الأحد، 1 يوليو 2012

العلم بين الأصالة والزيف

| |
 

الكاتب
 :  د. شوقي جلال: مصر





دراما الحياة الإنسانية على مدى التاريخ أن الإنسان وحده هو الذي يشعر في هذا الكون -أو هكذا نظن- بالغربة والغرابة والحيرة, وهو دائم السؤال عن سر الحياة والوجود. إنه وحده من يسأل ويشك ويبحث عن تفسير, يلتمس إجابة تهدئ روعه، أو تبث في نفسه طمأنينة وسكينة، أو يحاول أن يفهم أنه أسير قلق وجودي وبحث لا يهدأ عن المعرفة لتجيب عن سؤاله وتهدئ حيرته، وهكذا نشأت له ثقافة. 
عاش الإنسان دهراً منذ أن تميز عن سواه بذاكرة واعية ويدين ماهرتين، فضلاً عن قامة انتصبت ليرى الوجود من حوله بأبعاده الثلاث، والسماء فوقه تمنحه وتعطيه دفئاً وماء فيهما الحياة. وظل الإنسان، وليس غريباً أن لا يزال، يرى نفسه يعيش في عالم مسكون بالأشباح والقوى الخفية التي تثير في نفسه القلق والرعب ظناً منه أنها تتحكم في مصائر البشر. تسعده أو تشقيه وليس بيده من أمره شيئاً. وتعلم فن التوسل، كيف يسترضيها لتمنحه السعادة أو يعوذ بها لتذود عنه شراً. 
عالم ملئ بالأحداث الغامضة المبهمة المروعة التي لا يعرف لها تفسيراً. أحداث ونوازل تقع على حين غرة ويعجز عن التنبؤ بها, برق خاطف، زلزال مدمر، بركان تتصدع بسببه الجبال، طوفان يغرق الأخضر واليابس وتندثر معه معالم الحياة، أمراض موجعة تحصد الأرواح. ولا يجد الإنسان لذلك تفسيراً, عالم بلا مستقبل, يحاول أن يفهم، يراجع نفسه: لماذا؟.. ويتسع نطاق السؤال ليشمل الوجود بكل مظاهره, وجود الإنسان والطبيعة والحيوانات والهوام، المبتدأ والنهاية.. من أين وإلى أين المصير.. وتستبد به الحيرة، ويؤرقه العجز. 
نشأت الأسطورة مع بداية الجهود الجمعية أداةً للفهم والتفسير والتعامل مع ظواهر الوجود.. والقابضون عليها هم أهل المعرفة.. أو العرافون.. ملاذ الناس للسؤال وللشفاء.
وظلت الجماعات البشرية على حالها هذا إلى أن استهلت مرحلة جديدة تمثل تحولاً كيفياً في مسيرتها. وهو تحول اقترن بتغيرات مناخية منذ عشرة آلاف سنة. بدأت مرحلة الاستقرار والزراعة والأسرة الممتدة بعد حياة القنص وقطف الثمار.. وأفاد الإنسان من ذاكرته بأن تابع الظواهر المتواترة وآثارها على نفسه وعلى بيئته إيجاباً وسلباً، ويسجلها في ذاكرته ليعزز أسلوب حياة الاستقرار الجديدة. 
وتوافرت الظروف اللازمة لاختراع الكتابة والأعداد ليسهما في إثبات وتسجيل ظواهر الطبيعة ودلالتها ونتائجها, فيسرت المشاركة الجمعية، وتبادل الخبرة بين الأجيال على مدى الزمان. وتخصص رجال من أجل علم أو معرفة هذه الظواهر الخاصة بالبيئة ومردودها على الإنسان, وتسجيلها كتابة ورسوماً، وتسجيل الكلمات والشعائر اللازمة للتفاهم معها. ومع مرور القرون تهيأت للمجتمعات رصيدها المعرفي الذي يمثل إجابة عن تساؤلات الحياة تمنحهم الطمأنينة لكي ينصرفوا هم إلى شؤون معاشهم. ونشأت البدايات الأولى لعلوم/معارف تطبيقية ربما لا تعتمد نظرية أو برهاناً ولكن تعتمد النتائج في التطبيق. وشهدت المعمورة كيانات متفرقة هي المرتكزات الحضارية الأولى في بابل وآشور ومصر القديمة والصين وأوغاريت والمكسيك.. وغيرها. 
وطبيعي أن جرى تلاقح معرفي بين المجتمعات، ومن ثم تطور وتجديد وظهرت نهضات علمية/ معرفية على مراحل وأطوار حفظت وأثرت وطورت الرصيد الإنساني المشترك. ونذكر هنا الحضارة العربية والصينية كمثال في القرون التاسع والعاشر والحادي عشر التي يدين لهما الغرب بالكثير. وهكذا إلى أن مال ميزان التطور الحضاري ناحية الغرب في أوروبا، وجاء عصر يوصف بأنه عصر العلم منذ أكثر من ثلاثة قرون تحددت فيه خصائص ومعايير مميزة للعلم. عصر هو ثمرة وامتداداً للمتصل الحضاري الإنساني، وطفرة كيفية جديدة امتلكت البشرية بفضلها قدرة متميزة للفهم والتحكم في ظواهر الطبيعة وأساليب أنتاج جديدة. وذاعت معها بدايات عبارة (العلم والتكنولوجيا) مقترنين معاً, ونصف إنجازاتهما المشروطة علماً, أما ما دون ذلك فهو امتداد لما ليس علماً في الماضي. 
ولكن عادة التشبث بالقديم تجعل أهل الماضي حريصين على وصف أعمالهم ونظراتهم بأنها علم، ولكنه علم زائف حتى وإن ظلت لها السيادة على الغالبية من عقول البشر. ألا ترى الناس، كمثال، مع كل صباح يستهلون يومهم بتصفح الطالع والأبراج ليعرف المرء كيف سيكون يومه.. أو حين يتعارف مع آخر يسأله ما اسم البرج الذي تنتمي إليه، وهو سؤال قديم قدم تاريخ الإنسان. 
وجدير بالذكر أن مخاض ميلاد العلم الحديث في أوروبا كان شديد الوطأة قاسياً. إذ دار صراع حاد بل حروب ضارية بين أنصار التشبث بالفكر التقليدي القديم وبين دعاة العقل الجديد وحق الإبداع والبحث والتغيير. ويذكر لنا التاريخ عديدين ضحوا بأرواحهم فداء إبداعاتهم. واستطاع رواد الفكر والعلم والنهضة أن يصوغوا إطاراً حاكماً للفكر العلمي يحدد عناصر وخطوات العلم أو المنهج العلمي في البحث والتحقيق والاكتشاف. 
واستقر الرأي، وهو رأي قابل للتطوير، أن العلم مشروع إنساني، ونشاط اجتماعي متطور هدفه فهم العلم وقوانين ظواهره، وأن له مردوداً في خدمة ورفاه البشرية والتنوير, أي الفهم العقلاني المنهجي لظواهر الوجود بما في ذلك الإنسان والمجتمع شرط أن يكون ذلك قرين السلوك الرشيد المحكوم بقيم سامية. هذا على الرغم من استخدام منجزات العلم في الصراع والحروب بين المجتمعات إلا أن ذلك يمثل انتهاكاً للمثل الأعلى والقيم السامية للعلم. 
ويعتمد البحث العلمي على وقائع تخضع للملاحظة، والفروض العلمية والاختبار والتجربة وصولاً إلى نظرية قابلة للاختبار، ومتطورة مع اطراد البحث وامتداد الزمان وتنوع السياق. وتتصف النظرية العلمية بالقدرة على التنبؤ، فضلاً عن أنها لا شخصائية بمعنى أنها ليست مرهونة برأي شخص أو سلطة خارج الظاهرة، وقابلة للتحكيم. وتتصف أيضا بالدينامية الخصبة إذ أنها تحفز إلى المزيد من المعرفة والبحث، وتتطور مع تطور وتباين الواقع. وتختلف جذرياً عن معارف التقليد بأنها لا تدعي العصمة واليقين المطلق بل تحتمل الشك على عكس ما كان الحال في أوروبا العصور الوسطى تقدس فكر أرسطو وترفض الخروج عليه أو الشك فيه. 
وفي موازاة العلم الحديث ومنهج البحث العلمي ظهرت تيارات فكرية جديدة لبست ثياب العلم شكلاً، بينما هي امتداد أو ردة لنهج فكري قديم، أو لنقل إحياء للقديم في ثوب عصري جديد. ولعل من أهم أسباب ظهورها بكثافة هو طبيعة الأزمة الفكرية وكذا الأزمات والكوارث الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها العالم في مرحلتنا الراهنة وتنذر بنهاية منظومة كاملة هي إطار العلم الحديث. ويكفي أن نشير إلى الخوف من احتمالات فناء العالم بسبب حرب نووية أو خطر احترار كوكب الأرض. وهذه أخطار يردها البعض إلى العلم دون النظر إلى ما وراء ذلك من أطماع وانتهاك لقيم إنسانية. هذا فضلاً عن أن العالم يعاني الآن أزمة اعتقاد خانقة سقطت معها كل النظريات التي تمثل أساساً لنهضة العصر الحديث. وباتت الإنسانية تعاني من حالة فراغ فكري وتلتمس سبيلاً للخلاص وإبداع جديد. زد على هذا الخوف الذي يستبد بالغرب وهو يشهد نذر الانحسار الحضاري بعد هيمنة وصعود الشرق. ومن ثم تفاقمت مشاعر الخوف والعيش أسير متاهة الحيرة. 
وحقيقة الأزمة إنها أزمة انحسار الطبقة الرأسمالية العليا المحافظة والرافضة للتغيير بعد أن توحشت أساليبها في استغلال الشعوب، وشنت حرباً بعد أخرى ثم حروباً بالوكالة دفاعاً عن مصالح أنانية مع إصرارها على استثمار العلم فكراً وإنجازات وقيماً بالخداع والتضليل لتأكيد هيمنتها. إنها ليست أزمة العلم ولكن أزمة أصحاب السلطات في استخدام وتمويل العلم. ويأبى هؤلاء إلى أن يطرحوا أزمتهم خارجاً على شعوبهم وشعوب العالم باسم العلم وفي صورة نظريات يدعون أنها علمية. وتروج أجهزة الإعلام التي تعمل في خدمتهم لهذه النظريات لكي تشيع بين الناس أو لتكون ذريعة ومبرراً لسطوتهم.
ونجد تجسيداً لذلك في نظريات ورؤى عديدة مثل النظريات الداعمة للنزعات العرقية وادعاء أن عرقاً ما له حق السيادة والهيمنة على الأعراق الأخرى. كذلك زعم فوكوياما أن حضارة الغرب هي الذروة ونهاية التاريخ. وهذا زعم سبق أن كرره فلاسفة ومفكرو الغرب مع بداية عصر الاستعمار. ونذكر أيضاً زعم صمويل هتنجتون الذي رأى أن صدام الحضارات مستمر بين الغرب وعقائد الشرق الإسلام والكونفوشية. ومن ذلك أيضاً الزعم أن حضارة الإغريق وحدها هي مهد الحضارات والفكر العقلاني وأن الشعوب الأخرى السابقة على الإغريق  لم تسهم أو عجزت عن أن تقدم إسهامات حضارية. واستخدم الغرب هذه النظريات في العصر الحديث ليبرر (حقه) في استعمار الشعوب. 
واقترن هذا بشيوع حركات (فكرية) تروج لمزاعم ليس لها سند علمي من مثل حركة العصر الجديد التي نشأت نتيجة أزمة الإيمان المسيحي في الغرب، نتيجة للتناقضات الواضحة بين ما نص عليه الكتاب المقدس وما كشفت عنه البحوث والاكتشافات العلمية. وتفاقمت الأزمة مع التشابك الوثيق بين مجتمعات وثقافات العالم. وهذه أزمة لها أصداؤها ولها قرائن في المجتمعات الأخرى يغذي بعضها بعضاً. 
وتحمل هذه النظريات والتيارات اسم (العلم الزائف) أو اللاعلم. ويتمثل العلم الزائف في صورة مجموعة أو بنية من أفكار تأسست على (نظريات) يقدمها أصحابها باعتبارها نظريات علمية أو ربما كانت كذلك قديماً وثبت خطؤها مثل نظريات الذكاء والعرق، أو الأثير، أو نظريات الفراسة التي ترى أن شكل الجمجمة مرتبط بسلوك الجريمة. 
ونجد من أهم خصائص العلم الزائف من حيث تمايزه واختلافه عن العلم الأصيل أن العلم الزائف زعم أو اعتقاد شخصي، يفتقر إلى قواعد منهج بحث علمي، كما يفتقر إلى الدليل أو البرهان. ويستخدم العلم الزائف مصطلحات غامضة مسرفة في غموضها ولا تخضع مزاعمه لبرهان أو ملاحظة، ولا تقبل النقد العقلاني.. إنه اعتقاد ذاتي لدى صاحبه لا يقبل الانفتاح على المناقشة أو الاختبار على أيدي خبراء. وبينما يخضع العلم للتحكيم ليكون ذلك شهادة تصديق على أنه معرفة علمية معتمدة فإن العلم الزائف لا يقبل النقد أو التحكيم ويقنع بالذيوع بين العامة. وخير مثال هنا طب الشعوذة، وأيضاً الزعم بأن إنجازات حضارة شعب ما في الزمان القديم هي من صنع رواد هبطوا من الفضاء. كذلك الزعم بأن نجم حاكم ما يؤكد انتصاره أو طول عمره. إنها جميعاً وغيرها مزاعم لا تخضع للاختبار، ولا سبيل للبرهنة على صدقها. 
وخطر العلم الزائف ليس في كذبة فقط بل في ما يمثله من دعوة إلى الانصراف عن العلم الأصيل، فضلاً عن أنه يحفز العامة للعيش أسرى سطوة قوى غير علمية ومن ثم تعطيل العلم والعقل، وتعطيل إرادة البحث والتغيير وهو ما يعني في النهاية تجريد الإنسانية من أهم إنجازاتها التي تكفل لها التطور والتقدم. 
ويمكن إجمالاً أن نحدد أهم خصائص العلم الزائف في تعارضه مع العلم الأصيل فيما يلي: 
العلم الزائف يعتمد سلطة خارج الظاهرة وليس الملاحظة والاختبار والبحث التجريبي والسببية داخل الظاهرة. 
ذو طبيعة إستاتيكية لا يحفز إلى مزيد من البحث ولا يقود إلى اكتشاف عملي جديد.
لا يدعم الفكر العقلاني النقدي ولا يعنيه فهم قوانين ظواهر العلم الطبيعي.
لا يمايز بين الوقائع، ولا يبالي إزاء ما بينها من اختلاف ظاهري أو سياقي أو من حيث أسباب النشأة وتطورها التاريخي. 
لا يؤمن بمعايير للصواب والخطأ.
يعتمد على المواضعات التعسفية للثقافة المحلية، مثال ذلك التنجيم رهن الرؤية الثقافية المحلية فيما يتعلق بمصير الإنسان الفرد دون اعتبار لاختلاف ذلك من ثقافة إلى أخرى. 
ليست له مصطلحات موحدة المنطوق والمفهوم. 
لا يؤمن بأن ظواهر ووقائع الطبيعة تخضع لقوانين هي أداة التفسير والفهم ولكنها نزوة لقوى خفية: الصحة والمرض/ الزراعة وفرة وجدباً.. إلخ. ولذلك ابتدع الإنسان فن الاسترضاء. 
يعتمد القياس على الماضي دون اعتبار لتطور السياق أو تطور الزمان، ويعتمد القياس على النص. لذلك نراه امتداداً نمطياً دون إبداع، وجموداً متصلاً مع غلبة الشكل ومع التعمد إلى لَيْ الواقع قسراً ليتوافق مع النص. إنه أيدولوجيا مغلقة على ذاتها. 
ونعود من حيث بدأنا ونقول إن دراما الحياة الإنسانية على مدى تاريخ الإنسان على الأرض وما شهدته من معاناة وآلام وتضحيات إنما كانت في سبيل الوصول إلى وسيلة موثوق بها لفهم ظواهر النفس والعمل. وهذا هو جوهر البناء الحضاري، إذ يمثل العلم الأصيل ذروة هذه الجهود مرحلياً حتى الآن. ويبشر العلم الأصيل باطراد النجاح بما يحقق للإنسان الرفاه والأمن في الحياة شريطة الالتزام بقيم حددها العلم ولا تتناقض مع العقائد، وأهمها المحبة والتعاون والعدالة والأخوة والحرية بين الناس والمجتمعات.
وليس لنا من سبيل للخلاص إلا بتكثيف الجهود على صعيد عالمي لتأكيد قيم العلم قرين اطراد جهود البحث العلمي وليس التخلي عن العلم لصالح من استغلوا منجزاته لأسباب ومنافع أنانية دون شعوبهم وشعوب العالم بحجج تعتمد على العلم الزائف. ومثلما بدأ عصر النهضة بالدعوة إلى تنوير إنساني حرىُّ بنا نحن أن ندعو إلى تنوير إنساني جديد يصحح أخطاء الماضي ويؤكد من جديد قيم الحرية/ العدالة/ الأخوة/ الإبداع/ المساواة بين أبناء المجتمع وبين شعوب الأرض دون تمييز على أساس من عرق أو لون أو دين. وليكن العلم أداتنا نسخرها لتحقيق هذه القيم. نعم لقد انتهى عصر الأنبياء، إذن، وفي تناغم مع قيم العقائد، ليكن العقل العلمي وروح المواطنة الجمعية محلياً وعالمياً هاديا لنا ومرشداً.
منقول من المجلة العربية

الثلاثاء، 19 يونيو 2012

شاعر وزجال ومطرب ومقريء ‮ ‬وجوه‮ ‬عبد الهادي الجزار داخل‮ ‬غرفة العمليات

محمد حسان
الكورس الشعبى‮ ‬1948

حياة الفنان عبد الهادي‮ ‬الجزار حياة ثرية علي المستويين الشخصي‮ ‬والإبداعي‮ . ‬تترافق منعطفاتها مع ما مرت به مصر من ثورتها المستمرة للتحرر من الاستعمار البريطاني‮ ‬وسطوة الملكية ثم قيام ثورة‮ ‬يوليو ومحاولاتها لإعادة نهضة مصر وإقرار شخصيتها المستقلة المتفردة.حياته القصيرة مارس‮ ‬1925‮  ‬إلي مارس‮ ‬1966‮  ‬تسير إبداعه في‮ ‬خطوط متوازية مع مسيرة الوطن‮  ‬وكذلك مسيرة حياته الشخصية وكأنه مرآة عاكسة‮  ‬لأحلام وطموحات ومعتقدات مصر, بل وشخصية مصر في‮ ‬ثرائها وفي‮ ‬تنوعها‮. ‬علي مدي واحد وأربعين عاماً‮ ‬هي‮ ‬فترة حياة الفنان عبد الهادي‮ ‬الجزار قدم ابداعات متفردة في‮ ‬مجالات ابداعية عديدة كلها جديرة بالاحترام والتقدير والإعجاب‮: ‬مصورا،‮ ‬صانع جداريات،‮ ‬شاعرا وزجالا،‮ ‬ناقداً‮ ‬ومنظر في‮ ‬فلسفة الفنون،‮ ‬كاتبا للقصة القصيرة والمقال والمحاضرات،‮ ‬مطربا‮  ‬وقارئا للقرآن‮.‬
لم‮ ‬يتوقف الجزار عند موهبته التي‮ ‬تنبه لها كبار النقاد الفنيين وهو في‮ ‬السادسة عشرة من عمره وما منحه من الدراسة المجانية في‮ ‬كلية الطب بل دأب طوال حياته علي التزود بما‮ ‬يفيده كإنسان مبدع‮ ‬ مهموم بالشأن المصري‮ ‬فدرس الي جوار الطب الذي‮ ‬هجره الي دراسة الفنون الجميلة ثم دراسة الآثار الفرعونية بالقسم الحر ثم دراسة الهندسة ليستطيع رصد حركة بناء السد العالي‮ ‬بالإضافة لحصوله علي ما‮ ‬يوازي‮ ‬درجة الأستاذية في‮ ‬الفنون من أكاديمية روما‮ .‬
وتعد المسيرة الإبداعية للجزار بجلاء تعبيرا ابداعيا عن روح الشخصية المميزة لمصر بثرائها وبهمومها وبطموحاتها‮ ‬, فنجد أول لوحة حاز عنها الجائزة الأولي وهو في‮ ‬سن السادسة عشرة عن أهمية الاعتناء بالصحة والنظافة لدي عموم الشعب والتوعية بها وتلك اللوحة أهلته للحصول علي الدراسة المجانية في‮ ‬كلية الطب‮.‬
أما لوحته الأولي التي‮ ‬عرضها في‮ ‬معرض مشترك مع أستاذه حسين أحمد أمين
فكان اسمها‮ ‬ الكورس الشعبي‮ ‬أو طابور الجوع وعنونها الجزار نفسه وهو مازال تحت العشرين من عمره باسم رعاياك‮ ‬يا مولاي‮ ‬مما عرضه للسجن لشهر كامل هو واستاذه المناضل الفنان حسين أحمد أمين مما دعا الفنان الرائد محمود سعيد بيك‮ ‬ نسيب الملك فاروق لتوجيه استعطاف موجه للملك فاروق فتم الافراج عن الجزار وعن أستاذه دون تمام مدة السجن‮.‬
ثراء عالم الجزار لم‮ ‬يتوقف عند البعد الاجتماعي‮  ‬أو التوعوي‮ ‬السياسي‮ ‬بل تجاوزه لآفاق جديدة جعلته في‮ ‬موقع الحلقة الوسيطة بين محاولات الرواد الذين سبقوه في‮ ‬عالم الفن التشكيلي‮ ‬وبين مجايليه ومن جاءوا بعده‮.‬
فلم‮ ‬يقع الجزار في‮ ‬شرك النقل التصويري‮ ‬الفوتغرافي‮ ‬المتقن للأجواء الشعبية مثل الموالد الشعبية أو الزار أو رصد السلوكيات الشبيه المرتبطة بالمعتقدات الضاربة في‮ ‬عمق الشخصية المصرية مثل شخصيات قارئ الكف أو الأحجبة‮  ‬بل تجاوز حالة المشدوه المنبهر بالعوالم الشعبية لكونه واحد من تلك البيئة‮ ‬غائصاً‮ ‬فيها بل وأحياناً‮ ‬مؤمناً‮ ‬بمعتقداتها‮.‬
وفي‮ ‬إحدي قصائده‮ ‬يقدم نفسه كواحد ممن‮ ‬يعتقدون في‮ ‬السحر الذي‮ ‬يتجاوز مفهومه كمصطلح محدود‮ ‬يرتبط بأعمال شريرة بل‮ ‬يتجاوزه الي إيمان بالخيال كحل وكقوة فاعلة في‮ ‬الحياة‮ :‬
دعني‮ ‬أعيش في‮ ‬السحر الذي‮ ‬أحبه‮ ‬
فأني‮ ‬لا أريد أن أعرف ما هي‮ ‬الأشياء‮ ‬
فإن الحياة مع المعرفة لا أستطيع احتمالها‮ ‬
لأن المعرفة شيء لا‮ ‬يعرف إلا في‮ ‬اللاوعي
وتلك المعرفة وعالم اللا وعي‮ ‬التبسا الجزار ذاته الذي‮ ‬عاش مشحوناً‮ ‬بما تشربه منذ مولده في‮ ‬حي‮ ‬القباري‮ ‬بالإسكندرية المتاخم لحي‮ ‬الجمرك ومشاهداته اليومية لعوالم شبحية لأناس‮ ‬يعيشون علي حافة الحياة حافة الفقر لكنهم أحياء, وكذلك ما كان‮ ‬يتلقاه من جرعات دينية من والده العالم الأزهري‮ ‬وتعمقت ثقافة الجزار الشعبية المصرية بعد انتقاله لمنزل متاخم لمقام السيدة زينب مما دفعه للالتحام بالعالم الشعبي‮ ‬كواحد منه وظل معتزاً‮ ‬بانتمائه للإسكندرية ولحي‮ ‬السيدة زينب حتي بعد انتقاله بعد الزواج لحي‮ ‬المنيل‮. ‬ولم تنقطع زياراته ولا تأملاته للمكانين الأثيرين الي عقله وقلبه وابداعه‮.‬
ولا‮ ‬يتوقف ابداع الجزار عند التصوير في‮ ‬حدود الرمز بل‮ ‬يستجمع كل مخزونه الشعبي‮ ‬والفلسفي‮ ‬والعلمي‮ ‬فنجده كما‮ ‬يستخدم الألوان الشعبية المصرية الزاهية والخطوط الرفيعة التي‮ ‬لا تحدد معالم الوجوه بقدر تقديم الحالة النفسية والمعنوية لشخوص اللوحة ويتعمق ذلك في‮ ‬اللوحة التوأم للوحة طابور الجوع أو الكورس الشعبي‮ ‬في‮ ‬لوحة الماضي‮ ‬والحاضر والمستقبل التي‮ ‬يحتفي‮ ‬فيها بثورة‮ ‬يوليو قبل قيامها بعام كامل ويتنبأ بها فيقول عن اللوحة‮ :‬
تاريخ هذه اللوحة‮ ‬يرجع الي عام‮ ‬1951‮ ‬وفي‮ ‬هذه الأثناء كانت عهود الإرهاب تدمي‮ ‬الذكريات وتضفي‮ ‬عليها لوناً‮ ‬قاتماُ‮ ‬رهيباً, ولكن هذا لم‮ ‬يمنع من أن تصمد العزمات وتهيئ نفسها للغد حيث تستطيع أن تتأثر جميع هوامل الماضي‮ ‬الكريه وكانت اللوحة الماضي‮ ‬والحاضر والمستقبل‮.‬
أما الماضي‮ ‬فهو واضح من الجو الخلفي‮ ‬للوحة وهو بين أسوار السجن وقد أطل منه سجين علي جنازة تسير كما أطلت امرأة بيدها طفل‮ ‬, والسجين والمرأة والطفل‮ ‬يمثلون جميعاً‮ ‬الحياة الحبيسة المضطربة التي‮ ‬تلتصق بخيال الحاضر‮.‬
أما الحاضر فهو الوجه الكبير الواضح وتبدو فيه عناصر القوة والعزم والإصرار وشرود الذهن في‮ ‬ماضِ‮ ‬كريه والتفكير في‮ ‬غد باسم جميل؟ وبدت شعبية الحاضر في‮ ‬الأحجبة والأقراط‮  ‬المدلاة من أذن الحاضر والمعلقة علي صدره‮.‬
بقي‮ ‬المستقبل وهو واضح من المفتاح الموضوع أمام الحاضر ولعل المفتاح‮ ‬يعطي‮ ‬فكرة عن المستقبل وما فيه من أسرار وخبايا خفية‮ ...  ‬
هذه اللوحة لعلها لا تحتاج إلي رؤية قصتها فإن عهد كل مصري‮ ‬بالحياة المصرية‮ ‬1951‮ ‬قريب‮.‬
لقد مرت البلاد بفترة من أحلك فترات حياتها فعاش عدد كبير من شبابها في‮ ‬السجون لأنهم رفعوا رأسهم في‮ ‬وجه الطغيان والفساد ولأنهم جرأوا علي‮ ‬،‮ ‬يبدوا رأيا أو‮ ‬يقولوا حقا وكانت الأنفاس مكتومة والحريات مقيدة والخطوات مغلولة وكل شيء حبيس ارادة حكام لا‮ ‬يرعون الله في‮ ‬الشعب ولا‮ ‬يحسون بما تعانيه الجماعات ولقد أردت أن تنوب اللوحة في‮ ‬التعبير عن إحساسات‮ ‬الناس وقتها‮  - ‬ولعلها فعلت‮.‬


عاشق من الجن1953

يتجاوز الجزار رواد فن التصوير المصريين في‮ ‬التعامل مع البيئة الشعبية كمجرد راصدين لها أو كعابري‮ ‬سبيل‮ ‬يرون الشعب من عليائهم إلي كونه روحا مصرية خالصة منغمسا في‮ ‬الحياة الشعبية متنقلاً‮ ‬بين أسرارها وفي‮ ‬إجابته علي أحد أسرار‮  ‬صديقه وزميله في‮ ‬جماعة الفن المعاصر حبيب عازار في‮ ‬سؤال للإذاعة الفرنسية‮ ‬يجيب عن نشأته السكندرية وعلاقته بالبيئة الشعبية فيقول‮ : ‬ولدت في‮ ‬الإسكندرية وعشت في‮ ‬حي‮ ‬من أحيائها الشعبية‮ (‬القباري‮) ‬فكان لذلك أكبر الأثر في‮ ‬إنتاجي‮ ‬بعد ذلك لأن ذلك هو حي‮ ‬العمال والطبقات الفقيرة فكانت عيني‮ ‬منذ الصغر تقع علي عمال أرصفة الفحم وهم من أهالي‮ ‬الصعيد النازحين إلي الإسكندرية وكنت أراهم وهم‮ ‬يفرغون شحنات الفحم داخل المراكب والصنادل كما كنت أراهم وهم عائدون إلي الحي‮ ‬وقد كست وجوههم طبقات الفحم السوداء وكانوا‮ ‬ينظرون كالأشباح الضامرة وهم‮ ‬يحملون المقاطف‮.‬

وكنت ألاحظ عمال الملح بين أكياس الكيماوي‮ ‬والأرض تبرق من تحتهم وبجانبهم البحر والصيادون وقد لفحت الشمس بشرتهم فصار لونها أحمر قاتما ولكن الشرايين تجري‮ ‬من تحتها مملوءة بالدماء وكنت أري‮ ‬علي وجوههم علامات الصبر وقصة الكفاح الطويل مع البحر و مع البشر ومع القدر وظهر ميلي‮ ‬بعد ذلك إلي التعبير عن الكتل البشرية في‮ ‬المراحل الأولي ومنها صورة المجتمع الأول‮ (‬سنة‮ ‬1946‮ ) ‬في‮ ‬الرسومات بالحبر الشيني‮ ‬التي‮ ‬تمثل الإنسان داخل الأعشاش معلقة علي الشجر بيوت من أعواد الغاب‮ ( ‬البوص‮ ) ‬أو داخل وبجانب القواقع وكأنهم حشرات تلد وتتكاثر ثم تفني ليأتي‮ ‬غيرها‮.‬
‮ ‬وكانت تبدو في‮ ‬نظراتهم الشرود وكان تجوالي‮ ‬في‮ ‬أنحاء الإسكندرية في‮ ‬جهة الملاحة والجبال الغربية للصيد وملازمتي‮ ‬البحر من الصغر أكبر الأثر في‮ ‬ربط تلك المجموعات البشرية بالعناصر الطبيعية‮ ‬ كما كان لذلك أكبر الأثر أيضا في‮ ‬الإحساس بنغم الطبيعة والفورم وتحديده‮ ( ‬كما في‮ ‬صورة الرجل والقوقعة سنة‮ ‬1948‮) ‬وعلي العموم قد كانت تلك الفترة التي‮ ‬عشتها في‮ ‬طفولتي‮ ‬في‮ ‬الإسكندرية هي‮ ‬المصدر الأول الذي‮ ‬حدد اتجاهاتي‮ ‬وميولي‮ ‬في‮ ‬إنتاجي‮ ‬الحالي‮ ‬مثلما تشتف الأحلام صورها من الأزمنة الأولي للطفولة والرواسب التي‮ ‬يدفعها العقل الباطن إلي الظهور‮... ‬لابد قبل الكلام عند توضيح العوامل والمؤثرات التي‮ ‬تكيف إنتاجي‮ ‬الفني‮ ‬وتطبعه بطابع خاص هو الطابع الشعبي‮ ‬لابد أن نذكر الحياة الشعبية ونوضح طابعها وما هو المقصود بكلمة‮ ( ‬الشعبية‮ ) ‬هنا‮. ‬فالمقصود بالحياة الشعبية هي‮ ‬تلك الحياة التي‮ ‬يحياها السواد الأعظم من الشعب الذين‮ ‬يعيشون بطريقتهم الخاصة وهي‮ ‬أقرب إلي الفطرة المرئية الحديثة وأساليبها العلمية‮ ‬ وهذه الحياة الشعبية نجدها في‮ ‬القري والأرياف كما نجدها في‮ ‬المدن الصغيرة والكبيرة في‮ ‬مصر وهي‮ ‬واحدة في‮ ‬جوهرها وأن اختلفت في‮ ‬مظهرها وأثر تلك الحياة الشعبية في‮ ‬الإنتاج الفني‮ ‬بتقسيمه قسمين‮..‬
من الملاحظ دائما أن العناصر الشعبية وتركيبها هو مكيف ومصنوع بطريقة عمليةتتفق مع الحياة التي‮ ‬يحياها ذلك الرجل الشعبي‮ ‬ فنجدها راسخة رسوخ عقائدهم فالكراسي‮ ‬الشعبية التي‮ ‬نجدها في‮ ‬القهوة الشعبية ومقابض العصي‮ ‬والسكاكين والدكك والمركوب والهون والعربة وبناء الحوائط والشبابيك والسلالم كل ذلك متميز بالثقل والمتانة والذوق الذي‮ ‬يتفق مع إحساساتهم وقد تأثر إنتاجي‮ ‬الفني‮ ‬بذلك‮. ‬
إن الحياة الشعبية مملوءة بالمعاني‮ ‬الإنسانية والمتناقضات التي‮ ‬تخلق من الرجل الشعبي‮ ‬خاضعا تحت تأثير عاملين أحدهما مادي‮ ‬والآخر ديني‮ ‬روحاني‮ ‬ولكل من هذين العاملين تأثير في‮ ‬الآخر لكي‮ ‬يعيش هو وأسرته في‮ ‬حدود وإمكانيات مجتمعه ومنهم من‮ ‬يعجز عن ذلك فيتخذ من الدين والعقائد طريقا‮ ‬يعيش منه فالناحية الاقتصادية والناحية الدينية هما اللذان‮ ‬يحددان موقف الرجل الشعبي‮ ‬من مجتمعه ولنضرب مثلا الناحية الاقتصادية‮. ‬توجد في‮ ‬القاهرة كثير من أضرحة الأولياء في‮ ‬الأحياء الشعبية وغير الشعبية ولكننا لا نسمع عن احتفال ديني‮ ‬أو مولد‮ ‬يحتفل به الجهة الغير شعبية وذلك طبيعي‮ ‬لان أهل الحي‮ ‬الشعبي‮ ‬يشعرون بتبادل المنفعة الاقتصادية في‮ ‬حيهم من وسائل النقل وأقامه الزينات وبيع الحلويات وغيرها‮. ‬أما من الناحية الروحة فبعضها عقائد متوارثة من الدين وغير الدين وبعضها رموز روحانية‮ ‬يخلقونها لأنفسهم لكي‮ ‬يشعروا بأنهم‮ ‬يعيشون في‮ ‬عالمهم المستقل وأنهم بهذه الرموز‮ ‬يستطيعون أن‮ ‬يصلوا إلي حل مشاكلهم التي‮ ‬لم‮ ‬يجدوا طريقا آخر لحلها لأنهم‮ ‬يعرفوا العلم وأساليبه فهم‮ ‬يستطيعون أن‮ ‬يحلوا بعض العقد النفسية بواسطة الزار كما أنهم‮ ‬يستطيعون شفاء بعض الأمراض عن طريق السحر وهكذا‮..  ‬
هذا عن الحياة الشعبية في‮ ‬حد ذاتها أما عن أثر تلك الحياة في‮ ‬إنتاجي‮ ‬فهو شيء آخر‮ ‬يختلف تمام الاختلاف فقد هذه‮ ‬الحياة منذ طفولتي‮ ‬وكان لابد أن‮ ‬يتأثر إنتاجي‮ ‬بها ولكن هناك فارقا بين أن أكون فنانا شعبيا وأن‮ ‬يكون إنتاجي‮ ‬فنا شعبيا وبين أن أكون محللا للحياة الشعبية ودوافعها فالفنان الشعبي‮ ‬هو ذلك الفنان الذي‮ ‬يرسم بالفطرة كتلك النقوش التي‮ ‬نجدها علي جدران المنازل الشعبية من رسم المحمل والحج ورسم البقر علي دكان اللبان ورسم الأسماك والصيد علي دكاكين السمك وغيرها‮ ‬ وفارق بين أن أنظر إلي تلك الحياة الشعبية من خلال منظار آخر هو التعبير عن الحياة الشعبية خلال المعاني‮ ‬الفلسفية الإنسانية فالفنان لا‮ ‬يأخذ من الواقع إلا القدر الذي‮ ‬يمكنه من الحصول علي ماده للتعبير عن نفسه وهو امتزاج الناحية الموضوعية بالناحية الذاتية فالحياة الشعبية من ناحيتها الروحية فيها جانب عاطفي‮  ‬وفيها جانب دراماتيكي‮  ‬ويظهر بوضوح في‮ ‬الحركات والانفعالات النفسية حتي في‮ ‬النواحي‮ ‬التي‮ ‬يبدو فيها المرح والزهور نجد في‮ ‬قرارها العميق رواسب كثيفة من المآسي‮ ‬والعقد الذي‮ ‬يغلفها ذلك المنظر حتي تبدو لنا في‮ ‬تعدد الألوان الصارخة والتركيبات الغامضة والعقائد الموروثة والمستوي المعيشي‮ ‬المرهق للأعصاب‮ .  ‬
وما علاقة ذلك بالغموض في‮ ‬الفن؟ إن الرمز الفني‮ ‬ليس كالرمز الرياضي‮ ‬أي‮ ‬أننا لا نستطيع أن نقارن الرمز الذي‮ ‬له مدلولات معترف بها بذلك الرمز الذي‮ ‬يمس محور الوجود والحياة؛ ولو أن الرموز الفلسفية‮ ( ‬وخاصة في‮ ‬الفنون الحديثة‮ ) ‬ولا‮ ‬ أقصد هنا الرمز بمعني الأشكال التي‮ ‬تمثل في‮ ‬الطبيعة ولكن الأشكال التجريدية أيضا قبل الخط واللون والمساحة‮ ‬ يمكن إيجاد مدلولات ومعادلات لها تماما كما في‮ ‬الجبر والهندسة وخاصة بعد أن تمكن علم النفس من الكشف عن كثير من النظريات التي‮ ‬توضح سلوك الإنسان وامكان اضطراد ذلك الكشف بالتعاون بين الناقد والفنان.ولكن تلك المدلولات الفنية الفلسفية تصبح قرينا مشابها ومماثلا للرمز الرياضي‮ ‬الذي‮ ‬يتناول الجزيئات في‮ ‬الحياة بينما الفن الرمزي‮ ‬يتناول الوجود كل مرتبط بالكيان والفكر الإنساني‮ ‬ويصبح الرمز الفني‮ ‬في‮ ‬هذه الحالة‮ ‬يحوي‮ ‬لتلك الرموز الجزئية منها الرياضيات وغيرها من التجارب والعلم وقد نشأ الغموض في‮ ‬الفن الحديث وهو‮ ‬غموض‮ ‬يتعلق بالوجود الأصلي‮ ‬للكائنات جميعها بالحياة والموت بالخير والشر بالمادة والروح ومن هنا كان إنتاجي‮ ‬يحوي‮ ‬رموزا شعبية في‮ ‬قالب ذلك المعني الفلسفي‮ ‬الذي‮ ‬تحدثنا عنه‮.‬
كما‮ ‬يضيف الجزار محللا الغموض في‮ ‬أعماله, ولماذا اتجه إليه‮: "‬إن الغموض في‮ ‬إنتاجي‮ ‬يحوي‮ ‬خلال تلك الأعمال التحليل‮ ‬ لأن الحياة الشعبية هي‮ ‬ذلك القالب الذي‮ ‬أفرغ‮ ‬فيه ذاتي‮ ‬لتتخذ ذلك الشكل الجديد‮ ‬ ليس فيه الوصف الصحفي‮ ‬أو السينمائي‮ ‬وإنما هو تحطيم الواقع إلي جزيئات وهذه الجزيئات تتخذ داخل الذات الخالقة لتبني‮ ‬نوعا جديدا وتركيبا آخر مثل‮ ‬غاز الأيدروجين الذي‮ ‬يتصاعد من تفاعل حامض الايدروكلوريك عند وضعه علي الرخام فهو موجود في‮ ‬المادة أصلا ولكنه شيء جديد له خواص أخري‮. ‬فأنا عندما أعيش في‮ ‬الحياة الشعبية بين ثناياها وأقلب صفحاتها وأفكر مع أفكارها تكون الذات مثل الأله التي‮ ‬تختزن فيها الزوايا الموافقة ويحصل نوع من التصفية ثم اندماج مع العقل الباطن حتي تتكون تلك الصورة الجديدة في‮ ‬ثوبها الرمزي‮ ‬الذي‮ ‬يشبه الغموض أما عن الغموض في‮ ‬الحياة الشعبية ذاتها فهو شيء في‮ ‬الحقيقة لا وجود له لأن كل فترة أو كل رمز أو كل عقيدة في‮ ‬الحياة الشعبية لابد أن لوجودها سببا ما ولابد أن لها أصولا ترد وحينئذ فلابد أن ذلك الغموض هو عند من لم‮ ‬يعرف خفايا الحياة الشعبية‮. ‬فمثلا الأحجبة التي‮ ‬تعلق علي الصدور أو الجباه إذا فتحتها وجدت بداخلها بعض آيات من القرآن تحوي‮ ‬معاني‮ ‬تتصل بالدعاء لمنع الشر‮ (‬مثل ومن شر حاسد إذا حسد‮) ‬أو بعض الرموز‮ (‬الخمسة وخميسة‮ ) ‬والخميسة هي‮ ‬تصغير للخمسة والتصغير للتأكيد في‮ ‬المفعول والقول والرقم خمسة له أصل في‮ ‬المثيولوجي‮ ‬القديم فهو‮ ‬يمنع الشر والحسد من الشر‮. ‬فهي‮ ‬أذن تمنع الشر‮. ‬والرقم‮ (‬7‮) ‬له اتصال بالعالم العلوي‮ ‬من‮ (‬السبع سماوات طباقا‮) ‬ولذلك فهم‮ ‬يستبشرون بالرقم‮ ‬7‮ ‬ وعادة وضع‮ (‬المنيعة‮) ‬السائلة وتصليبها علي عتبة الدار‮ ‬يمنع مفعول السحر لان السحر هي‮ ‬من الأشياء التي‮ ‬يمارسها‮ (‬كما‮ ‬يعتقدون‮) ‬الكافرون بالله فعندما‮ ‬يتخطي إنسان ذلك العلامة فكأنه قد داس علي مفعول السحر فلا‮ ‬يمتد أثره إلي داخل الدار وعادة‮ (‬حرق الأثر‮) ‬فهم عندما‮ ‬يحصلون علي قطعة من ثياب شخص ما‮ ‬يعزمون علية ببعض الكلمات فيذهب مفعول الشر الذي‮ ‬كان‮ ‬يضمره الحاسد أو‮ ‬غيرة‮ ‬ والمسألة أولا وقبل كل شيء بالتأثير النفساني‮ ‬الذي‮ ‬يتخذه من حقائق وتجارب مادية‮..‬
وكثير من هذه العقائد تتصل بمسائل روحانية صرفه أي‮ ‬أنها لا دخل لها بالدين مثل اعتقادهم في‮ ‬تناسخ الأرواح وهم‮ ‬يستعينون بالزار والضحايا لطرد الأرواح الشريرة التي‮ ‬تسبب الأمراض والعقد النفسية‮.                                    ‬
ويتبدي مفهوم الجزار هذا عن البيئة الشعبية وتفهمه لها في‮ ‬أعمال كثيرة امتزج فيها الإبداع النثري‮ ‬بالشاعري‮ ‬باللوني‮ ‬مثل لوحة‮ :‬عاشق من الجن التي‮ ‬تبدو كجدارية فرعونية مصرية قبطية اسلامية في‮ ‬تمازج فريد‮:‬

عاشق من الجن تايه في‮ ‬بحور ويصن
يغسل ذنوبه في‮ ‬تراب العمر
طالع ع الفاضي
وتحت منه بير
نصه الفوقاني‮ ‬جبس
مزروع في‮ ‬وادي‮ ‬النوم
نوم الصبايا ويا وحيد القرن
نوم التروس جوه عروق الزان
وجلد راسه قحف
ولع بنار الصبر
وجنب منه‮ ‬غفير
ربي‮ ‬صغار وكبار
فايه ورا فايه
يرموا علي‮ ‬سلام
دار السلام في‮ ‬سلام
عليها ألف سلام
وكذلك في‮ ‬لوحة مواليد عرايا

مواليد عرايا
مواليد عراي‮ ‬وعذاري‮ ‬بتتخلق
سندس قفاطينة محبوكة شراشيبها
كوالين شفايفة تتعشق في‮ ‬أنفاسة
خرجه من الجوف بتتغربل براكينة
يفضل‮ ‬يبك الروح أزاي‮ ‬منين الروح جايه
شغل الكلام‮ ‬يا سلام عليه محسوب
اللي‮ ‬اتجمع سر الوجودله وجود
داير علي القلب والسمع حبه وعاش





ويتنقل الجزار بقدرة إبداعية وبفهم ووعي‮ ‬أولاً‮ ‬لأدواته التي‮ ‬يبدع بها وكذلك ببيئته التي‮ ‬يعيد إنتاجها في‮ ‬أعمالها والتي‮ ‬هي‮ ‬أيضاً‮ ‬البيئة التي‮ ‬ينتج لها إبداعه فنجده في‮ ‬النثر كما في‮ ‬الزجل كما في‮ ‬الشعر كما في‮ ‬رصد الأحلام مبدعاً‮ ‬علي قدر كبير من التمكن والوعي‮ ‬برسالته كفنان دونما الوقوع في‮ ‬أسر التنظير أو التعقيد بل تتسم أعماله بالبساطة الشديدة ومن ثم الوضوح‮ ‬

1
أخذت أجري‮ ‬وراء طائر صغير أبو فصادة وأقذفه بالحجارة لأقتله ولكنه كان في‮ ‬كل مرة‮ ‬يطير ويختبئ وأخيرا تربصت له وراء شجرة إلي‮ ‬أن اقترب هذا الطائر من سور حديقة منزل وقذفته بحجر لا أدري‮ ‬إذا كانت أصابته أم لا ولكنني‮ ‬هجت عليه و أمسكته بيدي‮ ‬وهو طائر وضغطت عليه حتي كاد‮ ‬يتهشم في‮ ‬قبضتي‮ ‬وقد قدم إليه أخي‮ ‬محمد طعاما ذرة فكان هذا الطائر‮  ‬الذي‮ ‬كبر حجمه مثل الدجاجة‮ ‬يأكل بينهم وقد لاحظت أن رقبته مقطوعة ولكنه مع ذلك كان‮ ‬يأكل‮ .‬

2
كنت أستحم في‮ ‬بحر مع عدد من الناس تحيط بي‮ ‬الصخور والأعشاب وفجأة وجدت بعض الناس‮ ‬ وهم‮ ‬يبعدون عني‮ ‬بمسافة كبيرة مشغولون بالبحث عن شخص‮ ‬غريق‮ ‬ وشعرت بعدم الرغبة في‮ ‬البحث معهم وخرجت من الماء مهرولا وأخذت أجري‮ ‬و أجري‮ ‬وكان‮ ‬يطاردني‮ ‬كلب متوحش مثل الذئب‮  ‬وكنت أضربه وأخيرا دخلت في‮ ‬كوخ وأحكمت‮ ‬غلق الباب والمنافذ حتي لا‮ ‬يدخل علي‮ ‬أحد وبينما أنا منشغل في‮ ‬تغيير ملابسي‮ ‬إذا بالشخص الغريق‮ ‬يدخل علي‮ ‬فجأة ويقول أنا الذي‮ ‬كنت‮ ‬غريقا

3
كنت أستحم في‮ ‬بحر مع عدد من الناس تحيط بي‮ ‬الصخور والأعشاب وفجأة وجدت بعض الناس‮ ‬ وهم‮ ‬يبعدون عني‮ ‬بمسافة كبيرة مشغولون بالبحث عن شخص‮ ‬غريق‮ ‬ وشعرت بعدم الرغبة في‮ ‬البحث معهم وخرجت من الماء مهرولا وأخذت أجري‮ ‬و أجري‮ ‬وكان‮ ‬يطاردني‮ ‬كلب متوحش مثل الذئب‮  ‬وكنت أضربه وأخيرا دخلت في‮ ‬كوخ وأحكمت‮ ‬غلق الباب والمنافذ حتي لا‮ ‬يدخل علي‮ ‬أحد وبينما أنا منشغل في‮ ‬تغيير ملابسي‮ ‬إذا بالشخص الغريق‮ ‬يدخل علي‮ ‬فجأة ويقول أنا الذي‮ ‬كنت‮ ‬غريقا

4
كنت أجلس في‮ ‬حجرة بها أزهار ملونة كثيرة وهي‮ ‬مجموعات‮ ‬وكانت تجذبني‮ ‬فيها المجموعة البنفسجية وكانت توجد أختي‮ ‬أمنية بنفس الحجرة وقد نبهتها عندما كانت تمشي‮ ‬بالحجرة لئلا تدوس بقدمها في‮ ‬قارب الفول الثابت الذي‮ ‬كان موضوعا علي‮ ‬الأرض ولكن رغم ذلك التنبيه انغمس كعب قدمها في‮ ‬هذا الطبق‮ .‬



محمد حسان
ابن الكلاب‮ ‬1953

ابن الكلاب النحس

ابن الكلاب النحس
ابن العبيد الحمر
واطي‮ ‬الجبين والخد
رمز لزمانه ندل
عايش لنفسه بس
ماسح بزروه كبش
عامل لنفسه عرش
فوق الترعة والزرع
نازل في‮ ‬دينه حرق
سبع شواشي‮ ‬سود
زي‮ ‬الغراب النوح
تنعي‮ ‬الخير في‮ ‬البر
أما سليم الكف
واخد علي‮ ‬عهد
نطوي‮ ‬عهود الظلم


البين

كويت ايدي‮ ‬بايدي‮ ‬لما دريت بالنار
شط البحور مرقدي‮ ‬والموج بنالي‮ ‬دار
من صغر سني‮ ‬وأنا ريس علي‮ ‬الأبحار
أشخلع مع الموج وألعب مع التيار
البين عملي‮ ‬جمل وإندار عمل جمال
لوي‮ ‬خزامي‮ ‬وشيل تقلي‮ ‬الحمال
قولتلوا‮ ‬يا بين هو الحمل التقيل‮ ‬ينشال
قالي‮ ‬يا جدع أمشي‮ ‬خطاوي‮ ‬خطاوي
وكل عقده لها عند الكريم حلال


خايف أموت

كتبت كتابات من‮ ‬غير حبر بمعاني
ومدحت في‮ ‬الزين جيتني‮ ‬الناس بمعاني
وسافرت في‮ ‬الغيب لا زاد ولا مي
والرزق بالله لا بعشرة ولا بمية
أنا خايف أموت‮ ‬يموت الفن قبلية
تحزن عليا الظنايا الكل بمعاني




الماضى والحاضر والمستقبل‮ ‬1951‮ ‬

دكان الحلاق

دخلت دكان الحلاق بعد أن‮ ‬غبت عنه هذه المرة أكثر من شهر حتي طال شعر رأسي‮ ‬من الجانبين ومن القفا لدرجة ملحوظة‮. ‬وكان محمد صبي‮ ‬الأسطي‮ ‬الحلاق هو الذي‮ ‬يعرف سر شعري‮ ‬واتجاه المقص بداخله حتي‮ ‬يعيده إلي‮ ‬حالته الطبيعية وجلست أنتظر دوري‮ ‬وأهش الذباب الذي‮ ‬تراكم عند باب الدكان بمجلة الصباح التي‮ ‬رماها إلي‮ ‬الصبي‮ ‬لأقتل بها الوقت وأخذت أقلبها في‮ ‬كسل لعلي‮ ‬أعثر فيها علي خبر مهم‮ ‬يذهب عني‮ ‬مضايقة الذباب ورائحة الزبائن‮.‬
ووقع بصري‮ ‬علي‮ ‬هذه الجملة‮ (‬مسابقة القصة‮) ‬وقرأت تفاصيلها في‮ ‬غير اهتمام ودارت في‮ ‬رأسي‮ ‬فكرة الاشتراك في‮ ‬المسابقة ولكن قلت لنفسي‮ ‬أنت لست كاتبا أو قصاصا إنك رسام وفنان بالألوان والخطوط وطريقة تعبيرك هي‮ ‬الصورة لا الكتابة‮ ‬ والكتابة لها خبازوها كما أن التصوير والرسم والموسيقي‮ ‬كل له مبدعه الذي‮ ‬تخصص فيه فمن العبث أن تحاول الكتابة وتضحك الناس عليك وأي‮ ‬كتابة ؟‮! ‬إنها قصة وليست كتابة خطاب إلي‮ ‬صديق أو مذكرة بشأن طلب ترقية من وزارة المعارف فارم عنك هذه الفكرة ولا تزج بنفسك فيما لا‮ ‬يعنيك‮. ‬وحينئذ انتهي‮ ‬زبون وجلس زبون آخر بعد أن عزم علي‮ ‬فقطع حبل تفكيري‮ ‬في‮ ‬موضوع المسابقة ولكن الأمر كان هينا فهذا زبون‮ ‬يريد تنظيف ذقنه فقط من شعرها الكثيف وعاودتني‮ ‬فكرة المسابقة وكتابة القصة فقلت لماذا لا‮ ‬يكون الإنسان كاتبا ورساما ولماذا لا‮ ‬يكون أكثر من ذلك موسيقيا مثلا أو شاعرا أو‮ ‬غيره ولماذا لا‮ ‬يجمع صفات معينة داخل نفسه،‮ ‬أليست كل الفنون مرتبطة ارتباطا وثيقا ببعضها البعض؟
أليست منابع الإلهام الفني‮ ‬واحدة في‮ ‬كل الأشياء ؟ وهل الإنسان خلق وعليه ختم أحمر أو أزرق بنوع موهبته إذا كانت هناك موهبة ؟
فلماذا لا تحاول هذه المرة؟
وبفرض إنك أخفقت فماذا ستخسر ؟ لا شئ أما إذا كان لك حظ وأنت من الفائزين فسوف‮......‬
وعندئذ انتهي‮ ‬الزبون الثاني‮ ‬وجاء دوري‮.‬
فقلب الصبي‮ ‬الوسادة وحرك المقعد ودخلت فيه ثم استدار وفرش الفوط حول رقبتي‮ ‬وجسدها فوق‮  ‬صدري‮ ‬وأخذت أنظر في‮ ‬المرآة إلي‮ ‬شكلي‮ ‬لعلي‮ ‬أجد فيه شيئا جديدا ولكن للأسف لم أجد شيئا‮.‬
وكل مرة‮ ‬ينظر فيها الإنسان لا‮ ‬يجد شيئا جديدا ولكن من أين إذا هذا التغير الذي‮ ‬طرأ علينا منذ أن كنا أطفالا صغارا ننظر في‮ ‬المرآة حتي صارت لنا هذه الذقون وهذه التجاعيد‮.‬
آه إنه الزمن الذي‮ ‬لا نحس به‮. ‬فالذي‮ ‬لا‮ ‬ينظر في‮ ‬المرآة أبدا هو الذي‮ ‬لا‮ ‬يشعر بالزمن أما الذي‮ ‬ينظر دائما في‮ ‬المرآه فسوف لا‮ ‬يحس بالزمن لأن سحنته تتغير تغيرا بطيئا والتغير البطيء لا وجود له في‮ ‬الحالة النفسية عند الإنسان والحيوان ولكن له وجود في‮ ‬العقل وعند العلماء والتجار والمشتغلين بالسياسة‮. ‬وقطع الصبي‮ ‬حبل تفكيري‮ ‬عندما سألني‮ ‬عن كمية الشعر التي‮ ‬أريد إزالتها فقلت له هذه مهنتك وأنت حر تصرف في‮ ‬رأسي‮ ‬كما شئت ولكن بشكل فني‮ ‬أليس هذا هو اختصاصك؟
وعاودتني‮ ‬فكرة المسابقة مرة أخري‮ ‬وكيف أنني‮ ‬كنت في‮ ‬هذه المرة أفكر في‮ ‬الحظ عندما أفوز في‮ ‬المسابقة وينشر اسمي‮ ‬وقصتي‮ ‬ويقرؤها آلاف الناس ويستمتعون بها ويتعجبون لها ليس هذا فقط وإنما حتما سأحصل علي‮ ‬فوائد مادية وعندئذ أستطيع أن أجمع هذا المبلغ‮ ‬وأضعه علي‮ ‬العشرين جنيها التي‮ ‬اقتصدتها في‮ ‬ثلاثة أعوام من مرتبي‮ ‬كمدرس بالفنون‮.‬
إذن فهو مهر كامل أستطيع الزواج به وكنت في‮ ‬كل مرة أفكر فيها في‮ ‬الزواج تنتابني‮ ‬حمي‮ ‬شديدة من المهر وأتراجع حتي‮ ‬يعدلها المولي‮ ‬الكريم إذن فهي‮ ‬فرصتك فتقدم بالقصة‮. ‬ودخل زبون جديد وقال نعيما مقدما فقلت أنعم الله عليكم‮ ‬يا سيدي‮. ‬وجلس الزبون في‮ ‬ركن وتناول مجلة الصباح التي‮ ‬كنت قد وضعتها بجانبي‮ ‬وأخذ‮ ‬يقلبها وينظر إلي‮ ‬صورة الممثلة التي‮ ‬علي‮ ‬الغلاف‮. ‬أه إنها جميله ولكن دمها ارد وألقي‮ ‬بالمجلة ثم أخذ‮ ‬يهش الذباب ويلعن الصبي‮ ‬لإهماله وعدم تنظيف الدكان بالماء‮ (‬والفنيك‮) ‬وانتهي‮ ‬الصبي‮ ‬من رأسي‮ ‬وأخذ‮ ‬يلطخ الصابون علي‮ ‬صدغي‮ ‬وذقني‮ ‬وسن الموس ويقلبه علي‮ ‬شريط من الجلد وعاودتني‮ ‬فكرة القصة وقلت لنفسي‮ ‬هذه المرة تشجع وأكتب قصتك‮.‬
وأخذت أفكر أي‮ ‬قصة سأكتب لقد جاءت القصة وأخذت صور كثيرة من الحياة تمر أمام خاطري‮ ‬بعضها واقعي‮ ‬لدرجة الخيال وبعضها خيالي‮ ‬لدرجة الحقيقة‮. ‬أأكتب عن الناس ونفوسهم وعلاقاتهم وطبائعهم أأكتب عن الحياة ومآسيها حلوها ومرها‮.‬
هل‮ ‬يستطيع إنسان أن‮ ‬ينسي‮ ‬ما‮ ‬يدور داخل البيوت والمستشفيات والمصالح الحكومية‮. ‬هل‮ ‬يقدر بطل أن‮ ‬يتحدي المدنية التي‮ ‬يعيش فيها ويفر إلي‮ ‬الصحراء لينجو من فوضي‮ ‬المواصلات‮. ‬إن العالم‮ ‬يدور والحرب الباردة لا تبرد بين الكتلتين والدول الصغيرة تريد أن تحنو عليها وتدثرها حتي لا‮ ‬يصيبها هذا البرد‮ ‬ أين العاطفة والإنسانية أين الرجولة والكرامة‮ ‬ أين الديموقراطية الحقة أين الوعود أين‮... ‬أين‮ ‬
أين القصة‮.‬
نعيما هكذا واستيقظت علي‮ ‬هذه الكلمة
أنعم الله عليكم
ودفعت له الحساب وذهبت إلي‮ ‬منزلي‮ ‬وأنا أفكر في‮ ‬القصة وتذكرت أنها لا بد أن تكون قصة وطنية ترمز إلي‮ ‬التضحية وإنكار الذات وفي‮ ‬هذه اللحظة ركبني‮ ‬شعور‮ ‬غريب أخذ‮ ‬يتسلل إلي‮ ‬سراديب نفسي‮ ‬وضحكت ولكن من داخل عظامي‮ ‬وشراييني‮ ‬ولو اجتمع علماء النفس من جميع بقاع الأرض ليفسروا هذا الشعور ومعني‮ ‬هذه الضحكة لباءوا جميعا بالفشل‮. ‬ولكن الحقيقة هو أنني‮ ‬أحسست في‮ ‬تلك اللحظة معني‮ ‬الوطنية وإنكار الذات‮.‬
أحسست هذا المعني‮ ‬ولكن من عمق وتجريد‮. ‬أدركت أن الوطنية وإنكار الذات هما أن‮ ‬يكون الفرد إنسانا والإنسانية هي‮ ‬أن‮ ‬يحب الإنسان كل ما حوله من جماد ونبات وحيوان وإنسان‮. ‬أدركت أن الإنسان خلق في‮ ‬هذا الوجود ليحب لا ليكره ويبغض وهذا الحب مقرون بالعمل والإخلاص من أجل الواحد من أجل الله سبحانه وتعالي‮.‬




الجزار وهو‮ ‬يرسم لوحة الماضى والحاضر والمستقبل

وينتقل قلم وريشة الجزار معه في‮ ‬كل مكان حتي في‮ ‬نومه وفي‮ ‬أحلامه وفي‮ ‬غرفة العمليات حيث‮ ‬يصور ماحوله قبل دخوله لإجراء عملية دقيقة بالقلب‮:‬

جمعتنا نحن الخمسة‮ ‬غرفة أو عنبر واحد في‮ ‬قسم الجراحة بمستشفي الجمعية الخيرية عندما دخلت كان لا‮ ‬يوجد منهم الا اثنان فقط أخذا‮ ‬يحملقان وينتظران التحية،‮ ‬فادركتهم بالسلام عليكم
ولم أتفرس في‮ ‬شخصهما لحين استعدادي‮ ‬لاتخاذ سرير في‮  ‬الركن
كان أحدهما طاعن في‮ ‬السن وأسود والآخر طاعن في‮ ‬الاسمرار وصغير
واخذت مكاني‮ ‬علي السرير وأخذت أقلب الصحيفة وألاحظهما من جنب ومن أعلي حافة‮  ‬الجريدة ورأيت عم علي‮ ‬يلف حول رأسه الأسود عمامة بيضاء ذات شال أبيض طويل‮ ‬يتدلي علي كتفيه بعد أن أخذ جملة حلقات حول رأسه ورقبته وكان‮ ‬يضع عصاه التي‮ ‬يتعكز عليها علي حافة السرير‮.‬
ورأيته وهو‮ ‬يمسك قدمه الملفوفة ويتألم ويتأوه محركا ساقيه في‮ ‬الهواء وضاربا كفا علي كف تارة ومطوحا برأسه ذات اليمين وذات الشمال مثل بندول الساعة تارة أخري
وقد ظهرت علي عينيه المصفرتين وعلي أنفه الأفطس دلائل الألم وهو‮ ‬يأخذ نفسه وينفخه علي طرف قدمه الملفوف ويجر جسمه تارة في‮ ‬ركن من السرير وتارة أخري‮ ‬يعكس وضعه بالنسبة للسرير ويجعل قدميه تحت الوسادة حتي لا‮ ‬يجعل نفسه‮ ‬يشعر بالألم من جراء الوضع الطبيعي‮ ‬تمام كما‮  ‬تفعل النعامة عندما تدفن رأسها في‮ ‬الرمال‮.‬
وسألت عم علي‮ ‬ماذا بك فانفجر‮ ‬يتكلم بلغة قناوية اخذت التقط منها ما هو شائع واخذ‮ ‬يتمتم ويقول عملية في‮ ‬الصباع ده ستة شهور‮. ‬
الدكتور الهجان وعامر و و و وأخذ‮ ‬يعد أسماء بعض الاطباء الذين قاموا باجراء هذه العملية له ثم قال‮ : ‬أصله نقطة دفشت في‮ ‬العضم‮  ‬وخلاص‮ ‬
وأخذ‮ ‬يسير ملوحا اصبعه من بعيد علي قدمه الملفوف‮ ‬
كان نشف‮ ‬ شال القشرة‮ ‬ الدكتور كب عليه الدوا قام شعوطه
يابا‮ ‬يابا‮ ‬يابا
واستمر علي هذه الحال طول الليل ولم‮ ‬ينم الا عندما حضرت الممرضة وحقنته بمخدر‮- ‬أما المريض الثاني‮ ‬فراقبته مطروحا علي الفراش ولا‮ ‬يكاد‮ ‬يظهر له حس سوي عينين براقتين وسط وجهه‮ .‬
أما الرجل نفسه فقد حضر من طرف الشركة لتجري له عملية في‮ ‬العينين ولم‮ ‬يدفع شيئا لأنه تابع للشركة والمستشفي‮ ‬يحاسب الشركة‮.‬
أما أنا فموظف في‮ ‬الحكومة واضطررت لدفع خمسة جنيهات في البداية ودفعت ثمن العملية وجميع أثمان الأدوية وندبت حظي اذ لم أكن موظفا في‮ ‬شركة حتي أعالج مجانا‮.‬
وقد كان عم علي‮ ‬أيضا خفير شركة بالسويس ولذلك فهو لم‮ ‬يدفع مليما واحدا،‮ ‬وفي‮ ‬الساعة السادسة صباح‮ ‬يوم الأحد حضر تمورجي‮ ‬،‮ ‬قمت باجراء عملية‮ ‬غسيل للبطن استعدادا للعملية،‮ ‬وحضرت نقالة،‮ ‬وقلت للتمورجي‮ ‬إنني‮ ‬أستطيع أن أمشي‮ ‬علي قدمي‮ ‬لغاية‮ ‬غرفة العمليات ولكنه رفض،‮ ‬واستلقيت علي النقالة بعد أن أخذت محفظتي‮ ‬التي‮ ‬بها النقود في‮ ‬جيب البيجامة ومنديل ومشط،‮ ‬وعند مروري‮ ‬بباب العنبر حقنتني‮ ‬احدي السسترات بحقنة في‮ ‬الذراع علمت فيما بعد انها لتنشيف الريق،‮ ‬وصعدنا للدور الثاني‮ ‬داخل المصعد وأنا ممدد فوق النقالة،‮ ‬وطلب مني‮ ‬التمورجي‮ ‬وهو‮ ‬يدفع النقالة الي‮ ‬غرفة العمليات أن أسلمه الساعة والمحفظة،‮ ‬التي‮ ‬في‮ ‬جيبي‮ ‬فقلت له إن بها فلوس العملية وسأعطيها للدكتور أما الساعة فقد سلمتها اليه ونظرت الي‮ ‬يدي‮ ‬فوجدت أن جلد الساعة لا‮ ‬يزال له أثر ربطة علي الجلد وتاركا مكانا أبيض حول معصم اليد‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬الردهة وجدت دكتور البنج الذي‮ ‬اختبرني‮ ‬قبل ذلك بيوم لمعرفة مدي احتمال القلب لتأثير المخدر وقاس ضغط الدم أيضا وكان دكتورا ظريفا‮ .‬ منقول من أخبار الأدب

      



الاثنين، 2 أبريل 2012

وعصاية فايولينا بتغويك لوحدك بالعروج ... للشاعر عبد الرحمن تمام



" شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم "
انجيل لوقا اصحاح 22

ـ The Mask Shot ـ
زي تمثال الحريه
اللي لسه لحد انهارده
بيتباهى بمزيل عرقه
واقف
..
ف ايديه مغناطيس صغير
بيشب لفوق
لفوووق
علشان يشد الـ      شـ    مــ    س ا
1
شد نفس طويل
من أول سيجارة بعد العيا
وركن ضهره
ع الكرسي اللي ارتاح أسبوعين م الهز
شيخ الجامع
وهو بيوصف في الحور العين
خلاه يفتح شبابيك الأوضة
لكن نبرة صوته
ماطردتش الحرارة
اللي قادتها بنات الموديلز حوليه
من فرط اللذة
ملس على زراير الريموت كنترول
فـ صدر العروسة الكبيرة [1]
وقعد ينخرب فيها
_ " قد قامت الصلاة "
فملحقهاش
..
" خلق آدم " لأنجلو
اللوحة
اللي ما غبتش عن عنيه بعدها
بطرف كمه
مسح التراب
اللي غطى جسم آدم
دقق في ملامحه ، أعضائه
و ..
نسي تماما
إن في المقابل
حد بيشاور بصباعه كدا
استفزه المشهد
فـــ قَلَب اللوحة !
2
كور الورقة ف ايده
وحدفها على طول دراعه
لفوق 
بعد م اتأكد من وضوح الخط
وكل الأسماء اللي اشتبه فيها
....
.......
كرر المحاولة بخط الرقعة
وكتبهم بالترتيب :
دعاء محمد عبد السلام
ريهام مختار
مروة مصطفى
 و ..
بنات كتير
ضحكوا على حشوة صدره بالجرايد
فــ رشوا على مريلته زمزمياتهم
Play
نشعت كل المانشتات الحمرا
على صدر ممثلة مشهورة
و5أفقيا كلمات متقاطعة
بتلزق على قورة مسئول
سألوه عن سبب حريق قصر الثقافة
فــ ..
بفعل البلل
لسه الوقفة بتتكرر ليلاتي
فوق سطح البيت
بعد م كتب أسمائكو لربنا
نسخ ورقعة
بتأكد صعوبة المعادلة ..
ازاي يحتفظ بمدنة السيدة عيشة
( ربع جنيه ورق )
على سبابته
ويفضل ف الوقت ذاته
باصص للسما ببجاحة
من غير ما يرشي الملايكة ؟!
3
ورق النوتة
اللي بيربك حركة ايديه
بفعل الريح
وانت بتتمـــــ     د    د عريان
على قصاقيص ( حظك اليوم  )
بديهي
يأجل كل فروضك
لحين خروجها من المقام [2]
Pause
هنا
العتمة
نشاز العقارب
وظهورها المفاجئ ف الزوايا
مناخ بيفرض ع الصوابع
ترنيمة الطمي فوق صهد المرايا
فـ تسيح
على سراويل العسس كراميللا
بتتيح لكل الموجودين صك الغواية !
ف محاولة شرعية للنميمة
بتتشـــــ    كــ    ل
من عفرة الهارمونيكا ف روحك
ونزف العرقسوس من ضلعك
ف لحظة سُبات
كل اللي بيفصل بينكو
حاجز رحيم
.
.
مسافة
بتسمحلك فقط بالانتصاب !
..............................




[1] كانت حكراً على أخته وبطولها تقريبا
داعبها كثيرا في أوقات القيلولة وأجزاء متأخرة من الليل
وكان يركلها فيما بقى !


[2] ( ويطلع في قصورها الشوك القريص والعوسج في حصونها فتكون مسكنا للذئاب ودارا لبنات النعام . وتلاقي وحوش القفر بنات آوى ومعز الوحش يدعو صاحبه . هناك يستقر الليل ويجد لنفسه محلا .هناك تحجر النكازة وتبيض وتفرخ و تربي تحت ظلها ... فتشوا في سفر الرب واقرأوا ) .
سفر إشعيا 34 / 13 – 16


 من ديوان يحمل نفس الإسم سيصدر قريبا