1000 سنة مضت كانت تمتلك ثقافة علمية متقدمة مثلها مثل أي ثقافة أخرى في العالم. وقد قال ونستون تشرشل Winston Churchill ذات يوم: «إمبراطوريات المستقبل ستكون إمبراطوريات العقل».

الهند أمة من العباقرة والكادحين والمهرة. فنحو واحد من كل خمسة من جميع العاملين في حقل الرعاية الطبية وطب الأسنان في المملكة المتحدة من أصل هندي، وواحد من كل ستة علماء موظفين يحملون درجة الدكتوراه في العلوم أو الهندسة في الولايات المتحدة آسيوي، بل إن هناك من ادعى مع مطلع الألفية الجديدة أن ثلث جميع المهندسين العاملين في منطقة وادي السيليكون هم من أصل هندي، كما يدير الهنود 750 شركة من الشركات التقنية هناك.

«أمة من العباقرة» رحلة تقوم بها المؤلفة عند فجر هذه الثورة العلمية وتلتقي فيها المخترعين والمهندسين والعلماء الشبان الذين يساعدون على ولادة القوة العظمى العلمية التالية في العالم، وهي أمة لم تنبن على فتح البلاد ولا على النفط ولا على المعادن، بل أمة انبنت على عبقرية شعبها العلمية. وتوضح أنجيلا سايناي كيف تفسح العلوم القديمة المجال للعلوم الجديدة، وكيف بدأت تكنولوجيا الأثرياء تنتقل إلى الفقراء. كما تغوص سايناي في أعماق أنفس مواطني الهند المتعطشين للعلم، مستكشفةً الأسباب التي حدت بحكومة البلد الأكثر تدينًا على وجه الأرض إلى الإيمان بالعلوم والتكنولوجيا.

من خلال التحقيقات الصحفية الذكية التي تجريها المؤلفة على أرض الحدث ومن خلال التحليل الدقيق، يشرح لنا «أمة من العباقرة» ما يعنيه هذا بالنسبة لبقية دول العالم، وكيف تتمكن أمة روحانية من المواءمة بين روحها والعقلانية الشديدة. كما يصف الكتاب المليء بالشخصيات اللافتة للنظر والنابضة بالحياة والقصص الجذابة الهند من خلال شعبها. فيا لها من أمّة من العباقرة.

لقد آمن جواهر لال نهرو سنة 1960 بأن «المستقبل سيكون للعلوم». كان نهرو يريد إحداث تحول في الهند لتصبح «أمة عقلانية علمية من المحترفين البارعين» كما تقول الصحفية العلمية أنجيلا سايناي، التي تمضي حتى لتقول إن الهند ربما تكون «مهد المعرفة»؛ حيث استخدم الهنود الكسور العشرية والجبر قبل الغرب بقرون من الزمان. سايناي، ابنة المهندس الكيميائي الهندي والتي تعترف بأنها هي نفسها من المهووسين بالحوسبة، مؤهلة تمامًا لتفسير الأسباب التي تجعل الهنود «مشهورين بأنهم محترفون ومجتهدون ومهرة ومجدون ومهووسون بالكمبيوتر» وما إذا كان من الممكن أن تصبح الهند قوة عظمى علمية. تسافر سايناي في مختلف ربوع البلد لتتحدث مع «أساتذة جامعيين غريبي الأطوار»، بداية من علماء الفضاء وعلماء البيولوجيا الذين يصممون ثمار موز معدلة وراثيًا ذات فترة صلاحية أطول، إلى أيقونة عالم الكمبيوتر الملياردير نارايانا ميرثي Narayana Murthy، مؤسسة شركة إنفوسيس. ربما يتجه نظام التعليم في الهند إلى إفراز عقول كادحة لا عقول خلاقة، لكن سايناي ترى أن موطن قوة هذه الأمة تكمن في تسامحها مع غريبي الأطوار، حيث تجادل بأن التقدم العلمي يُعنى «بتنشئة ذلك العشق المجنون الغامض للإجابة عن الأسئلة».





منقول من موقع مجلة العربي

الاثنين، 12 أغسطس 2013

" بورترية ".. جورج لومتر.. راهب بلجيكي صاغ نظرية (الانفجار العظيم).. . عاطف يوسف محمود

 

  


  • كان لومتر أول عالم يعطى وصفًا مفصلاً منطقيًّا لما نطلق عليه الآن «الانفجار العظيم Big Bang» كنموذج لنشأة الكون. وكان يكرر أنه ليس مجرد نموذج، بل إنه الصورة الحقيقية لمولد الكون
 على خلاف صورة الكون الاستاتيكي الأزلي المستقر استقرارًا أبديًّا، تلك الصورة التي كان علماء الكونيات يبجلونها كثيرًا، ابتكر العالم الروسي «ألكساندر فريدمان» Alexander Friedmann رؤية مستحدثة للكون، مؤداها أنه دائب التحوّر، آخذ في التمدّد. ومع وفاة «فريدمان» عام 1925، توارت إلى حين رؤيته الكونية تلك، لافتقارها للمادة التجريبية الفلكية الكافية. على أنه من حسن الحظ أن مفهوم الكون المتمدد والآخذ في التطور لم يختفِ كلية، وعادت الفكرة لتطفو على السطح بعد سنوات قلائل من وفاة فريدمان. ولم يكن الفضل في بعثها هذه المرة منسوبًا إلى روسيا، بل أُعيد نموذج الكون المتمدّد مرة أخرى على نحو مستقلّ على يد «جورج لومتر» Georges Lemaître، وهو راهب لاهوتي وعالم كونيات بلجيكي اضطربت مسيرته التعليمية، شأنه شأن غيره من العلماء، من جراء أحداث الحرب العالمية الأولى.
 وُلِد «لومتر» (1894-1966) في «شارلروا» Charelroi، وحصل على درجة علمية في الهندسة من جامعة «لوفين» University of Louvain لكنه اضطر للتخلي عن دراسته حينما غزت قوات النازي الألمانية بلجيكا، حيث قضى السنوات الأربع التالية في الجيش، ونال لشجاعته وسام صليب الحرب. وفي أعقاب الحرب، استأنف دراسته في «لوفين»، لكنه انتقل هذه المرة من الهندسة إلى الفيزياء النظرية. وفي عام 1920، انخرط أيضًا في مدرسة لاهوتية في «مالين» Maline، ورُسّم في سنة 1923 كاهنًا. وقد حافظ لومتر، طيلة ما تبقى من حياته، على مسيرتيه المهنيتين المتوازيتين كفيزيائي وقسيس على نحو متوازن، وقال عن ذلك: «إن هناك سبيلين للوصول إلى الحقيقة، ولقد قررت أن أسلكهما كليهما».
وبعد تنصيبه قسيسًا، أمضى لومتر عامًا في «كيمبردج» مع العالم الشهير «آرثر إدينجتون» Arthur Eddington، الذي رأى فيه تلميذًا باهر الذكاء. وفي العام التالي رحل لومتر إلى أمريكا، حيث قضى وقته في إجراء قياسات فلكية في مرصد «هارفارد» Harvard Observatory، وعكف على دراسة الدكتوراه بمعهد «ماساتشوستس» التكنولوجي Massachussetts Institute.
وفي عام 1925 عاد إلى جامعة «لوفين» وشغل وظيفة أكاديمية، وشرع في تطوير نماذجه الكونية الخاصّة به، والمبنية على أساس معادلات آينشتاين للنسبية العامة. بيد أنه تغاضى، وبدرجة كبيرة، عن دور «الثابت الكوني» الذي أقحمه آينشتاين في معادلاته ليحافظ على صورة الكون الاستاتيكي المستقر. وعبر العاميْن التالييْن، أعاد لومتر اكتشاف النماذج التي تصف تمدّد الكون، دون أن يدري أن الكسندر فريدمان (العالم الروسي) قد سبقه إلى خوض العمليات الفكرية ذاتها في وقت مبكر من العقد نفسه.
على أي حال، مضى لومتر إلى أبعد مما توصل إليه سلفه الرّوسي، باتباعه - دون هوادة - للتضمينات المحتواة في نموذج الكون الآخذ في التمدّد.
 كان شغوفا بتاريخ الكون الفيزيائي بصفة خاصّة، فلو أن الكون يتمدد حقًا فلابد أنه كان بالأمس أضألَ منه اليوم، وبالمثل كان أضأل وأضألَ في العام المنصرم. وهكذا إذا ما مضينا القهقري بقدرٍ كافٍ، فلابد من أن الفضاء برمته - منطقيًّا- كان مدموجًا في حيّز ذي ضآلة متناهية.
كان حدس لومتر الأعظم هو أن نظرية النسبية العامة تقتضي وجود لحظة بداية. وانتهى لومتر إلى خلاصة مؤدّاها أن الكون بدأ في حيز مدموج بالغ الضيق، انفجر إلى الخارج ليُفضي - مع الوقت - إلى الكون الذي نجد أنفسنا فيه اليوم، كما أن من شأنه أن يتطور في الاتجاه ذاته مستقبلاً.
وبعد أن أتم صياغة نموذجه عن نشأة الكون، شرع لومتر في البحث في الفيزيائيات التي من شأنها أن تدعم نظريته عن تلك النشأة وتطورها، فوقع على منطقة كانت تثير شغفًا متناميًّا بين الفلكيين هي «فيزيائيات الأشعة الكونية» Cosmic Ray Phys. كان لومتر بالمثل مطّلعًا على عملية انحلال النشاط الإشعاعي، التي تتكسر خلالها الذرات الضخمة - كذرة اليورانيوم - إلى ذرات أضأل، مطلقة جسيمات وإشعاعًا وطاقة.
بدأ لومتر في تأمل أن عملية مماثلة، وإن تكُنْ على مقياس أكبر بكثير، يمكن أن تؤدي إلى ولادة الكون. وباستقراء الأزمنة الغابرة تصوّر لومتر كلّ نجوم الكون منضغطة في حيز بالغ الاندماج أطلق عليه اسم «الذّرّة الابتدائية» Premeval atom، ثم تصوّر اللحظة التي تحللت فيها تلكم الذرّة المفردة المدموجة بغتةً، مطلقةً كل مادة الكون.
وفي إيجاز، كان لومتر أول عالم يعطى وصفًا مفصلاً منطقيًّا لما نطلق عليه الآن «الانفجار العظيم Big Bang» كنموذج لنشأة الكون. وكان يكرر أنه ليس مجرد نموذج، بل إنه الصورة الحقيقية لمولد الكون. لقد انطلق من نظرية النسبية العامة لآينشتاين، ثم استحدث نموذجًا نظريًّا لنشأة الكون وتمدده، ثم طابقه مع أرصاد الظواهر المعروفة مثل الأشعة الكونية وانحلال النشاط الإشعاعي.
كانت لحظة النشأة هي جوهر نموذج لومتر، ورغم أن بحثه كان علميًّا ومنطقيًّا، فقد صاغه في قالب شاعري: «يمكننا تشبيه تطور الكون بألعاب نارية توقف إطلاقها للتوّ، فاستحالت إلى أشرطة واهية من الدخان والرماد. وإذ تبرد المادة المتفحمة شيئًا فشيئًا، فإننا نشاهد الشموس الخابية، محاولين أن نستحضر صورة العالم المتوهج الذي كان ثم لم يلبث أن اختفى».
وإذ قرن ما بين النظرية والأرصاد، وصاغ رؤيته للانفجار العظيم في إطار من العلوم الفيزيائية والأرصاد الفلكية، وصل لومتر إلى ما هو أبعد كثيرًا من أعمال «فريدمان» السابقة لأعماله. ورغم ذلك، فعندما أعلن ذلك الراهب البلجيكي نظريته عام 1927، جوبِه بالصمت الفاتر ذاته الذي قوبلت به نماذج سلفه فريدمان. ولم يشفع للومتر أنه اختار لنشر أفكاره صحيفة بلجيكية محدودة الانتشار هي «سوسييتيه ساينتيفيك دي بروكسيل» Societe Scientifique de Bruxelle.
ولقد زاد من سوء الأمر، تدخل من آينشتاين بعد أن نشر لومتر مقاله عن «فرضية الذرّة الأولية» مباشرةً. فقد حضر لومتر مؤتمر «سولفاي» Solvay Conference ببروكسيل عام 1927 الذي كان تجمعًا لأعظم علماء العالم آنذاك، حيث لفت الأنظار بزيّه الكهنوتي المميز. ولقد أمكنه أن ينتحي بآينشتاين جانبًا، ويشرح له رؤيته عن مولد الكون وتمدده، فأجاب آينشتاين بأنه سبق له أن سمع بتلك الرؤية من فريدمان، وأطلع القسَّ البلجيكي على عمل سلفه الروسي لأول مرة، ثم لم يلبث آينشتاين أن سخّف الفكرة وأحبط لومتر بقوله: «إن حساباتك صحيحة حقًا، بيد أن فيزيائياتك بغيضة وممجوجة».
لقد أتيحت الفرصة لآينشتاين مرتين كي يتقبل سيناريو «الانفجار الأعظم»، أو على الأقل كي ينظر إليه بعين الاعتبار، لكنه في المرتين عارض الفكرة. وكان رفض آينشتاين يعني رفض كل الدوائر العلمية. وفي غياب برهان رصين دامغ، كان انتقاد آينشتاين كفيلاً بوأد النظرية الوليدة. لقد أصبح آينشتاين، ذلك الذي كان ذات يوم عنوانًا على التمرد، دكتاتورًا متسلّطًا. غير أنه في خاتمة المطاف، أقر بالتضارب في موقفه، وقال ذات مرة متحسّرًا: «لقد عاقبني قدَري على ازدرائي للسلطات، بأن جعل مني أنا نفسي سلطة غاشمة».
أحبطت الأحداث التي جرت في مؤتمر «سولفاي» لومتر، فقرر ألا يمضي في أفكاره إلى مدىً أبعد.
وبنظرة مستقبلية، يسعنا القول بأن لكل من النموذجين نقاط قوة ونقاط ضعف. وفي نهاية الأمر كان كلاهما مترابطًا من الناحية الرياضية، وصالحًا من وجهة النظر العلمية. وقد انطلق كل منهما من معادلات النسبية العامة، ولم يتعارض مع أي قوانين فيزيائية مصطلح عليها، إلا أن كلتا النظريتين عانت حينذاك افتقارًا تامًا لأي بيانات رصدية أو تجريبية تدعمها. وكان هذا الافتقار للبرهان العملي هو ما دعا الدوائر العلمية إلى التأرجح في موقفها قبل أن تميل إلى التحامل، محبّذةً رؤية كون آينشتاين الاستاتيكي على نموذج فريدمان ولومتر... نموذج الانفجار العظيم.
ثم كان للأرصاد الضافية التي قام بها عالم الفلك النابه «إدوين بوويل هابل» Edwin Powell Hubble من مرصد «مونت ويلسون» القول الفصل في تلك القضية، إذ أثبتت أرصاده - بما لا يدع للشك مجالاً - تمدد الكون، وتباعد مجراته وأظهرت قياساته أن الكون كما لو كان قد بدأ من حالة مدموجة متناهية في كثافتها، ثم أخذ في التمدد إلى الخارج، ذلك التمدد الذي ما زلنا نرصده حتى الآن.
-------------------------------------
عاطف يوسف محمود
* كاتب ومترجم علمي، حاصل على الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية - مصر.

الأحد، 11 أغسطس 2013

العالم‮ ‬يحتفل بمائة عام علي ميلاده‮ ‬ آلبير قصيري‮ : ‬الرجل الحر في حوار عن المرأة والحب والقاهرة والكتابة.. حوار‮: ‬ميشال ميترانى ‮ ‬ترجمة‮ : ‬أحمد عثمان



في الثانية والتسعين من عمره،‮ ‬التزم بجمل مثل‮ : "‬أحب،‮ ‬بعد أن‮ ‬يقرأني الناس،‮ ‬أن لا‮ ‬يذهبوا إلي أعمالهم في الغد‮". ‬تمتلك كتب آلبير قصيري،‮ ‬الأديب المصري المقيم في باريس منذ‮ ‬1945،‮ ‬في الغرفة‮ ‬58‮ ‬بفندق‮ "‬لا لويزيان‮"‬،‮ ‬جاذبية منفتحة وحكمة معدية،‮ ‬وتحمل نظرة حية ودقيقة عن العالم الذي‮ ‬يجعل القارئ‮ ‬يتساءل عنه‮. ‬هو ذا،‮ ‬من بين حجج عدة،‮ ‬يتبدي لماذا جمعت دار النشر‮ (‬دويل لوزفيلد‮) ‬أعمال هذا الكاتب الحر الكاملة مما جعله حدثا أدبيا كبيرا‮. ‬والمناسبة هي العودة إلي أحد أهم الأدباء الأخاذين في المشهد الأدبي الفرنسي المعاصر‮. ‬

‮   ‬المكتب،‮ ‬لم‮ ‬يعرفه آلبير قصيري أبدا‮. ‬ولد في القاهرة عام‮ ‬1913،‮ ‬لعائلة من ملاك الأراضي الصغار‮. ‬درس في مدارس كاثوليكية وفي سن العاشرة،‮ ‬بدأ الكتابة،‮ ‬قبل أن‮ ‬يتجه إلي الدراسة بالليسيه الفرنسية‮. ‬في السابعة عشرة من عمره،‮ ‬غطس في قراءة بلزاك بشغف كبير،‮ ‬وعندما بلغ‮ ‬مونبارناس كانت لديه الرغبة في اكتشاف هذا الحي الشهير‮.‬
في‮ ‬1941،‮ ‬صدرت بالعربية والفرنسية في آن معا مجموعته القصصية الأولي‮ "‬الناس الذين نساهم الرب‮"‬،‮ ‬ثم قدم هنري ميلر الطبعة الإنجليزية‮ : "‬لم‮ ‬يكتب أي كاتب حي بهذه الحدة والقسوة عن حياة الذين‮ ‬يشكلون القاعدة العريضة من الجماهير‮...".    ‬خلال الحرب،‮ ‬عمل قصيري رئيسا للخدم علي باخرة تعمل بين نيويورك وبور سعيد‮. ‬في الميناء،‮ ‬كتب أولي رواياته‮ : "‬منزل الموت المؤكد‮"‬،‮ ‬قبل أن‮ ‬يستقر نهائيا في فرنسا،‮ ‬في هذه الغرفة الكائنة في شارع السين والتي لم‮ ‬يزل قاطنها حتي اليوم‮. "‬فكر العالم كله‮ ‬يوجد‮ ‬ في هذا الحي‮"‬،‮ ‬هكذا أعرب قصيري عن حنينه‮. ‬هو،‮ ‬من لم‮ ‬يعمل أبدا بالمعني المألوف للكلمة والذي أمضي عشر سنوات لكي‮ ‬يكتب كتابا،‮ ‬عاش الحيل في باريس الأسطورية حيث كان مالكو المعارض الفنية‮ ‬يهدونه أحيانا لوحة فيبيعها لكي‮ ‬يسدد إيجار‮ ‬غرفته‮. ‬في‮ (‬مقهي‮) ‬فلور،‮ ‬عنده حساب مفتوح‮. ‬كان كأصدقائه،‮ ‬آلبير كامو وروجيه نيميه أو لورنس داريل ضمانة مؤكدة كضمانة المصرفي‮. ‬يا للزمن‮ !‬
‮   ‬كما شخصيات رواياته التي‮ ‬ينصهر معها‮  "‬هذه الشخصيات حياتي،‮ ‬ذريعة لحكي ما أفكر فيه عن هذا العالم‮"  ‬لم‮ ‬يرض قصيري بأي عقبة تهدد حريته،‮ ‬مؤكدا نصف جاد‮ "‬أنا حي لأنني لم أتزوج أبدا،‮ ‬وليس لدي أبناء،‮ ‬خادمة،‮ ‬سيارة ولا فاتورة كهرباء‮. ‬يكفيني أن أحيا‮".    ‬شخصيات رواياته،‮ ‬أطفال من قاع المجتمع القاهري أو شحاذون رائعون،‮ ‬بشائر هذه الفلسفة الحاذقة والمعقدة التي لا‮ ‬يكشف صاحبها عنها بسهولة‮. ‬مثله مثل جوهر،‮ ‬المعلم في‮ "‬شحاذون ومتكبرون‮"‬،‮ ‬يشير إلي الفقر‮ "‬إذ أننا نعلم الحياة بدون أن نعيشها هي جريمة الجهل المكروه للغاية‮". ‬يمسك المعلم حساب منزل للدعارة ويكتب خطابات العاهرات قبل أن‮ ‬يقوده مصيره،‮ ‬تحت تأثير الحشيش،‮ ‬إلي الجريمة‮. ‬حتي النظرة اللاذعة‮  ‬أحيانا المنذرة‮  ‬في‮ "‬بيت الموت المؤكد‮"‬،‮ ‬حيث انتهي سكان المنزل‮ ‬غير الصحي إلي الاطمئنان علي أنفسهم بينما هم متأكدون أن منزلهم سينهار‮ .‬
وبمناسبة‮ ‬100‮ ‬عام علي ميلاده الذي‮ ‬يحتفل به العالم ننشر هنا ترجمة للفصل الثالث من كتاب‮ : ‬ميشال ميتراني،‮ ‬حوار مع آلبير‮ ‬قصيري،‮ ‬مطبوعات جويل روزفيلد،‮ ‬باريس‮.‬






‮ ‬آلبير قصيري،‮ ‬كتاب كل عشرة أعوام،‮ ‬ايقاعك لإنضاج الحكاية‮. ‬هل ستعمل علي نشر‮ "‬لصوص صغار ولصوص كبار‮" ‬؟
‮  ‬لم أعرف أبدا متي أنتهي من كتابة أي كتاب‮. ‬يجب أن أقول أنني لست متعجلا بما أنني أكتب نفس الكتاب‮.‬
‮  ‬الم‮ ‬ينتج كبار الأدباء سوي عمل واحدب،‮ ‬كما قال مارسيل بروست ذات مرة‮.‬
‮  ‬بيد أن معظم الكتاب‮ ‬يعرفونها جيدا‮... ‬أقول في كل كتبي ما لدي‮.‬
‮  ‬نعم،‮ ‬يستحق كلامك أن‮ ‬يكون قابلا للتأويل بالنسبة للقراء الذين‮ ‬يحبون كتبك وينتظرون كتابك القادم‮.‬
‮  ‬لديك الحظ أنك تمتلك سبعة كتب لي‮. ‬اذا كنت كتبت ثلاثين،‮ ‬كنت ستكون في حالة مزرية‮...‬
‮  ‬دراسة ضخمة لموريس بلانشو،‮ ‬معنونة‮ "‬الحوار اللا نهائي‮"‬،‮ ‬كما تعرف‮... ‬علي وجه العموم،‮ ‬بما أن هناك فاصلا زمنيا‮ ‬يقارب العشر سنين‮ -  ‬تقترب اللفظة من نهايتها‮  ‬يفصل بين ظهور كتبك‮  ‬كإحصائية‮ -‬،‮ ‬لماذا تظل وقتا طويلا في الكتابة ؟
‮  ‬لأنني أعمل‮... ‬لتفترض خمسة عشر‮ ‬يوما متتابعة،‮ ‬ثم أبقي شهرا بدون كتابة‮. ‬يتأتي أن أبقي ثلاثة أشهر بدون أن أفعل شيئا،‮ ‬قبل أن أعاود الكتابة‮. ‬الكتابة صبر طويل‮.‬
‮  ‬اذأ،‮ ‬لا تكتب منهجيا كل‮ ‬يوم،‮ ‬كما‮ ‬يفعل بعض الكتاب ؟
‮  ‬بالطبع لا‮ !‬
‮  ‬كل نهار في العاشرة صباحا‮...‬
‮  ‬أنهض متأخرا‮. ‬أحتسي قهوة‮. ‬تلزمني ساعتين حتي أبدأ العمل‮.‬
‮  ‬كيف تحافظ حياتك اليومية علي رابطة مع مصر،‮ ‬التي تلقح نتاجك ؟
‮  ‬قلت لك أنني لم أغادر مصر،‮ ‬أي أنني أحيا دوما نفس المناخ‮.‬
‮  ‬تحيا في باريس،‮ ‬ولا تقرأ‮ "‬الأهرام‮" ‬كل صباح،‮ ‬حتي تكون مطلعا علي ما‮ ‬يجري‮.‬
‮  ‬نعم‮... ‬لا أشتري‮ "‬الأهرام‮". ‬في تناقص،‮ ‬أقرأ بالعربية،‮ ‬لأنه علي مدي خمسين عاما في باريس،‮ ‬أصبح الأمر صعبا‮. ‬أنا خجل‮. ‬مع من سأتحدث العربية ؟ حتي عندما‮ ‬يأتي إخوتي الي باريس،‮ ‬نتبادل الأحاديث بالفرنسية‮. ‬أصدقائي المصريون الذين‮ ‬يأتون،‮ ‬يتحدثون الفرنسية‮. ‬آخر الأمر،‮ ‬ينسي المرء لغته علي مدي عدد من السنوات‮.‬
‮ - ‬ومع ذلك،‮ ‬اندهشت،‮ ‬حتي بعد العدوان الفرنسي‮-‬البريطاني الغبي علي السويس،‮ ‬من عدد المصريين الذين استمروا في الكلام بالفرنسية في حياتهم العادية‮. ‬Comment ca va؟‮... ‬كيف الحال ؟ كما‮ ‬يقولون في محادثاتهم الهاتفية،‮ ‬التي‮ ‬يجرونها بالعربية والفرنسية،‮ ‬بلا تمييز‮...‬
‮  ‬نعم‮. ‬من قبل،‮ ‬كان هناك الكثير ممن‮ ‬يتحدثون الفرنسية‮. ‬الآن،‮ ‬لا توجد سوي فتيات العائلات المرموقة لأنهن درسن في مدارس الارساليات،‮ ‬لدي‮ (‬مدراس‮) ‬الأخوات‮... ‬لا أعرف أية مدرسة‮.‬
‮  ‬يجب أن‮ ‬يعمل المصريون،‮ ‬ولذا‮ ‬يتعلمون الانجليزية‮.‬
‮  ‬حتي أسماء الشوارع كانت بالفرنسية‮.‬
‮  ‬الحواسيب آمريكية‮...‬
‮  ‬نعم‮... ‬الحواسيب‮... ‬حتي اليوم،‮ ‬لا أعرف فيم تختص‮. ‬لا تثير اهتمامي‮. ‬سمعتهم‮ ‬يتحدثون عن‮ "‬المينيتل‮" (‬2‮)‬،‮ ‬غير أنني لا أعرفه،‮ ‬ولا أريد أن أعرفه‮. ‬بالنسبة لي،‮ ‬يكفيني قلم رصاص وورقة،‮ ‬وهو كل ما أحتاجه للكتابة‮. ‬غير أنني لا أكتب‮... ‬الا اذا كان عندي شئ جديد لقوله،‮ ‬واذا لم أجده،‮ ‬لا أكتب‮. ‬اذا كان لعدم قول أي شئ‮... ‬ربما بسبب التعب عديم الفائدة،‮ ‬وبالتالي لدي كل الوقت‮ !...‬
‮  ‬شخصياتك عربية وتتحدث بالفرنسية‮.‬
‮  ‬لا،‮ ‬أترجم كلامهم الي الفرنسية‮. ‬لا أستخدم تعبيرا باريسيا خالصا،‮ ‬علي سبيل المثال‮... ‬الكاتب الفرنسي الذي‮ ‬يكتب عن باريس لديه حرية أكبر‮. ‬يقول‮ : ‬عبرت الشخصية شارع سان-جاك ودخلت الي مكتبة‮...‬
‮  ‬لكي تنمي الموقف،‮ ‬هل تفكر بالعربية أم بالفرنسية ؟
‮  ‬لا،‮ ‬أفكر بالعربية،‮ ‬أي أمنح جملتي محيطا،‮ ‬ليس محيطا باريسيا أو،‮ ‬لنقل،‮ ‬غربيا‮. ‬بالنسبة للحوارات أو الأجوبة،‮ ‬أفكر بالعربية‮. ‬غير أن أسلوبي،‮ ‬في نفس الوقت،‮ ‬يأخذ شكلا آخر اذا كتبت حول باريس أو أي شئ آخر‮. ‬لئلا أعطي الانطباع بأن فرنسيا‮ ‬يكتب عن مصر‮...‬
‮  ‬دوما،‮ ‬تكتب،‮ ‬مباشرة،‮ ‬بالفرنسية‮.‬
‮   ‬نعم‮. ‬ولكن هناك دوما،‮ ‬في عقلي،‮ ‬المناخ العربي،‮ ‬طريقة الكلام‮. ‬تعرف حتي ان قال أحد لك‮ "‬صباح الخير‮"‬،‮ ‬تشعر أن شيئا خلفها‮. ‬أنه ليس دائما‮ "‬صباح الخير‮" ‬علي الطريقة الأوروبية،‮ ‬أي الذي لا‮ ‬يعني أي شئ‮. ‬وهذا السلام،‮ ‬يستلزم أن أرده‮.‬
‮  ‬في المعني‮ : ‬هل تعرف مع من تتحدث ؟
‮   ‬في مصر،‮ ‬يتبقي هذا أكثر شعبية،‮ ‬بدون طيف البورجوازي الصغير‮.‬
‮  ‬هل تمثل الكتابة بالفرنسية ضغطا خاصا ؟
‮  ‬بالتأكيد‮. ‬يلزمني أن أجد الأسلوب اللازم‮. ‬غير أنني أجده سريعا‮. ‬مثلما لاحظت،‮ ‬منذ كتبي الأولي‮. ‬لأن هناك شكل الذهن الشرقي،‮ ‬أخيرا‮... ‬المصري بالأخص‮. ‬هناك دوما شئ من الدعابة‮. ‬بخصوص التحية علي وجه الدقة،‮ ‬هناك الصداقة،‮ ‬طريقة للسخرية منه‮. ‬هناك دوما شئ ما‮.‬
‮  ‬هل تستطيع دوما أن تحكي مسعي اعداد الكتاب ؟
‮ ‬في‮ ‬غالب الأحايين،‮ ‬سؤال‮ ‬يطرحه القراء،‮ ‬الذين لا‮ ‬يعرفون الكتابة‮ (‬أو لا تمتلكهم الرغبة‮)‬،‮ ‬وانما‮ ‬يحبون القراءة‮.‬
‮  ‬لكل كاتب طريقته في الكتابة‮.‬
‮  ‬وطريقتك ؟
‮  ‬بعض الكتاب‮ ‬يكتب مباشرة ويقول لكم‮ : ‬أكتب خمس صفحات‮ ‬يوميا،‮ ‬وهذا‮ ‬يتبدي لي‮ ‬غريبا‮. ‬لا‮ ‬يكتب،‮ ‬بالضبط‮ ‬يحرر نصا ما‮. ‬أنا أكتب جملة‮. ‬فقط،‮ ‬أتفحصها عشرين مرة كي أضيف شيئا ما فيها‮.‬
‮  ‬كيف تولد فكرة الكتاب ؟
‮  ‬أنها عملية تحضير طويلة،‮ ‬ولهذا أخذ كثيرا من الوقت لكتابتها‮. ‬بداية،‮ ‬لأنني لست متعجلا‮. ‬ليس لدي أي طموح‮.‬
‮  ‬ألا‮ ‬يتأتي هذا البطء من رفضك للتغيير،‮ ‬للجدول ؟ هل من الممكن أن‮ ‬يتغير كاتب ما حينما‮ ‬يحتوي نتاجه علي نفس الصور-القوي ؟
‮  ‬لست روائيا‮. ‬يكتب الروائي كتابا‮ ‬يدور في باريس،‮ ‬في افريقيا،‮ ‬في أي مكان في العالم،‮ ‬وبأي حكاية‮. ‬قسرا،‮ ‬يغير الجدول،‮ ‬بينما أنا أعمل دائما علي نفس الشئ‮.‬
‮  ‬بطريقة ما،‮ ‬أ لا تغترف،‮ ‬في كل مرة،‮ ‬من مادة محدودة وثابتة ؟ لا أشير فقط الي وفائك الاقصائي لمصر‮.‬
‮  ‬نفس الفكرة موجودة في جميع كتبي،‮ ‬أعمل عليها بصورة مختلفة‮. ‬الكاتب الحقيقي‮ ‬يتصرف بالمادة المحدودة التي تمثل وجهة نظره للعالم‮.‬





‮ ‬من أين تأتي شخصياتك ؟ هل لها بطاقة وصفية مشتركة ؟
‮  ‬إنها شخصيات عرفتها في مصر،‮ ‬تمثل جزءاً‮ ‬من هذا التصور عن العالم‮. ‬أستطيع،‮ ‬بعد خمسين عاما،‮ ‬أن أكتب كتابا،‮ ‬بتفصيلة،‮ ‬بصفة للشخص الذي قابلته في شبابي‮. ‬وبدون أن أدون ملاحظات،‮ ‬لست في حاجة الي ملاحظات‮.‬
‮  ‬ذاكرة الكاتب انتقائية،‮ ‬كما قال جوليان جراك،‮ ‬تتعامل مع المخزون،‮ ‬ولكنها لا تحدد موضوع الكتاب ولا حبكته‮. ‬ما دور الحبكة في رواياتك ؟
‮  ‬الحبكة‮... ‬بالتأكيد،‮ ‬من الواجب أن أجد حبكة فريدة،‮ ‬لأن شخصياتي فريدة،‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن تحدث معها حكاية تافهة‮... ‬عن سيد متزوج‮ ‬يحب امرأة أخري،‮ ‬وهكذا‮. ‬بالتالي،‮ ‬أبتكر لها حكاية‮. ‬ولكن الشخصيات هي التي تثير اهتمامي علي وجه الخصوص،‮ ‬وما سيقولونه‮. ‬لأنه،‮ ‬بعد كل شئ،‮ ‬يعبرون عن فكري‮. ‬فضلا عن ذلك،‮ ‬لا أعتقد أن القارئ‮ ‬ينشغل بالحبكة،‮ ‬وانما بالشخصيات‮. ‬تعرف أن الناس الذين‮ ‬يأتون لرؤيتي،‮ ‬والشباب بالأخص،‮ ‬لم‮ ‬يقولوا لي أبدا‮ : ‬كتبت رواية جميلة‮. ‬أنهم مفتونون بالشخصيات وبما تعبر عنه‮...‬
‮ -... ‬بأسلوبك الخاص‮. ‬جملك المرصعة بدقة تنتج صورا قوية،‮ ‬عنيفة دوما‮. ‬بطريقة تقنية خالصة،‮ ‬تستعمل دوما الصفات‮. ‬أنت سخي في استعمال الصفات‮.‬
‮  ‬لأنه،‮ ‬أيضا،‮ ‬أسلوب اللغة العربية‮.‬
‮  ‬من الصحيح أن هذه الصفات المباشرة للغاية لا توفر الحالة ولا الشخصيات النضرة‮. ‬هذه الصفات تمحو كل التباس‮.‬
‮  ‬من اللازم أن تحتوي كل جملة علي النقد بينما أقوم بالوصف‮. ‬اذا تكلمت عن مصباح،‮ ‬أقول عمن‮ ‬يملكه‮. ‬أقول‮ : ‬مصباح الحكومة‮...‬
‮  ‬في‮ "‬طموح في الصحراء‮"‬،‮ ‬بينت هيكل الدريك‮ (‬4‮) ‬صدئا بأكمله،‮ ‬أي أن الشركات النفطية أخفقت في عملها‮...‬
‮  ‬يخدم الأطفال الذين‮ ‬يلهون‮. ‬يتسلقونه‮. ‬يجب أن‮ ‬يؤدي الديكور دورا‮. ‬لا أكتب روايات لكي أصف مدينة أو منظرا،‮ ‬هذا لا أهمية له‮.‬
‮  ‬لا تتردد أبدا عن تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية،‮ ‬الوغد وغد،‮ ‬وحتي الدنيء‮...‬
‮  ‬نعم‮ ! ‬أحب الأوغاد،‮ ‬أنهم من‮ ‬يمنحون الحياة بعض الملح‮.‬






‮  ‬الأوساخ هم من‮ ‬يقتلون كل فرحة حولهم،‮ ‬كما قلت علي لسان هيكل‮. ‬وبالتالي،‮ ‬من هم الأوساخ،‮ ‬بالنسبة اليك ؟
‮  ‬أنه الفرد الذي‮ ‬يستفيد من هذا المجتمع الذي نحيا فيه‮.‬
‮  ‬محتال‮... ‬هل هذا الاحتيال الذي تعريه منهجيا عاما ؟
‮  ‬الاحتيال‮ ‬يحيا منذ قرون وقرون‮.‬
‮  ‬ما هو شكله الأكثر مقتا ؟
‮  ‬الطغيان‮. ‬غير أن الطغاة،‮ ‬دوما،‮ ‬موجودون‮. ‬يوجدون دوما‮.‬
‮  ‬وبالتالي،‮ ‬بدون أدني شك،‮ ‬من العبث محاربتهم،‮ ‬لا‮ ‬يثيرون الضحك‮ ! ‬اذا كنت فهمت جيدا،‮ ‬هؤلاء الطغاة‮ ‬يجب النظر اليهم علي اعتبار أنهم دمي متحركة،‮ ‬وكل طغيان أداة سخرية‮. ‬يلهو البطل القصيري بها،‮ ‬ويريد أن‮ ‬يخلدهم لكي‮ ‬يسخر منهم‮. ‬للاحتيال مستقبل مشرق‮...‬
‮  ‬أنه دائم بما أن الأثرياء نصوا عليه،‮ ‬وكذا الناس الذين لهم مكانة ما‮.‬
‮  ‬هل من الممكن أن تعرفه ؟
‮  ‬أنه موجود في كل مكان‮ ! ‬فقط،‮ ‬هذا لا‮ ‬يعني ألا نحب الحياة‮. ‬الحياة رائعة‮. ‬من اللازم التوفر علي صفة ما،‮ ‬أن‮ ‬يكون المرء ذكيا لكي‮ ‬يخرج منه،‮ ‬ويلاحظ كل هذا الاحتيال بفرح،‮ ‬أي تناوله بسخرية،‮ ‬دوما‮...‬
‮  ‬متي تحتفي بالحياة،‮ ‬تحدد الأخوية للذوات‮.‬
‮  ‬الأخوة بين الناس الذين‮ ‬يتلاقون،‮ ‬لأنهم من نفس العائلة‮.‬
‮ - ‬غير أن هذه الأخوية لم تعد موجودة‮... ‬مثل قصة حب بين‮ "‬خبراء‮".‬
‮  ‬نعم،‮ ‬إنها ذوات تتلاقي،‮ ‬وليس جميع الذوات‮. ‬لا‮ ‬يعرف الناس سوي الحب بين رجل وامرأة،‮ ‬الذي‮ ‬يعتبر صورة من صور الحب‮. ‬تفكر شخصياتي في نفس الشئ،‮ ‬هم أنفسهم ضاعوا وسط هذا الاحتيال،‮ ‬وبالتالي تعارفوا‮. ‬مثل أناس تائهين في الصحراء،‮ ‬وبالتالي هناك أخوة بينهم‮.‬
‮  ‬بين مدحت وتيمور،‮ ‬هيكل وكريم،‮ ‬سامنتار وشعث‮... ‬بالتأكيد‮.‬
‮  ‬تبادلوا الاختيار‮.‬
‮  ‬إنها هبة الذات أيضا‮.‬
‮  ‬عرفت آلاف الأفراد،‮ ‬ولم أختر سوي أربعة أو خمسة منهم طوال حياتي‮. ‬لقاء أحد أفراد العائلة‮ ‬يماثلك‮ (‬أتكلم عن العائلة الفكرية‮) ‬شئ نادر‮.‬
‮  ‬تفترض هذه الأخوية،‮ ‬هذا‮ "‬الكمال‮"‬،‮ ‬فن العيش المشترك‮.‬

‮   ‬نعم‮...‬
‮  ‬وما هو فن العيش ؟
‮   ‬أن تتخلي عن كل ما علموك اياه،‮ ‬عن كل القيم،‮ ‬عن الدوغمائيات‮. ‬وهذا ما قلته من قبل،‮ ‬أي أن‮ ‬يقوم المرء بثورته‮.‬
‮  ‬هل قمت بثورتك ؟
‮   ‬أوه‮ ! ‬وأنا شاب‮ ! ‬غير أن كان الحظ رفيقي،‮ ‬كان لدي إخوة أكبر مني،‮ ‬من المثقفين،‮ ‬وقرأت،‮ ‬في السن التي‮ ‬يقرأ أطفال اليوم فيها الرسوم المتحركة،‮ ‬كل الكلاسيكيات الفرنسية‮.‬
‮  ‬ما الذي‮ ‬يميز فن العيش لدي الشخصيات التي ابتدعتها ؟
‮ ‬في بادئ الأمر،‮ ‬انعدام الطموح‮. ‬الطموح‮ ‬يقتل الناس‮. ‬وأيضا هذا الاندفاع نحو مجتمع الاستهلاك‮. ‬أنا،‮ ‬حينما أتابع الاعلانات في التلفاز،‮ ‬أقول في نفسي‮ : ‬يستطيعون أن‮ ‬يقوموا بهذا أمامي لسنوات،‮ ‬لن أشتري شيئا مما‮ ‬يعرضونه‮. ‬لم أتمن أبدا سيارة جميلة،‮ ‬لم أتمن شيئا آخر سوي أن أكون نفسي‮. ‬أستطيع أن أمشي في الشوارع ويداي في جيبي،‮ ‬وأشعر بكوني أميرا‮.‬
‮  ‬هذا الأسلوب الحياتي صاغ‮ ‬شخصيات نتاجك‮. ‬يعيشون علي الهامش،‮ ‬ويجابهون بالسخرية الصفة القمعية لمجتمع‮ ‬يعدد نظامه التنافرات،‮ ‬يعقدها طوعا‮  "‬خلله الوظيفي‮"‬،‮ ‬كما‮ ‬يقال اليوم‮  ‬لكي‮ ‬يحتال بصورة فضلي علي الناس‮. ‬شخصياتك تحب الحياة الطبيعية،‮ ‬خارج كل ابتذال‮ ‬يحقق العنف‮. ‬يتصرفون كأمراء علي خشبة الحياة،‮ ‬أيا كانت،‮ ‬وعلي وجه الخصوص حسبما‮ ‬يختارون أن‮ ‬يعيشوها‮.‬
‮  ‬هو ذا،‮ ‬الأرستقراطية الحقيقية،‮ ‬هي تلك المتحررة من هذا العالم الاستهلاكي،‮ ‬من العنف ومن الاحتيال‮.‬
‮  ‬لشخصياتك رقة خاصة ؟
‮  ‬ولكن هذا‮ ‬يمنحنك،‮ ‬طبيعيا،‮ ‬رقة خاصة‮.‬
‮  ‬لا‮ ‬يكرهون‮.‬
‮  ‬لا‮ ‬يكرهون،‮ ‬بما أنهم لا‮ ‬يملكون أي طموح‮. ‬كالعادة،‮ ‬الطموح‮ ‬يكره الطموحين الآخرين مثله،‮ ‬الذين‮ ‬يريدون أن‮ ‬يبلغوا نفس المكانة‮.‬
‮  ‬أنه التحرر من ثروات هذا العالم الذي تمتدحه‮...‬
‮  ‬من الثروات،‮ ‬ولكن ليس من الحياة‮. ‬لا تستطيع امتلاك الثروات أن ترضي انسانا ذكيا،‮ ‬فهم العالم الذي‮ ‬يحياه‮. ‬لأن الذكاء،‮ ‬يعني فهم العالم الذي نحياه‮ ! ‬فهمه كثير من الناس،‮ ‬ولكن من،‮ ‬لئلا‮ ‬يفقد مكانه،‮ ‬أو أمام مديرهم،‮ ‬يستمرون في الكذب،‮ ‬في العيش في هذه الكذبة‮. ‬اذا لم‮ ‬يكن لديك مدير،‮ ‬اذا لم‮ ‬يكن لديك أي دين لأي شخص،‮ ‬لست في حاجة الي العيش في الكذبة‮.‬
‮  ‬لا تعمل شخصياتك،‮ ‬لا تتبع أحدا‮. ‬أنها أحرارمن خلال تحررها من كافة القيود والعمل‮.‬
‮  ‬نعم‮. ‬هو ذا بالضبط‮.‬
‮  ‬بيد أن هذه المسافة،‮ ‬أ لا تفضي الي نوع من الأنانية،‮ ‬الي أريحية تحديدية،‮ ‬الي اختزال الحنو،‮ ‬حتي،‮ ‬أقول‮... ‬أين‮ ‬يتموضع هذا الحنو الانساني في هذا التحرر ؟
‮  ‬ولكن بالضبط،‮ ‬هذا التحرر‮ ‬يمنح الامكانية للمرء بأن‮ ‬يكون سخيا،‮ ‬بما أنه،‮ ‬كما قلت من قبل،‮ ‬لا‮ ‬يوجد سوي الطموحين من‮ ‬يكرهون‮.‬
‮  ‬هل من الممكن أن‮ ‬يكون الحنو انتقائيا ؟
‮  ‬أنه انتقائي لأن المرء لا‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يحب سوي من‮ ‬يشبهه‮.‬
‮  ‬حينما أقول أنه انتقائي،‮ ‬بمعني أنه خارج العائلة الشرعية‮. ‬ينتخب المرء أصدقاءه،‮ ‬يختار من‮ ‬يحبه‮.‬
‮  ‬شعرت بهذا لما كنت شابا،‮ ‬لأن،‮ ‬كما قلت في سياق حوارنا،‮ ‬والدي لم‮ ‬يعمل أبدا وبالتالي لم أشعر بأي ثقل‮. ‬تعرف،‮ ‬في العائلات التي‮ ‬يستلزم أن‮ ‬يعمل الأب لكسب المال،‮ ‬أن‮ ‬يجلب المال للبيت،‮ ‬وبالتالي،‮ ‬هناك شئ من السلطة‮. ‬لم‮ ‬يكن لأبي أية سلطة علينا‮. ‬لم‮ ‬يقل أبدا‮ : ‬عليك أن تفعل هذا أو ذاك‮. ‬ليس الآباء من‮ ‬يستطيعون تربية الأطفال‮.‬
‮  ‬أ لم تر أبدا الي أن المجتمعات من الممكن أن تتقدم ؟
‮  ‬التقدم الروحي،‮ ‬نعم‮ ! ‬ليس بالمعني الديني‮. ‬الروحي،‮ ‬أي في الروح‮. ‬صعب للغاية،‮ ‬ولذا لم تتقدم الانسانية قيد أنملة منذ آلاف الأعوام‮. ‬نراه اليوم في كل مكان بالعالم‮ : ‬الناس تتكاره،‮ ‬يصنعون الحروب،‮ ‬يتقاتلون‮.‬
‮  ‬ولكن كيف تستطيع المجتمعات أن تصلح من شأنها بدون التقدم التقني،‮ ‬المادي ؟
‮  ‬دوما،‮ ‬في الاحتيال،‮ ‬أي‮ ‬يدفع الفقراء ثمن هذا التقدم‮.‬
وبالتالي،‮ ‬بقدر ما‮ ‬يتبقي من فقراء‮...‬
‮  ‬لا أقول إن العالم لا‮ ‬يجب أن‮ ‬يتطور عبر التقدم‮. ‬لست ضد هذا العالم‮. ‬أتخلص منه بلباقة وذا كل شئ‮. ‬هناك كثيرون مثلي‮.‬
‮  ‬مثل شخصيات كتبك ؟
‮  ‬نعم‮. ‬ومثل كثير من الناس،‮ ‬الشباب بالأخص،‮ ‬الذين قرأوني‮. ‬ولكن العالم‮ ‬يستمر كما‮ ‬يريد‮. ‬لست ضد أي شئ‮. ‬يستمر هؤلاء،‮ ‬ويفعلون ما‮ ‬يحلو لهم‮. ‬غير أن لا رابط بيني وبينهم‮.‬
‮  ‬تتحدث في معظم الأحيان عن الدعابة،‮ ‬عن هذه الدعابة الخالدة التي تهيمن علي وجود الانسان المصري،‮ ‬يتبدي بالمثل أن التهكم والسخرية أمر قصيري خالص‮.‬
‮  ‬لا‮. ‬كذلك الشعب المصري‮. ‬يسخر من نفسه أيضا‮. ‬تعرف،‮ ‬في مصر،‮ ‬كل‮ ‬يوم،‮ ‬هناك حكاية‮ ‬غريبة،‮ ‬لا نعرف من أبدعها،‮ ‬عن الأحوال الراهنة‮. ‬ولا أحد‮ ‬يتضايق‮.‬
‮  ‬ولكن هناك معني للسخرية‮ ‬ينتمي اليك ؟
‮  ‬نما من محيطي‮.‬
‮  ‬وجهة نظرك تنمي هذه السخرية‮...‬
‮  ‬في مصر،‮ ‬أنا،‮ ‬كنت ألهو طوال اليوم برفقة أصدقائي‮. ‬إنها الطريقة الوحيدة لفهم الحياة‮. ‬علي أي حال،‮ ‬بالنسبة لي ولكثير من الناس‮. ‬في مصر،‮ ‬كنت محاطا بكثير من الناس الذين‮ ‬يفكرون مثلي‮. ‬لم أبدع هذه السخرية‮.‬
‮  ‬أخيرا،‮ ‬بالمثل،‮ ‬في نتاجك،‮ ‬هناك تطور‮. ‬رأيناه،‮ ‬يقدم كتاباك الأولان وقائع تشهد علي الشعب المصري ذ‮   .     ‬ي بؤسهم الفظيع‮. ‬في كتبك التالية،‮ ‬تنمي صفات الشخصيات،‮ ‬تتأكد أكثر فأكثر‮. ‬شخصيات رئيسية،‮ ‬تبرز،‮ ‬شيئا بعد شئ،‮ ‬البطل القصيري الذي‮ ‬يتكلم دوما علي لسانك‮. ‬لا‮ ‬يمكن أن نكتفي،‮ ‬حتي وان كان أرستقراطيا‮  ‬بالنسبة لك‮  ‬استحضاره،‮ ‬بأطروحتك عن كون هذه الشخصيات تنتج نماذج مجهزة سلفا،‮ ‬تمت مقابلتها في شبابك‮. ‬السخرية المكشوفة البصيرة لرفيق من ابداعك‮. ‬جوهر،‮ ‬أبدعته‮. ‬هيكل،‮ ‬سامنتار،‮ ‬شخصيتان مبتكرتان،‮ ‬حسبما نماذج بعيدة بدون شك‮. ‬ولكن فيهم،‮ ‬هناك روح المبدع،‮ ‬النظرة،‮ ‬مهارة الكاتب،‮ ‬آلبير قصيري‮.‬
‮  ‬نعم،‮ ‬ولكن‮... ‬بالتأكيد،‮ ‬هناك المهارة،‮ ‬بما أنني الكاتب الذي‮ ‬يكتب‮... ‬الذي‮ ‬يصف هذه الشخصيات‮. ‬هناك الأسلوب،‮ ‬هناك شئ من المغالاة أيضا،‮ ‬لأنني روائي،‮ ‬بقدر ما ان التاريخ لا‮ ‬يثير اهتمامي‮. ‬هذا هو كل شئ‮.‬
‮  ‬أهذا هو كل شئ ؟
‮  ‬ولكنني لا أخرج من عالمي،‮ ‬وهذا العالم،‮ ‬عشته‮. ‬وأصفه،‮ ‬بالتأكيد،‮ ‬بطريقة الروائي‮.‬
‮  ‬تعيد ابداعه‮.‬
‮  ‬في رواية‮ "‬تنابلة الوادي الخصيب‮"‬،‮ ‬كانت عائلتي التي وصفتها،‮ ‬وانما‮ ‬غيرت أحوالها بالطبع‮.‬
‮  ‬اذاً،‮ ‬هل تعيد ابداع هذا العالم ؟
‮  ‬نعم‮.‬
‮  ‬قبلته‮.‬
‮  ‬ولكنني أعيد ابداعه بكل تأكيد،‮ ‬بما أنني كاتب‮ !‬
‮  ‬ألا تمتلك ارادة،‮ ‬دوما عبر الدعابة والسخرية،‮ ‬طرد المثير للشجن،‮ ‬الايمان الزائف،‮ ‬وما شابه‮  ‬آخيرا،‮ ‬المشاعر الصريحة المتعلقة بالقيم الهابطة لمجتمع مؤسس علي النفاق ؟
‮  ‬هذه المشاعر الانسانية،‮ ‬حذار‮ ! ‬مم ولدت ؟ ولدت من دوغمائيات نتعلمها،‮ ‬من قيم نتعلمها منذ قرون،‮ ‬وتجعل الانسان تابعا لهذه الدوغمائيات‮. ‬اذا تخلصت منها،‮ ‬سيعم صفاء استثنائي‮ ‬الحياة‮. ‬اذا،‮ ‬تري أن الأمر بسيط للغاية‮. ‬لست كاتبا معقدا‮. ‬لايمكن أن‮ ‬يقول أحد ما علي هذا‮. ‬ولذا،‮ ‬بسبب هذه البساطة،‮ ‬لا‮ ‬يفكر أحد في أن الأمر عميق،‮ ‬لأن،‮ ‬كما تعرف،‮ ‬بالنسبة للنقد‮... ‬كلما كان الكتاب‮ ‬غير مفهوم،‮ ‬كان عميقا‮.‬




‮  ‬في هذا الفن،‮ ‬فن الحياة،‮ ‬أية مكانة تحتلها المرأة ؟ لم تتحدث عنها أبدا‮.‬
‮  ‬ولكن المرأة تحتل المكان‮... ‬الأكبر والمتميز‮.‬
‮  ‬ولكن ليس في هذه الأخوة،‮ ‬دوما بين الرجال‮.‬
‮  ‬بلي‮. ‬ولكن‮... ‬دوما هن شابات صغيرات السن‮. ‬لا أستطيع أن أقيم علاقة مع امرأة بالغة،‮ ‬أي امرأة،‮ ‬ما تسمي امرأة‮. ‬يلزمني أن أمتلك أفكارا مبطنة عنها‮.‬
‮  ‬للحكم عليها ؟
‮ ‬‮ ‬نعم‮. ‬بينما فتاة صغيرة السن،‮ ‬لا أحكم عليها‮. ‬شرحت هذا من قبل‮.‬
‮  ‬في آخر الأمر،‮ ‬هل تعبر شخصياتك دوما عن أفكارك في كتبك،‮ ‬دائما‮ ‬
‮ ‬نعم،‮ ‬أيضا،‮ ‬إنه الشرق‮.‬
‮  ‬نعم،‮ ‬أفكر في الكاتب المصري،‮ ‬توفيق الحكيم‮ (‬5‮)‬،‮ ‬الذي أطلق عليه‮ "‬عدو المرأة‮"...‬
‮  ‬أطلقوا عليه هذا المسمي لأنه انصرف الي مداعبات بدون سوء نية‮. ‬وأنا أيضا،‮ ‬في كتبي،‮ ‬أسخر نوعا ما من المرأة‮. ‬المرأة،‮ ‬وليس الفتيات صغيرات السن‮. ‬ومع ذلك،‮ ‬لدي قارئات تقرأني‮...‬
‮  ‬ولكنك تمتلك شيئا كبيرا من التسامح مع الممالقين،‮ ‬أخيرا شخصياتك تحترم الممالقين،‮ ‬العاهرات‮. ‬وهن كثيرات في كتبك‮.‬
‮  ‬غير أنهن جديرات بالاحترام،‮ ‬في كل مكان بالعالم،‮ ‬وليس من قبل شخصيات كتبي فقط‮. ‬هذا‮ ‬يمثل جزءاً‮ ‬من العالم‮.‬
‮  ‬والأطفال ؟
‮   ‬نعم‮... ‬أعشق الأطفال،‮ ‬وكما قال لوي كارول‮ : "‬أحب كل الأطفال،‮ ‬ماعدا الأولاد‮". ‬لأن الأولاد،‮ ‬أراهم أصبحوا رجالا‮. ‬سوف أعترف لك‮ : ‬أحببت أن تكون لي بنات‮. ‬لم أنجب أطفالا،‮ ‬اذ خفت أن‮ ‬يكون لي أولاد‮. ‬اذا كنت أنجبت بنتا،‮ ‬لأحببت أن تظل طفلة‮...‬
‮  ‬أحتفظ بصورة هذا الطفل،‮ ‬العاري دوما،‮ ‬الذي‮ ‬يجوب نتاجك والريف المصري‮. ‬غريزته الحيوية تجعله‮ ‬يري في بعض الأحايين الحقيقة قبل والديه،‮ ‬قبل البالغين ؟ ما الدور الذي‮ ‬يؤديه في نتاجك ؟
‮   ‬يؤدي دورا في المشهد،‮ ‬لأنه موجود في هذا المشهد،‮ ‬ولكن هذا الطفل،‮ ‬ذكي للغاية،‮ ‬لأنه في الشارع،‮ ‬وفي الشارع نتعلم أن نحيا‮.‬
‮ - ‬الطفل ممثل أكثر عما قلته‮ : ‬عنصر بسيط مصور في المشهد‮. ‬أفكر في هذا الطفل الذي‮ ‬يشتري البرسيم بينما لا‮ ‬يمتلك خروفا،‮ ‬في‮ "‬أناس نسيهم الرب‮". ‬وفي طفل آخر،‮ ‬طفل العربجي عبد الله في‮ "‬بيت الموت المؤكد‮"‬،‮ ‬الذي‮ ‬ينتقد أباه بقسوة‮. ‬والطفل الذي‮ ‬يصطاد بالمقلاع في‮ "‬تنابلة الوادي الخصيب‮"...‬
‮   ‬نعم،‮ ‬ولكنهم بالضبط أبناء الشعب،‮ ‬وأنا،‮ ‬عندما أتكلم عن الأولاد،‮ ‬يتعلق الأمر بأولاد البورجوازية‮. ‬هؤلاء أطفال الشعب،‮ ‬لا أراهم قد أصبحوا من الطغاة ومن الوزراء‮...‬
‮  ‬ولا من الظالمين‮...‬
‮   ‬حضرت تصوير فيلم في مصر،‮ ‬مأخوذ عن‮ "‬شحاذون ومتعجرفون‮". ‬كان هناك أطفال صغار‮ ‬يمثلون في الفيلم‮.  ‬وقت الغداء،‮ ‬نسي وجود أحد الأطفال‮. ‬لم‮ ‬يحضروه معهم‮. ‬منحته بعض المال لكي‮ ‬يشتري شيئا‮ ‬يأكله،‮ ‬فلافل أو كما‮ ‬يريد‮. ‬لم‮ ‬يكن عمره‮ ‬يتعدي الخامسة‮. ‬ذهب،‮ ‬ولما عاد أحضر لي قطعة شيكولاته لكي‮ ‬يشكرني لأنني منحته بعض القروش‮. ‬في الخامسة من عمره‮ ! ‬حينما‮ ‬يحيا المرء في الشارع،‮ ‬يتعلم أن‮ ‬يكون كريما‮. ‬الشعب المصري شعب كريم‮. ‬بالبداهة،‮ ‬أتكلم عن الشعب المصري‮.‬
‮  ‬آلبير قصيري،‮ ‬تمدح دوما البطالة والكسل‮. ‬عن شخص كسول،‮ ‬كتبت سبعة كتب،‮ ‬سيناريوهات‮(‬6‮)... ‬هل عملت‮...‬
‮   ‬حسب وجهة نظري،‮ ‬لم‮ ‬يكن هذا من قبيل العمل‮. ‬لم أبحث عن كسب المال،‮ ‬والا كنت عملت شيئا آخر‮ ‬غير الكتابة‮. ‬بالتالي،‮ ‬هذا لا‮ ‬ينتمي الي فكري‮. ‬بعد ذاك،‮ ‬الكلمة‮ "‬كسل‮" ‬ينظر اليها سيئا في الدول الغربية،‮ ‬لأن الكسل،‮ ‬في هذه الدول،‮ ‬يعني الي حد ما الغباء،‮ ‬وليس هذا المقصود تماما‮. ‬بالنسبة لي،‮ ‬الكسل نوع من البطالة‮. ‬لا بد منه للتأمل‮. ‬لهذا نجد،‮ ‬في الشرق،‮ ‬الأنبياء والحكماء‮.‬
‮  ‬ألا‮ ‬يقابل أي نشاط،‮ ‬أيا كان نوعه،‮ ‬الكسل ؟
‮   ‬ليس نشاط الذهن،‮ ‬النشاط اليدوي أو التجاري‮.‬
‮  ‬ماذا‮ ‬يمثل العالم أو الباحث ؟ شخص‮ ‬يعمل ؟
‮   ‬يعمل ما‮ ‬يعجبه‮. ‬هناك اختلاف كبير‮. ‬تعمل في مصنع،‮ ‬ليس لمتعتك‮. ‬أو بالتالي،‮ ‬أنت مخبول بأنه‮ ‬يمثل طريقتك في العيش‮.‬
‮  ‬صفحة بيضاء،‮ ‬من الصعب ملؤها‮...‬
‮   ‬هذا‮ ‬يتعلق بما‮ ‬يقال‮. ‬بالنسبة لبعض الأشخاص،‮ ‬أمر سهل،‮ ‬لأن نفاد البصيرة‮ ‬ينقصهم‮. ‬بالنسبة لهم،‮ ‬كل ما‮ ‬يكتبونه طيب‮.‬
‮  ‬لديك،‮ ‬من الممكن أن‮ ‬يصبح البطل القصيري شحاذا‮. ‬عمل الشحاذ‮ ‬يتبدي كعمل مثل أية أعمال أخري،‮ ‬كما قال جوهر‮.‬
‮   ‬ولكن الشحاذ بطل من هذا العالم
‮> > > ‬
‮ ‬يستطيع المرء أن‮ ‬يكون شحاذا بكل صفاء،‮ ‬بدون أن‮ ‬يفقد احترام ذاته،‮ ‬ومع ذلك تري أنه من الضروري الحفاظ علي احترام ذاته‮...‬
‮   ‬يتعلق الأمر بوجود الشحاذ في بلد حار أو بلد بارد‮. ‬في بلد حار،‮ ‬من الممكن أن‮ ‬يحيا الشحاذ،‮ ‬بل وحتي أن‮ ‬ينام في الشارع‮. ‬ولكن كيف‮ ‬يمكن التخلص من العالم الذي‮ ‬يحيط بنا ؟ من الضروري أن نجد مخرجا‮. ‬حسنا‮... ‬ولهذا،‮ ‬في‮ " ‬شحاذون ومتعجرفون‮"‬،‮ ‬قلت‮ : ‬من الممكن أن‮ ‬يصبح المرء شحاذا ومتعجرفا،‮ ‬وهذا لا علاقة له برؤية الغرب للشحاذين‮. ‬في البلاد الأخري‮... ‬لا توجد دعابة كما في مصر‮. ‬تماما،‮ ‬شأن مصري خاص‮. ‬وهو ما‮ ‬يدعمهم في بؤسهم‮. ‬وهو ليس مثل البؤس الذي‮ ‬يلقاه المرء في أوروبا،‮ ‬حيث المناخ قاس،‮ ‬والناس قساة‮.‬
‮  ‬هل سمعت قارئا قال لك إن أحد كتبك‮ ‬غير حياته ؟
‮   ‬نعم،‮ ‬لدي كثير من النماذج،‮ ‬من الشباب علي وجه الخصوص‮. ‬لأنني بلغت عمرا،‮ ‬لا‮ ‬يغير المرء فيه من حياته،‮ ‬يتحسر علي ما فاته،‮ ‬وما فقده‮. ‬غير أنه بالنسبة للشباب‮. ‬يجب أن أقول لك أن كثيرا من هؤلاء الشباب‮ ‬يرحلون الي مصر لأنهم قرأوا كتبي‮. ‬وبالتأكيد أقاموا هناك‮.‬
‮  ‬هل وجدوا مصر التي وصفتها ؟
‮   ‬نعم،‮ ‬ثم‮ ‬يسليهم هذا الأمر،‮ ‬لأن القاهرة عاصمة حية،‮ ‬استثنائية لدي الشباب‮...‬
‮  ‬من هم الكتاب الذين قرروا موهبتك ؟ هل هناك لحظة ؟ حيث قلت،‮ ‬حسبما نموذجهم‮ : ‬أستطيع أن أكون كاتبا بدوري ؟
‮   ‬ولكن بالتأكيد،‮ ‬بما أنه في سن العاشرة،‮ ‬كنت أعرف بأنني سأكون كاتبا‮.‬
‮  ‬ولكن،‮ ‬من من الكتاب اعتبرته الأهم ؟
‮   ‬دوستويفسكي،‮ ‬نيتشه،‮ ‬ستندال‮. ‬وكشاعر،‮ ‬بودلير‮. ‬وقرأت الألمان أيضا،‮ ‬توماس مان،‮ ‬والأنجليز‮...‬
‮  ‬بودلير الأكثر انسانية من كثير من الشعراء‮. ‬أثر عليك شابا‮.‬
‮   ‬قرأت بودلير في سن العاشرة‮. ‬ورامبو أيضا‮...‬
‮  ‬لا أقاوم ذكر احدي قصائدك،‮ ‬كتبتها خلال المراهقة،‮ ‬في عمر رامبو تحديدا‮.‬
‮   ‬تبرأت من هذه القصائد‮ (‬7‮)...‬
‮  ‬ومع ذلك أحتفظ بهذين البيتين‮ :‬
‮"‬وحيدا كجثة جميلة،
في‮ ‬يومها الأول بالقبر‮"‬
بالتأكيد،‮ ‬كنت ناضجا قبل الأوان‮...‬
‮   ‬صدفة الحياة‮...‬
‮  ‬أنها فرصة اكتشاف،‮ ‬كما تفعلها،‮ ‬النصوص الكبري في طفولتك،‮ ‬واعادة قراءتها علي مدار حياتك‮. ‬هذه الفرصة من الممكن أن تكون دوما محجوزة،‮ ‬حسبما تقول‮ ‬غالبا للشباب‮. ‬الكتب الكبري تعلمنا الروحية الحقيقية،‮ ‬المتحررة من الدوغمائيات‮. ‬من خلال أعمالهم،‮ ‬نصب كبار الكتاب سورا ازاء الغباء‮. ‬هل تستطيع أن تبدي رأيك،‮ ‬في كلمات قليلة،‮ ‬للقراء عن نهاية هذا الحوار ؟
‮   ‬لكي ترجعوا الي الكتب‮... ‬كتاب كبير‮ ‬يمنحكم قدرة استثنائية‮. ‬من الممكن أن تكونوا فقراء،‮ ‬بؤساء،‮ ‬مرضي،‮ ‬يائسين،‮ ‬قراءة عمل بارز‮ ‬ينسيكم كل هذا‮.‬

 



منقول من موقع أخبار الأدب

السبت، 10 أغسطس 2013

وداعا هيلين توماس.. محمد الزواوي


securedownload
توفيت عميدة مراسلي البيت الأبيض المتحدرة من أصل عربي هيلين توماس عن 92 عاما بعد مسيرة إعلامية استمرت 67 عاما قضت 50 عاما منها كمراسلة ومعلقة صحفية في البيت الأبيض وشملت 11 رئيسا أميركيا من أواخر فترة حكم الرئيس دوايت أيزنهاور حتى الرئيس باراك أوباما. وأصدر الرئيس أوباما بهذه المناسبة بيانا أعرب فيه عن حزنه، وجاء في البيان “كانت هيلين توماس رائدة فعلية، فقد فتحت الأبواب وكسرت الحواجز لأجيال من النساء في ميدان الصحافة، ولم تكف أبدا عن إبقاء الرؤساء – بمن فيهم أنا شخصيا – في حالة توخّ للحرص والحذر”. وشملت مسيرتها الصحفية 57 عاما مع وكالة يونايتد برس إنترناشنال وعشر سنوات مع صحف هيسرت التي انتهت باستقالتها في العام 2010 وهي على مشارف سن التسعين، وذلك بعد الإدلاء بتصريحات مؤيدة لحق الفلسطينيين في فلسطين ودعوة اليهود في فلسطين إلى العودة إلى الدول التي جاؤوا منها كبولندا وألمانيا وأميركا.

تعرفت شخصيا على هيلين توماس في واشنطن قبل أكثر من 50 عاما ونشأت بيننا صداقة منذ ذلك الوقت، وقمت قبل أقل من عامين بزيارتها في منزلها بواشنطن وبتسجيل مقابلة تلفزيونية معها نيابة عن الجمعية الأردنية للبحث العلمي عرضت في المؤتمر السنوي للجمعية. وتركزت هذه المقابلة على تصريحاتها المثيرة للجدل المتعلقة بالقضية الفلسطينية وعلى مسيرتها الصحفية في البيت الأبيض وتقويمها لبعض الرؤساء الأميركيين الذين تعاملت معهم.
وأكدت هيلين توماس خلال المقابلة أن الحل العادل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي هو أن “تعود فلسطين للفلسطينيين، وأن يرحل الإسرائيليون الأجانب عنها”، مضيفة “ليس للإسرائيليين حق في فلسطين، فهم أتوا من أوروبا وما يقومون به غير محتمل”، مشيرة إلى أنهم “يريدون القدس وكل شيء آخر، ويعملون على إذلال الفلسطينيين ويستمرون في بناء مستوطناتهم ومنازلهم على أرض فلسطين”.
وفيما يتعلق بتقويمها لبعض الرؤساء الأميركيين الذين قامت بتغطية أخبارهم، قالت هيلين توماس “إن جون كينيدي كان محبا للسلام” ووصفته بـ “الرئيس الأكثر تعاطفا مع القضايا العربية”. وحول حكومة الرئيس باراك أوباما، قالت هيلين توماس إنها “ضعيفة وفاشلة ورهيبة”، مضيفة “لا أحب أسلوب تعامل الرئيس أوباما مع القضايا العربية”. وكانت هيلين توماس قد وصفت الرئيس جوج بوش الابن إبان فترة حكمه بأنه أسوأ رئيس قامت بتغطية أخباره.
كانت هيلين توماس تفاخر بانتمائها العربي، وقالت إنها تشعر بانتمائها إلى ثقافتين، وكانت على معرفة متواضعة باللغة العربية. وقد هاجر والداها من مدينة طرابلس بلبنان. وانضمت هيلين توماس إلى وكالة يونايتد برس إنترناشنال في العام 1943، بعد عام من تخرجها من جامعة وين بمدينة ديترويت، وتحولت على مر السنين إلى أبرز صحفية في الولايات المتحدة. ومن الألقاب التي أطلقت عليها لقب “السيدة الأولى في الصحافة الأميركية” و”الصحفية الأسطورة”. وكانت هيلين توماس تحتل مقعدا أماميا محجوزا لها في قاعة المؤتمرات الصحفية للرؤساء الأميركيين في البيت الأبيض، وتقوم بتوجيه السؤال الأول وتختتم المؤتمرات الصحفية بعبارة “شكرا، السيد الرئيس”.
ووصفت جريدة كريستيان ساينس الأميركية المرموقة هيلين توماس في مقال نشر في العام 2008 بأنها “عنصر ثابت في السياسة الأميركية، وهي صريحة وجريئة وبارعة وقوية وصارمة”. وعندما سئل الرئيس الكوبي فيديل كاسترو عن الفرق بين الديمقراطية في كوبا وفي الولايات المتحدة، أجاب قائلا “أنا لست ملزما في كوبا بأن أجيب على أسئلة توجهها هيلين توماس”. واعتبرت هيلين توماس هذا الجواب قمة الإطراء لها.

منقول من موقع فوبيا

الجمعة، 9 أغسطس 2013

الحداثة ورائحة البارود.. الدكتور عبد الوهاب المسيري



زاد الحديث في الغرب‏ (‏وفي بلادنا أيضا‏)‏ عن التحديث في جميع المجالات‏:‏المجال السياسي‏(‏الديمقراطية‏)‏ - المجال الاقتصادي‏(‏مزيد من الخصخصة‏)‏- المجال التربوي ‏(‏تعديل المقررات الدراسية بما يتفق مع المعايير الغربية الحديثة‏).‏ وبدأ بعض يتحدثون عن أن الإسلام بطبيعته معاداة الحداثة، فانبري بعض المفكرين العرب والإسلاميين للدفاع عن الاسلام ولإثبات العكس، مبينين بالبرهان القاطع أن الإسلام بطبيعته ليس معاديا للحداثة، بل يرحب بها، ويمكنه أن يتبني مناهجها وقيمها.
وهذا الحوار يفترض أن مصطلح الحداثة مصطلح محدد المعني والدلالة، وأن الحداثة ليس لها تاريخ وأن تبدياتها لاتختلف من حضارة لأخري، أو من حقبة تاريخية إلي أخري، وأن هناك حداثة واحدة، وعادة مانعود للمعاجم الغربية لنعرف المعني الدقيق لأي مصطلح وماهد منه علي وجه الدقة، وبعد أن نقرأ التعريفات المختلفة للمصطلح ونتقبلها كلها أو بعضها بأمانة بالغة، تصبح الإشكالية هي كيف نترجمه دون أن نختبر هذه التعريفات ومدي مطابقتها للواقع، سواء كان واقعنا أم الواقع الغربي، ودون أن ندرس المراجعات التي تمهذا المصطلح في الغرب، ودون أن ندرس تاريخ تطور الظاهرة الذي يشير إليها هذا المصطلحومصطلح التحديث لايشكل أي استثناء لهذه القاعدة، فتوجد تعريفات كثيرة لمفهوم الحداثة، لكن ثمة ما يشبه الإجماع علي أن الحداثة مرتبطة تماما بفكر حركة الاستنارة الذي ينطلق من فكرة أن الإنسان هو مركز الكون وسيده، وأنه لايحتاج إلا إلي عقله سواء في دراسة الواقع أو إدارة المجتمع أو للتمييز بين الصالح والطالح، وفي هذا الإطار يصبح العلم هو أساس الفكر،مصدر المعني والقيمة، والتكنولوجيا هي الآلية الأساسية في محاولة تسخير الطبيعة وإعادة صياغتها ليحقق الإنسان سعادته ومنفعته.
هذا التعريف قد يبدو للبعض تعريفا جامعا مانعا أو علي الأقل كافيا، ولكننا لوفحصنا الأمر بدقة أكبر لوجدنا أن الحداثة ليست مجرد استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا، بل هي استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا المنفصلة عن القيمة، أو كما يقولون بالإنجليزية- فاليوفري
Value-free، وهذا البعد هو بعد مهم لمنظومة الحداثة الغربية، ففي عالم متجرد من القيمة تصبح كل الأمور متساوية، ومن ثم تصبح كل الأمور نسبية، وحين يحدث ذلك فإنه يصعب الحكم علي أي شيء، ويصبح من المستحيل التمييز بين الخير والشر وبين العدل والظلم، بل وبينالجوهري والنسبي، وأخيرآ بين الإنسان والطبيعة أو الإنسان والمادة‏.‏ وهنا يطرح السؤال نفسه كيف يمكن أن تحسم النزاعات والصراعات، وكيف يمكن أن نسوي الخلافات، وهي كلها من صميم الوجود الإنساني؟ في غياب قيم مطلقة، يمكن الاحتكام لها، يصبح الإنسان الفردالعرقية مرجعية ذاتها، وتصبح ماتراه في صالحها هو الأساس وماليس في صالحها هو الطالح‏.‏ وقد أدي هذا إلي ظهور القوة والإرادة الفردية كآلية واحدة لحسم الصراعات وحل الخلافات‏.
هذه هي الحداثة التي تبناها العالم الغربي والتي جعلته ينظر إلي نفسه باعتبار أنه هو‏(‏وليس الإنسان أو الإنسانية‏)‏ مركز العالم، وأن ينظر للعالم باعتباره مادة استعمالية يوظفها لصالحه باعتباره الأكثر تقدما وقوة، ولذا فإن منظومة الحداثة الغربية هي في واقع الأمر منظومة إمبريالية داروينية‏.‏ هذا هو التعريف الحقيقي للحداثة كما تحققت تاريخيا، وليس كما عرفت معجميا، وهذا هو التعريف الذي يمكننا من قراءة كثير من الظواهر الحديثة‏.‏
كانت الظاهرة الغربية الحديثة تؤكد أنها حضارة إنسانية‏(‏ هيومانية‏)‏ جعلت من الإنسان مركز الكون، وكانت المجتمعات الغربية مجتمعات لاتزال متماسكة من الناحية الاجتماعية والأسرية، ولم تكن كثيرا من الظواهر السلبية التي نلاحظها بأنفسنا ونقرأ عنها في صحفهم ومجلاتهم، والتي أصبحت نمطا ثابتا وظاهرة محددة، كانت مجرد حوادث متفرقة لاظواهر دالة، ومن ثم كان من السهل تهميشها‏.‏ واذا كان دعاة الإصلاح ‏(‏من الليبراليين والماركسيين والإسلاميين‏)‏ كلهم ينادون بضرورة اللحاق بالغرب‏(‏أي تبني منظومة الحداثة الغربية‏).‏ ولم يكن هناك أي أصوات تعارض الحداثة أو تنتقدها، بل كان الجميع يسبح بحمدها، وقد كانوا محقين إلي حد كبير في هذا، فشكل الحداثة الذي أدركوه آنذاك كان أمرا يثلج القلوب‏.‏
ولكن تدريجيا تكشف الوجه الدارويني حين أرسلت الحداثة الغربية لنا جيوشها الاستعمارية لتهلك الأخضر واليابس، وتحول بلادنا إلي مادة استعمالية كمصدر للمواد الخام والعمالة الرخيصة، وسوق مفتوحة بشكل دائم للسلع الغربية، ويبدو أن المفكرين الإصلاحيين الأول لم يربطوا بين الحداثة الغربية والإمبريالية الغربية، فقد ذهبوا إلي العواصم الغربية ولم يروا سوي النور والاستنارة، في الوقت الذي كانت المدافع الغربية تدك بلادنا دكا، ولذا فهؤلاء الذين بقوا في بلادهم رأوا ألسنة النيران المندلعة، وسمعوا قعقعة القنابل، وشموا رائحة البارود‏.‏
يقول أحد كتب التاريخ إنه قيل لأحد الشيوخ الجزائريين إن القوات الفرنسية إنما جاءت لنشر الحضارة الغربية الحديثة في ربوع الجزائر، فجاء رده جافا ومقتضبا ودالا، إذ قال ولم أحضروا كل هذا البارود إذن؟ لقد رأي هذا الشيخ علاقة الحداثة الغربية بالإمبريالية من البداية، وهو ما أدركه الكثيرون بعد ذلك‏.‏ فعصر الاكتشافات الجغرافية وعصر النهضة في الغرب‏(‏القرن السابع عشر‏)‏ هو أيضا العصر الذي بدأت فيه إبادة الملايين، وكما يقول الزعيم بن بيلا‏:‏ إن هذا الإله الصناعي الحديث إغتال عرقا بأكمله‏(‏العرق الأحمر‏),‏ أي السكان الأصليين في الأمريكتين، وأخذ زبدة عرق اخر‏(‏العرق الأسود‏)‏ عن طريق النخاسة واستعباد ملايين ‏(‏مما يضع عدد ضحايا هذه العملية نحو مائة مليون إنسان‏)‏ باعتبار أن عبدا واحدا يحتفظ به النخاسون الغربيون كان يقتل مقابله تسعة عبيد‏.‏ثم يشير بن بيلا إلي سكان المكسيك الذين تمت إبادتهم وإلي سكان الجزائر الذين أبيدت منهم الملايين في أثناء هباتهم المتكررة ضد الاستعمار الفرنسي، ويمكن أن نضيف إلي ذلك حرب الأفيون في الصين والمجاعات التي أصابت الهند بسبب تطبيق قوانين الملكية الغربية الحديثة، وحربين عالميتين كلفت الأولي الإنسانية ‏20‏ مليون قتيل، والثانية ‏50‏ مليون قتيل، وقنابل هيروشيما ونجازاكي، وضحايا معسكرات الجولاج في الاتحاد السوفيتي‏.‏ إن بطل رائعة الطيب صالح موسم الهجرة إلي الشمال قد لخص الموقف ببساطة حين قال‏: ‏إنني أسمع‏..‏ صليل سيوف الرومان في قرطاج، وقعقعة سنابك خيل اللنبي وهي تطأ أرض القدس‏.‏البواخر مخرت عرض النيل أول مرة تحمل المدافع لا الخبز، وسكك حديد أنشئت أصلا لنقل الجنود، وقد أنشأوا المدارس ليعلمونا كيف نقول نعم بلغتهم.
وقد جاءت هذه الجيوش الاستعمارية ففتت العالم العربي والإسلامي، وأخضعت شعوبه لكل أنماط الاستعمار‏:‏استعمار عسكري في مصر وسوريا ولبنان والمغرب والسودان والعراق وليبيا، واستعمار استيطاني في الجزائر، واستعمار استيطاني إحتلالي في فلسطين، وقد تعاون هذا الاستعمار مع القوي التقليدية والرجعية في المجتمع، وحاول إعاقة تحديث عالمنا الغربي فقام بتحطيم تجربة محمد علي، أول تجربة تحديثية خارج العالم الغربي، ثم قاموا بقمع ثورة عرابي الشعبية، وساندت الجيوش الغربية الحديثة الخديو ودعمته وساندته‏.‏ ثم انتهي الأمر بأن أقامت هذه الجيوش الدول الحديثة التي لاتعرف من الحداثة سوي الأجهزة القمعية والأمنية‏.‏ ثم زرع العالم الغربي الحديث في وسطنا بقوة السلاح مجموعة من المستوطنين الذين ادعوا أن فلسطين أرض بلا شعب وأنهم شعب يهودي يعود إلي أرض أسلافه حسب الرواية التوراتية‏.‏
ويطالب الصهاينة والأمريكيون في الوقت الحاضر بتحديث مؤسسات السلطة الفلسطينية، مع أنه من المعروف أن الصهاينة - شأنهم شأن كل المستعمرين- رفضوا من البداية التعامل مع القطاعات الحديثة في المجتمع الفلسطيني مثل نقابات العمال والأحزاب السياسية‏(‏بل قاموا باغتيال أحد زعماء نقابات العمال الفلسطينية قبل عام‏1948)، وفضلوا التعامل مع القطاعات التقليدية في المجتمع الفلسطيني، ظنا منهم أن هذه القطاعات قد تكون أكثر مرونة في التعامل معهم نظرا لعدم فهمها لطبيعة الهجمة الاستعمارية البريطانية‏/ ‏الصهيونية عليهم، ولكن خاب ظنهم، فحينما تحاور معهم بعض القيادات التقليدية ‏(‏برئاسة الشيخ رشيد رضا‏)‏ أبدي الفلسطينيون رغبتهم في تحديث مجتمعهم، ولم يجدوا أي غضاضة في الاستعانة برأس المال الأجنبي، والخبرة الأجنبية علي أن يتم تطبيق المبادئ الديمقراطية، أي إجراء انتخابات حرة بحيث يكون لكل مواطن صوت، باعتبارها الوسيلة الوحيدة لتحقيق السلام‏.‏ فعلق حاييم وايزمان بقوله هذا هو سلام القبور، وهو كان محقا تماما في ذلك، فتطبيق المثل الديمقراطية في فلسطين كان يعني أن المستوطنين الصهاينة سيكونون أقلية، ولن يتحكموا في مصائر الفلسطينيين، ولن يقيموا دولتهم اليهودية الخالصة التي يصرون عليها، والتي يدعمها الغرب الديمقراطي الحديث بكل ما أوتي من قوة، وقد قال أحد المعلقين الإسرائيليين إن الدولة الصهيونية لم تعد دولة ديمقراطية، وإنما دولة ديموجرافية‏(‏أي ذات أغلبية يهودية‏). ‏وهم الآن يطالبون بتحديث النظام السياسي العربي والنظام التربوي الإسلامي، ولكن التحديث هنا يعني في واقع الأمر تقويض المنظومات القيمية والثقافية التي تضفي علينا قدرآ من التماسك يمكننا من مقاومة محاولات الغزو العسكري والثقافي، ولذا فقد وصف أحد المعلقين هذا النوع من التحديث بالتحديث الطبيعي، أي التحديث الذي يجعلنا نقبل الظلم الواقع علينا، والاستغلال الذي ينزفنا ويثقل كاهلنا، والآثار السلبية للحداثة الداروينية لم تلحق بنا وحسب، بل ظهرت علي الكرة الأرضية، علي الجنس البشري بأسره‏.‏ فهذه الحداثة قد طرحت فكرة التقدم اللانهائي باعتباره الغاية النهائية للإنسان، ولكن التقدم دائما هو حركة نحو غاية، فلم تعرف هذه الغاية في المعاجم، ولكن في التطبيق نعرف كلنا أن غاية التقدم هي تسخير العالم بأسره لصالح الإنسان الغربي، وأصبحت أهم مؤشرات التقدم هو الاستهلاك والمزيد من الاستهلاك، إستهلاك الإنسان الغربي للموارد الطبيعية اللامتناهية، وانتهي الأمر بأن الشعوب الغربية التي تشكل ‏20%‏ من شعوب العالم تستهلك ‏80%‏ من موارد الكون الطبيعية، ويبلغ حجم مااستهلكه الشعب الأمريكي في القرن الماضي أكثر مما استهلكه الجنس البشري عبر تاريخه، ولكن المصادر الطبيعية محدودة، الأمر الذي تسبب في الأزمة البيئية التي ستودي بنا جميعا، وقد جاء في إحدي الدراسات أنه لو عم التقدم بأسره علي النمط الغربي فإن الجنس البشري سيحتاج إلي ست كرات أرضية ليستخلص منها المواد الخام، وكرتين ليلقي فيها بنفاياته، كل هذا يعني أن المشروع الحداثي الدارويني الغربي مشروع مستحيل لايستفيد منه سوي العالم الغربي، وبعض أعضاء النخب الحاكمة في العالم الثالث، وما العربدة الأمريكية الداروينية ضد العراق سوي تعبير عن إدراك المؤسسة الحاكمة الأمريكية لهذه الحقيقة، فهي تود الهيمنة علي مصادر الموارد الطبيعية في عالم تتناقص فيه هذه الموارد حتي يمكنها الاحتفاظ للإنسان الأمريكي بمعدلاته الاستهلاكية العالية، فهذا هو وعد الحداثة الداروينية له‏.‏
وقد اتضح لنا جميعا أن الثمن المادي والمعنوي لمنظومة الحداثة الداروينية مرتفع للغاية، ولنأخذ الجانب المادي أولا‏:‏ تتحدث بعض الدراسات عما يسمي رأس المال الطبيعي الثابت
fixed natural capital‏ أي العناصر الطبيعية التي لايمكن استبدالها، وثمة إحصائية تذهب إلي أنه لو تم حساب التكاليف الحقيقة لأي مشروع صناعي غربي‏(‏أي حساب المكسب النقدي المباشر مخصوما منه الخسارة الناجمة عن استهلاك رأس المال الطبيعي الثابت‏)‏ لظهر أنه مشروع خاسر، وأن المشروع الصناعي الغربي قد حقق ماحقق من نجاح واستمرار لأن الجنس البشري بأسره قد دفع الثمن، وقام الإنسان الغربي وحده بأخذ الغنيمة، وقد أدي هذا إلي فداحة ثمن التقدم الذي تنادي به الحداثة الإمبريالية الداروينية‏:‏تآكل طبقة الأوزون - تلوث البحار - التصحر الناتج عن قطع الغابات - النفايات النووية - تلوث الهواء - تزايد سخونة الغلاف الجوي‏.‏
والحداثة الداروينية لها أثرها علي نسيج المجتمع، وعلي منظوماته الحاكمة‏..‏ ولنذكر بعض الظواهر الاجتماعية السلبية المختلفة‏:‏تآكل الأسرة - تراجع التواصل بين الناس - الأمراض النفسية - تزايد الإحساس بالاغتراب والوحدة والغربة - ظهور الإنسان ذي البعد الواحد - هيمنة النماذج الكمية والبيروقراطية علي الإنسان - تزايد العنف والجريمة ‏(‏يعد قطاع السجون هو أسرع القطاعات توسعا في الاقتصاد الأمريكي‏)‏- الإباحية‏ (‏التكاليف المادية لإنتاجها والتكاليف المعنوية لاستهلاكها‏)‏ - السلع التافهة ‏(‏التي لاتضيف إلي معرفة الإنسان ولاتعمق من إحساسه، والتي تستغرق وقتا إجتماعيا في إنتاجها واستهلاكها‏)‏- تضخم الدولة وهيمنتها من خلال أجهزتها الأمنية والتربوية علي الأفراد - تضخم قطاع اللذة والميديا وغزوها حياة الإنسان الخاصة ودورها الضخم في صياغة صورة الإنسان وطموحاته وأحلامه، برغم أن القائمين علي هذا القطاع لم يتم انتخابهم ولاتتم مساءلتهم- تزايد الإنفاق علي التسلح وأدوات الدمار الشامل ‏(‏يقال إنه لأول مرة في التاريخ البشري ينفق الإنسان علي السلاح أكثر مما ينفق علي الطعام والملبس‏)‏- ظهور إمكانية تدمير الكرة الأرضية إما فجأة‏ (‏من خلال الأسلحة النووية‏)‏ أو بالتدريج‏(‏من خلال التلوث‏),‏ وكل مايسببه هذا من قلق للإنسان الحديث، وعند هذه النقطة تلتقي الآثار المادية بالآثار المعنوية بحيث لايمكن التفريق بين الواحد والآخر‏.‏
وقد أدرك كثير من المفكرين الغربيين هذه الجوانب المظلمة للحداثة الداروينية، فعبارات مثل أزمة الحداثةوأزمة المعنى والأزمة الأخلاقية كلها عبارات تتواتر في علم الاجتماع الغربي، وتدل علي تنامي هذا الإدراك، وفكر الخضر تماما مثل رفض العولمة والرأسمالية المتوحشة وفكر مدرسة فرانكفورت، ونظريات التنمية الجديدة التي تتحدث عن التنمية المستديمة والدعوة إلي تطوير عولمة تراحمية هي كلها محاولات لرفض الحداثة الداروينية التي تهدد سكان الكرة الأرضية، وتهدد إنسانية الإنسان، وفي مجال نقده للحداثة الداروينية قال روجيه جارودي ‏(‏قبل تحوله للإسلام‏): ‏إن معركة عصرنا هي ضد أسطورة التقدم، والنمو علي المنوال الغربي، فهي أسطورة انتحارية، وهي أيضا معركة ضد الأيديولوجية التي تتسم بالفصل بين العلم والتكنولوجيا‏(‏تنظيم الوسائل والقدرة‏)‏ من جهة، والحكمة‏(‏التبصر بالغايات وبمعني حياتنا‏)‏ من جهة أخرى‏.‏
هذه الأيديولوجية تتسم بأنها تؤكد فردانية متطرفة تبتر الإنسان عن أبعاده الإنسانية، وفي نهاية الأمر خلقت قبرا يكفي لدفن العالم‏.
وهو محق في ذلك تماما فالحداثة علي النمط الغربي بدأت بادعاء أنها تري الإنسان مركزا للعالم وانتهت بكلمات ميشيل فوكوه‏:‏لايسع المرء إلا أن يقابل بضحك فلسفي كل من لايزال يريد أن يتكلم عن الإنسان وعن ملكوته وعن تحرره‏..‏ فسيضمحل الإنسان مثل نقش علي رمال الشاطيء تمحوه أمواج البحر، بدأ العالم بدون الإنسان وسينتهي بدونه، ومايتأكد في أيامنا هذه ليست غياب الإله أو موته بقدر ماتتأكد نهاية الإنسان‏.‏
إن وعد الحداثة الغربية كان هو تأكيد مركزية الإنسان في الكون، ولكن تحققها تاريخيا يسير بنا كلنا بخطي حثيثة نحو موت الإنسان بل وموت الطبيعة‏.‏ والموقف الإنساني من الحداثة الداروينية المنفصلة عن القيمة هو جزء من هذه الثروة العالمية ومن المحاولة الرامية إلي مراجعة المفاهيم المعادية للإنسان التي سيطرت علي الحضارة الحديثة‏.‏
ولذا، فقد يكون من الأجدي أن يوحد الجميع قواهم وأن يتعاونوا علي توليد المشروع الحداثي العربي والإسلامي كجزء من المحاولة الإنسانية العامة التي تحاول تجاوز الحداثة الداروينية، المنفصلة عن القيمة، المبنية علي الصراع، والتنافس والتقاتل والاستهلاك المتصاعد حتي نتوصل إلي حداثة إنسانية، تنطلق من إنسانيتنا المشتركة، حداثة تدير المجتمع بطريقة مختلفة، فهي لاتري الإنسان مادة محضة، ولاتنفصل عن القيمة‏..‏ وإنما تدور في إطار منظومة قيمية تري أن تحقيق السعادة لايكون بالضرورة عن طريق زيادة الثروة ونهب الطبيعة، واستغلال الإنسان، وانما عن طريق تبني قيمة إنسانية تبني مثل العدل والتكافل والتراحم، والتوازن‏ (‏مع الذات ومع الطبيعة‏)..‏وفي ذلك خيرنا‏..‏ وخير الإنسانية كلها‏.‏
والله أعلم‏.‏

منقول من موقع الدكتور عبد الوهاب المسيري

الثلاثاء، 6 أغسطس 2013

التكنولوجيا الرقمية والإعلام الجديد.. د. أحمد أبو زيد






يشغل الإعلام مساحة واسعة في حياة الإنسان المعاصر الذى يعتمد عليه في الحصول على المعلومات وتوفير الراحة الذهنية، والمتعة الفنية في بعض الأحيان.
تقدم أجهزة الإعلام أفكارًا متنوعة ورؤى جديدة للأشياء والأحداث، تهيئ للإنسان المعاصر إمكان الانفتاح على العالم الخارجي بل ونقل ذلك العالم بكل أحداثه المعقّدة والمتلاطمة إليه، وذلك كنتيجة طبيعية للتقدم الهائل في أساليب الاتصال. ويظهر مدى قوة ارتباط الإنسان المعاصر بالإعلام إذا نحن نظرنا إلى طول الفترة التي يقتطعها الفرد العادي من حياته اليومية لمشاهدة التلفزيون، ومتابعة برامج الإذاعات العالمية، وتصفح الجرائد والمجلات، وبخاصة في أوقات الأزمات العالمية المتواصلة، ثم تقليب صفحات الإنترنت وزيارة المواقع المختلفة على الشبكة الدولية، لمعرفة المزيد من أحوال العالم الذي يعيش فيه، مما يقوي الشعور بالانتماء إليه والإحساس بأنه مواطن عالمي، وليس مجرد فرد يعيش في مجتمع محلي محدود المساحة والتأثير. فالإعلام يعتبر إذن إحدى حقائق الحياة المعاصرة، وواحدًا من أهم قوى تشكيل السلوكيات والقيم والعلاقات الإنسانية والثقافية، بما يبثه من خلال قنواته المتعددة والمتنوعة من أفكار وآراء تتسلل في رفق وهوادة إلى أذهان الجماهير العريضة، فتعمل على تغيير واقع حياتهم وتغرس فيهم قيمًا جديدة تزيح أمامها أنماط القيم، التي درجوا عليها خلال عصور طويلة سابقة من حياة المجتمع. وهذا معناه في آخر الأمر أن الإعلام يقوم بدور حيوي في نشر ثقافة عامة موحدة بين فئات وشرائح المجتمع الواحد من ناحية، مثلما يعمل من الناحية الأخرى على التقريب بقدر الإمكان بين الثقافات المختلفة، ويساعد بالتالي على نشر روح الاحترام من خلال التعرف على تلك الثقافات المغايرة، وإن كان هذا لا يخلو من شبهة وخطورة احتمال اندثار بعض مظاهر الثقافات الوطنية، وتمهيد الساحة لهيمنة الثقافات التي تتمتع بقدرة فائقة على الانتشار والتأثير، بفضل ما يساندها من تقدم علمي وتكنولوجي ومادي تفتقر إليه غالبية دول العالم. وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار الإعلام جسرًا يربط بين حياة الأفراد الشخصية الخاصة والعالم الكبير الذي يعيشون فيه، بحيث يستطيع المرء أن يرى نفسه من خلال البرامج التي تبثها وسائل الإعلام المختلفة.
ويلعب الإعلام عدة أدوار قد تكون متعارضة ولكنها تكمل بعضها بعضًا. فهو بالنسبة للجماهير مصدر تسلية وترفيه ومعلومات وأخبار ومعرفة عامة وتثقيف محدود، وموجه في أغلب الأحيان، بينما هو بالنسبة للعاملين في مجاله مجرد (صناعة) – أو على أحسن تقدير – رسالة – يقومون بأدائها كمهنة يتعيشون منها، بينما هو بالنسبة للأجهزة أو الهيئات، التي تتولى الإشراف عليه ورسم سياساته والتي يمكن اعتبارها هنا (ملاكا) له مصدر لتحقيق مكاسب اقتصادية أو سياسية محسوبة بكل دقة، بينما يقوم في المجتمع ككل بدور مهم في التطبيع الاجتماعي والتقارب الثقافي. ومن هنا تأتي خطورته الحقيقية، إذ يتغلغل تأثيره في كل جوانب الحياة بغير استثناء مما جعله يتمتع بسلطة رهيبة يحسب لها الجميع حسابها.
آفاق مفتوحة
وقد مرت تكنولوجيا الإعلام بمراحل عديدة من التطوير والتجديد، إلى أن وصلت أخيرًا إلى المرحلة التي يعتمد فيها الاتصال الجماهيري على التكنولوجيا الرقمية (الكمبيوتر). ولايزال مجال التطوير مفتوحًا على مصراعيه، بحيث يصعب التكهن الآن بالمدى الذي قد يصل إليه ولا بالمسارات التي سوف يسلكها، وتأثيرات ذلك في المستقبل ليس فقط على العملية الإعلامية من إنتاج ونشر وتوزيع، بل وأيضًا على كثير من القضايا الاجتماعية والثقافية التي تتأثر باتجاهات الإعلام بشكل مباشر. ولقد طرأت على المجال الإعلامي كثير من التغيرات بعد ظهور الإنترنت واستخدامه كوسيلة للاتصال الجماهيري من ناحية، والسرعة الرهيبة التي تتميز بها التكنولوجيا الرقمية في الوصول إلى المعلومات ونشرها على نطاق واسع للغاية من الناحية الأخرى، وذلك فضلاً عما تتميز به هذه التكنولوجيا المتطورة من قدرات على فتح قنوات بين وسائل الاتصال المختلفة وربطها بعضها بعضًا، بحيث يمكن الإفادة منها جميعًا في الوقت نفسه، ودون أي جهد إضافي، وهذه حقيقة أشار إليها منذ سنوات عالم الاجتماع الكندي مارشال ماكلوهان حين قال: «إن بعض أشكال الإعلام الجديد سوف تنجم عن تكامل واندماج الوسائل المختلفة، للحصول على المعلومات من المصادر المتعددة المتباعدة والمتباينة».
والواقع أن التطورات التي حدثت في مجال الإنترنت خلال الفترة القصيرة التي مرت، منذ الاعتماد عليه، لا يمكن أن تقاس إليها أي تطورات أخرى حدثت في أي مجال آخر من مجالات الاتصال والإعلام، ولذا فإنه من الصعب التنبؤ بما سيكون عليه الوضع في المستقبل، في ضوء ازدياد الإقبال على استخدام الكمبيوتر والالتجاء إلى وسائل أخرى غير التلفون العادي للدخول إلى الشبكة الدولية. ويمثل هذا الإقبال الشديد ثورة إعلامية ومعلوماتية باهرة، نظرًا لاتساع وتنوع مصادر ومجالات الاتصال والمعرفة والحصول على المعلومات، مع إمكان إعادة صياغتها ونشرها في صور وأشكال جديدة ومتعددة يظهر فيها عنصر الابتكار والإبداع. وهي ثورة هادئة لاتكاد تجذب إليها الأنظار على الرغم من خطورتها ودلالاتها ونتائجها البعيدة المدى، بفضل ما تنطوي عليه من إمكانات ضخمة للتغلب على كل فوارق الزمان والمكان التي قد تعوق عمليات نشر المعرفة بسرعة ودون تكاليف تذكر، كما أنها تؤدي إلى تغيير موازين القوى – إن صح التعبير – في مجال الإعلام لأنها تسمح للأطراف المختلفة المشاركة في العملية الإعلامية بفرص متساوية للاتصال، بمعنى أنه يمكن لكل طرف أن يقوم بعمليتي الإرسال والاستقبال في وقت واحد، وذلك بعكس ما هو عليه الوضع في وسائل الإعلام الأخرى، حيث يؤدي كل طرف دورًا محددًا لا يتعداه. فالتلفزيون (يرسل) والمشاهد (يستقبل)، بينما يستطيع المرء عن طريق الإنترنت أن يرسل ما يشاء من رسائل، في الوقت الذي يستقبل كل ما يرد إليه من مختلف أنحاء العالم.
سرعة التواصل
بيد أن هذا لا يستلزم بالضرورة اختفاء التلفزيون أو أن يحل الإنترنت محل الصحف وإن كان سيؤدي إلى حدوث تغييرات جوهرية في طبيعة الإعلام والمعلومات، وسرعة الحصول عليها ونشرها، خاصة أن هناك من يتحدى أنه لايمكن أن يمر أكثر من عشرين دقيقة على وقوع أي حدث، مهما كان صغيرًا في أي مكان من العالم، دون أن يتم نشره على الشبكة الدولية. ويكفي أن نشير هنا إلى أن محرك الأبحاث الشهير جوجل Google يرجع بصفة دائمة ومستمرة إلى أربعة آلاف وخمسمائة مصدر من مصادر الأخبار، يستمد منها المعلومات التي يتولى نشرها لحظة تسلمها مع الإشارة طيلة الوقت إلى جميع المصادر التي أوردت تلك المعلومة وهو ما تعجز عن فعله وسائل الإعلام الأخرى. وفي أحد المؤتمرات الأخيرة ذكر مدير البحوث والتنمية في Yahoo أن حجم الشبكة العامة يستوعب أربعين بليون صفحة وأنه يضاف إلى هذا العدد في كل لحظة عدة آلاف جديدة من الصفحات… والطريف في الأمر هو أننا أصبحنا ننظر إلى هذا الوضع على أنه أمر مسلم به، ولا يستدعي الدهشة أو يستحق الإعجاب.
وليس المهم هنا وفرة المعلومات وتنوعها بقدر ماهو إمكان الوصول إليها في الوقت والمكان اللذين يحددهما الشخص نفسه، بعكس الحال بالنسبة لوسائل الإعلام الأخرى من صحف وإذاعات وقنوات تلفزيونية تلتزم بأوقات معينة ومحددة تصدر فيها أو تبث أثناءها فقط برامجها المحددة، ويتعين على القارئ أو المستمع أو المشاهد أن ينتظر حتى يحين موعد نشر أو بث البرامج المتعلقة بالموضوعات المطلوبة، حتى وإن اقتضى ذلك مرور بضعة أيام. فمستخدم الإنترنت هو الذي يتحكم في تحديد المعلومات ومصادر الحصول عليها، واختيار الوقت الذي يناسبه هو في الحصول عليها، بينما تتولى وسائل الإعلام الأخرى هذه المهام حسب سياساتها ونظرتها الخاصة، ودون أدنى اعتبار لرغبات أي طرف آخر. ويعتبر هذا النقص أو العيب نوعًا من التحدي الذي تحاول تلك الوسائل التقليدية التصدي له، بأساليب وطرق مختلفة لم تفلح تمامًا في التغلب عليه.
ويزيد من صعوبة الوضع بالنسبة للإعلام القديم أن الجماهير لم تعد تقنع بالحصول على المعلومات والأخبار بالرجوع إلى مصدر واحد وإنما ترجع إلى مصادر متعددة، بل وإلى كل ما هو متاح لها وهو ما يوفره الإنترنت، وذلك حتى تتمكن من مقارنة المعلومات والأخبار للتأكد من صحتها وصدقها، ويتيح الإنترنت الفرصة لمناقشة ونقد ماتقدمه المصادر العديدة والرد عليها، وتبادل الآراء والأفكار حولها، مما يعني أن الإعلام الجديد لم يعد أحادي التوجيه وإنما أصبح مفتوحًا للمناقشة والتوجيه من كل الأطراف المعنية، حتى وإن لم تنتسب إلى الصناعة الإعلامية. وهذا هو ماكنا نقصده حين أشرنا إلى توازن القوى بين كل أطراف العملية في الإعلام الجديد.
الطرق المزدوجة
إذا كانت العملية الإعلامية تسير في اتجاه أو مسار واحد معين في كل وسائل الإعلام القديمة، أي من المرسل إلى المتلقي وكان ذلك ينطبق على الصحافة مثلما يصدق على الإذاعة والتلفزيون والفيديو والسينما، وأنه لم يشذ عن هذه القاعدة إلا التلفون الذي يسمح بتبادل الأفكار والمعلومات بين طرفي الاتصال، بحيث يقوم كل طرف بدور المرسل والمتلقي في الوقت نفسه, فإن هذه العملية المزدوجة تظهر بأجلى صورها في الإنترنت، مع فارق مهم يميزه عن كل وسائل الإعلام والاتصال الأخرى، بما في ذلك التلفون نفسه. فهو يتيح الفرصة عن طريق البريد الإلكتروني لإجراء ذلك التبادل بين أعداد هائلة من الأشخاص، الذين ينتشرون في كل أنحاء العالم، والذين لا توجد بينهم أي صلة أو علاقة سابقة، وإنما يربطهم جميعا الاهتمام بموضوع واحد مشترك هيأ لهم الإنترنت فرصة مناقشته وفحصه، والإدلاء فيه بأفكارهم المختلفة دون أن يكون هناك سابق ترتيب أو اتفاق أو إعداد، كما يحدث أحيانا فيما يعرف باسم مؤتمرات التلفون التي يتولى فيها عدد معين ومحدود من الأشخاص مناقشة إحدى المشكلات من خلال الاتصال التلفوني بينهم جميعا ودون أن يغادر أي منهم مكانه، وذلك بترتيب خاص سبق الإعداد له في أغلب الأحيان. ولم يكن في الإمكان تحقيق هذا التطور في اتساع رقعة انتشار الإعلام لولا هذه الثورة الرقمية وماترتب عليها من إقرار البروتوكولات المنظمة لاستخدام الإنترنت، وانتشار الكمبيوترات على هذا النطاق الواسع والذي يزداد اتساعها طيلة الوقت مما أتاح الفرصة ليس فقط لتبادل ذلك القدر الهائل من المعلومات المتوافرة من كل أنحاء العالم، وإنما أتاح أيضا مساحة واسعة جدا للمشاركة بالرأي وتصحيح المعلومات إن اقتضى الأمر ذلك.
وهكذا لم تعد العملية الإعلامية مركزة في أيدي هيئة واحدة أو عدد محدود ومعلوم من الأشخاص أو الهيئات، التي تحتكر المعلومات وتتولى نشرها بالطريقة التي تناسبها والصيغة التي تخدم أغراضها الخاصة والوقت الذي تحدده، وإنما أصبحت أكثر ديمقراطية – إن صح التعبير – ومفتوحة أمام الجمع على مستوى العالم للمناقشة والنقد والتعديل والقبول أو الرفض.
الفرد والجماعة
فالإعلام الجديد يجمع على هذا الأساس بين خصائص الوسائل الفردية الشخصية، والوسائل الجماهيرية فالرسالة الواحدة يمكن أن توجه إلى شخص واحد معين بالذات، ولكن يمكن إرسالها هي ذاتها إلى عدد غير محدود من الناس في كل بقاع العالم، بحيث يتلقونها جميعا في اللحظة نفسها، مع إمكان إدخال تعديلات وتغييرات عليها إذا أريد ذلك حتى تتم مخاطبة كل فرد بالطريقة المناسبة. وإذا كان الإعلام القديم أو المألوف إعلامًا موجهًا من مصدر واحد إلى عديد من المستقبلين أو المتلقين فإن الإعلام الجديد الذي يسترشد بالتكنولوجيا الرقمية المتطورة يقوم على الاتصال بين أطراف عديدين يستطيع كل طرف منهم أن يرسل أو يتلقى ما شاء من رسائل، في الوقت نفسه على ما سبق أن ذكرنا. فالإعلام الجديد إذن تواصل بين الكثرة والكثرة، ولا يقف دون انتشاره أي قيود. إنه ساحة مفتوحة أمام الجميع إذ عن طريق ملايين أجهزة الكمبيوتر المرتبطة بالشبكات الدولية يمكن الحصول على قدر غير محدود من المعلومات حول أي موضوع قد يطرأ على البال، وتصنيف تلك المعلومات وإعادة صياغتها في صيغ وأشكال مختلفة حسب رغبات المستفيدين من هذه المعلومات، بل إنه يمكن من خلال هذه التكنولوجيا الرقمية نفسها إصدار الجريدة اليومية الواحدة في صور وأشكال ومحتويات متنوعة تنوع المشتركين فيها واستجابة لرغباتهم، وهذه مسألة سبق لنا معالجتها في مقال سابق (مقال: الصحافة ومستقبلها غير المضمون – عدد فبراير 2006). والشيء نفسه يصدق على التلفزيون، حيث يمكن للمشاهدين التدخل في سير وتسلسل الأحداث مثلا والتلاعب في الحبكة الروائية وتغيير الحل النهائي للمشكلة المطروحة، وهكذا، وهذه كلها تجريدات قد يصعب تحقيقها بغير التكنولوجيا الرقمية الجديدة، ولم تكن تخطر على البال منذ سنوات قليلة فقط.
وتؤلف هذه الأفكار والإمكانات جزءا من الثورة المعلوماتية الجديدة، التي تمثل مرحلة تطورية أكثر تقدمًا من الثورة الصناعية التي ظهرت فوق أنقاض الثورة الزراعية،. ولكن إذا كانت الثورة الصناعية أفلحت في تحقيق الإنتاج الضخم الكبير، المتمثل في مئات الآلاف من القطع المتشابهة والمتماثلة فإنها عجزت عن أن تجعل لكل قطعة مقاييس خاصة بها تميزها عن غيرها، بحيث لا تناسب إلا شخصًا واحدًا بالذات دون غيره من المستفيدين من هذا الإنتاج الكبير، وذلك بعكس ما تحققه الثورة الإعلامية والمعلوماتية الحالية عن طريق التكنولوجيا الرقمية، مما يجعلها تجمع – كما قلنا من قبل – بين الإنتاج الإعلامي على النطاق الواسع مع إمكان توجيهه في الوقت ذاته لتلبية المطالب والاهتمامات الفردية الخاصة.
السيطرة على الإعلام
ويواجه الإعلام الجديد عددًا من المشاكل التي يبدو أنها سوف تتفاقم في المستقبل وتحد من فاعليته، بل وقد يترتب عليها بعض النتائج السلبية التي تتنافى مع رسالة الإعلام الأساسية وهي نشر المعرفة على أوسع نطاق وإتاحتها بغير قيود للراغبين فيها كخطوة أساسية للتقريب بين الشعوب والثقافات. وإحدى أهم هذه المشكلات هي الميل المتزايد للسيطرة على الإعلام وتوجيهه نحو أهداف ورغبات معينة، لتحقيق مصالح خاصة، عن طريق امتلاك وسائل الإعلام، وتركيز هذه الملكية إما في أيدي عدد محدود من أصحاب رءوس الأموال أو الشركات الكبرى لإحراز المكاسب المادية والقوة السياسية من خلال البرامج الموجهة، حتى في المجالات الترفيهية والثقافية. وإما في أيدي الدولة كما هو الشأن في كثير من مجتمعات العالم الثالث، وتسخيرها لخدمة النظام القائم بكل ما يقتضيه ذلك من تقييد لحرية الرأي والتدخل في حيادية الأخبار.
وقد تلجأ الدولة تحت ضغط بعض الأوضاع الداخلية أو الدولية إلى (خصخصة) وسائل الإعلام، ولكن ذلك يحمل معه مخاطر تحكم رأس المال في توجيه السياسة الإعلامية، وتدعيم قوة الشركات الكبرى في مجالات الإنتاج الإعلامي الموجه ونشره وتوزيعه على مستوى العالم وبذلك تتحول (الخصخصة) إلى (احتكار). والخطورة في هذا كله تتمثل في إمكان تزييف الحقائق، أو حتى إخفائها كلية تبعًا لمصلحة الجهات المالكة، إذا كانت هذه الأخبار تتعارض مع مصالح تلك الهيئات أو الشركات. ولذا يتخوف الكثيرون من تراجع بعض جوانب الإعلام الجادة أمام هجمة البرامج السطحية الفجة، التي تخاطب الغرائز وليس العقول والأذهان، وهذا أمر واضح الآن في أفلام السينما تحت دعوى السينما الواقعية، بل وحتى في الصحافة (الجادة) التي أصبحت أكثر ميلا إلى الإثارة والحديث بالتفصيل الشديد عن الفضائح السياسية والمالية والأخلاقية، وحالات الطلاق بين المشاهير والكوارث الطبيعية واليومية، والبيانات الرسمية التي تحمل طابع الدعاية وما إليها، دون أن تشفع ذلك بالقراءة التحليلية الجادة المتعمقة لهذه الأحداث والبيانات. فالخوف إذن هو أن يصبح الإعلام الجديد أداة لنقل وتوصيل رسائل مناوئة للثقافة الراقية والفكر المتفتح المستنير والقيم الرفيعة، وأن يوجه خطابه بدلاً من ذلك إلى ممالأة الجماهير التي ينقصها الوعي بمشكلات العصر وانعكاساتها على المجتمعات التي تعيش فيها، والتي يمكن أن تخضع بسهولة للتأثيرات السلبية لتلك البرامج الإعلامية الرافضة لكل القيم والمبادئ الإنسانية الرفيعة.
هل هي دعوة للانحلال؟
وتثير هذه التطورات الشكوك حول الدور الذي سوف يضطلع به الإعلام الجديد في عالم الغد. فالكثيرون يعتبرون هذا الإعلام مزيجا من مضيعة الوقت وإهدار الموارد المالية، والدعوة إلى الانحلال الأخلاقي والاجتماعي بما ينشره من برامج وأخبار وأفلام تتعلق بالجنس والعنف والعري والتهريب والإدمان، لجذب أكبر عدد من القراء أو المستمعين أو المشاهدين، بكل ما يترتب على هذه البرامج والأخبار والصور والأحداث من آثار سلبية سوف تزداد ضراوة في المستقبل. ولكن هناك على الجانب الآخر من يرى أن هذه المخاوف فيها كثير من المبالغة، وأن ليس ثمة ما يبررها، إذ ليس من السهل أن يتنازل المجتمع الإنساني عن تراثه وقيمه الراسخة، وأن يتنكر لكل تاريخه الفكري والثقافي الطويل والعريق وأن الاتجاهات السطحية التي تسيطر الآن على السياسات الإعلامية هي مجرد نزعات أو نزوات عارضة لتحقيق أكبر قدر من الربح المادي للشركات الرأسمالية الكبرى التي تحرص على الاستئثار بأكبر مساحة ممكنة من عالم الإعلام الفسيح، وأن هذا كله هو أحد مظاهر العولمة التي لن تلبث أن تنحسر أمام صحوة الشعوب لاسترداد هويتها الثقافية، مما يتيح الفرصة لأن يسترجع الإعلام حريته واستقلاله عن نفوذ أصحاب رءوس الأموال وهيمنة الدولة. ولكن الأغلب هو أن تبقى كل هذه الصور المتناقضة جنبا إلى جنب، وأن يتقبلها كلها مجتمع الغد، الأكثر انفتاحًا وتسامحًا، بحيث نجد الآن من يطلق عليه اسم «مجتمع الإباحة» -Permissive Society, وليس الإباحية.

منقول من مدونة الدكتور زياد قدور