الثلاثاء، 25 فبراير 2014



 



" الشاعر لا يلطخ يديه بالسياسة 
لكن روحه مطعونة بكل حرية "

أنسي الحاج

الأحد، 2 فبراير 2014

من المتحف الإسلامي ودار الكتب مشاهد حية للخراب



أسامة فاروق

في جهادهم لنصرة الإسلام دمر المجاهدون المكان الذي‮ ‬يضم أكبر وأهم وأندر ما تبقي من التراث الإسلامي‮..‬عبث،‮ ‬يقابله لامبالاة شعبية وتصريحات رسمية لاتقل عبثية،‮ ‬المسئولون الذين ربما اكتشفوا بالصدفه الكارثة التي لحقت بمتحف الفن الإسلامي ودار الكتب جراء التفجير الذي استهدف مديرية أمن القاهرة الأسبوع الماضي تركزت تصريحاتهم حول الأموال التي سبق وصرفت علي المبني،‮ ‬وعلي المجهودات الخارقة التي سيقمون بها لاعادة تجميع المبلغ‮! ‬أي مبلغ‮ ‬هذا الذي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يعيد مشكوات السلطان حسن،‮ ‬أو محراب رقية أو الوثائق التي دمرها التفجير الغشيم؟
ماحدث كارثة حقيقية للأسف شغلت العالم أكثر مما شغلتنا،‮ ‬تعيد المبني إلي نقطة الصفر وربما أبعد قليلا بعد رحلة علاج استمرت لأكثر من عشرات سنوات،‮ ‬تعود الآثار والوثائق الفريدة الي ظلمات المخازن مجددا بعد فترة عرض قصيرة لم‮ ‬يزها خلالها أحد تقريبا،‮ ‬فمن سيلتفت إلي التاريخ في الوقت الذي‮ ‬يفجر فيه الحاضر والمستقبل‮.‬
الغريب أنه عندما تم التفكير في إنشاء متحف الفن الإسلامي ودار الكتب كانت الفكرة الأساسية هي أن‮ ‬يكمل المبني صورة العمارة الإسلامية في القاهرة،‮ ‬اختير مكانه وسط القاهرة القديمة ليحقق هذا الغرض،‮ ‬المنقول‮ ‬يكمل الثابت فتعرض الحضارة الإسلامية كاملة من كل العالم الإسلامي ثم في مصر،‮ ‬وطريقة العرض كانت توضح ذلك،‮ ‬خاصة وأن الفن الاسلامي بالتحديد‮ ‬غير منفصل،‮ ‬فهو عبارة عن حقب تكمل بعضها وطرز معمارية وفنيه تتطور وتنتقي من بعضها،‮ ‬والان أصبح مكانة المميز سببا في دماره‮.‬
أكثر من مائة عام مرت عليه وهو ثابت في مكانة ويتغير العالم من حوله،‮ ‬تغير نظام الحكم،‮ ‬وتتابعت حكومات،‮ ‬وتغيرت أزياء وأنماط ووسائل المواصلات،‮ ‬وحده ظل الثابت الوحيد الذي لا‮ ‬يتغير،‮ ‬حتي ضاقت الدنيا من حوله،‮ ‬وزاحمته في مقره الذي كان بعيدا في‮ ‬يوم ما‮..‬ليته ظل في عزلته،‮ ‬فالعزلة بالتأكيد أفضل من الخراب‮.‬
نستعرض هنا مشاهد حيه للخراب الذي أصاب المبني ومايضمه من تراث نادر،‮ ‬نذكر بتاريخه وما‮ ‬يحويه من كنوز لاتقدر بثمن‮. ‬


من الحاكم لباب الخلق
 
 
الوجهة الرئيسية للمتحف الإسلامى فى الأربعينيات‮ ‬من القرن الماضى
ترجع فكرة متحف الفن الإسلامي إلي عام‮ ‬1869‮ ‬حين اقترح المهندس‮ "‬سالزمان‮" ‬علي الخديو إسماعيل إنشاء متحف للآثار الإسلامية‮ ‬يضم ما تيسر من تحف وآثار،‮ ‬غير أن هذه الفكرة ظلت معطلة حتي عهد الخديو توفيق،‮ ‬وحتي صدر عام‮ ‬1880‮ ‬مرسوم بتكليف وزارة الأوقاف بتخصيص مكان للمتحف الوليد‮.‬
لكن الحكاية بدأت قبل ذلك بكثير حين رأي مثقفو أوروبا المهتمون بالدراسات الشرقية مدي ما وصلت إليه حالة الآثار الإسلامية في مصر من تدهور شديد وإهمال،‮ ‬علي عكس الآثار الفرعونية التي كانت تحظي باهتمام العالم كله في ذلك الوقت من القرن التاسع عشر،‮ ‬وقتها اقترح‮ "‬جابرييل شارمز‮" ‬أحد أهم الكتاب الفرنسيين إنشاء لجنة لحفظ الآثار الإسلامية في مصر،‮ ‬علي‮ ‬غرار لجنة تأسست في باريس سنة‮ ‬1837‮ ‬لحفظ وحماية الآثار التاريخية وإحياء الطراز المعماري القوطي‮.‬
وكان من نتائج نشر كتاب‮ "‬وصف مصر‮" ‬أن قدم إلي مصر كثير من علماء الآثار المبهورين بالآثار الإسلامية،‮ ‬وشاهدوا وكتبوا عن تلك الآثار،‮ ‬ورسموها أيضا ومنهم‮ "‬بريس دافن‮"‬،‮ ‬و"باسكال كوست‮"‬،‮ ‬و"بورجوان‮"‬،‮ ‬كما ألف عالم الآثار‮ "‬أوين جونز‮" ‬كتابه النادر عن قواعد الزخرفة الإسلامية‮. ‬وكان حصيلة ما أنجزوه من كتب مصورة تسجيلا لحالة الآثار في القاهرة قبل حركة الترميم والتجديد التي بدأت سنه‮ ‬1882‭.‬
وبعد نشر هذه الكتب وغيرها في أوروبا كان لابد أن تؤتي ثمارها،‮ ‬فنشأت في باريس‮ "‬جماعة محبي الفن الإسلامي‮"‬،‮ ‬ووفد آلاف السياح إلي مصر،‮ ‬وكان من بينهم مغامرون ولصوص نهبوا الكثير من التحف الإسلامية والعناصر المعمارية وباعوها إلي متاحف أوروبا وأصحاب المجموعات الخاصة وتجار الآثار‮.‬
ونتيجة للنهب الذي حدث للآثار الإسلامية،‮ ‬استأنف الكاتب الفرنسي‮ "‬جابرييل شارمز‮" ‬دعوته إلي ضرورة إنشاء لجنة لحفظ الآثار العربية في مصر وحمايتها من السلب،‮ ‬وحث جابرييل علماء الآثار في أوروبا عن طريق كتاباته اليومية في صحف باريس علي أن‮ ‬يتحركوا لتحقيق ذلك،‮ ‬وكتب أن حكام مصر لم‮ ‬يهتموا علي الإطلاق بعمل أي شيء لترميم وحماية الآثار الإسلامية،‮ ‬رغم أنهم ــ من جهة أخري‮- ‬قاموا ببناء العديد من القصور الملكية الفخمة في القاهرة والإسكندرية،‮ ‬ولم‮ ‬يتوقف عن نضاله حتي أسفرت جهوده واستجاب الخديو توفيق،‮ ‬وفي‮ ‬18‮ ‬ديسمبر سنة‮ ‬1881‮ ‬أصدر الخديو أمرا عاليا بتشكيل لجنة حفظ الآثار العربية برئاسة محمد زكي باشا ناظر الأوقاف والمعارف العمومية،‮ ‬وكان الأعضاء المصريون في اللجنة سبعة فقط من بينهم محمود سامي البارودي وزير الحربية،‮ ‬ومصطفي فهمي باشا وزير الخارجية،‮ ‬واتخذت اللجنة الرواق الشرقي من جامع الحاكم بأمر الله مقرا لها‮.‬
عقدت لجنة حفظ الآثار العربية أول اجتماعاتها في فبراير‮ ‬1882‮ ‬وأعلنت عن أربع مهام أساسية تعمل اللجنة علي تحقيقها‮: ‬إجراء اللازم لجرد وحصر الآثار العربية القديمة،‮ ‬وملاحظة صيانة تلك الآثار وحفظها من التلف،‮ ‬والنظر في الرسومات والتصميمات التي تُعمل عن المرمّات اللازمة لهذه الآثار،‮ ‬وأخيرا إجراء حفظ جميع الأشغال التي تنجزها اللجنة في أرشيف نظارة الأوقاف،‮ ‬ونقل القطع التي تتخلف عن العمائر التي تم ترميمها إلي الأنتيكخانة‮.‬
ولما امتلأ الرواق الشرقي لجامع الحاكم بأمر الله بالتحف والعناصر الأثرية التي تنقلها اللجنة من المباني القديمة،‮ ‬والتي وصلت وقتها إلي تسعمائة تحفة،‮ ‬لم‮ ‬يعد المكان‮ ‬يتسع للمزيد،‮ ‬فسعت اللجنة لدي نظارة الأوقاف لبناء مقر جديد لدار الآثار العربية بصحن الجامع‮ ‬يتسع للعدد المتزايد من التحف الأثرية،‮ ‬خاصة بعد أن رفض علي باشا مبارك وزير المعارف العمومية وقتها تخصيص مبني خال في وزارته لنقل مقتنيات المتحف المتزايدة إليه،‮ ‬وبالفعل تم تشييد مبني في صحن الجامع ونقلت التحف إليه سنة‮ ‬1884
وبامتلاء هذا المبني بصحن جامع الحاكم طلبت لجنة حفظ الآثار العربية من نظارة الأوقاف إنشاء مبني أكبر‮ ‬يتسع لعدد التحف الأثرية الذي‮ ‬يزداد بصفة مضطردة،‮ ‬وفي‮ ‬1899‮ ‬وضعت أساسات المبني الحالي في باب الخلق علي الضفة الغربية للخليج المصري الذي تم ردمه في السنة نفسها‮. ‬وصمم المبني مهندس معماري ايطالي اسمه‮ "‬ألفونسو مانيسكالو‮" ‬وبناه من طابقين علي الطراز المملوكي المتطور،‮ ‬واكتمل البناء سنة‮ ‬1902‮ ‬وخصص الطابق الثاني من المبني ليكون مقرا لدار الكتب الخديوية‮ "‬المصرية بعد ذلك‮" ‬أما الطابق الأرضي فقد أصبح مقرا لدار الآثار العربية‮. ‬وفي السنة نفسها بدأ نقل التحف الأثرية من مبني الحاكم بأمر الله إلي المبني‮ ‬الجديد في باب الخلق‮.‬
 
 المجموعة الفريدة
 
كان الانتقال إلي المبني الجديد بمثابة بداية لعصر جديد في أساليب عرض الآثار في مصر،‮ ‬فقد قام ماكس هرتس مدير الدار بتصنيف التحف وعرضها حسب مادتها وزخارفها‮. ‬كما أن الانتقال‮ ‬يعتبر البداية الحقيقية لتكوين مجموعة المتحف فقد أقبلت الأسر الثرية والأمراء من أصحاب المجموعات الأثرية الخاصة علي إهداء التحف للدار،‮ ‬فبمناسبة الانتقال إلي المتحف الجديد وافتتاحه في ديسمبر‮ ‬1903‮ ‬قامت أمينة هانم والدة الخديو عباس حلمي الثاني بإهداء مجموعاتها الخاصة من التحف إلي المتحف،‮ ‬وكانت أولي الإهداءات المهمة،‮ ‬وبعدها توالت الاهداءات،‮ ‬فقام الأمير‮ ‬يوسف كمال بالأمر نفسه،‮ ‬وكذلك كريمة‮ ‬يعقوب أرتين باشا والذي كان عضوا في لجنة حفظ الآثار،‮ ‬ثم الملك فؤاد الذي قدم مجموعة ثمينة من المنسوجات،‮ ‬والأختام،‮ ‬والأمير محمد علي،‮ ‬والأمير‮ ‬يوسف كمال،‮ ‬والأمير كمال الدين حسين،‮ ‬وعلي باشا إبراهيم الذي زود المتحف بمجموعات كاملة من السجاد الإيراني والتركي والخزف والزجاج العثماني‮.‬
وكانت هذه الاهداءات مهمة للغاية لأنها أدت إلي إثراء مجموعات المتحف وتنوعها،‮ ‬
‮ ‬ولاسيما أنه حتي سنة‮ ‬1910‮ ‬لم تكن الحكومة تخصص أي اعتمادات مالية لدار الآثار العربية لشراء التحف،‮ ‬فكانت الدار تعتمد علي ما‮ ‬يصلها من لجنة حفظ الآثار العربية منقولا من المباني الأثرية القديمة‮. ‬لكن وابتداء من‮ ‬1926‮ ‬بدأت الحكومة في تخصيص اعتمادات مالية لدار الآثار العربية لشراء التحف،‮ ‬وبحلول عام‮ ‬1935‮ ‬ارتفع عدد التحف المسجلة إلي‮ ‬12895‮ ‬وفي السنة نفسها اتخذت الحكومة قرارا بنقل مجموعة التحف الأثرية التي ترجع إلي العصر العثماني وعرضها في مبني حكومي بشارع الإنشاء في حي السيدة زينب،‮ ‬فصار هذا المبني ملحقا لدار الآثار العربية،‮ ‬ولكن بعد عشر سنوات قررت الحكومة إعادة الآثار العثمانية إلي مكانها الأصلي بالمتحف لعدم نجاح تجربة عرضها في مبني منفرد،‮ ‬وبعدها توسعت الدار في شراء التحف من التجار وأصحاب المجموعات الخاصة فاشتري المتحف مجموعة المستشرق رالف هراري من التحف المعدنية بمبلغ‮ ‬25‮ ‬ألف جنيه،‮ ‬وأيضا مجموعة الطبيب المصري علي باشا إبراهيم وكانت من السجاد والخزف بمبلغ‮ ‬115‮ ‬ألف جنية،‮ ‬وبحلول عام‮ ‬1952‮ ‬ارتفع عدد التحف المسجلة إلي‮ ‬16324‮ ‬تحفة‮.‬
ومع استمرار تزويد المتحف بالتحف الأثرية عن طريق الحفائر،‮ ‬والشراء،‮ ‬والإهداء،‮ ‬وغيرها من المصادر اتسع مجال مجموعات المتحف،‮ ‬وصارت تغطي كل فروع الفن الإسلامي وتطوره منذ صدر الإسلام في القرن السابع الميلادي وحتي منتصف القرن التاسع عشر،‮ ‬كما أصبحت جغرافيا تغطي نتاج مساحات شاسعة من الأرض تمتد من الأندلس في الغرب إلي وسط آسيا في الشرق،‮ ‬ومن شبه جزيرة الأناضول شمالا إلي جنوب شبه الجزيرة العربية جنوبا،‮ ‬ولهذا السبب واعترافا بدور البلاد الإسلامية‮ ‬غير العربية في تطوير الفن الإسلامي وتنوع أشكاله وزخارفه،‮ ‬قامت الحكومة بتغيير اسم المتحف رسميا في أواخر عام‮ ‬1951‮ ‬من‮ "‬دار الآثار العربية‮" ‬إلي‮ "‬متحف الفن الإسلامي‮" ‬الأكثر شمولا ودلالة‮.‬
وفيما بين عامي‮ ‬1960‮ ‬و‮ ‬2003‮ ‬سجلت مجموعة المتحف ارتفاعا هائلا‮ ‬غير مسبوق،‮ ‬فقد ارتفع عدد التحف المسجلة إلي أكثر من‮ ‬مائة ألف قطعة أثرية‮.‬
 
 كنوز المتحف
 
 
إبريق مروان
المتابع للمتحف علي امتداد تاريخه سيجد انه حظي بهذه المكانة نتيجة للنمو الهائل في مجموعته المتحفية،‮ ‬وقطعا فتخطيط المتحف‮ ‬يشي بأنه‮ ‬يتسع لهذا العدد الكبير من القطع التي كانت تعرض في‮ ‬24‮ ‬قاعة،‮ ‬ويتسع لها مخزنه الكبير،‮ ‬فالمتحف‮ ‬يضم مجموعة نادرة من أدوات الفلك والهندسة والكيمياء والأدوات الجراحية والحجامة التي كانت تستخدم في العصور الإسلامية المزدهرة،‮ ‬بالإضافة إلي أساليب قياس المسافات كالذراع والقصبة،‮ ‬وأدوات قياس الزمن مثل الساعات الرملية،‮ ‬ومجموعة نادرة من المشكاوات المصنوعة من الزجاج المموه بالمينا،‮ ‬ومجموعة الخزف المصري والفخار من حفائر الفسطاط،‮ ‬والخزف ذي البريق المعدني الفاطمي،‮ ‬ومجموعة من أعظم ما أنتج الفنان المسلم من أخشاب من العصر الأموي،‮ ‬حيث‮ ‬يحتفظ متحف الفن الإسلامي بمجموعات متميزة من الخشب الأموي الذي زخرفه المصريون بطرق التطعيم والتلوين والزخرفة بأشرطة من الجلد والحفر،‮ ‬ومنها أفاريز خشبية من جامع عمرو بن العاص ترجع إلي عام‮ ‬212‮ ‬هـ‮. ‬
بالمتحف أيضا مجموعة مهمة من الخشب الذي أنتج في العصر العباسي،‮ ‬وأيضا في العصر الطولوني الذي‮ ‬يتميز بزخارفه التي تسمي‮ "‬طراز سامراء‮" ‬وهو الذي انتشر وتطور في العراق،‮ ‬ويستخدم الحفر المائل أو المشطوف لتنفيذ العناصر الزخرفية علي الخشب أو الجص وغيرها‮. ‬وتأتي أهمية التحف الخشبية التي‮ ‬يضمها المتحف من كونها تمثل تطور زخارف سامراء،‮ ‬وهي تحف نادرة،‮ ‬لم‮ ‬يعثر علي مثيلها في سامراء العراق نفسها‮. ‬
ومن أهم مقتنيات المتحف من أخشاب العصر الفاطمي‮: ‬محراب الجامع الأزهر وأمر بصنعه الحاكم بأمر الله،‮ ‬ومحراب السيدة نفسيه ويرجع إلي عصر الخليفة الفاطمي الحافظ لدين الله،‮ ‬ومحراب مشهد السيدة رقية وهو من أجمل المحاريب إذ‮ ‬يحتوي علي زخارف نباتية وهندسية‮ ‬غاية في الدقة،‮ ‬وهناك أيضا تابوت من الخشب من مسجد الحسين له أربعة جوانب حافلة بالحشوات متعددة الأشكال،‮ ‬بداخلها زخارف نباتية مورقة ومتشابكة وتحيط به كتابات بالخط الكوفي والخط اللين علي أرضية نباتية،‮ ‬تحف بها كتابات معظمها آيات قرآنية بعضها‮ ‬يشير إلي آل البيت‮.‬
ومن المعادن‮ ‬يوجد في المتحف مفتاح الكعبة المشرفة من النحاس المطلي بالذهب والفضة باسم السلطان الأشرف شعبان،‮ ‬ومن أندر ما‮ ‬يضمه المتحف من التحف المعدنية ما‮ ‬يعرف بإبريق مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين،‮ ‬ويمثل هذا الإبريق آخر ما وصل إليه فن صناعة الزخارف المعدنية في بداية العصر الإسلامي،‮ ‬وهو مصنوع من البرونز ويبلغ‮ ‬ارتفاعه‮ ‬41‮ ‬سم وقطره‮ ‬28سم،‮ ‬عثر عليه في أبي صير قرب الفيوم،‮ ‬وهناك أيضا دينار من الذهب مؤرخ بعام‮ ‬77‮ ‬هجرية؛ وترجع أهميته إلي كونه أقدم دينار إسلامي تم العثور عليه إلي الآن،‮ ‬بالإضافة إلي مجموعة متميزة من المكاحل والأختام والأوزان تمثل بداية العصر الإسلامي الأموي والعباسي ونياشين وأنواط وقلائد من العصر العثماني وأسرة محمد علي‮. ‬
يعتبر قسم المسكوكات هو أكبر أقسام المتحف علي الإطلاق وتضم مجموعة المتحف‮ ‬48‮ ‬ألف مسكوكة منها‮ ‬38‮ ‬ألف دينار من الذهب الخالص وتحمل كلها دلالات سياسية واقتصادية وفنية مختلفة،‮ ‬فمثلا الدنانير والدراهم وقت الأزمات كان‮ ‬يكتب عليها‮ "‬والذين‮ ‬يكنزون الذهب والفضة ولا‮ ‬ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم‮"!‬
كذلك فبالمتحف‮ ‬20‮ ‬ألف تحفة خزفية لامثيل لها،‮ ‬حتي في الدول المشهورة بصناعة الخزف‮. ‬وأكثر من ستة آلاف تحفه زجاجية‮ ‬يقتنيها المتحف الإسلامي،‮ ‬أهمها مجموعة السلطان حسن‮.‬
‮ ‬كما‮ ‬يضم المتحف مجموعة هائلة من شواهد القبور،‮ ‬تزيد علي ثلاثة آلاف شاهد،‮ ‬عليها نصوص بالخط الكوفي البارز أو الغائر،‮ ‬أقدمها علي الإطلاق شاهد قبر مؤرخ بعام‮ ‬31هـ،‮ ‬ومن المخطوطات النادرة التي‮ ‬يضمها المتحف،‮ ‬مجموعة نادرة من المصاحف أقدمها مكتوب بالخط الكوفي ويرجع إلي القرن الثاني الهجري،‮ ‬وآخر من العصر الأموي مكتوب علي‮ "‬رَقّ‮ ‬الغزال‮". ‬ولعل مجموعة أوراق البردي التي أهداها الدكتور هنري أمين عوض والتي تبلغ‮ ‬حوالي‮ ‬240‮ ‬قطعة من أهم المخطوطات التي تضم كتابات تاريخية ورسائل متنوعة للمعاملات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الإسلامي علي مر العصور‮. ‬كما‮ ‬يقتني المتحف مجموعة من المخطوطات المصورة في الطب والأعشاب والهندسة والتاريخ والملاحم والشعر‮. ‬
كما‮ ‬يضم مجموعات قيمة من السجاجيد التركية والإيرانية من الصوف والحرير ترجع إلي الدولة السلجوقية والمغولية والصفوية والهندية المغولية في فترة القرون الوسطي الميلادية؛ وهي من صنع أصفهان وتبريز بإيران وأخري من صناعة آسيا الصغري،‮ ‬حتي إن مجموعة المتحف من السجاجيد تعتبر من أغني المجموعات العالمية،‮ ‬وبصفة خاصة مجموعة د.علي باشا إبراهيم،‮ ‬لتنوعها الهائل‮..‬حيث اشتملت علي السجاد التركي والإيراني وسجاجيد الأناضول والقوقاز،‮ ‬ومن خلالها‮ ‬يمكن القيام بدراسة توضح مميزات طرز السجاد وطرق صناعتها‮ ‬وأساليب زخرفتها من بلد لآخر في العصور الإسلامية المختلفة‮.‬
أما مجموعة المتحف من الخزف فهي من أغني المجموعات في العالم،‮ ‬لأنها تشتمل علي تحف متنوعة من الخزف المصري والإيراني،‮ ‬وبلاد ما وراء النهر،‮ ‬واسيا الصغري والعراق والأندلس،‮ ‬وتعتبر مجموعة فريدة في تنوعها وفي تقديمها للطرز الفنية المختلفة،‮ ‬بالإضافة إلي خزف البورسلين والسيلادون الصيني‮.‬
وكان من أهم المجموعات الأثرية الكاملة التي اقتناها المتحف في تاريخه‮: ‬كنز من‮ ‬العملات النقدية الذهبية‮ "‬دنانير‮" ‬بلغ‮ ‬عددها‮ ‬3611‮ ‬قطعة،‮ ‬عثر عليها محفوظة في جرتين من الفخار وجدتا مطمورتين تحت عتب بيت‮ "‬زينب خاتون‮"‬،‮ ‬وفي عام‮ ‬1992‮ ‬اقتني المتحف كنزا ثانيا من دنانير الذهب‮ ‬يتألف من‮ ‬701‮ ‬دينار وقد عثر عليه بالصدفة أثناء إزالة أعمال ردم في أطلال بيت قديم بدرب القزازين في حي السيدة زينب‮. ‬وبشكل عام‮ ‬يمكن القول إن المتحف‮ ‬يضم أغني وأندر مجموعات الفن الإسلامي‮ ‬في العالم‮.
 
 
بعد ست سنوات من الافتتاح‮:‬
كنوز دار الكتب تعود إلي المخازن


طارق الطاهر
لم تمر أكثر من ست سنوات علي إعادة افتتاح مبني دار الكتب العريق بباب الخلق،‮ ‬الذي تكلف ملايين‮.. ‬فقد سبق أن خضعت الدار العريقة لترميمات،‮ ‬استمرت لسنوات،‮ ‬لتتحول بعد ذلك لتكون متحفا لأندر المخطوطات،‮ ‬وتم نقل الكتب والمراجع الأخري لدار الكتب بكورنيش النيل،‮ ‬كما احتضن المبني بباب الخلق منذ ما‮ ‬يقرب من العامين معرض الزعيم الراحل جمال عبد الناصر،‮ ‬وضم مقتنياته الشخصية وكتاباته،‮ ‬ولم‮ ‬يقع لفتارين العرض التي تحتويه أي سوء‮.‬
دار الكتب بباب الخلق افتتحت عام‮ ‬1904،‮ ‬وكانت المكان الذي ارتبط به كبار المثقفين والأدباء،‮ ‬كما ترأسها نخبة من المفكرين،‮ ‬واستمرت تؤدي دورها باعتبارها‮ " ‬المكتبة الوطنية‮" ‬حتي أغلقت أبوابها في عام‮ ‬2004،‮ ‬لتبدأ عملية ترميم شامل لهذا المبني التاريخي،‮ ‬وبعد الانتهاء منه،‮ ‬تم افتتاحه مجددا في‮ ‬2007،‮ ‬واختصرت مهام وظيفته ليكون متحفا لأندر المخطوطات في مختلف المجالات،‮ ‬ولكن بعد هذا الحادث الإجرامي،‮ ‬ستغلق الدار أبوابها مرة أخري،‮ ‬وربما‮ ‬يستمر ذلك لسنوات،‮ ‬فالمبلغ‮ ‬المبدئي لإعادة الترميم‮ ‬يبلغ‮ ‬50‮ ‬مليون جنيه،‮ ‬حسب تصريحات د‮. ‬صابرعرب وزير الثقافة،‮ ‬كما تم نقل محتويات الدار،‮ ‬حتي‮ ‬يتم الترميم‮.‬
هذا المبني،‮ ‬الذي‮ ‬يجرد اليوم من محتوياته،‮ ‬يضم مجموعة كبيرة من المصاحف المملوكية،‮ ‬التي جئ بها من المساجد والمدارس،‮ ‬التي أنشأها‮  ‬المماليك،‮ ‬ومن هذه المصاحف جزء من مصحف منسوب للخطاط أبو علي محمد بن مقلة،‮ ‬وفرغ‮ ‬من كتابته عام‮ ‬308هـ،‮ ‬وهو مجلد مخطوط بقلم نسخ والغلاف مطرز بالذهب،‮ ‬فضلا عن مجموعة من المخطوطات في العلوم الدينية منها‮: " ‬الجامع في الحديث النبوي‮" ‬لأبي محمد بن عبد الله،‮ ‬الذي توفي‮ ‬197هـ‮ ‬،‮ ‬وهو مرتب علي طريقة المحدثين والفقهاء،‮ ‬ويشتمل علي كتاب الأنساب،‮ ‬وكتاب الصمت،‮ ‬وكتاب الختم،‮ ‬وهو‮ ‬يعد الكتاب العربي الوحيد الذي وصل إلينا علي البردي،‮ ‬وكشف عنه عام‮ ‬1922‮ ‬في حفائر كان‮ ‬يجريها المعهد العلمي الفرنسي بالقاهرة في إدفو بصعيد مصر،‮ ‬وفي الأدب نجد مجموعة من المصادر الهامة منها‮: ‬مقامات الحريري التي تعود لعام‮ ‬516‮ ‬هـ،‮ ‬وكتاب الأغاني،‮ ‬للأصفهاني،‮ ‬المتوفي‮ ‬356‮ ‬هـ،‮ ‬ويعد من أحد أهم مصادر الأدب العربي المبكر،‮ ‬والموجود ثلاثة أجزاء من نسخه بأول كل منها منمنمة نادرة ملونة بماء الذهب واللازورد والحمرة،‮ ‬وفي مجال الجغرافيا نجد‮ " ‬عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات للقزويني،‮ ‬المتوفي‮ ‬682‮ ‬هـ،‮ ‬وهو كتاب من قسمين،‮ ‬الأول‮ ‬يتناول الحديث علي الأجرام السماوية وسكان ذلك العالم أي الملائكة،‮ ‬والثاني‮ ‬يتناول الأرض وظواهرها،‮ ‬كما توجد في هذه الدار‮- ‬قبل التدمير‮- ‬النسخ الأصلية من كليلة ودمنة،‮ ‬والشاهنامة‮. ‬
ومن جهة أخري،‮ ‬ولتوثيق ما فعله الحادث الإجرامي بمقتنيات الدار،‮ ‬أقامت وزارة الثقافة مساء الأربعاء الماضي معرضا توثيقيا،‮ ‬يضم‮ ‬25‮ ‬لوحة تبين المبني قبل وبعد الدمار‮.‬


بعضها‮ ‬يعود للقرن الحادي عشر الهجري‮:‬
المخطوطات المدمرة


كل الديكورات الداخلية دمرت‮ ‬
شوه العمل الإرهابي الغاشم الذي استهدف مديرية أمن القاهرة وامتدت آثاره علي دار الكتب العريقة بباب الخلق مجموعة من المخطوطات وأوراق البردي،‮ ‬وبالتحديد سبع مخطوطات بعضها‮ ‬غير معروف تاريخ نسخه،‮ ‬مما‮ ‬يدل علي قدمه الشديد،‮ ‬وبعضها‮ ‬يعود للقرون الحادي عشر‮ ‬،‮ ‬الثاني عشر،‮ ‬والثالث عشر الهجري،‮ ‬ومن هذه المخطوطات‮ »‬الجزء الثاني من كتاب الشفاء‮« ‬لابن سينا،‮ ‬و»المنصوري في الطب‮« ‬لابن الرازي،‮ »‬منهاج الدكان‮« ‬للكوهين العطار،‮ »‬ريحانة الروح في رسم الساعات علي مستوي السطوح‮« ‬لابن معروف تقي الدين محمد،‮ ‬والذي تسبب فتح صنابير المياه في دمار الكتاب،‮ ‬بالاضافة لـ‮ : »‬روزنامة فلكية‮« »‬تحفةالموازين‮« ‬لمحمد الطاهر بن حسن الشاطبي،‮ »‬مجموعة تصاوير فارسية وهندية وتركية‮«.‬
أما البرديات فتسبب البلل المائي الشديد في فقد‮ ‬50٪‮ ‬من بردية‮ »‬وثيقة عنق جارية‮« ‬لإبراهيم علي وتعود لعام‮ ‬393‮ ‬هجرية،‮ ‬وجار التعامل معها الآن علي أمل انقاذها،‮ ‬أما بردية‮ »‬أمر توليه الخلافة في العصر العباسي‮« ‬فقد تسبب البلل المائي في تحويلها لكتلة واحدة،‮ ‬وجار الآن محاولة انقاذها‮.‬
‮»‬أخبار الأدب‮« ‬تنشر معلومات وافية عن هذه المخطوطات والبرديات من واقع سجلات دار الكتب‮.‬
قسم الطبيعيات من كتاب الشفاء
المؤلف‮ : ‬ابن سيناء شرف الملك الحسين بن‮ ‬عبدالله‮ (‬ت‮. ‬سنة‮ ‬428هـ‮ / ‬1037م‮)‬
اللغة‮ :  ‬العربية
مكان وتاريخ النسخ‮ ‬‮: ‬غير مستدل
كتاب الشفاء من أهم مؤلفات ابن سيناء وأشهرها علي الإطلاق والذي قدم من خلاله مزجا للفلسفة الأفلاطونية والأرسطية والفقه الإسلامي‮. ‬قسم هذا الكتاب علي أربعة أقسام كبري وهي‮ : ‬المنطق،‮ ‬والطبيعيات،‮ ‬والرياضيات،‮ ‬والإلهيات،‮ ‬وقسم كل قسم إلي فنون،‮ ‬والفنون إلي مقالات ثم فصول‮. ‬ويتناول هذا الجزء الثاني المتعلق بالعلوم الطبيعية الكثير من الحيوانات والمخلوقات الأخري،‮ ‬بما في ذلك الدراسة المعروضة هنا حول العقارب،‮ ‬مع طرق المداواة من لدغة العقرب‮.‬
المنصوري في الطب‮ ‬
المؤلف‮ : ‬الرازي أبوبكر محمد بن زكريا‮ (‬ت‮. ‬سنة‮ ‬313هـ‮ / ‬925م‮) ‬
اللغة‮ : ‬العربية
تاريخ النسخ‮ : ‬القرن الحادي عشر الهجري‮/ ‬السابع عشر الميلادي
ألف الرازي ما‮ ‬يفوق المائتي كتاب في الطب والفلسفة والكيمياء وفروع المعرفة الأخري‮. ‬وينسب له عدد من الابتكارات في مجال الجراحة،‮ ‬وترجمت العديد من مؤلفاته إلي اللاتينية وظلت المرجع الأول للجامعات الأوروبية حتي القرن الحادي عشر الهجري‮ / ‬السابع عشر الميلادي‮. ‬يصف هذا الكتاب أعراض وطرق علاج الأمراض البدنية والنفسية والعقلية‮.‬
ريحانة الروح في رسم الساعات علي مستوي السطوح
المؤلف‮ : ‬ابن معروف،‮ ‬تقي الدين محمد‮. (‬ت‮. ‬سنة‮ ‬975هـ‮ / ‬1585م‮)‬
الكاتب‮ : ‬بخط المؤلف
اللغة‮ : ‬العربية
مكان وتاريخ النسخ‮ ‬‮: ‬القاهرة تقديرا،‮ ‬سنة‮ ‬975هـ‮ / ‬1567م
هذا المخطوط من أشهر مؤلفات ابن معروف‮ «‬ابن الأمير ناصر الدين خمارتكين‮»‬،
الراصد الذي عمل في خدمة علي باشا الوالي،‮ ‬ثم عينه السلطان سليمان الأول كبير الفلكيين بالبلاط الملكي سنة‮ ‬956هـ‮ / ‬1549م‮. ‬والكتاب‮ ‬يتناول رسم المزاولة الشمسية علي سطوح الرخام ومعالمها،‮ ‬ويوضح الرسم الوارد بأعلي اليمين مثالا علي هذه المزولة والتي صممت في إسطنبول‮. ‬وحقق هذا النمط علي وجه التحديد من المزولة الشمسية إنجازات علمية كبيرة،‮ ‬مما جعل هذا الكتاب موضع اهتمام بعض العلماء اللاحقين والذين ترجموه إلي لغات عدة‮.‬
المخطوطات‮  ‬روزنامه فلكية
اللغة‮ : ‬تركية
مكان وتاريخ النسخ‮ : ‬القاهرة،‮ ‬نسخ هذا الجزء سنة‮ ‬1197‮ ‬هـ‮ / ‬1784م
مخطوط مكون من عدة رسائل مختلفة،‮ ‬معظمها متعلقة بعلم الفلك والبروج وعلم الميقات‮. ‬كما‮ ‬يحتوي علي العديد من الجداول والصور التوضيحية لدراسات مختلفة متعلقة بموقع الكعبة وعلاقتها باتجاهات البوصلة والرياح‮. ‬وتعرض الرسوم التوضيحية الواردة هنا برجي الحوت والدلو،‮ ‬بجانب أشكال بشرية وحيوانية أخري تشير للأجرام السماوية مستقاة من مصادر تنتمي لحضارات شرقية وغربية قديمة‮.‬
تحفة الموازين لمن أراد الرياسة في الهندسة من أهل القوانين‮ ‬
المؤلف‮ : ‬التونسي محمد الطاهر بن حسن الشاطئ الحنفي
اللغة‮ : ‬العربية‮ ‬
مكان وتاريخ النسخ‮ : ‬تونس،‮ ‬القرن الثالث عشر الهجري‮/ ‬التاسع عشر الميلادي تقديرا ألفه الشاطئ في عام‮ ‬1275هـ‮ / ‬1858م،‮ ‬حينما كان أبوالمحاسن محمد صادق باشا حاكما لتونس‮. ‬استهل المؤلف كتابه بمقدمة وعظية عن أهمية الجهاد وأهمية تطوير الجيوش،‮ ‬ثم وصف فيه أحدث التقنيات الحربية التي شهدها عصره‮. ‬ويتخلل هذه النسخة العديد من الرسومات الهندسية التي تظهر التكتيكات الحربية،‮ ‬والخطط الدفاعية،‮ ‬والأسلحة مثل التحصين الموجود علي اليسار والذي‮ ‬يبرز صفين من المدافع‮.‬
مجموعة تصاوير فارسية وهندية وتركية
الرسام‮ : ‬فنانون مختلفون
مكان وتاريخ النسخ‮ : ‬إيران والهند،‮ ‬وتركيا‮. ‬القرن الثاني عشر الهجري‮ / ‬الثامن عشر الميلادي
مجموعة من الصور الملونة‮ ‬يبلغ‮ ‬عددها ستا وثلاثين صورة،‮ ‬يوجد علي بعضها كتابات من أشعار فارسية،‮ ‬رسمها مجموعة متنوعة من الفنانين والرسامين‮. ‬يصور المشهد علي اليمين السفن الأوروبية والتركية المبحرة التي ربما تتحرك في مضيق البوسفور‮. ‬اللوحة علي اليسار هي تصوير بارع التنفيذ لسفينة هولندية،‮ ‬تحمل توقيع الفنان سراج ديدي‮.‬
برديات‮ ‬
وثيقة عتق جارية‮ ‬
الكاتب‮ : ‬إبراهيم علي
اللغة‮ : ‬العربية
مكان وتاريخ الكتابة‮ : ‬مصر،‮ ‬آخر شهر رمضان سنة‮ ‬393هـ‮/ ‬1002م
ويتناول نصها عتق رقبة جارية اسمها بالعربية صفراء وبالقبطية دجاشة بنت أرينه،‮ ‬كانت ملك السيدة اسطورهيوه ابنة سرجه بن ابليده‮. ‬كتبها إبراهيم علي بخطه،‮ ‬وبدأ الخطاب بالبسملة وختم بتوقيع الشهود‮.‬

منقول من اخبار الأدب

الجمعة، 3 يناير 2014

فرانز كافكا.. ترجمة - الدسوقي فهمي


فرانز كافكا

ترجمة - الدسوقي فهمي





الحيوان في المعبد



في معبدنا يعيش حيوان في حجم النمس، وباستطاعة المرء غالباً أن يراه رؤية العين، لأنه يتيح للناس أن يقتربوا منه لمسافة مترين. لونه أزرق مخضر حائل. لم يلمس أحد قطّ فروته حتى الآن، وعلى هذا فلا شيء يمكن أن يُقال عنها، ويمكن للمرء على الأغلب أن يذهب إلى حدّ التأكيد بأن اللون الحقيقي لفرائه غير معروف، وربما كان اللون الذي يراه المرء قد نتج فقط عن التراب والطين اللذين أطفأا لون فروته. وإن اللون حقاً ليشبه لون طلاء المعبد من الداخل، وإن يكن، فقط، أفتح منه قليلاً. وبصرف النظر عن الجبن الذي يتّصف به، فهو حيوان هادئ بصورة غير معتادة وذو عادات مستقرّة؛ فلو لم يتعرَّض للإزعاج الزائد غالباً، فإنه نادراً ما كان ليوجد في هذا المكان على الإطلاق، ذلك أن مأواه المفضَّل هو ذلك الحاجز المتشابك الذي يحجز قسم النساء.

وبمتعة بادية ينشب مخالبه في داخل عيون الشبك المشغول، متمدِّداً ومحدِّقاً بنظرته المطرقة إلى داخل القاعة الرئيسية؛ كان يبدو أن هذا الوضع الجريء يبعث فيه السرور؛ إلاّ أن خادم المعبد كانت قد وُجِّهت إليه التعليمات بألا يتغاضى عن وجود الحيوان عند الحاجز الشبكي، لأنه سوف يعتاد على المكان، ولا يمكن السماح بذلك بسبب النساء الخائفات من الحيوان. أما لماذا هن خائفات، فالسبب ليس واضحاً.

حقاً إنه للوهلة الأولى يبدو مخيفاً، وبصفة خاصة عنقه الطويل، ووجهه المثلث، وصفّ الأسنان العليا التي تبرز إلى الخارج بصورة تكاد تكون أفقية، وفوق الشفة العليا خطّ من الشعيرات الشاحبة الطويلة البادية الخشونة التي تمتدّ إلى أبعد حتى من الأسنان. كل هذا قد يكون مخيفاً، إلاّ أن المرء لا يستغرقه الوقت طويلاً حتى يدرك إلى أي حدّ لا يبدو هذا الرعب الظاهري كلّه مؤذياً. وفوق هذا، فإنه يبقى مبتعداً عن البشر، إنه أكثر فزعاً من حيوان الغابة، ويبدو أنه لا يرتبط فحسب سوى بالمبنى، ولا شكّ أن سوء طالعه الخاص قد تمثّل في كون هذا المبنى هو معبد يهودي، أي أنه مكان يكون ممتلئاً أحياناً بالناس. فلو كان قد أمكن- فحسب- أن يتواصل المرء مع الحيوان، لأمكنه بالطبع، أن يعزِّيه بأن يخبره بأن شعب المعبد في مدينتنا الصغيرة هذه في الجبال يتضاءل عدده عاماً بعد عام، وأنه يواجه بالفعل صعوبة في توفير المال لصيانة المعبد، وأنه ليس من المستحيل إمكان أن يتحوَّل المعبد قبل وقت طويل إلى شونة للغلال، أو إلى شيء من هذا القبيل، وسيحصل عندئذ على السلام الذي يفتقده الآن بمرارة بالغة.

وللتأكيد، فإن النساء وحدهنّ هنّ الخائفات من الحيوان، فقد كفّ الرجال عن الاكتراث بأمره منذ وقت طويل. وهو ما بيّنه جيل للجيل الآخر، فلقد شوهد المرة بعد المرة، وبحلول ذلك الزمن لم يعد أي شخص يبدِّد اهتمامه بإلقاء نظره عليه؛ وحتى الأطفال- وإلى الآن وهم يرونه للمرة الأولى- لا يبدون أية دهشة. لقد أصبح هو ذلك الحيوان الذي ينتمي إلى المعبد؛ فلماذا لا يكون للمعبد حيوان أليف خاص به لا يوجد في أي مكان آخر؟ فلو لم يكن الأمر يتعلَّق بالنساء ما كان المرء ليعي الآن مطلقاً وجود الحيوان بسهولة. لكن حتى النساء لسن خائفات حقاً من الحيوان، فسيكون الأمر بالغ الغرابة بالفعل إن واصل المرء خوفه من مثل ذاك الحيوان يوماً بعد يوم، لسنوات ولعقود من السنين. وعذرهنّ هو أن الحيوان عادة أكثر قرباً منهن عنه من الرجال، وهذا حق. إن الحيوان لا يجرؤ علي أن يهبط إلي حيث يكون الرجال، فهو لم يُرَ بعد حتى الآن فوق الأرضية. فلو كان قد تمّ منعه من بلوغ الحاجز الشبكي لمقصورة النساء. فإنه يريد عندئذ على الأقل أن يكون على الارتفاع نفسه فوق الحائط المقابل. فهناك وفوق إفريز ضيّقٍ للغاية لا يكاد يبلغ البوصتين اتساعاً، ويمتدّ حول ثلاثة من جوانب المعبد اليهودي كان الحيوان معتاداً أحياناً على أن يمرق منطلقاً جيئة وذهاباً، لكن غالباً ما يجلس في هدوء متكوِّراً فوق بقعة معينة في مواجهة النساء. ويكاد يكون من غير المفهوم كيف استطاع بمثل هذه السهولة أن يتحايل لاستخدام هذا المَمّر الضيق، ومما تجدر ملاحظته رؤية الطريقة التي يستدير بها هناك فوق هذا الإفريز المرتفع عندما يبلغ نهايته، ذلك أنه، فوق هذا كله، حيوان عجوز جداً الآن، إلّا أنه لا يحجم عن الإتيان بقفزة بالغة الجرأة في الهواء، ولا هو حتى يفقد موقع قدمه قط، وبعد أن ينقلب في الهواء مستديراً، يجري مرة أخرى مباشرة راجعاً من حيث جاء. بالطبع عندما شاهد المرء هذا مرات عديدة، كان قد اكتفى برؤيته تلك له، ولم يعد ثمة ما يبرِّر أن يواصل المرء تطلُّعه إليه. كما أنه لم يكن الخوف، ولا الفضول هما ما يدفع النساء، إلى التململ؛ فلو كنّ يصرفن انتباههنّ أكثر إلى صلواتهنّ، فربما أمكنهنّ أن ينسين كل ما يتعلَّق بالحيوان؛ إن النساء التقيّات كنّ ليفعلن هذا لا شك، لو أن الأخريات، وهنّ الغالبية العظمى، تركنهن وشأنهن، إلّا أن هؤلاء الأخريات يحببن دائماً جذب الانتباه إلى أنفسهن؛ ويوفر لهنّ الحيوان ذريعة يرحبنّ بها. فلو كن قد استطعن، ولو كن قد جرؤن، لَكُنّ منذ زمن طويل قد أغوين الحيوان بأن يقترب منهن أكثر، عسى أن يرتعدن أكثر من ذي قبل. لكن لم يكن الحيوان في الحقيقة مَشُوقاً قطّ بأن يقربهن، فهو طالما تُرك لحاله، لا يلحظهن سوى ملاحظة قليلة للغاية، بالضبط بقدر ملاحظته للرجال، وربما كان أكثر ما يروق له هو أن يبقى مختبئاً في مكمنه حيث يعيش في الفترات التي تفصل بين أوقات أداء الشعائر، وهو ما قد يبدو، في وضوح، فجوة ما في الجدار لم نعثر بعد على مكانها. وإنه ليظهر فقط عندما يبدأ أداء الصلوات، عندما تفاجئه الأصوات. فهل يريد أن يرى ما الذي حدث! هل يودّ أن يبقى متحفِّزاً؟ هل يريد أن يكون في خارج مكمنه متأهِّباً للربّ؟ إنه ليخرج مرتعباً، وإنه ليقفز قفزاته في رعب، ولا يجرؤ على الانسحاب إلا عندما تشرف الطقوس الدينية على نهايتها. وإنه ليفضل بالطبع أن يكون في مكانه المرتفع لأنه يراه أكثر الأماكن أمناً، ويرى أن أفضل الأماكن التي تتيح له الانطلاق عَدْواً هما الحاجز الشبكي والإفريز، إلا أنه لا يبقى دوماً هنالك، ففي أحيان أيضاً يهبط قدماً نحو الرجال؛ فستارة تابوت العهد تتدلّى من قضيب لامع من النحاس الأصفر، ويبدو أن ذلك كان يلفت انتباه الحيوان، فغالباً ما يزحف نحوها، لكنه عندما يكون عندها هادئاً دوماً، وحتى عندما يكون ملتصقاً تماماً بالتابوت لا يمكن القول بأنه يسبب إزعاجاً ما، إنه يبدو محدِّقاً في حشد المصلين بعينيه اللامعتين اللتين لا تطرفان، واللتين ربما كانتا بلا جفنين، لكنه بالتأكيد لايكون عندئذ متطلّعاً إلى أي شخص، إنه يكون حينئذ فحسب في مواجهة مع الأخطار، تلك الأخطار التي يحسّها تتهدَّده.

وقد بدا في هذا المقام، حتى الآن على الأقل، أنه لا يزيد كثيراً في الذكاء عن نسائنا. فأية أخطار تلك التي قد يخشاها، على أي حال؟ ومن ذا الذي يريد به أيّ ضرر؟ ألم يترك تماماً وشأنه لسنوات طويلة؟.

إن الرجال لا يلقون بالاً لوجوده، وغالبية النساء قد يبتئسنَ لو قُدِّر له أن يختفي. وبما أنه كان هو الحيوان الوحيد في المبنى، فلم يكن له أي عدو من أي نوع. هذا شيء كان عليه حقاً أن يتداركه مع مرور السنوات. ومع أن الطقوس الدينية، بكل أصواتها، قد تكون مخيفة للحيوان للغاية، إلاّ أنها طقوس تُكَرَّر يومياً، على نحو أبسط؛ وعلى نطاق أعظم خلال الأعياد، بانتظام دائماً، وبلا انقطاع قط؛ وهكذا فإن أكثر الحيوانات جزعاً كان يمكنه إلى الآن أن يكون قد اعتاد عليها، وخاصة عندما يرى أن هذه ليست ضوضاء المطاردين له، لكنها بعض الضوضاء التي لا يمكنه أن يفهمها على الإطلاق. إلا أنه يوجد مع ذلك هذا الرعب. فهل هي ذكرى أزمان طويلة ماضية، أم هي النذر لأزمان قادمة؟ هل يعرف هذا الحيوان العجوز ربما أكثر مما تعرف الأجيال الثلاثة لهؤلاء الذين تجمَّعوا معاً في المعبد اليهودي؟

قبل سنوات طويلة مضت، هكذا قيل، كانت ثمة محاولات قد تمّت بالفعل لطرد الحيوان. ومن الممكن بالطبع أن يكون ما قيل قد حدث حقاً، إلاّ أن ما يبدو أكثر احتمالاً هو أن هذه القصص كانت محض اختراعات.

وثمة شاهد بأنه في ذلك الوقت كان قد تمّ بحث مسألة ما إذا كان من الممكن التغاضي عن وجود مثل هذا الحيوان في بيت الربّ، من وجهة نظر قانون الوصايا. وكان قد تمّ استطلاع آراء أحبار عديدين مشهورين، وقد انقسمت الاَراء، وكانت الأغلبية مع طرد الحيوان وإعادة تكريس بيت الربّ. لكن كان من السهل أن تصدر مراسيم من بعيد، أما في الواقع فكان مستحيلاً ببساطة مجرّد الإمساك بالحيوان، ومن ثم كان من المستحيل أيضاً طرده نهائياً إلى الخارج. ذلك أنه لو كان شخص ما قد استطاع فقط الإمساك به، ومن ثم أخذه بعيداً إلى مسافة نائية، فهل كان باستطاعته أن يكون قد حصل على شيء يقارب اليقين بتخلُّصه منه.

وكانت قد تمّت حقاً محاولات قبل سنوات طويلة مضت، هكذا قيل، لطرد الحيوان. ويقول خادم المعبد اليهودي أنه يتذكَّر كيف كان جدّه، الذي هو أيضاً خادم للمعبد، قد أحبّ سرد القصة. كان جدّه عندما كان صبياً صغيراً قد استمع كثيراً من المرات إلى حديث عن استحالة التخلُّص من الحيوان، ولهذا فإنه وهو يتحرّق شوقاً، ولأنه متسلّق ممتاز فقد تسلَّل إلى الداخل ذات صباح مشرق عندما كان المعبد كلّه بكل أركانه وشقوقه معرضاً لضوء الشمس، ومعه حبل ومرجام، وعصا ذات مقبض معقوف....



بروميثيوس



ثمّة أساطير أربع تتعلَّق ببروميثوس؛ فلقد كان تبعاً للأسطورة الأولى موثوقاً إلى صخرة في القوقاز لإفشائه أسرار الاَلهة لبني الإنسان، وأرسلت الآلهة عقباناً تنهش كبده، الذي كان يتجدّد على الدوام. وتبعاً للثانية ضغط بروميثيوس نفسه، بدافع من الألم الذي يسبِّبه نهش المناقير عميقاً عميقاً في داخل الصخرة، حتى أصبح هو والصخرة شيئاً واحداً. وتبعاً للثالثة تمّ نسيان خيانته بمرور الآلاف من السنين. نسي الآلهة، والعقبان نسيت، وهو نفسه نسي. وتبعاً للرابعة سئم كلّ امرئ ذلك الأمر الذي لا معنى له، سئمته الآلهة، وسئمته العقبان، واندمل الجرح في سأم. وبقيت هناك كتلة الصخر الغامضة التي لا تفسير لها – حاولت الأسطورة أن تفسِّر ما لا تفسير له. ولمّا كان ذلك الغموض قد صدر عن إحدى طبقات الحقيقة التحتية، فقد كان عليه، لهذا، أن ينتهي بدوره إلى ما لا تفسير له.



بناء المعبد



خفّ كلّ شيء لمساعدته في أثناء العمل

في البناء. أحضر العمال الأجانب كتل الرخام مصقولة التشكيل، تتوافق كل كتلة في التركيب مع الأخرى، وارتفعت الأحجار، واتخذت مواضعها تبعاً لتحرُّكات القياس التي اتَّخذتها أصابعه. لم يحدث قط أن وُجِد أي مبنى بمثل السهولة التي خرج بها ذلك المعبد إلى الوجود – أو على الأصح، أن هذا المعبد قد خرج إلى حيّز الوجود على النحو الذي ينبغي لمعبد أن يخرج به إلى الوجود. وحتى لا تنصبُّ عليه نقمة ما، أو أن يتدنَّس، أو يتحطّم تماماً، كانت أدوات تتميَّز في وضوح بحدَّتها الفائقة قد تمَّ استخدامها في خدش شخبطات خرقاء على كل حجر – من أي محجر جاءت هذه الأحجار؟ بأيدي أطفال غير واعين، أو الأرجح تدوينات للبرابرة قاطني الجبل، وذلك كي تدوم أبديّة تتجاوز وجود المعبد.



بوزايدون



جلس بوزايدون إلي مكتبه مستغرقاً في حساباته فإدارة كل المياه تلقي على كاهله أعباء لا نهاية لها. وقد كان في مقدوره أن يتَّخذ لنفسه من المساعدين ما شاء أن يتخذ لنفسه منهم، وإن لديه بالفعل منهم الكثيرين، لكنه لمّا كان قد أخذ عمله بغاية الجدية، فقد تعيَّن عليه أن يراجع كل الأرقام وكل التقديرات بنفسه، ولهذا لم يكن لمساعديه سوى القليل من النفع له. ولا يمكننا القول إنه وجد متعة ما في ممارسة عمله هذا، فهو قد قام بأدائه فحسب. لأنه كان قُدِّر له القيام به. وكان، في الحقيقة، قد قدّم بالفعل التماسات عديدة انطوى عليها ملفّه، التمس فيها، على حدّ قوله، عملاً أكثر بهجة. لكن محاولة إسناد عمل آخر إليه، كان يتَّضح في كل مرة أنه لا يناسبه عمل قط، كما يناسبه عمله الحالي. وكان صعباً على أي حال، صعوبة بالغة، إيجاد عمل آخر يمكن أن يسند إليه القيام به، وفوق هذا كله كان من المستحيل بالطبع أن تسند إليه إدارة بحر بعينه، بصرف النظر عن حقيقة أنه حتى في تلك الحالة، فإن النتيجة لن تسفر عن تخفيف للعبء عن كاهله بل عن تقليل لمركزه؛ فبوزايدون العظيم لا يمكنه بحال من الأحوال أن يضطلع بمجرَّد عمل تنفيذي. وعندما قامت ذات مرة فكرة أن يسند إليه عمل بعيد عن البحر؛ أعيته مجرَّد الفكرة في حَدّ ذاتها؛ ذلك أن أنفاسه الإلهية كانت تضطرب وصدره النحاسي كان يشرع في الخفقان. وبالإضافة إلى ذلك لم تكن شكواه تؤخذ قط مأخذ الجد، فعندما يحدث عادة أن يتكدَّر أحد الآلهة كانت تقوم شكليات توحي ببذل الجهد الذي لم يكن منه بدّ لتهدئته، ولقد كانت هذه المحاولات الشكلية تجري مهما بدت الحالة خطيرة وميئوساً منها إلى أبعد الحدود، ذلك أن حركة التنقلات في المناصب فعلياً، كانت أمراً غير وارد بالمرة بالنسبة لبوزايدون، لأنه كان قد نُصِّب إلهاً للبحر منذ البداية، وكان عليه أن يظل كذلك. أمّا أكثر ما كان يثيره - وهو ما كان يبعثه على أن يسخط على وظيفته - فهو سماعه لتلك التصورات التي تكوَّنت عنه؛ وعن الطريقة التي كان يتجوَّل بها دائماً في مركبته خلال حركة المدّ والجَزْر، وهو يمسك بصولجانه ذي الشعَب الثلاث. بينما كان قد جلس طوال الوقت هنا في أعماق محيط العالم يراجع حساباته بلا إزعاج؛ عدا رحلة قصيرة كان يقوم بها بين الحين والآخر متَّجهاً الي جوبيتر؛ حيث كانت هذه الرحلة هي وحدها ما يقطع اتّصال الرتابة – رحلة كان يعود منها، فوق ذلك، في حالة هياج. وعلى هذا فهو لم يكن قد أتيحت له حتى رؤية البحر تقريباً – ذلك أنه كان قد رآه رؤية عابرة في سياق طلعاته المتعجِّلة إلى جبل الأولمب، ولم يكن قد تجوَّل فعلياً قطّ في أنحائه. ولقد كان معتاداً أن يقول أنّ كل ما كان ينتظره، هو انهيار العالم؛ ثم قد تسنح له قبل ذلك ربما؛ لحظة ما من لحظات الهدوء على حافة النهاية؛ وبعد أن يكون قد أتمّ مراجعة خطّ أفكاره الأخيرة، قد يسعه فيها القيام بجولة سريعة قصيرة.

كان بوزايدون قد أصابه بحرُه بالسأم. وكان قد ترك صولجانه ذا الشعب الثلاث يسقط من يده؛ وجلس في صمت على الشاطئ الصخري. وكان أحد طيور النورس، وقد أصيب بالدوخة في حضرته، قد دوَّمَ محلِّقاً في دورات مترنِّحة حول رأسه.



جبل سيناء



يتجوَّل الكثيرون حول جبل سيناء. حديثهم مشوَّش، فهم إما يثرثرون وإما يصيحون، أو يظلّون صامتين. إلاّ أن أحداً منهم لم يحضر مباشرة عبر طريق عريض، ممهَّد حديثاً، طريق أملس يقوم بدوره في جعل خطى المرء واسعة، وأكثر سرعة.



مشكلة قوانينا



قوانيننا عموماً ليست معروفة، فهي قد ظلت سراً من أسرار المجموعة الصغيرة التي تحكمنا من النبلاء، ونحن مقتنعون بأن هذه القوانين القديمة قد تمّ الالتزام بها بدقّة. وعلى الرغم من ذلك، فإنه مما يؤلم إلى أقصى حدّ أن يُحْكَم المرء بواسطة قوانين لا يعرف عنها شيئاً. ولا تشغلني التناقضات المحتملة التي قد تنشأ عند تفسير القوانين، كما أنني لا أفكر في الأضرار المشتبكة التي يتسبَّب فيها السماح لقلّة فقط من الناس، وليس لكل الناس، بأن يكون لهم رأي في تفسيرها. وربما لا تكون لهذه الأضرار أهمّيّة بالغة. ذلك أن القوانين بالغة القدم؛ وكانت تفسيراتها عبئاً اضطلعت به القرون، واكتسبت هي ذاتها- بلا شك- منزلة القانون، ومع أنه ماتزال هناك حرّيّة ممكنة للتفسير، إلا أن هذه الحرية قد أصبحت الآن مقيّدة للغاية. وعلاوة على ذلك فإنه من الواضح أن النبلاء ليس لديهم ما يدفعهم إلى أن يتأثّروا في تفسيراتهم بالاهتمامات الشخصية الضارّة بنا، ذلك أن القوانين كانت قد صُنِعت لمصلحة النبلاء منذ بداية البداية، فهم أنفسهم يقفون فوق القانون، ويبدو أن هذا هو السبب في أن القوانين قد عُهد بها بصفة خاصة إلى أيديهم. ثمة حكمة في ذلك بالطبع. من ذا الذي يرتاب في حكمة القوانين القديمة؟ - لكن ثمة مشقة لنا أيضاً، وربما كانت هذه المشقّة أمراً لا يمكن تجنُّبه. إن وجود هذه القوانين مع ذلك، هو في الأغلب، مسألة افتراض. فثمة تقاليد تقول بأنها موجودة، وبأنها سِرّ قد عُهِد به إلى النبالة، إلا أنها ليست، ولا يمكن أن تكون أكثر من مُجَرَّد تقاليد قد صَدَّق عليها الزمن. لأن جوهر وجود شِفرة سرّية ما، هو أنها يجب أن تبقى خفيَّة.

ولقد تفحَّص البعض منا، من بين الشعب، بانتباه، أفعال النبالة منذ أقدم الأزمان؛ وامتلك سجلّات، سجّلها أسلافنا الأوائل ، وهي سجلّات قد أكملناها نحن بوعي، ويزعم هذا البعض منا أنهم يمكنهم أن يدركوا من بين ما لا حصر له من أعداد الحقائق، اتجاهات أساسية بعينها تسمح بهذه الصياغة التاريخية أو بتلك. لكن عندما نسعى طبقاً لهذه النتائج التي تمّ تفحصها بتدقيق، وتنظيمها منطقياً، إلى أن نوجِّه أنفسنا على نحو ما نحو الحاضر أو المستقبل، يصبح كل شيء مفتقراً إلى اليقين، ويبدو عملنا فقط مُجَرَّد لعبة فكرية؛ ذلك أن هذه القوانين التي نحاول أن نفسِّرها ربما لا تكون موجودة على الإطلاق. وثمة جماعة صغيرة العدد يعتقدون بالفعل بهذا الرأي، ويحاولون أن يظهروا أنه؛ إذا وُجدت أية قوانين، فإنها لن تكون سوى هذا: القانون هو كل ما يروق للنبالة أن تفعل. وترى هذه الجماعة في كل مكان، فقط الأعمال التعسُّفية للنبالة؛ وتنبذ التقاليد الشعبية، التي تملك فقط، في رأيهم، بعض الميزات الطفيفة الطارئة التي لا تقوى غالباً على مواجهة أضرارها الثقيلة، ذلك أنها تمنح الشعب أماناً زائفاً خادعاً، زائد الثقة بالغير في تصدّيها للأحداث الواردة. ولا يمكن أن ينكر هذه الأضرار أحد، إلاّ أن الأغلبية الشاملة لشعبنا تعلّلها بحقيقة أن التقاليد هي بطبيعتها أبعد ما تكون عن الاكتمال، ولا بدّ من أن يتمّ المزيد من التقصّي الزائد في أمرها، ذلك أن المادة المتاحة، على ضخامتها التي تتبدى بها، ما تزال بالغة العقم؛ وأن قروناً عديدة لا بدّ لها أن تمرّ قبل أن يتمّ لهذه المادة الكفاية حقاً. هذه الرؤية التي تبعث إلى هذا الحدّ البالغ على عدم الارتياح في ما يتعلَّق بالحاضر، لا يخفّف منها سوى الاعتقاد بأن الوقت سوف يحلّ في النهاية عندما تبلغ التقاليد وبحوثنا فيها معاً نتائجهما، ويجنيان- كما يقال- هامشاً لالتقاط الأنفاس، عندما يُقَدَّر لكل شيء أن يصبح واضحاً، سوف ينتمي القانون إلى الشعب، وسوف تتلاشى النبالة. ولا يستند هذا على شيء من روح الكراهية للنبالة؛ لاشيء من هذا على الإطلاق، ولا يحسّ أحد شيئاً منه. إننا ميالون أكثر إلى كراهية أنفسنا، لأننا لم نبدِ جدارتنا بأن نُؤتمن على القوانين. وهذا هو السبب الحقيقي في أن الجماعة التي ترى أنه لا يوجد أي قانون قد بقيت جماعة صغيرة العدد إلى هذا الحدّ، على الرغم من أن مذهبها هو من نواحٍ بعينها مذهب بالغ الجاذبية؛ ذلك لأنه يعترف اعترافاً قاطعاً بالنبالة وبحقِّها في مواصلة الوجود.



ويمكن للمرء فعلياً أن يعبّر عن المشكلة فقط في صورة مفارقة من نوع ما: أي جماعة قد تجحد، ليس فقط كل اعتقاد في القوانين، بل تجحد النبالة هي أيضاً، سوف تكسب الشعب كله خلفها؛ إلا أنه لن يتسنّى لمثل هذه الجماعة أن تظهر إلى الوجود؛ ذلك أنّ أحداً لن يجرؤ على أن يجحد النبالة. إننا نعيش فوق حدّ السكّين هذا. وقد لخّص أحد الكتاب الأمر ذات مرة، على هذا النحو: إنّ القانون الوحيد المرئي والذي لا ريب فيه، ذالك المفروض علينا، إنما هو النبالة، فهل لا بدّ لنا نحن أنفسنا أن نحرم من هذا القانون الوحيد؟.

منقول من الدوحة الثقافية

الأحد، 29 ديسمبر 2013

فيدل كاسترو يكتب عن الحدث المنسي في العلاقة بين كوبا وجنوب أفريقيا ‮ ‬مات مانديلا‮.. ‬لماذا نخفي الحقيقة‮ ‬ حول التمييز العنصري ؟

ترجمة‮:‬‮ ‬سمىة ربىع
.

بحسب ما أتذكر،‮ ‬لم يصدم خبر في الحاضر أو في الماضي الرأي العام العالمي مثل وفاة مانديلا‮. ‬ولم يكن السبب هذه المرّة الثروة والمال،‮ ‬وإنمّا بسبب دفئه الإنساني ونبل مشاعره وأفكاره‮. ‬

يكتب هنا فيدل كاسترو علي فراش مرضه ناعياً‮ ‬نيلسون مانديلا،‮ ‬الذي تعاطف العالم معه ليس بسبب ثراءه وإنما نبل أفكاره‮. ‬يذكر كاسترو القراء بالمعركة العسكرية المنسية التي دارت رحاها بين كوبا وبين جنوب أفريقيا العنصرية ودور مانديلا في المعركة‮. ‬لا يلزمنا الاتفاق مع جميع ما يقوله في هذا المقال الذي نشرته جريدة‮ "‬جرانما‮"‬،‮ ‬وهي الجريدة الرسمية للجنة المركزية بالحزب الشيوعي في كوبا‮. ‬فقط نقدم للقراء مادة مثيرة للاهتمام وللجدل علي حد سواء،‮ ‬احتراماً‮ ‬لحقهم في المعرفة‮. ‬

ربما اعتقدت الامبراطورية أن شعبنا لن يوفّي كلمته عندما أكدّنا،‮ ‬في أيّام مرتبكة من القرن الماضي،‮ ‬أنه حتّي وإن اختفي الإتحاد السوفيتي،‮ ‬فإن كوبا ستواصل القتال‮.‬

اندلعت الحرب العالمية الثانية عندما‮ ‬غزت النازية الفاشية بولندا في الأوّل من سبتمبر عام‮ ‬1939‭.‬‮ ‬وسقط هذ الخبر كالصاعقة علي الشعب البطولي لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية،‮ ‬والتي ساهمت بـ‮ ‬27‮ ‬مليون روح للحفاظ علي حياة البشرية من تلك المجزرة الوحشية التي أنهت حياة أكثر من‮ ‬50‮ ‬مليون انسان‮.‬

من ناحية أخري،‮ ‬فإن الحرب هي النشاط الوحيد علي مر التاريخ التي لم يكن الجنس البشري أبدا قادرًا علي تجنبها،‮ ‬وهو ما دفع أينشتاين لأن يقول‮: ‬لا أعرف كيف ستكون الحرب العالمية الثالثة‮ ‬،‮ ‬ولكن الرابعة ستكون بالعصي والحجارة‮.‬

الولايات المتحدّة وروسيا،‮ ‬وهما أكبر قوتين موجودتين الآن،‮ ‬لديهما عشرون ألف رأس نووي‮. ‬يجب أن نعرف جيدا أنه بعد ثلاثة أيام من تولّي جون ف‮. ‬كينيدي رئاسة بلاده في‮ ‬20‮ ‬يناير‮ ‬1961‮ ‬،‮ ‬كانت قاذفة القنابل بي‮-‬52‮ ‬التابعة للولايات المتحدة الأمريكية في رحلة روتينية وعلي متنها اثنان من القنابل الذرية ذات قدرة تدميرية أكبر‮ ‬260‮ ‬مرة من تلك المستخدمة في هيروشيما،‮ ‬وأصيبت بعطل عجّل بهبوطها إلي الأرض‮. ‬في مثل هذه الحالات،‮ ‬تعمل تقنيّات آلية متطورة علي تفعيل وسائل تحول دون إشتعال القنابل‮. ‬سقط الأول علي الأرض من دون مخاطر تُذكر،‮ ‬أمّا بالنسبة للقنبلة الثانية،‮ ‬فإن ثلاثا من معدّات الوقاية لم تعمل،‮ ‬الرابعة كانت في حالة حرجة،‮ ‬وبالكاد أدّت دورها‮. ‬القنبلة،‮ ‬بالصدفة،‮ ‬لم تنفجر‮.‬

بحسب ما أتذكر،‮ ‬لم يصدم خبر في الحاضر أو في الماضي الرأي العام العالمي مثل وفاة مانديلا‮. ‬ولم يكن السبب هذه المرّة الثروة والمال،‮ ‬وإنمّا بسبب دفئه الإنساني ونبل مشاعره وأفكاره‮. ‬

علي مدار التاريخ،‮ ‬وحتي قرن ونصف قرن فقط من الآن،‮ ‬وقبل أن تصبح الآلات والروبوتات التي تكلفنا طاقة أقل،‮ ‬هي المسؤولة عن القيام بالمهام المتواضعة‮ ‬،‮ ‬لم تتواجد أي من المظاهر التي تحرّك الإنسانية اليوم،‮ ‬وتتحكم بشكل لا رحمة فيه في حياة البشر كلّهم‮: ‬رجالاً‮ ‬ونساء،‮ ‬أطفالا وكبارا مسنين،‮ ‬وشبابًا وناضجين،‮ ‬ومزارعين وعمّال مصانع،‮ ‬أصحاب العمل اليدويّ‮ ‬والمفكرّين‮. ‬أصبح الاتجاه السائد هو الاستقرار في المدن،‮ ‬بحيث أصبح خلق فرص العمل وتوفير وسائل النقل والمعيشة الأساسية يتطلب استثمارات ضخمة تأتي علي حساب إنتاج الغذاء وغيرها من أشكال الحياة المنطقيّة‮.‬

ثلاث قوي عظمي استطاعت الهبوط علي سطح القمر‮. ‬في‮  ‬نفس اليوم الذي لُفَّ‮ ‬فيه جسد نيلسون مانديلا في علم بلاده‮ ‬،‮ ‬ودفن في باحة المنزل المتواضع الذي ولد فيه منذ‮ ‬95‮ ‬عاما،‮ ‬استطاعت الصين أن تُرسل وحدة متطوّرة هبطت علي جزء من الجانب المضيء لقمرنا‮. ‬كان تلاقي هذين الحدثين في نفس اليوم من قبيل الصدفة البحتة‮.‬

يبحث ملايين العلماء المواد والإشعاعات علي سطح الأرض وفي الفضاء‮. ‬وعن طريقهم نعرف أن‮ "‬تيتان‮"‬،‮ ‬أحد أقمار زحل،‮ ‬يحتوي علي نفط يعادل أربعين مرّة كل النفط الموجود علي كوكبنا منذ أن بدأنا استهلاكه من‮ ‬125‮ ‬عامًا،‮ ‬والذي لن يستمر سوي لقرن واحد آخر بالمعدلات الحالية للاستهلاك‮.‬

وُلدت روابط المشاعر الأخوية العميقة بين الشعب الكوبي ووطن نيلسون مانديلا من حدث لم يتم ذكره حتي،‮ ‬ولم نقل عنه‮ -‬عديدة‮: ‬مانديلا،‮ ‬لأنه كان رسولا للسلام ولا يريد أن يؤذي أحدًا،‮ ‬وكوبا،‮ ‬لأنها لم تقم أبدًا بشيء تسعي من خلاله إلي المجد والهيبة‮.‬

عندما انتصرت الثورة في كوبا،‮ ‬كنّا متضامنين مع المستعمرات البرتغالية في أفريقيا من السنوات الأولي‮. ‬لقد عرضّت حركات التحرر في أفريقيا القوي الاستعمارية والإمبريالية للخطر،‮ ‬خصوصًا أن الحرب العالمية الثانية قد انتهت،‮ ‬وتحررت جمهورية الصين الشعبية‮ - ‬البلد الأكثر اكتظاظا بالسكان في العالم‮ - ‬بعد الانتصار المجيد للثورة الاشتراكية الروسيّة‮.‬

هزّت الثورات الاجتماعية الأسس القديمة للحكم والأنظمة‮. ‬في عام‮ ‬1960،‮ ‬كان تعداد سكان هذا الكوكب قد وصل إلي‮ ‬3‮ ‬مليارات نسمة‮. ‬وبالتوازي،‮ ‬زادت قوة الشركات الكبيرة،‮ ‬والتي تتحكم في معظمها الولايات المتحدة‮. ‬وأصبحت عملة الولايات المتحدّة،‮ ‬بدعم من احتكار الذهب والصناعة،‮ ‬في مأمن بعيدًا عن جبهات القتال؛ أصبحت هي مالكة الاقتصاد العالمي‮. ‬وأصدر ريتشارد نيكسون قرارًا بأن الولايات المتحدة لن تغطي الدولارات الموجودة خارج حدودها برصيد من الذهب،‮ ‬وسيطرّت شركات بلاده علي الموارد الرئيسية و المواد الخام علي كوكب الأرض عن طريق الورق‮.‬

حتي الآن،‮ ‬لا يوجد

‮ ‬شيء‮  ‬لم يكن معروفً

ولكن لماذا يتّم إخفاء حقيقة أن نظام الفصل العنصري،‮ ‬والذي عانت بسببه أفريقيا،‮ ‬وغضبت منه الغالبية العظمي من أمم العالم،‮ ‬كان نتيجة لسياسات أوروبا الاستعمارية،‮ ‬وتم تحويله إلي قوة نووية تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل،‮ ‬في حين تُدان علنًا كوبا،‮ ‬البلد الذي أيد قتال المستعمرات البرتغالية في أفريقيا من أجل استقلالهم؟

أبدًا لم تستسلم بلادنا التي تنازلت عنها إسبانيا إلي الولايات المتحدة بعد النضال البطولي لأكثر من‮ ‬30‮ ‬سنة،‮ ‬لنظام العبيد الذي فُرض عليها لأكثر من‮ ‬500‮ ‬سنة‮.‬

في عام‮ ‬1975،‮ ‬انطلقت بعض القوّات العنصريّة من ناميبيا‮ -‬المحتلّة من قبل جنوب أفريقيا‮- ‬مدعومة بدبابات خفيفة بمدافع قطرها‮ ‬900‮ ‬مم،‮ ‬واخترقت أكثر من ألف كيلومتر من ضواحي لواندا‮. ‬لكنّ‮ ‬كتيبة من كتائب القوات الخاصة الكوبية تمّ‮ ‬إرسالها جويّا وبعض تشكيلات من الدبابات السوفييتية والتي كانت موجودة لأسباب أخري،‮ ‬استطاعت احتواء الأمر‮. ‬حدث هذا في نوفمبر عام‮ ‬1975،‮ ‬أي قبل‮ ‬13‮ ‬عاما علي معركة كويتو كوانافالي‮ .‬

قلت أننا لم نفعل شيئًا أبدًا بحثًا عن هيبة أو فائدة‮ . ‬وإنما الحقيقة أن مانديلا كان رجلا نزيهًا وثوريًّا أصيلا واشتراكيًا حقيقيًا،‮ ‬تحمّل بحكمّة كبيرة‮ ‬27‮ ‬عامًا من السجن الإنفرادي‮. ‬لم أتوقف أبدًا عن الإعجاب بصدقه وتواضعه وأهليته للاحترام‮.‬

وفّت كوبا واجباتها الأمميّة بدقّة‮. ‬دافعت عن النقاط الرئيسية،‮ ‬ودربّت كلّ‮ ‬عام آلاف المقاتلين الأنجوليين ذمن أنجولا‮-  ‬علي التعامل مع الأسلحة،‮ ‬وتولّي الاتحاد السوفييتي مهمّة التسليح‮. ‬ولكن علي الرغم من ذلك،‮ ‬فإن وجود مستشار عسكري تابع للجهة المورّدة للمعدّات لم تكن فكرة نستطيع أن نقبلها في تلك الفترة‮. ‬كان الآلاف من الشباب الأصحاء الأنجوليين يتقدمّون بشكل مستمر بطلبات للاشتراك في الجيش الوليد‮. ‬لم يكن المستشار الرئيسي في ذلك الوقت زوكوف أو روكوسوفسكي أو مالينوفسكي أو‮ ‬غيرهم الكثير الذي رسموا مجد الاستراتيجية العسكرية السوفييتية‮. ‬كانت الفكرة المسيطرة هي إرسال ألوية قتالية أنجولية مسلّحة جيّدًا إلي الأراضي التي افتُرض أن توجد فيها الحكومة القبلية سافيمبي صاحبة جيش المرتزقة الذي يخدم الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا‮. ‬كان الأمر مثل إرسال القوّات التي تقاتل في ستالينجراد إلي حدود الكتائب‮  ‬الإسبانية التي أرسلت أكثر من ألف جندي لقتال الإتحاد السوفيتية‮. ‬كان هذا هو العام الذي يمكن أن تتم فيه عمليات لها هذا الطابع‮.‬

كان العدو يتقدّم،‮ ‬بعد أن ضرب عدة ألوية أنجولية علي مقربة من الهدف الذي تم إرسالهم إليه وعلي بعد حوالي‮ ‬1500‮ ‬كم من لواندا‮. ‬من هناك جاءوا متبوعين بقوّات من جنوب أفريقيا،‮ ‬واتجهّوا نحو كويتو كوانافالي،‮ ‬القاعدة العسكرية القديمة لحلف الناتو وعلي بعد حوالي‮ ‬100‮ ‬كيلومتر من أوّل لواء للدبابات الكوبية‮.‬

أهنئ الرفيق راؤول لأدائه الرائع،‮ ‬وأهنئه خصوصًا علي الحزم والكرامة عندما حيّا‮  ‬رئيس حكومة الولايات المتحدّة بلفتة‮  ‬وديّة ولكن قويّة،‮ ‬وقال له بالإنجليزيّة‮:  "  ‬سيدي الرئيس،‮ ‬أنا كاسترو‮".‬

في هذه اللحظة الحرجة،‮ ‬طلب رئيس أنغولا الدعم من القوات الكوبية‮. ‬نقل لنا رئيس قواتنا في الجنوب الجنرال ليوبولدو ثينترا فرياس هذا الطلب،‮ ‬وهو شيء معتاد‮.  ‬وكان ردنا أننا سنقدّم هذا الدعم إذا وافقت كل القوات والفرق الأنجولية في هذه الجبهة أن تخضع للقيادة الكوبية في جنوب أنجولا‮. ‬كان الجميع يفهمون أن طلبنا هذا كان يهدف إلي تحويل القاعدة القديمة إلي الشكل المثالي الذي يستطيع أن يضرب القوّات العنصريّة الآتية من جنوب أفريقيا‮.‬

‮ ‬في أقل من‮ ‬24‮ ‬ساعة وصلنا من أنجولا قرارها بالموافقة‮.‬

تم أخذ قرار بالإرسال الفوري للواء من الدبابات الكوبية إلي تلك المنطقة،‮ ‬وكانت عدّة لواءات أخري في نفس الطريق نحو الغرب‮. ‬كان العائق الرئيسي هو الطين ورطوبة التربة خلال موسم الأمطار،‮ ‬لذا كان علينا أن نفحص كل متر في الأرض لتحاشي الألغام الأرضية‮. ‬وتم إرسال أفراد إلي كويتو من أجل‮  ‬تشغيل الدبابات و البنادق‮.‬

كان نهر كويتو السريع والقويّ‮ ‬يفصل بين القاعدة والأراضي الواقعة في الشرق،‮ ‬ويصل بينهم فقط جسر متين‮. ‬هاجم الجيش العنصري القوّات بنفاذ صبر؛ ونجحت طائرة بدون طيّار مليئة بالمتفجرات في تفجير الجسر وجعله‮ ‬غير صالح للاستخدام‮. ‬وبالنسبة للدبابات الأنجولية المتراجعة،‮ ‬من يستطيع الحركة منها تم نقله إلي نقطة أخري في الغرب‮. ‬الدبابات المتضررة تم دفنها بأسلحتها في اتجاه الشرق؛ وبالإضافة لكميّة كبيرة من الألغام الأرضية ومضادات الدبابات،‮ ‬تحوّل المكان إلي جدار عازل عبارة عن فخ للموت بالنسبة للجانب الآخر من النهر‮. ‬عندما استأنفت القوات العنصرية تقدمها،‮ ‬وتفكك هذا الجدار،‮ ‬فتحت الدبابات وسلاح المدفعيّة التابعة للواءات الثوريّة النار من مواقع ارتكازهم الواقعة بمنطقة كويتو‮.‬

تم حجز دور خاص للـ ميج‮ -‬23،‮ ‬والتي برغم سرعتها التي تقترب من ألف كم/الساعة وطيرانها علي ارتفاع مائة متر كانت قادرة علي تحديد ما إذا كان جندي المدفعيّة أبيض أم أسود،‮ ‬وبالتالي أطلقت النار باستمرار وبكفاءة ضد العدوّ‮. ‬

عندما بدأ العدو المستهلَك وغير القادر علي الحركة في الانسحاب،‮ ‬استعدّت القوّات الثوريّة من أجل المعركة النهائية‮.‬

‮ ‬انتقلت العديد من الألوية الأنغولية و الكوبية بوتيرة سريعة و بمسافات مناسبة إلي الغرب،‮ ‬حيث كانت توجد الطرق الواسعة الوحيدة،‮ ‬والتي كانت قوّات جنوب أفريقيا تبدأ دائمًا الهجوم عبرها ضد أنجولا‮. ‬علي الرغم من ذلك،‮ ‬كان المطار الذي يبعد‮ ‬300‮ ‬كم عن حدود ناميبيا محتّلاً‮ ‬بالكامل من قبل جيش التمييز العنصري‮.  ‬

في الوقت الذي كان يتم فيه إعادة تنظيم القوّات وإعادة تجهيزها،‮ ‬تم أخذ قرار اضطراري ببناء مدرّج لطائرات الـ ميج‮-‬25‮ ‬علي وجه السرعة‮. ‬كان الطيّارون يستخدمون المعدات الجوية التي تسلمنّاها من الاتحاد السوفييتي في أنجولا،‮ ‬ولم يكن طيّار وأنجولا جاهزين بعد لاستخدامها بشكل صحيح‮. ‬فقدنا العديد من المعدّات الجويّة بسبب إصابات نجمت أحيانًا عن أخطاء قام بها جنودنا العاملون في سلاح المدفعيّة أو علي الأسلحة المضادّة للهجمات الجويّة‮. ‬جنوب افريقيا لا تزال تحتل جزءاً‮ ‬من الطريق الرئيسي الذي يصل بين الهضبة الأنجولية وناميبيا‮. ‬و فوق جسور نهر كونين القويّة،‮ ‬النهر الذي يصل بين جنوب أنغولا و شمال ناميبيا،‮ ‬بدأت في ذلك الوقت مباراة طلقات المدافع والتي ساعدها كونها ذات قُطر‮ ‬140‮ ‬مم أن تغطّي مجالا يقترب من‮ ‬40‮ ‬كم‮. ‬كانت المشكلة الرئيسية أن مقاتلي جنوب أفريقيا العنصريين يمتلكون،‮ ‬وفقا لحساباتنا،‮ ‬ما بين‮ ‬10‮ ‬و‮ ‬12‮ ‬سلاحًا نوويا‮  ‬تم اختبارها حتي في البحار أو في المناطق الجنوبية المجمدة،‮ ‬وصرّح الرئيس رونالد ريغان باستخدامها‮. ‬وسلّمتهم إسرائيل المعدّات اللازمة لتفجير الشحنة النووية‮. ‬وجاء ردنا علي هذا هو تنظيم مجموعات قتاليّة من الجنود لا يزيد عددها عن‮ ‬100‮ ‬شخص تتحرّك ليلا بمصاحبة السيّارات المجهزّة بمدافع مضادّة للطائرات لتوسيع نطاق أرضنا‮.‬

وفقًا لتقارير موثوق بها،‮ ‬فإن الأسلحة النووية التي تمتلكها جنوب أفريقيا لا يمكن تفجيرها عن طريق الطائرات الميراج،‮ ‬كانت تحتاج قاذفات ثقيلة من النوع كان-بيرا‮. ‬ولكن في أي حال،‮ ‬فإن قوات دفاعنا الجوي تشمل أنواعا عديدة متوافرة من الصواريخ التي يمكنها ضرب و تدمير الأهداف المحمولة جوا علي مسافات قد تصل إلي عشرات الكيلومترات‮.  ‬بالإضافة إلي ذلك،‮ ‬قامت مجموعة من المقاتلين الكوبيين والأنجوليين بالسيطرة علي مصدر ماء يقع في الأراضي الأنجولية،‮ ‬وبه‮ ‬80‮ ‬مليون كم‮. ‬كان تفجير هذا الموقع يعادل أثر العديد من الأسلحة النووية‮.‬

ولكن مع ذلك،‮ ‬استطاعت كتيبة من كتائب الجيش جنوب الأفريقي استخدام بعض التيارات المائيّة القويّة لنهر كو-نيني قبل وصولها إلي حدود ناميبيا‮. ‬

عندما بدأ العنصريون إطلاق مدافع الـ‮ ‬140‮ ‬مم في مسرح العمليّات،‮ ‬ضربت الميج ذ‮ ‬23‮ ‬كتائب الجنود البيض بقوّة،‮ ‬وغادر الناجون المكان تاركين وراءهم ملصقات تنتقد حتّي إدارتهم‮. ‬هذه كانت الحالة عندما تقدمت القوات الكوبية والأنغولية نحو خطوط العدو‮ .‬

كنت أعرف أن كاتيوشا بلانكو،‮ ‬مؤلفة العديد من الروايات التاريخية،‮ ‬كانت هناك،‮ ‬جنبًا إلي جنب مع‮  ‬الصحفيين والمصورين‮. ‬كان الوضع متوترا ولكن أحداً‮ ‬لم يفقد أعصابه‮ .‬

ثم جاء الخبر بأن العدو علي استعداد للتفاوض‮. ‬نجحت محاولة وقف المغامرة الإمبريالية و العنصرية في القارة التي سوف يفوق عدد سكانها خلال ثلاثين عاما عدد سكان الصين والهند مجتمعين‮.‬

كان دور كوبا في هذه المفاوضات لا يُنسي،‮ ‬خاصّة بعد فشل أخينا وصديقنا نيلسون مانديلا‮.‬

أهنئ الرفيق راؤول لأدائه الرائع،‮ ‬وأهنئه خصوصًا علي الحزم والكرامة عندما حيّا رئيس حكومة الولايات المتحدّة بلفتة وديّة ولكن قويّة،‮ ‬وقال له بالإنجليزيّة‮: " ‬سيدي الرئيس،‮ ‬أنا كاسترو‮".‬

عندما أعاقت حالتي الصحيّة قدراتي البدنيّة،‮ ‬لم أتردد لحظة في التعبير عن رأيي فيمن يمكنه حمل المسئولية من بعدي‮. ‬إن حياة فرد هي مجرّد دقيقة في تاريخ الشعوب،‮ ‬وأعتقد أن من يستطيع أن يتحمّل المسئ-ولية في هذا الوقت يحتاج إلي الخبرة والقدرة الكافيّة ليواجه عددا لا نهائيا من المتغيرات‮.‬

ستحتفظ‮  ‬الإمبريالية دومًا بعدّة رسائل هدفها إخضاع جزيرتنا،‮ ‬ولكن سيكون عليها أولا أن تبيد سكانها،‮ ‬وتحرمها من الشباب والشابات،‮  ‬وتقدم الفتات من الأصول والموارد الطبيعية التي تنهبها من العالم‮.‬

فلتتناقش الآن أصوات الإمبراطوريّة عن كيف ولماذا ظهر التمييز العنصري‮. ‬

منقول من موقع أخبار الأدب

الأحد، 22 ديسمبر 2013

تاريخ مراقبة كبار الكتاب ملفات سارتر وكامو ‮ ‬في‮ ‬المخابرات الأمريكية

أمىر زكى

يبدو أن مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي‮ "‬الإف بي آي‮" ‬لم يكن مشغولا فقط بالتحقيق في الجرائم الخطيرة التي تحدث في أمريكا،‮ ‬ولا حتي المشاركة في الأعمال المخابراتية التي تهتم بها أجهزة أخري بالولايات المتحدة الأمريكية،‮ ‬أو المشاركة في تصفية الخصوم السياسيين كما اتهمه المفكر الأمريكي نوام تشومسكي أكثر من مرة،‮ ‬بل كان أيضا يسعي وراء مشاهير كتاب الفلسفة والأدب لأسباب مختلفة‮. ‬أثير الأمر مجددا عندما كتب آندي مارتن أستاذ اللغة الفرنسية بجامعة كامبريدج ومؤلف كتاب‮ "‬الملاكم وحارس المرمي‮: ‬سارتر في مواجهة كامو‮" ‬مقالا بمجلة بروسبكت البريطانية في الشهر الماضي يتحدث فيه عن أن مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي‮ (‬FBI) بقيادة مديره الشهير آنذاك إدجار هوفر راقب الفيلسوفين الفرنسيين سارتر‮ ‬وكامو لأسباب عدة منها الخوف من كونهما يروجان للأفكار الشيوعية أو إيذاء البلاد‮.‬

‮ ‬الوثائق التي تظهر من عدة سنوات بشكل قانوني بسبب قانون حرية المعلومات الأمريكي،‮ ‬تؤكد أن كامو وسارتر ليسا الضحيتين الوحيدتين لتتبع الإف بي آي،‮ ‬فإلي جانب الفرنسيين الشهيرين هناك قائمة من الكتاب الأمريكان تعرضوا لهذه المطاردات،‮ ‬منهم الروائي نورمان ميلر والشاعر تشارلز بوكوفسكي‮. ‬مطاردة عملاء الإف بي آي البعيدين عن عالم الكتب والفلسفة للأدباء جعلت هؤلاء المحققين مضطرين إلي أن يلقوا نظرة علي كتب وأفكار هؤلاء الكتاب،‮ ‬مما جعل آندي مارتن يصفهم بأنهم أشبه بشخصيات‮ "‬الشرطيون المتفلسفون‮" ‬وهي شخصيات ابتكرها الكتاب الإنجليزي ج‮. ‬ك شسترتون في روايته‮ "‬الرجل الذي كان الخميس"؛ وهم في روايته كانوا يسعون وراء الفوضويين،‮ ‬وعلي حد تعبير شسترتون في الرواية هم يختلفون عن المحققين العاديين في أنهم لا يسعون وراء اللصوص بل يدورون في الاجتماعات بحثا عن المتشائمين‮.  ‬تعليقا علي الأوراق التي كشفها آندي مارتن يتساءل الصحفي جوستين بيترز عن كمية الوقت والأموال الضائعة التي أهدرها عملاء الإف بي آي بحثا وراء أناس لم يقوموا بإيذاء أحد‮. ‬ونحن هنا نرصد طبيعة بحث عملاء الإف بي آي عن عدد من الكتاب والفلاسفة‮.‬

سارتر

بدأ اهتمام الإف بي آي بسارتر من بداية الستينيات،‮ ‬بسبب عضويته لـ‮ "‬لجنة اللعب النظيف من أجل كوبا‮" ‬التي كانت تؤيد الثورة الكوبية في مواجهة هجوم الولايات المتحدة عليها،‮ ‬هذه اللجنة التي ضمت العديد من الأسماء الفكرية المهمة مثل ترومان كابوتي ونورمان ميلر وآلن جينسبرج،‮ ‬ولكنها ضمت أيضا لي هارفي أوزوولد المعروف باغتياله للرئيس الأمريكي جون كينيدي‮. ‬لذلك يتساءل آندي مارتن في مقاله بمجلة بروسبكت بسخرية إن كان الإف بي آي قد تشكك في أن سارتر هو الرجل الثاني الذي قام بإطلاق النار علي كينيدي،‮ ‬في إشارة إلي النظريات الأحدث التي تقول إن أوزوولد ليس مطلق النار الوحيد المتسبب في اغتيال كينيدي كما انتهت التحقيقات الأولية بل إن هناك مطلق نار آخر‮. ‬في النهاية يشير مارتن إلي أن سارتر كان في الأغلب في باريس وقت اغتيال كينيدي إذ كان يعمل علي مسودة كتابه"الأزمنة الحديثة‮".‬

بالإضافة إلي ذلك كانت تصريحات سارتر مقلقة للإف بي آي بقيادة مديرها الشهير تاريخيا إدجار هوفر،‮ ‬فيصف سارتر الولايات المتحدة بأنها‮ "‬دولة بلا رأس‮". ‬هذا‮ ‬غير صداقات الفيلسوف الفرنسي بالشيوعيين وبكاسترو وبرتراند راسل،‮ ‬وأيضا سارتر أعلن رفضه للتدخل الأمريكي بفيتنام‮. ‬

ووفقا لآندي مارتن في مقاله ببروسبكت اهتم الإف بي آي أيضا بالمفكر الفرنسي آلبير كامو‮. ‬وتعود قصة الاهتمام به إلي عام‮ ‬1946،‮ ‬إذ كتب جون إدجار هوفر مدير الإف بي آي خطابا إلي أحد العملاء بمكتب نيويورك طالبا منه أن يهتم بآلبير‮ "‬كانو‮" (‬أخطأ في هجاء الاسم الصحيح‮) ‬الذي يراسل جريدة‮ "‬كومبات‮" ‬من نيويورك‮": "‬ويرسل تقارير‮ ‬غير صحيحة ومؤذية للمصلحة العامة للبلد‮". ‬طلب هوفر أيضا في خطابه أن يقام‮ "‬تحقيق أولي للتأكد من خلفيات ونشاطات وانتماءات‮ (‬كانو‮)". ‬يذكر مارتن أنه أحد عملاء الإف بي آي واتته الشجاعة ليخبر هوفر أن الاسم الصحيح هو‮ "‬آلبير كامو‮" ‬ولكن ليخفف وطأة تصحيح الخطأ علي مديره أخبره أنه ربما يستخدم اسم‮ "‬كانو‮" ‬المستعار رغبة في التخفي‮.‬

يسخر الصحفي جوستين بيترز في تعليقه علي هذا الخبر في مجلة سليت،‮ ‬خاصة لحاجة رجال الإف بي آي أن يقرأوا رواية مثل‮ "‬الغريب‮" ‬لكامو للوصول إلي كتابة تقرير مناسب عن الكاتب الفرنسي.واجه عملاء الإف بي آي عدة مشكلات في التعامل مع سارتر وكامو منها أنهما يكتبان باللغة الفرنسية،‮ ‬لذلك شكي أحد العملاء في أحد التقارير أنه لا يستطيع قراءة الدفاتر المسروقة من الفيلسوفين بسبب لغتها الفرنسية،‮ ‬وأنه طلب من المترجمين أن يعملوا عليها حتي يتم التحقيق بشكل منضبط‮.‬

يعود مارتن ويري أن أحد الأغراض الأساسية لبحث الإف بي آي‮  ‬كامو وسارتر هو معرفة إن كانت الأفكار الوجودية والعبثية هي مجرد واجهة تخفي وراءها الأفكار الشيوعية،‮ ‬تلك التي كانت تشغل إدجار هوفر بشكل كبير‮. ‬ولكن يبدو أن الفيلسوفين كانا مربكين بالنسبة لعملاء الإف بي آي فقد كتب أحد العملاء في تقرير له أن‮ "‬سارتر يمكن أن يوصف بأنه مؤيد للشيوعية وهو يؤيد الشباب علي عدم الإيمان بالروحانيات،‮ ‬ولكن في الوقت نفسه يصفه البعض الآخر بأنه ضد الشيوعية‮".‬

كذلك يبدو أن كتب ألبير كامو قد أثرت علي أسلوب كتابة التقارير لدي عملاء مكتب التحقيقات،‮ ‬فقد كتب العميل جيمس آندرهيل الذي كان يرصد آلبير كامو ذا الطبيعة المتهربة في تقريره‮: "‬لا يُظهر هذا الملف حكمنا النهائي‮". ‬

هذا يدل ذ كما يقول جوش جونز في موقع‮ "‬أوبن كالتشر‮" ‬ذ إلي أن عملاء الإف بي آي لم يستوعبوا الطبائع المنوعة عند الكاتبين الفرنسيين،‮ ‬لأنهم اعتادوا بشكل أكبر علي لوني الأبيض والأسود وعالم مكون من جواسيس في مواجهة جواسيس‮.‬

نورمان ميلر

الكاتب الأمريكي نورمان ميلر كتب بجريدة‮ "‬اسكواير‮" ‬مقالا‮ ‬انتقد فيه جاكلين كينيدي السيدة الأولي بأمريكا آنذاك معلقا أنها‮ "‬معسولة الكلام جدا بالنسبة لسيدة أولي‮". ‬قرأ إدجار هوفر هذا المقال في الواشنطن بوست عام‮ ‬1962،‮ ‬وكتب لعملائه فورا‮: "‬أحضروا لي مذكرة عن نورمان ميلر‮". ‬كما سرد ذلك مقال بالواشنطن بوست عام‮ ‬2008‭.‬‮ ‬كان علي عملاء الإف بي آي أن يقرأوا كتابات ميلر إلي جانب متابعة تفاصيل حياته‮. ‬أحد العملاء كتب في تقرير له عن رواية ميلر السياسية‮ "‬ميامي وحصار شيكاجو‮" ‬قائلا‮ "‬يحتوي الكتاب علي إشارات إلي المقولات الفارغة من النوع المتوقع من ميلر المتعلق بالإف بي آي ومديره‮". ‬ويضيف في التقرير‮: " (‬الكتاب‮) ‬مكتوب بوقاحة‮ (‬ميلر‮) ‬المعتادة وأسلوبه اللاذع‮". ‬يعلق الصحفي جوستين بيترز علي الجملة الأخيرة قائلا إنها جملة يفخر بها أي عارض للكتب‮. ‬

ميلر كان معروفا برأيه المنتقد اللاذع تجاه الإف بي آي،‮ ‬وقد ذكرت أحد تقارير المكتب أنه قال إن الإف بي آي قام بإيذاء أمريكا أكثر مما فعل الشيوعيون‮.  ‬أحد التقارير التي تعود لعام‮ ‬1962‮ ‬أشارت إلي أن ميلر يعترف أنه يساري،‮ ‬وأنه وصف الإف بي آي علي أنها منظمة بوليس سري‮. ‬وأضيف في التقرير تعليق أحد الصحفيين أن ميلر‮ "‬شيوعي متخفي‮". ‬استمر عملاء الإف بي آي في متابعة ميلر لأكثر من‮ ‬15‮ ‬عاما‮. ‬متعقبين كل تفصيلة صغيرة وكبيرة في حياته‮. ‬تكلموا مع أصدقائه وانتحل أحد العملاء شخصية صديق له حتي يحدث والده،‮ ‬ودخلوا بيته كعمال توصيل طلبات للمنازل‮. ‬ليعودوا ويكتبوا التقارير التي يقدمونها لهوفر‮.‬

ولكن حتي بعد موت إدجار هوفر عام‮ ‬1972‮ ‬ظل ميلر علي قائمة اهتمامات الإف بي آي‮. ‬خاصة عندما علي مكتب

واجه عملاء‮ »‬الإف بي آي«عدة مشكلات في التعامل مع سارتر وكامو منها أنهما يكتبان باللغة الفرنسية،‮ ‬لذلك شكي أحد العملاء في أحد التقارير أنه لا يستطيع قراءة الدفاتر المسروقة من الفيلسوفين بسبب لغتها الفرنسية،‮ ‬وأنه طلب من المترجمين أن يعملوا عليها حتي يتم التحقيق بشكل منضبط‮.‬

التحقيقات أن ميلر ينوي تأليف كتاب عن مارلين مونرو،‮ ‬وسوف يشير إلي أن الإف بي آي أخفي المعلومات الحقيقية وراء موتها‮. ‬والكتاب صدر بالفعل عام‮ ‬1973‭.‬

ويمتد مجموع تقرير الإف بي آي عن نورمان ميلر الذي ظهر في جريدة الواشنطن بوست إلي‮ ‬166‮ ‬ورقة‮.‬

تشارلز بوكوفسكي

بدأ تتبع بوكوفسكي من عام‮ ‬1968‮ ‬بسبب كتابه‮ "‬مذكرات‮ ‬رجل عجوز قذر‮" ‬الذي أثار ريبة مكتب التحقيقات‮. ‬ولكن وفقا لجريدة لوس آنجلوس تايمز فيبدو أن الشاعر العجوز الذي وصف نفسه بالقذر لم يظهر هذه القذارة في تصرفات حياته البادية للإف بي آي،‮ ‬فحسب التقرير الذي يتجاوز المائة ورقة يقول عنه جيرانه إنه رجل هاديء ومن النادر أن يأتيه ضيوف وإنه لم ير أحد امرأة تزوره،‮ ‬هذا الذي جعل الصحفي جوستين بيترز يقول ساخرا إن مثل هذه المعلومات لو كانت نشرت في وقتها لدمرت سمعة تشارلز بوكوفسكي‮.‬

تضم أوراق الإف بي آي التي نشرها موقع بوكوفسكي علي الإنترنت العناوين التي سكن بها والوظائف التي التحق بها،‮ ‬وعدد المرات التي تم القبض عليها فيها بسبب مشاجرات أو بسبب السُكر‮. ‬وتعليقات علي كتابه‮ "‬مذكرات رجل عجوز قذر‮"‬،‮ ‬وتفاصيل علاقاته وزواجه،‮ ‬ربما كان أبرز ما كشفته أوراق الإف بي آي هو التشكك في أن بوكوفسكي كانت له زوجة قبل أول زوجة معروفة له‮.‬

ويليام فيلمان

قد تظن أن تصرفات الإف بي آي هي تصرفات قديمة‮ ‬استمرت من الأربعينيات إلي نهاية الستينيات،‮ ‬أو هي منحصرة في فترة إدارة إدجار هوفر الذي أدار المكتب من عام‮ ‬1935‮ ‬حتي وفاته عام‮ ‬1972؛ تلك الفترة التي كانت حافلة بالأحداث ومتوجسة من أي اتجاه يساري أو شيوعي في أمريكا ولكن يتضح أن الأمر ليس كذلك‮. ‬

ويليام فولمان الروائي المعروف باهتمامه بموضوعات متطرفة في كتبه،‮ ‬هذا الذي جعله يتجول مع المجاهدين الأفغان في بداية الثمانينيات ويغطي حرب البوسنة عام‮ ‬1994،‮ ‬تشكك فيه الإف بي آي باعتباره القائم علي عدة تفجيرات متسلسلة في التسعينيات‮  ‬والذي اشتهر آنذاك باسم‮ ‬Unabomber،‮ ‬وقد تم اكتشاف أن القائم بهذه التفجيرات هو الأكاديمي المختص بالرياضيات تيد كازينسكي‮. ‬فولمان المولع بمشاهد العنف في رواياته والمعارض دوما للحكومة قال في أحد الحوارات تعليقا علي اكتشافه لتتبع الإف بي آي له إنه لا يلقي عليهم اللوم في ذلك ولكنه يجد مشكلة في أنهم بعدما قبضوا علي القائم بالتفجيرات ظلوا يتتبعونه أيضا لمدة عامين‮. ‬كتب الإف بي آي مئات الصفحات عن فولمان الحاصل علي الجائزة الوطنية الأمريكية للكتاب وذكروا في أحد التقارير أن موضوعات كتبه‮ "‬مضادة للتقدم‮"‬،‮ ‬هذا الذي قد يكون سببا رئيسيا لتتبعه طوال هذه السنوات‮. ‬

منقول من موقع أخبار الأدب

الجمعة، 13 ديسمبر 2013

باولو فريري: فيلسوف الحرية في العالم الثالث







المفكر البرازيلي الكبير باولو فريري (1921-1997) تناهز مكانته التربوية مكانة أقرانه من مفكري الغرب ، وإن تميز بأنه اختبر مقولاته النظرية من خلال الممارسة في جدل خلاق تتحاور فيه النظرية بالتطبيق.
مع أن فريري قدم نظرية مهمة في تعليم الكبار تنطلق من قراءة الواقع قراءة نقدية ، واستخدام الكلمات المفتاحية في البيئة في عملية محو الأمية، فإنه يدعو أيضًا إلى اتباع بيداجوجية ثورية في العالم كله، من خلال رؤية إنسانية علمية يعبر عنها في عمل حواري يقوم فيه كل من المعلم والمتعلم معا بتحليل الواقع المهين، والسعي إلى تغييره من أجل تحرير الإنسان. واستفاد من تحليله لمصادر فلسفية عديدة منها تراث لاهوت التحرر بأمريكا اللاتينية، والماركسية، والوجودية، والظاهراتية. فالشخصانية المسيحية أمدته بقوة الفرد، وقدرته على الاختيار، واستخدم الفلسفة الوجودية في تحديد الفرق بين مجرد الوجود والحياة الواقعية، وسعيه إلى تحقيق ماهيته، واستفاد من الفكر الماركسي في كون الإنسان صانع تاريخه وثقافته ومضفيًا المعنى عليه، وطور نظريته عن الوعي مستفيدًا من الفلسفة الظاهراتية.
وانتقد فريري ثقافة الصمت التي تفرز وضعية القهر، ومصدر ثقافة الصمت : الجهل أو التعليم، فالنظام الاجتماعي الفقير الذي يعيش فيه الفلاحون ولد نوعا من التربية القهرية ومصدر ثقافة الصمت الجهل أو التعليم، فالنظام الاجتماعي.
الفقر الذي يعيش فيه الفلاحون ولد نوعًا من التربية القهرية، ومهمة المتعلم، والإنسان عمومًا عند فريري، تحطيم المشكلات والتناقضات التي يحيا فيها والعمل على تغيير واقعه.
ولدى فريري نظرية خاصة بالوعي الإنساني، والمعرفة هي العملية التي يعي الأفراد واقعهم الموضوعي من خلالها، وهو يسعى إلى بناء «الوعي النقدي» من خلال التطور السابق.
كيف تطورت فلسفة فريري من «تربية المقهورين» إلى «تربية الحرية» و«إلى تربية الأمل» في أخريات حياته، مشيدًا نظرية متطورة ، ومتسقة تبدأ بنقد التربية المطبقة في أغلب بلدان العالم الثالث المعتمدة على «ثقافة الصمت» و«تربية القهر» لينتهي بموقف متفائل عكس الكثير من الفلاسفة.
يصف التربوي الأمريكي باتريك كلارك مسيرة فريري ومكانته في جملة دالة : «كان باولو شعلة مضيئة في الظلام : ظلام الحتمية الجبرية الأيديولوجية واليأس المنظم، إنه الضوء الذي لم يكره أحدًا أو ينفي أحدًا ، ولم يكن نقدًا غير عادل بإمكان أحد أن يخرسه».
إن فريري بالتأكيد أحد المنظرين الكبار للتربية النقدية، التي ربما تنطلق من مقولة الروائي والمربي الروسي الكبير تولستوي: «إن الحرية شرط كل تعليم حقيقي»، سواء أكان التحرير يخص المتعلم أو المعلم أو المجتمع بأكمله ، ولذا كانت وصية فريري الأخيرة تجمع بين الحرية والأمل. فما مغزى ذلك ؟
ولد فريري ونشأ في مدينة رسيفي شمال شرق البرازيل، وحصل على الدكتوراه سنة 1959 في تعليم الكبار، وعين منسقًا لمشروع محو أمية الكبار في المدينة نفسها، ونجح مشروعه نجاحًا كبيرًا، ولكن قبض عليه بعد قيام الانقلاب العسكري في مدينة البرازيل سنة 1964، فقد استشعروا خطر طريقته المفجرة للوعي أثناء محو أمية الكبار، ونفي خارج البرازيل بعد سجنه.
استقر فريري ببوليفيا بعد نفيه، وعمل مستشارًا لدى وزارة التربية ، ولكن انقلابا عسكريا جديداً دفعه إلى الفرار إلى شيلي، والتي أقام فيها قرابة خمس سنوات، وعمل في المكتب الخاص لتعليم الكبار ، وأستاذًا بالجامعة الكاثوليكية ومستشارًا خاصًا لدى مكتب اليونسكو الإقليمي بسنتياجو، وهناك قام بتحليل موضوعي: «الغزو الثقافي» الذي يتخفى مع التقنية الأمريكية المستوردة ، وموضوع «الإرشاد في الوسط الريفي». وأكد على مفهوم الاتصال المرتبط بالثقافة، وأن سبل التعلم ألا تتعارض المعرفة الجديدة مع الواقع المعيش، وشجع الحوار بين الفلاح والعالم الزراعي. سافر فريري إلى الولايات المتحدة عام 1967 ليلقي عدة محاضرات ، ثم تلقى عرضًا من المجلس المسكوني للكنائس بجنيف للعمل مستشارًا به، حيث أسس معهد العمل الثقافي، وفي عام 1975 تلقى دعوة من وزير التربية بغينيا بيساو للمساعدة في حملة قومية لمحو الأمية، فوجدها فرصة لتطبيق أفكاره ، كما عمل أيضًا في ساو تومي برنسيبي موزمبيق وأنجولا ونيكارجوا، ثم عاد إلى البرازيل نهائيًا في مارس 1980.
تعليم المقهورين
يرى فريري أن التعليم المصرفي (البنكى)، الذي يتحول الطلاب فيه إلى مصارف يقوم فيه الأساتذة بإيداع معارفهم، هو انعكاس لمجتمع القهر، وهو من شأنه تقليل الإبداعية عند الطلاب - أو إلغاؤها تمامًا، من أجل خدمة أغراض القاهرين، ولا يطرح هذا النوع من التعليم حقائق العلم من وجهة نظر نقدية، بل يكيف المتعلمين مع واقعهم ويزيد من سلبيتهم.
لكن ما البديل للتعليم التلقيني، تعليم القهر، اللاحواري عنده، يجيب أن الحوار الناقد هو مفتاح التغيير ، ذلك الحوار الذي يؤمن بإيجابية المتعلمين وإنسانيتهم ، بحيث يدخلون في علاقة حوار دائم مع المقهورين، وتتكفل هذه العملية بتخليص المتعلمين من الأوهام والأساطير التي صورها وصاغها النظام القديم. وظيفة التربية إذن هي تنمية النقد والحوار، وتدريب الوعي الناقد، لأنه يسلم بأن عقل الإنسان قادر على كشف الحقيقة. وانتقد فريري «ثقافة الصمت» الشائعة في بلدان العالم الثالث، في شكلين للتربية: تربية القهر، وتربية الحرية، وتطور هدف التربية عنده من التحرر الثقافي للإنسان إلى الإسهام في تغيير البنية تغييرًا جذريًا.
فريري هو صاحب المقولة الشهيرة: «التعليم لا يكون محايدًا. إما أن يكون تعليما للحرية أو تعليما للاستعباد». كاشفًا عن الوظيفة التحريرية والنقدية لكل تعليم، وهادمًا لكل صيغ تزييف الوعي التي يقوم بها التعليم لصالح الشرائح والقوى المستبدة وبعد أن كانت المكتبة التربوية العربية مفتونة بأفكار الفيلسوف البرجماتي الأمريكي جون ديوي بفلسفته التقدمية، والتي نجحت في تحويل المجتمع الأمريكي وتبنيه للفلسفة البرجماتية عبر التربية، ومكملاً لجهود وليم جيمس وتشارلز بيرس في التنظير للفلسفة البرجماتية الذرائعية أو الوسائلية ، فلسفة القيمة الفورية Cash Value، وسلامة الفكرة من حيث قابليتها للتطبيق وليس معيار الخير أو الشر، فقد تحول الاهتمام النقدي بين التربويين العرب على فلسفة فريري ونظريته في تعليم الكبار.
تربية الحرية
في كتابه قبل الأخير: الأخلاق والديمقراطية والشجاعة المدنية تعتبر مكونا من مكونات (تربية الحرية)، وحيث يتحدث باولو فريري عن نفسه كمعلم رافضًا كل توجه نحو امتلاك الحقيقة المطلقة، وحيث يتوجه إلى المعلم بصورة مباشرة لينقل إليه تجربته وقناعاته الفكرية بعد هذه الخبرة الخصبة. السؤال الأساسي الذي يجيب عنه الكتاب: ما الذي يجعل المعلم معلمًا؟
يصهر فريري مكونات (تربية الحرية) وشروطها في الممارسة البداجوجية من أخلاقيات، والمكون الديمقراطي ، ومقاومة الشجاعة المدنية في مواصفاتها من أجل صياغة مجتمع جديد تستند إلى رؤية تقدمية تؤمن بأن الإنسان صانع تاريخه.
يقول فريري: «إن القيام بالممارسة التربوية بشكل عاطفي بهيج لا يقف دون تقديم التربية العلمية الجادة، أو دون تشكيل وعي سياسي واضح لدى المعلم. وحيث تشمل الممارسة التربوية كل ما تتضمنه من محبة، وبهجة، وجوية علمية ، وممارسة عملية في خدمة التغيير، وأيضا - خدمة الخط - خدمة الحفاظ على الوضع القائم».
ومن المفيد أن يتضمن الكتاب ترجمتين لاثنين من أصدقاء فريري هما دونالدو ماسيدو، وستانلي أرونويتز. ويلاحظ الأخير أن فريري يرفض فكرة اعتبار المعلم ناقلا للمعرفة التي تم تلقيها (التربية التقليدية)، أو أن المعلم «ميسِّر» لحكمة الحس المشترك، ووسيط في العملية التعليمية، بل يرى أن المعلم ينخرط في إنتاج المعرفة - قبل الطالب - انخراطًا مستمرًا، غير أن خلق معرفة جديدة، يدخل المعلم والطالب في موقف التعليم ولديهما معرفة سابقة، وإن كانت من مصادر مختلفة (خبرة الحياة - خبرات سابقة) ، اللحظة المهمة في موقف التعلم هي تلك اللحظة التي يقوّم الطالب معرفته نقديًا، ويوظفها في عملية إنتاج المعرفة بالتأمل.
نظريته في تعليم الكبار
ربما كانت نظرية وطريقة باولو فريري حول تعليم الكبار ومحو أميتهم، من أكثر النظريات انتشارًا في العالم الثالث لأنها تجمع بين النظرية والممارسة، وقد شرحها بالتفصيل في كتابه «التربية من أجل إثارة الوعي النقدي» 1973، وهو كتاب بدأ في تأليفه في السجن وأكمله في المنفى، وتتضمن هذه الطريقة الخطوات التالية:
- دراسة البيئة.
- اختيار الكلمات التوليدية ذات المحتوى الانفعالي للأمي.
- العملية الفعلية لمحو الأمية، وتتضمن جلسات لإثارة الدافعية، ثم وضع المواد التعليمية ، وفك الرموز الشفرية ، ويعقب هذه المرحلة مرحلة مكملة لمتابعة المتحررين من الأمية حتى لا يرتدوا إلى الأمية.
فريري في الثقافة العربية
كيف تعرف العرب على فكر باولو فريري ؟
وما مدى حضوره في الدرس التربوي بين مفكرينا وطلابنا العرب ؟
هل لامست أفكار فريري عن «تربية المقهورين» و«ثقافة الصمت» و «التعليم البنكي» و«الوعي» و«الثورة» و«التربية الحوارية» و«تسمية العالم» عصبًا حارًا في جهازنا النفسي الذي وجد في أفكاره تعبيرًا عن أوضاعنا وآهاتنا وأشواقنا؟
لعل الباحث السوداني يوسف نور عوض هو أول من لفت الأنظار إلى فلسفة باولو فريري عندما ترجم كتابه المتقدم «تعليم المقهورين» إلى العربية (دار القلم، بيروت 1980) وقدم له.
إلا أن المفكر التربوي المصري د.محمد نبيل نوفل هو صاحب البصمة الواضحة في «تعريب» باولو فريري ووضع فلسفته في دائرة الفكر التربوي العربي بقوة عندما خصص أحد فصول كتابه الرابع «دراسات في الفكر التربوي المعاصر» (مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1985) ليؤسس له مكانة راسخة في الوعي التربوي المصري والعربي. ولعل خطورة هذا الكتاب أنه خرج عن أبجدية الفكر التربوي الغربي التقليدي (الفلسفة المثالية، والفلسفة الواقعية، والفلسفة البراجماتية، والفلسفة التحليلية.. إلخ) لافتًا الأنظار من موقع الأستاذية إلى مفكرين تربويين لا نعرفهم حقيقة في الخبرة التربوية العربية من أمثال: ماوتسي تونج، وإيفان إليتش، وباولو فريري بالطبع، ويعد نبيل نوفل من أهم أصوات التربية الراديكالية المنفتحة على النظريات والأفكار النقدية في الغرب، وتتمثل رحابة مشروعه في الانفتاح على النظرية التربوية الماركسية من خلال ماوتسي تونج، والنقدية الرأسمالية الإطار من خلال إليتش، والفكر النقدي التربوي في العالم الثالث من خلال المفكر البرازيلي باولو فريري، لكن نوفل لم يستكمل مشروعه الفلسفي النقدي ليتابع مؤلفات باولو فريري نفسه المتأخرة فيما بعد.
كما لم يلتفت إلى تراث مدرسة فرانكفورت، وإسهامات جرامشي والماركسيين الجدد، وإسهامات بييربورديو في المدرسة السوسولوجية الفرنسية البالغة الأهمية، وخاصة نظرياته حول العنف الرمزي، والرأسمال الثقافي، ومعاودة الإنتاج، كما لم ينفتح على إسهامات مدرسة علم اجتماع المعرفة وخاصة مع مايكل يونج وآبيل، وكذلك الإسهامات النقدية الأمريكية مع كارنوي وبولز وجينتس، ومع ذلك يبقى نبيل نوفل الرائد الحقيقي للفكر النقدي التربوي في مصر وعالمنا العربي في الجيل التالي لجيل حامد عمار. وتلقف كرة باولو فريري أعضاء التيار النقدي التربوي فدخلت نظرية فريري في بحوث وكتب حسن البيلاوي، وعبد السميع سيد أحمد، وضياء الدين زاهر، وكمال نجيب، وشبل بدران، وعصام الدين هلال، ومحمود أبو زيد، وعبد الفتاح تركي، وطلعت عبد الحميد، وعبدالراضي إبراهيم.. وغيرهم، وبدأت الأطروحات الجامعية تلتفت إلى تراث فريري فسجلت أطروحة ماجستير بقسم أصول التربية بتربية عين شمس تحت إشراف شيخ التربويين حامد عمار - على سبيل المثال لا الحصر - وانتشرت تدريجيًا فلسفة فريري، وخاصة نظريته في محو الأمية المعتمدة على بناء الوعي النقدي والكلمات التوليدية في المجتمع المحلي، حيث تبنتها العديد من الجمعيات الأهلية العربية المعنية بمحو الأمية، خاصة كاريتاس في مصر، والتي استلهمت نظرية فريري في منهجها التعليمي (أتعلم أتحرر) في مقابل المنهج الرسمي (أتعلم أتنور) الذي تتبناه الهيئة العامة لمحو الأمية (تعليم الكبار، وهي المؤسسة الرسمية المعنية بمحو الأمية في مصر)، وفي الجزائر حاولت الباحثة المصرية نوله درويش نقل طريقة فريري في تعليم الكبار إلى أرض الواقع.
وترجم في مصر والمغرب على التوالي كتاب فريري «الفعل الثقافي في سبيل الحرية» Cultural Action for Freedom عن مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان، بترجمة لإبراهيم الكرادي (القاهرة 1995)، وترجم الكتاب نفسه لاحقًا في المغرب عن دار توبقال ، كما ترجم في العام نفسه عن المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر بليبيا، بل انتبهت الحياة الثقافية إلى فلسفة فريري فخصصت دورية «أدب ونقد» الصادرة من حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي محورًا عن فريري (أكتوبر 1977)، شارك فيه كل من القاصة والمترجمة سمية رمضان، وغادة الحلواني، وخصصت مجلة «جسور» الصادرة عن مركز المستقبل لجيل السبعينيات ملفا في عددها الثاني - سبتمبر 1999، شارك فيه كل من حسن بيومي وشعبان مكاوي وفاطمة الديساوي إلى جانب ترجمة مقابلة مع فريري أجراها مواري كوكس، ومع الأسف توقفت المجلة السابقة بعد ثلاثة أعداد. ومنذ وفاة فريري (2 / 5 / 1997) دأبت اللجنة المسكونية بمصر على إقامة احتفال يجمع بين الندوة الأكاديمية والاحتفال الشعبي، وبالتأكيد هناك جهود عربية أخرى، لاسيما في المغرب العربي لم تصل إلى علمنا.
وفي مجال الفكر التربوي المصري فقد عرضت فلسفة فريري باستفاضة في العديد من مؤلفات المفكرين التربويين من أمثال سعيد إسماعيل علي (فلسفات تربوية معاصرة - سلسلة عالم المعرفة بالكويت 1995)، وكمال نجيب (الوعي من الخارج لباولو فريري) في مجلة «التربية المعاصرة» الصادرة عن رابطة التربية الحديثة (ع50/ ديسمبر 1998)، ومحسن خضر «مجلة الهلال» الصادرة عن دار الهلال «مارس 1993» وحامد عمار «باولو فريري فيلسوف الأمل التربوي في تحرير الإنسان» «مجلة الهلال» على عددين (فبراير ومارس 1996) وغيرهم الكثير.
وقد خصص الدكتور عبد الراضي إبراهيم (رحمه الله) دراسة كاملة عن «نظرية باولو فريري في تعليم وتنمية الكبار» نشرها بمجلة دراسات تربوية الصادرة عن رابطة التربية الحديثة (1995) وربما تكون أشمل دراسة لنظرية فريري بعد دراسة محمد نبيل نوفل، وترجم حامد عمار، وأحمد عطية آخر كتابين لفريري أحدهما «تربية الأمل «والآخر» المعلمون «بناء ثقافة» عن الدار المصرية اللبنانية في سلسلة «آفاق تربوية متجددة»، كما انتهى حامد عمار من ترجمة مؤلف ثالث لفريري عن الإنجليزية لم يترجم من قبل، كما خصص المؤتمر الثاني لمركز تعليم الكبار بجامعة عين شمس جلسة كاملة بمؤتمره لعرض فلسفة باولو فريري من زوايا متعددة شارك فيها حامد عمار، وعصام هلال, ، وعبد الفتاح ترك، ومحسن خضر، ولمياء أحمد. اقتحم فكر فريري الفكر التربوي العربي المستقطب بين فلسفة التربية الغربية الوضعية بمضمونها البرجوازي ، والتربية الماركسية - الآفلة أخيرًا - وربما كان من مصادر الجاذبية في فلسفته، تشابه الظروف، حيث لا تختلف ظروف البرازيل كثيراً عن ظروف المجتمع العربي في الهموم والتطلعات، وربما كان مصدر الجاذبية الأهم أن نظرية فريري مزجت التنظير بالممارسة، والفكر بالواقع، حيث دخلا في جدل خلاق غذاها بالتقويم والمراجعة المستمرة ، كما أن الطابع التحريري لفلسفة فريري: تحرير الإنسان وتحرير المجتمع في مواجهة كل عوامل الاستلاب المحلي والغربي زادت من هذه الجاذبية لدى التربويين العرب.
ومن الطريف أن الثوري الشهير شي جيفارا رفض أن يتبنى أسلوب باولو فريري في تربية المقهورين، والمعروف بالأسلوب الحواري ومفاده «لا تثق حتى بظلك، لا تثق مطلقًا في الفلاحين الودودين أو المرشدين أو رجال الاتصال، لا تثق في أي شخص قبل أن يتم تحرير المنطقة بأسرها».

كبريائي فوق النجومِ ولولاها
لما كنتُ بالنجوم خليقا
جلّ شعري أقيه الرّوح من كلّ
هوانٍ, والشعر كالعِرضِ يُوقَى
ما شكوتُ العدو كبرًا ولكنّي
شكوت المبرّأ الموثوقا

منقول من مجلة العربي العلمي