رحل من عرف أن للإنسان أجنحة لا ترى فجعل الواقع سحرياً وسحر الخيال واقعاً يمشي على قديمن
الخميس، 17 أبريل 2014
غابرييل غارسيا مركيز
رحل من عرف أن للإنسان أجنحة لا ترى فجعل الواقع سحرياً وسحر الخيال واقعاً يمشي على قديمن
«عظام الصدي».. قصة لصمويل بيكيت تنشر بعد رفضها من08 سنة
داليا آلبيرج ت: أمير زكى
|
|
القصة الملغزة بعنوان "عظام الصدي" كان من المفترض أصلا أن تصبح القصة الأخيرة في المجموعة القصصية "وخزات أكثر منها ركلات"، المجموعة المكونة من قصص متصلة ونشرت عام 1934. ولكن الناشر في هذا الوقت، تشارلز برينتس بدار شاتو وويندوس، رفض الحكاية لأنها صعبة وغريبة جدا. أبلغ برينتس الخبر لبيكيت في خطاب فظ: "إنها كابوس.. إنها أغاظتني... أنا متأكد أن عظام الصدي ستجعل الكتاب يفقد العديد من القراء. سيضطرب الناس ويتحيرون ويرتبكون. ولن يتحمسوا لتحليل الاضطراب". مضيفا: "أنا أكره قول هذا".
القصة المكونة من 13,500 كلمة لم تُضَمَّن في المجموعة المنشورة وظلت مختبئة من ساعتها في الأراشيف الأمريكية، متلقية اهتماما محدودا من دارسي بيكيت. نشر دار "فيبر آند فيبر" لها في 17 أبريل سيكون حدثا كبيرا للمعجبين بالكاتب الأيرلندي ومؤلف "في انتظار جودو"، الذي مات عام 1989. فاز بيكيت بجائزة نوبل في الأدب عام 1968 وألهم أدباء عظاما آخرين مثل هارولد بنتر.
حرر الطبعة الأخيرة من المجموعة د. مارك نيكسون، القاريء بالأدب الحديث بجامعة ريدينج، وهو أيضا مدير مؤسسة بيكيت العالمية، هو رئيس مجتمع صمويل بيكيت ونشر بشكل واسع عن أعمال بيكيت. كتب نيكسون في المقدمة: "الاعتبار الأدبي لعظام الصدي واضح: وبالإضافة إلي ذلك هي وثيقة مهمة".
كان برينتس ناشرا يصعب إرضاؤه. عام 1932 رفض أيضا عمل بيكيت السردي الأساسي الأول وهو روايته: "حلم جميل لنساء عاديات" كـ "شي غريب" علي الرغم من أنه اعترف لاحقا بأن "ربما كنت علي خطأ". شعر أن المشكلة هي أنه "لم يفهم نصفها". حتي نشرت بعد وفاة بيكيت عام 1992
عندما تلقي برينتيس المسودة لمجموعة "وخزات أكثر منها ركلات" في سبتمبر 1933، طلب من بيكيت أن يزيد حجمها بإضافة قصة أخري: "10,000 كلمة أخري أو حتي 15,000 لهذا الغرض، وأنا متأكد أن هذا سيساعد الكتاب". ولكن برفضه لعظام الصدي، نشر المجموعة بعد عدة أشهر بـ 10 قصص وليس 11
القصة المرفوضة تحتوي علي بطل القصة التاسعة، الأصفر. في "الأصفر" الشخصية الرئيسية، بيلاكوا، يموت بعد إجراء جراحة في المستشفي. في "عظام الصدي" يواجه بيلاكوا ما بعد الموت.في ديسمر عام 1933، كتب بيكيت لصديق أن رفض القصة "التي وضعت فيها كل ما أعرفه والكثير مما أنا مهتم به بشكل كبير، أحبطني بعمق".
يعتقد نيكسون أن فشل القصة دفع بيكيت ليكتب قصيدة بالاسم نفسه، ليستخدم العنوان مجددا في مجموعته الشعرية الأولي "عظام الصدي ورواسب أخري"، التي نشرت عام 1935.
يكتب في المقدمة أنه بالقراءة الأولي لقصة "عظام الصدي" لا يمكن للمرء سوي أن يتعاطف مع قرار برينتس، لأن القصة "صعبة وغامضة في بعض الأحيان" مضيفا "ولكن إن كانت القصة جامحة وغير منظمةـ فهي كذلك بشكل رائع... عظام الصدي بلا شك دالة بشكل مكثف، جويسية أكثر من أي عمل مبكر آخر بيكيت؛ سواء في المستوي السردي أو البناء، انها تستخدم مساحة من المواد، من العلوم إلي الفلسفة إلي الدين إلي الأدب... وتمزج الحكايات الخيالية بالأحلام القوطية بالأساطير الكلاسيكية، عظام الصدي في أجزاء منها قصة رائعة ممتلئة بالعمالقة والمنازل الشجرية ونباتات اللفاح والنعام وعوش الغراب، تميل إلي تقليد القصص الشعبية كما اشتهرت علي يدي ييتس والأخوين جريم".
سئل نيكسون لم استغرق هذا الوقت الطويل قبل نشر القصة، فأجاب لجريدة الأوبزرفر: "أثناء حياته، كان بيكيت أقرب للسلبية تجاه معظم أعماله التي كتبت في الثلاثينيات، وكان متحفظا تجاه السماح بإعادة نشر النصوص التي نشرت في هذا العقد... لم نكن لننشر هذا النص لو كان ببساطة قد تجاهلها أثناء عملية الكتابة. أراد بيكيت بشكل واضح أن ينشر النص، وهذا هو سبب أنه كتبه وقدمه لدار شاتو، ليكون تحت تصرفهم". إدوارد بيكيت ابن أخ الكاتب والقيم علي أعماله صرح للأوبزرفر: "هذا نص مهم جدا، أمر طيب أن يصير متاحا بعد وقت طويل".
عن الجارديان
منقول من موقع أخبار الأدب
الاثنين، 17 مارس 2014
ثمة أحدٌ نائمٌ في داخلي..مختارات من أليخاندرا بيثارنيك
ترجمة وتقديم - كاميران حاج محمود
أليخاندرا بيثارنيك إحدى الشاعرات البارزات في اللغة الإسبانيّة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. اتّسم شعرها بالسوداويّة، وبحضورٍ طاغٍ للخوف والعُزلة والموت، محُاذِياً اضطراب شخصيّتها الذي تفاقم ليتحوّل إلى كآبةٍ عميقةٍ ألمّتْ بها لاحقاً. ولا تُخفي النبرةُ الفريدةُ في شعرها، تشرُّبها العميق للتحوّلات التي حملتها حركة الأدب والفنّ الطليعيّ آنذاك. ولعلّ تأثرها المبكّر بالسرياليّة شكّل أوضح ملامح القصيدة عندها، وخصوصاً بعد انتقالها إلى باريس والتقائها بمجموعة من الأدباء والفنانين المُؤثِّرين، تعرّفت إليهم هناك، وانعقدت بينهم الصداقات أمثال أوكتابيو باث، وخوليو كورتاثر، وسواهما ممن ساعدوها على الدخول إلى المناخ الثقافي المُتّقد في ذلك الوقت.
لا تخفى الهواجس في شعرها، بيأسها واضطرابات ماضيها، فيما الهوسُ باللغة يقودُ إلى البحث المستمرّ عن صوتٍ ذاتيٍّ، تراهُ مفقوداً على الدوام. تبدو قصيدتُها كَيَدٍ تُزيحُ غلالةً رقيقة عن نافذةٍ تقعُ في الداخل، خلفها تتوارى رغبةُ بيثارنيك المُلحّة في إذابة الشعر والحياة، أحدهما في الآخر.
ولدت بيثارنيك في بوينس آيرس عام 1936 لعائلة مهاجرة تنحدر من أصولٍ يهوديّة روسيّة، ودرست الأدب في جامعة العاصمة الأرجنتينية. نشرت أعمالها المبكّرة في ثلاثة دواوين في خمسينيات القرن الماضي، تجلّى فيها تأثّرها بالشاعر الفرنسي آرتور رامبو. عام 1960 سافرت إلى باريس حيث درست الأدب الفرنسي في السوربون، وتعاونت مع عددٍ من الصحف والمجلّات الثقافيّة، نشرت فيها قصائدها وترجماتها لأدباء فرنسيّين كأنطونان آرتو، وهنري ميشو، وإيف بونفوا وغيرهم. سنة 1964 عادت بيثارنك إلى الأرجنتين بشهرةٍ كبيرةٍ وجوائز أدبيّةٍ عدّة، حيث نشرت أعمالاً جديدة اعتُبِرت الأهمّ في نتاجها الأدبي، كاشفةً عن نُضج شعرها وخصوصيّته مثل: «الأشغال والليالي (1965)»، و«استخراج حجارة الجنون (1968)»، و«الجحيم الموسيقيّ (1971)». بجرعةٍ زائدةٍ من الأدوية أنهتْ بيثارنيك حياتها سنة 1972.
أنا...
جناحَايَ؟
تُويجَان مُتعفّنان
عقلي؟
كؤوسٌ صغيرةٌ من نبيذٍ لاذِع
حياتي؟
فراغٌ مَدروسٌ بعِنايَة
جسدي؟
شَق ٌفي كُرسيٍّ
تردُّدِي؟
صَنجٌ طُفوليٌّ
وجهي؟
صِفرٌ مُتَخَفٍّ
عينايَ؟
آه! قِطعَتانِ مِنَ اللانهاية
الزمن
لا أعرفُ عن الطفولةِ
سِوى أنهّا خوفٌ مُضيءٌ
ويدٌ تجرُّني
نحوَ ضِفّتي الأُخرى.
طُفولَتي وعَبقُها
من مُلاطَفةِ عُصفور.
أزرق
كبرتْ يدايَ بالموسيقى
وراءَ الأزهار
لكنْ الآن،
لماذا أقْتفيكَ أيُّها الليلُ؟
لماذا أخلدُ إلى النومِ مع مَوتاك؟
من هذه الضفّة
لا أزالُ حينَ يلمعُ عاشقي
كنجمٍ غاضبٍ في دَمي
أنهضُ من جُثّتي،
وحذرةً كيلا أطأَ ابتسامَتي الميّتة
أذهبُ إلى لقَاءِ الشمس.
من ضفةِ الحنينِ هذِه
كلُّ شيءٍ يبدو ملاكاً.
الموسيقى صديقةُ الريحِ
صديقة الأزهارِ
صديقات المطرِ
صديق الموت.
***
قفزتُ مِنّي إلى الفجر.
تركتُ جسدي لِصقَ النّورِ
وأنشدتُ حُزنَ ما يُولَد
***
بقميصِها المُشتعلِ تَقفِزُ
من نجمةٍ إلى نجمة.
من ظلٍّ إلى ظلّ.
تمُوتُ من موتٍ بعيد
تلكَ، مَنْ تعشقُ الرّيح.
***
الآن
في هذه الساعةِ الوادِعة
نجلسُ، أنا والمرأةُ التي كنتُ
على عَتبةِ نظرَتي
***
أن أقولَ بكلماتٍ من هذا العالم
إنّ زورقاً انطلقَ مِنّي حاملاً إيّاي
***
القصيدةُ التي لا أبوحُ بها،
التي لا أستحِقُّها.
على دربِ المرآةِ
خوفُ أنْ أكونَ اثنتين:
ثمّةَ أحدٌ نائمٌ في داخلي
يأكلُني ويشربُني.
***
كقصيدةٍ تُدركُ
صمتَ الأشياء
أنتَ تتكلّمُ كيلا تراني
***
حينما أرى العُيونَ
التي وُشِمتْ في عينيَّ
***
في الليل
مرآةُ الصغيرةِ الميّتة
مرآةٌ مِن رُفات
***
أنتَ مَنْ يختارُ مَوضعَ الجُرح
حيثُ ننطقُ صمتَنا.
أنتَ مَنْ يجعلُ حياتي
هذا الاحتفالَ شديدَ النّقاء.
ظلُّ الأيّام الآتية
غداً
عندَ الفجرِ سيَكسُونَني بالرّمادِ
وسيملؤون فَمي بالأزهار.
سأتعلّمُ أن أنامَ
في ذاكرةِ جدارٍ،
في تنفُّسِ
حيوانٍ يحلُم.
***
ولكنّي أُريدُ أن أنظرَ إليك
إلى أن يبتعدَ وجهُك عن خَوفي
كما يبتعدُ طائرٌ عن حافّةِ الليلِ الحادّة.
***
فجأةً، كطفلةٍ من طباشيرَ ورديّةٍ على جدارٍ
رسمٌ قديمٌ محَاهُ المطرُ.
***
للّيل شكلُ صرخةِ ذئب.
مُقاربات
وأنا أُعانقُ ظلّك في حُلمٍ
كانت عِظامي تتقوّسُ مِثل أزهارٍ
***
خطواتٌ في ضبابِ
حديقةِ الليْلَك
القلبُ يرجِعُ
إلى نورهِ الأسود
***
تتمنّى لو تعيشُ أبداً
كشيءٍ منسيٍّ في يدِ ميّتٍ
***
أغنياتٌ غامضةٌ
من بلدٍ مّا جرفتْهُ الأمطارُ
أغنياتُ قارِعي الأجراسِ
ذكرياتُ الليلةِ التي أحبّها رجلٌ ما
إذا البحرُ من أجلِ قيثارةٍ
أغرقَ ملائكةً ساخطةً في الرّيح
***
عصافيرٌ مُغبرّةٌ
دماءٌ قديمةٌ على أجنحتِها
أزهارٌ معدنيّةٌ منسيّة
بيوتُ العنكبوتِ عاشقة الفضاء
حيثُ يعيشُ الزمنُ الذي يمضي
***
قلب المطرِ حلَلْتُ وِثاقه
أغنياتٌ شعبيّةٌ
أطعمتْ صمتي.
***
الليلُ موشومٌ على عِظامي.
الليلُ والعَدم.
***
ثمِلةٌ بصمتِ
الحدائقِ المهجورة
ذاكرتي تنفتِحُ وتنغلِق
كبابٍ في مهبِّ الرّيح
أليخاندرا بيثارنيك إحدى الشاعرات البارزات في اللغة الإسبانيّة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. اتّسم شعرها بالسوداويّة، وبحضورٍ طاغٍ للخوف والعُزلة والموت، محُاذِياً اضطراب شخصيّتها الذي تفاقم ليتحوّل إلى كآبةٍ عميقةٍ ألمّتْ بها لاحقاً. ولا تُخفي النبرةُ الفريدةُ في شعرها، تشرُّبها العميق للتحوّلات التي حملتها حركة الأدب والفنّ الطليعيّ آنذاك. ولعلّ تأثرها المبكّر بالسرياليّة شكّل أوضح ملامح القصيدة عندها، وخصوصاً بعد انتقالها إلى باريس والتقائها بمجموعة من الأدباء والفنانين المُؤثِّرين، تعرّفت إليهم هناك، وانعقدت بينهم الصداقات أمثال أوكتابيو باث، وخوليو كورتاثر، وسواهما ممن ساعدوها على الدخول إلى المناخ الثقافي المُتّقد في ذلك الوقت.
لا تخفى الهواجس في شعرها، بيأسها واضطرابات ماضيها، فيما الهوسُ باللغة يقودُ إلى البحث المستمرّ عن صوتٍ ذاتيٍّ، تراهُ مفقوداً على الدوام. تبدو قصيدتُها كَيَدٍ تُزيحُ غلالةً رقيقة عن نافذةٍ تقعُ في الداخل، خلفها تتوارى رغبةُ بيثارنيك المُلحّة في إذابة الشعر والحياة، أحدهما في الآخر.
ولدت بيثارنيك في بوينس آيرس عام 1936 لعائلة مهاجرة تنحدر من أصولٍ يهوديّة روسيّة، ودرست الأدب في جامعة العاصمة الأرجنتينية. نشرت أعمالها المبكّرة في ثلاثة دواوين في خمسينيات القرن الماضي، تجلّى فيها تأثّرها بالشاعر الفرنسي آرتور رامبو. عام 1960 سافرت إلى باريس حيث درست الأدب الفرنسي في السوربون، وتعاونت مع عددٍ من الصحف والمجلّات الثقافيّة، نشرت فيها قصائدها وترجماتها لأدباء فرنسيّين كأنطونان آرتو، وهنري ميشو، وإيف بونفوا وغيرهم. سنة 1964 عادت بيثارنك إلى الأرجنتين بشهرةٍ كبيرةٍ وجوائز أدبيّةٍ عدّة، حيث نشرت أعمالاً جديدة اعتُبِرت الأهمّ في نتاجها الأدبي، كاشفةً عن نُضج شعرها وخصوصيّته مثل: «الأشغال والليالي (1965)»، و«استخراج حجارة الجنون (1968)»، و«الجحيم الموسيقيّ (1971)». بجرعةٍ زائدةٍ من الأدوية أنهتْ بيثارنيك حياتها سنة 1972.
أنا...
جناحَايَ؟
تُويجَان مُتعفّنان
عقلي؟
كؤوسٌ صغيرةٌ من نبيذٍ لاذِع
حياتي؟
فراغٌ مَدروسٌ بعِنايَة
جسدي؟
شَق ٌفي كُرسيٍّ
تردُّدِي؟
صَنجٌ طُفوليٌّ
وجهي؟
صِفرٌ مُتَخَفٍّ
عينايَ؟
آه! قِطعَتانِ مِنَ اللانهاية
الزمن
لا أعرفُ عن الطفولةِ
سِوى أنهّا خوفٌ مُضيءٌ
ويدٌ تجرُّني
نحوَ ضِفّتي الأُخرى.
طُفولَتي وعَبقُها
من مُلاطَفةِ عُصفور.
أزرق
كبرتْ يدايَ بالموسيقى
وراءَ الأزهار
لكنْ الآن،
لماذا أقْتفيكَ أيُّها الليلُ؟
لماذا أخلدُ إلى النومِ مع مَوتاك؟
من هذه الضفّة
لا أزالُ حينَ يلمعُ عاشقي
كنجمٍ غاضبٍ في دَمي
أنهضُ من جُثّتي،
وحذرةً كيلا أطأَ ابتسامَتي الميّتة
أذهبُ إلى لقَاءِ الشمس.
من ضفةِ الحنينِ هذِه
كلُّ شيءٍ يبدو ملاكاً.
الموسيقى صديقةُ الريحِ
صديقة الأزهارِ
صديقات المطرِ
صديق الموت.
***
قفزتُ مِنّي إلى الفجر.
تركتُ جسدي لِصقَ النّورِ
وأنشدتُ حُزنَ ما يُولَد
***
بقميصِها المُشتعلِ تَقفِزُ
من نجمةٍ إلى نجمة.
من ظلٍّ إلى ظلّ.
تمُوتُ من موتٍ بعيد
تلكَ، مَنْ تعشقُ الرّيح.
***
الآن
في هذه الساعةِ الوادِعة
نجلسُ، أنا والمرأةُ التي كنتُ
على عَتبةِ نظرَتي
***
أن أقولَ بكلماتٍ من هذا العالم
إنّ زورقاً انطلقَ مِنّي حاملاً إيّاي
***
القصيدةُ التي لا أبوحُ بها،
التي لا أستحِقُّها.
على دربِ المرآةِ
خوفُ أنْ أكونَ اثنتين:
ثمّةَ أحدٌ نائمٌ في داخلي
يأكلُني ويشربُني.
***
كقصيدةٍ تُدركُ
صمتَ الأشياء
أنتَ تتكلّمُ كيلا تراني
***
حينما أرى العُيونَ
التي وُشِمتْ في عينيَّ
***
في الليل
مرآةُ الصغيرةِ الميّتة
مرآةٌ مِن رُفات
***
أنتَ مَنْ يختارُ مَوضعَ الجُرح
حيثُ ننطقُ صمتَنا.
أنتَ مَنْ يجعلُ حياتي
هذا الاحتفالَ شديدَ النّقاء.
ظلُّ الأيّام الآتية
غداً
عندَ الفجرِ سيَكسُونَني بالرّمادِ
وسيملؤون فَمي بالأزهار.
سأتعلّمُ أن أنامَ
في ذاكرةِ جدارٍ،
في تنفُّسِ
حيوانٍ يحلُم.
***
ولكنّي أُريدُ أن أنظرَ إليك
إلى أن يبتعدَ وجهُك عن خَوفي
كما يبتعدُ طائرٌ عن حافّةِ الليلِ الحادّة.
***
فجأةً، كطفلةٍ من طباشيرَ ورديّةٍ على جدارٍ
رسمٌ قديمٌ محَاهُ المطرُ.
***
للّيل شكلُ صرخةِ ذئب.
مُقاربات
وأنا أُعانقُ ظلّك في حُلمٍ
كانت عِظامي تتقوّسُ مِثل أزهارٍ
***
خطواتٌ في ضبابِ
حديقةِ الليْلَك
القلبُ يرجِعُ
إلى نورهِ الأسود
***
تتمنّى لو تعيشُ أبداً
كشيءٍ منسيٍّ في يدِ ميّتٍ
***
أغنياتٌ غامضةٌ
من بلدٍ مّا جرفتْهُ الأمطارُ
أغنياتُ قارِعي الأجراسِ
ذكرياتُ الليلةِ التي أحبّها رجلٌ ما
إذا البحرُ من أجلِ قيثارةٍ
أغرقَ ملائكةً ساخطةً في الرّيح
***
عصافيرٌ مُغبرّةٌ
دماءٌ قديمةٌ على أجنحتِها
أزهارٌ معدنيّةٌ منسيّة
بيوتُ العنكبوتِ عاشقة الفضاء
حيثُ يعيشُ الزمنُ الذي يمضي
***
قلب المطرِ حلَلْتُ وِثاقه
أغنياتٌ شعبيّةٌ
أطعمتْ صمتي.
***
الليلُ موشومٌ على عِظامي.
الليلُ والعَدم.
***
ثمِلةٌ بصمتِ
الحدائقِ المهجورة
ذاكرتي تنفتِحُ وتنغلِق
كبابٍ في مهبِّ الرّيح
منقول من مجلة الدوحة الثقافية
الثلاثاء، 25 فبراير 2014
" الشاعر
لا يلطخ يديه بالسياسة
لكن روحه مطعونة بكل حرية "
أنسي الحاج
الأحد، 2 فبراير 2014
من المتحف الإسلامي ودار الكتب مشاهد حية للخراب
أسامة فاروق
|
|
في جهادهم لنصرة الإسلام دمر
المجاهدون المكان الذي يضم أكبر وأهم وأندر ما تبقي من التراث
الإسلامي..عبث، يقابله لامبالاة شعبية وتصريحات رسمية لاتقل عبثية،
المسئولون الذين ربما اكتشفوا بالصدفه الكارثة التي لحقت بمتحف الفن
الإسلامي ودار الكتب جراء التفجير الذي استهدف مديرية أمن القاهرة الأسبوع
الماضي تركزت تصريحاتهم حول الأموال التي سبق وصرفت علي المبني، وعلي
المجهودات الخارقة التي سيقمون بها لاعادة تجميع المبلغ! أي مبلغ هذا
الذي يمكن أن يعيد مشكوات السلطان حسن، أو محراب رقية أو الوثائق
التي دمرها التفجير الغشيم؟
ماحدث كارثة حقيقية للأسف
شغلت العالم أكثر مما شغلتنا، تعيد المبني إلي نقطة الصفر وربما أبعد
قليلا بعد رحلة علاج استمرت لأكثر من عشرات سنوات، تعود الآثار والوثائق
الفريدة الي ظلمات المخازن مجددا بعد فترة عرض قصيرة لم يزها خلالها أحد
تقريبا، فمن سيلتفت إلي التاريخ في الوقت الذي يفجر فيه الحاضر
والمستقبل.
الغريب أنه عندما تم التفكير في إنشاء متحف
الفن الإسلامي ودار الكتب كانت الفكرة الأساسية هي أن يكمل المبني صورة
العمارة الإسلامية في القاهرة، اختير مكانه وسط القاهرة القديمة ليحقق
هذا الغرض، المنقول يكمل الثابت فتعرض الحضارة الإسلامية كاملة من كل
العالم الإسلامي ثم في مصر، وطريقة العرض كانت توضح ذلك، خاصة وأن الفن
الاسلامي بالتحديد غير منفصل، فهو عبارة عن حقب تكمل بعضها وطرز
معمارية وفنيه تتطور وتنتقي من بعضها، والان أصبح مكانة المميز سببا في
دماره.
أكثر من مائة عام مرت عليه وهو ثابت في مكانة
ويتغير العالم من حوله، تغير نظام الحكم، وتتابعت حكومات، وتغيرت
أزياء وأنماط ووسائل المواصلات، وحده ظل الثابت الوحيد الذي لا يتغير،
حتي ضاقت الدنيا من حوله، وزاحمته في مقره الذي كان بعيدا في يوم
ما..ليته ظل في عزلته، فالعزلة بالتأكيد أفضل من الخراب.
نستعرض هنا مشاهد حيه للخراب الذي أصاب المبني ومايضمه من تراث نادر، نذكر بتاريخه وما يحويه من كنوز لاتقدر بثمن.
من الحاكم لباب الخلق
|
|
| الوجهة الرئيسية للمتحف الإسلامى فى الأربعينيات من القرن الماضى |
ترجع فكرة متحف الفن الإسلامي إلي عام 1869 حين اقترح
المهندس "سالزمان" علي الخديو إسماعيل إنشاء متحف للآثار الإسلامية
يضم ما تيسر من تحف وآثار، غير أن هذه الفكرة ظلت معطلة حتي عهد الخديو
توفيق، وحتي صدر عام 1880 مرسوم بتكليف وزارة الأوقاف بتخصيص مكان
للمتحف الوليد.
لكن الحكاية بدأت قبل ذلك بكثير حين رأي
مثقفو أوروبا المهتمون بالدراسات الشرقية مدي ما وصلت إليه حالة الآثار
الإسلامية في مصر من تدهور شديد وإهمال، علي عكس الآثار الفرعونية التي
كانت تحظي باهتمام العالم كله في ذلك الوقت من القرن التاسع عشر، وقتها
اقترح "جابرييل شارمز" أحد أهم الكتاب الفرنسيين إنشاء لجنة لحفظ
الآثار الإسلامية في مصر، علي غرار لجنة تأسست في باريس سنة 1837
لحفظ وحماية الآثار التاريخية وإحياء الطراز المعماري القوطي.
وكان
من نتائج نشر كتاب "وصف مصر" أن قدم إلي مصر كثير من علماء الآثار
المبهورين بالآثار الإسلامية، وشاهدوا وكتبوا عن تلك الآثار، ورسموها
أيضا ومنهم "بريس دافن"، و"باسكال كوست"، و"بورجوان"، كما
ألف عالم الآثار "أوين جونز" كتابه النادر عن قواعد الزخرفة
الإسلامية. وكان حصيلة ما أنجزوه من كتب مصورة تسجيلا لحالة الآثار في
القاهرة قبل حركة الترميم والتجديد التي بدأت سنه 1882.
وبعد
نشر هذه الكتب وغيرها في أوروبا كان لابد أن تؤتي ثمارها، فنشأت في
باريس "جماعة محبي الفن الإسلامي"، ووفد آلاف السياح إلي مصر، وكان
من بينهم مغامرون ولصوص نهبوا الكثير من التحف الإسلامية والعناصر
المعمارية وباعوها إلي متاحف أوروبا وأصحاب المجموعات الخاصة وتجار
الآثار.
ونتيجة للنهب الذي حدث للآثار الإسلامية،
استأنف الكاتب الفرنسي "جابرييل شارمز" دعوته إلي ضرورة إنشاء لجنة
لحفظ الآثار العربية في مصر وحمايتها من السلب، وحث جابرييل علماء الآثار
في أوروبا عن طريق كتاباته اليومية في صحف باريس علي أن يتحركوا لتحقيق
ذلك، وكتب أن حكام مصر لم يهتموا علي الإطلاق بعمل أي شيء لترميم
وحماية الآثار الإسلامية، رغم أنهم ــ من جهة أخري- قاموا ببناء العديد
من القصور الملكية الفخمة في القاهرة والإسكندرية، ولم يتوقف عن نضاله
حتي أسفرت جهوده واستجاب الخديو توفيق، وفي 18 ديسمبر سنة 1881
أصدر الخديو أمرا عاليا بتشكيل لجنة حفظ الآثار العربية برئاسة محمد زكي
باشا ناظر الأوقاف والمعارف العمومية، وكان الأعضاء المصريون في اللجنة
سبعة فقط من بينهم محمود سامي البارودي وزير الحربية، ومصطفي فهمي باشا
وزير الخارجية، واتخذت اللجنة الرواق الشرقي من جامع الحاكم بأمر الله
مقرا لها.
عقدت لجنة حفظ الآثار العربية أول اجتماعاتها
في فبراير 1882 وأعلنت عن أربع مهام أساسية تعمل اللجنة علي تحقيقها:
إجراء اللازم لجرد وحصر الآثار العربية القديمة، وملاحظة صيانة تلك
الآثار وحفظها من التلف، والنظر في الرسومات والتصميمات التي تُعمل عن
المرمّات اللازمة لهذه الآثار، وأخيرا إجراء حفظ جميع الأشغال التي
تنجزها اللجنة في أرشيف نظارة الأوقاف، ونقل القطع التي تتخلف عن العمائر
التي تم ترميمها إلي الأنتيكخانة.
ولما امتلأ الرواق
الشرقي لجامع الحاكم بأمر الله بالتحف والعناصر الأثرية التي تنقلها اللجنة
من المباني القديمة، والتي وصلت وقتها إلي تسعمائة تحفة، لم يعد
المكان يتسع للمزيد، فسعت اللجنة لدي نظارة الأوقاف لبناء مقر جديد
لدار الآثار العربية بصحن الجامع يتسع للعدد المتزايد من التحف الأثرية،
خاصة بعد أن رفض علي باشا مبارك وزير المعارف العمومية وقتها تخصيص مبني
خال في وزارته لنقل مقتنيات المتحف المتزايدة إليه، وبالفعل تم تشييد
مبني في صحن الجامع ونقلت التحف إليه سنة 1884
وبامتلاء
هذا المبني بصحن جامع الحاكم طلبت لجنة حفظ الآثار العربية من نظارة
الأوقاف إنشاء مبني أكبر يتسع لعدد التحف الأثرية الذي يزداد بصفة
مضطردة، وفي 1899 وضعت أساسات المبني الحالي في باب الخلق علي الضفة
الغربية للخليج المصري الذي تم ردمه في السنة نفسها. وصمم المبني مهندس
معماري ايطالي اسمه "ألفونسو مانيسكالو" وبناه من طابقين علي الطراز
المملوكي المتطور، واكتمل البناء سنة 1902 وخصص الطابق الثاني من
المبني ليكون مقرا لدار الكتب الخديوية "المصرية بعد ذلك" أما الطابق
الأرضي فقد أصبح مقرا لدار الآثار العربية. وفي السنة نفسها بدأ نقل
التحف الأثرية من مبني الحاكم بأمر الله إلي المبني الجديد في باب
الخلق.
المجموعة الفريدة
|
|
كان الانتقال إلي المبني الجديد بمثابة بداية لعصر جديد في
أساليب عرض الآثار في مصر، فقد قام ماكس هرتس مدير الدار بتصنيف التحف
وعرضها حسب مادتها وزخارفها. كما أن الانتقال يعتبر البداية الحقيقية
لتكوين مجموعة المتحف فقد أقبلت الأسر الثرية والأمراء من أصحاب المجموعات
الأثرية الخاصة علي إهداء التحف للدار، فبمناسبة الانتقال إلي المتحف
الجديد وافتتاحه في ديسمبر 1903 قامت أمينة هانم والدة الخديو عباس
حلمي الثاني بإهداء مجموعاتها الخاصة من التحف إلي المتحف، وكانت أولي
الإهداءات المهمة، وبعدها توالت الاهداءات، فقام الأمير يوسف كمال
بالأمر نفسه، وكذلك كريمة يعقوب أرتين باشا والذي كان عضوا في لجنة حفظ
الآثار، ثم الملك فؤاد الذي قدم مجموعة ثمينة من المنسوجات،
والأختام، والأمير محمد علي، والأمير يوسف كمال، والأمير كمال
الدين حسين، وعلي باشا إبراهيم الذي زود المتحف بمجموعات كاملة من السجاد
الإيراني والتركي والخزف والزجاج العثماني.
وكانت هذه الاهداءات مهمة للغاية لأنها أدت إلي إثراء مجموعات المتحف وتنوعها،
ولاسيما أنه حتي سنة 1910 لم تكن الحكومة تخصص أي اعتمادات مالية
لدار الآثار العربية لشراء التحف، فكانت الدار تعتمد علي ما يصلها من
لجنة حفظ الآثار العربية منقولا من المباني الأثرية القديمة. لكن وابتداء
من 1926 بدأت الحكومة في تخصيص اعتمادات مالية لدار الآثار العربية
لشراء التحف، وبحلول عام 1935 ارتفع عدد التحف المسجلة إلي 12895
وفي السنة نفسها اتخذت الحكومة قرارا بنقل مجموعة التحف الأثرية التي ترجع
إلي العصر العثماني وعرضها في مبني حكومي بشارع الإنشاء في حي السيدة
زينب، فصار هذا المبني ملحقا لدار الآثار العربية، ولكن بعد عشر سنوات
قررت الحكومة إعادة الآثار العثمانية إلي مكانها الأصلي بالمتحف لعدم نجاح
تجربة عرضها في مبني منفرد، وبعدها توسعت الدار في شراء التحف من التجار
وأصحاب المجموعات الخاصة فاشتري المتحف مجموعة المستشرق رالف هراري من
التحف المعدنية بمبلغ 25 ألف جنيه، وأيضا مجموعة الطبيب المصري علي
باشا إبراهيم وكانت من السجاد والخزف بمبلغ 115 ألف جنية، وبحلول
عام 1952 ارتفع عدد التحف المسجلة إلي 16324 تحفة.
ومع
استمرار تزويد المتحف بالتحف الأثرية عن طريق الحفائر، والشراء،
والإهداء، وغيرها من المصادر اتسع مجال مجموعات المتحف، وصارت تغطي كل
فروع الفن الإسلامي وتطوره منذ صدر الإسلام في القرن السابع الميلادي وحتي
منتصف القرن التاسع عشر، كما أصبحت جغرافيا تغطي نتاج مساحات شاسعة من
الأرض تمتد من الأندلس في الغرب إلي وسط آسيا في الشرق، ومن شبه جزيرة
الأناضول شمالا إلي جنوب شبه الجزيرة العربية جنوبا، ولهذا السبب
واعترافا بدور البلاد الإسلامية غير العربية في تطوير الفن الإسلامي
وتنوع أشكاله وزخارفه، قامت الحكومة بتغيير اسم المتحف رسميا في أواخر
عام 1951 من "دار الآثار العربية" إلي "متحف الفن الإسلامي"
الأكثر شمولا ودلالة.
وفيما بين عامي 1960 و
2003 سجلت مجموعة المتحف ارتفاعا هائلا غير مسبوق، فقد ارتفع عدد
التحف المسجلة إلي أكثر من مائة ألف قطعة أثرية.
كنوز المتحف
|
|
| إبريق مروان |
المتابع للمتحف علي امتداد تاريخه سيجد انه حظي بهذه
المكانة نتيجة للنمو الهائل في مجموعته المتحفية، وقطعا فتخطيط المتحف
يشي بأنه يتسع لهذا العدد الكبير من القطع التي كانت تعرض في 24
قاعة، ويتسع لها مخزنه الكبير، فالمتحف يضم مجموعة نادرة من أدوات
الفلك والهندسة والكيمياء والأدوات الجراحية والحجامة التي كانت تستخدم في
العصور الإسلامية المزدهرة، بالإضافة إلي أساليب قياس المسافات كالذراع
والقصبة، وأدوات قياس الزمن مثل الساعات الرملية، ومجموعة نادرة من
المشكاوات المصنوعة من الزجاج المموه بالمينا، ومجموعة الخزف المصري
والفخار من حفائر الفسطاط، والخزف ذي البريق المعدني الفاطمي، ومجموعة
من أعظم ما أنتج الفنان المسلم من أخشاب من العصر الأموي، حيث يحتفظ
متحف الفن الإسلامي بمجموعات متميزة من الخشب الأموي الذي زخرفه المصريون
بطرق التطعيم والتلوين والزخرفة بأشرطة من الجلد والحفر، ومنها أفاريز
خشبية من جامع عمرو بن العاص ترجع إلي عام 212 هـ.
بالمتحف
أيضا مجموعة مهمة من الخشب الذي أنتج في العصر العباسي، وأيضا في العصر
الطولوني الذي يتميز بزخارفه التي تسمي "طراز سامراء" وهو الذي انتشر
وتطور في العراق، ويستخدم الحفر المائل أو المشطوف لتنفيذ العناصر
الزخرفية علي الخشب أو الجص وغيرها. وتأتي أهمية التحف الخشبية التي
يضمها المتحف من كونها تمثل تطور زخارف سامراء، وهي تحف نادرة، لم
يعثر علي مثيلها في سامراء العراق نفسها.
ومن أهم
مقتنيات المتحف من أخشاب العصر الفاطمي: محراب الجامع الأزهر وأمر بصنعه
الحاكم بأمر الله، ومحراب السيدة نفسيه ويرجع إلي عصر الخليفة الفاطمي
الحافظ لدين الله، ومحراب مشهد السيدة رقية وهو من أجمل المحاريب إذ
يحتوي علي زخارف نباتية وهندسية غاية في الدقة، وهناك أيضا تابوت من
الخشب من مسجد الحسين له أربعة جوانب حافلة بالحشوات متعددة الأشكال،
بداخلها زخارف نباتية مورقة ومتشابكة وتحيط به كتابات بالخط الكوفي والخط
اللين علي أرضية نباتية، تحف بها كتابات معظمها آيات قرآنية بعضها يشير
إلي آل البيت.
ومن المعادن يوجد في المتحف مفتاح
الكعبة المشرفة من النحاس المطلي بالذهب والفضة باسم السلطان الأشرف
شعبان، ومن أندر ما يضمه المتحف من التحف المعدنية ما يعرف بإبريق
مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين، ويمثل هذا الإبريق آخر ما وصل إليه
فن صناعة الزخارف المعدنية في بداية العصر الإسلامي، وهو مصنوع من
البرونز ويبلغ ارتفاعه 41 سم وقطره 28سم، عثر عليه في أبي صير
قرب الفيوم، وهناك أيضا دينار من الذهب مؤرخ بعام 77 هجرية؛ وترجع
أهميته إلي كونه أقدم دينار إسلامي تم العثور عليه إلي الآن، بالإضافة
إلي مجموعة متميزة من المكاحل والأختام والأوزان تمثل بداية العصر الإسلامي
الأموي والعباسي ونياشين وأنواط وقلائد من العصر العثماني وأسرة محمد
علي.
يعتبر قسم المسكوكات هو أكبر أقسام المتحف علي
الإطلاق وتضم مجموعة المتحف 48 ألف مسكوكة منها 38 ألف دينار من
الذهب الخالص وتحمل كلها دلالات سياسية واقتصادية وفنية مختلفة، فمثلا
الدنانير والدراهم وقت الأزمات كان يكتب عليها "والذين يكنزون الذهب
والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم"!
كذلك
فبالمتحف 20 ألف تحفة خزفية لامثيل لها، حتي في الدول المشهورة
بصناعة الخزف. وأكثر من ستة آلاف تحفه زجاجية يقتنيها المتحف
الإسلامي، أهمها مجموعة السلطان حسن.
كما يضم
المتحف مجموعة هائلة من شواهد القبور، تزيد علي ثلاثة آلاف شاهد، عليها
نصوص بالخط الكوفي البارز أو الغائر، أقدمها علي الإطلاق شاهد قبر مؤرخ
بعام 31هـ، ومن المخطوطات النادرة التي يضمها المتحف، مجموعة نادرة
من المصاحف أقدمها مكتوب بالخط الكوفي ويرجع إلي القرن الثاني الهجري،
وآخر من العصر الأموي مكتوب علي "رَقّ الغزال". ولعل مجموعة أوراق
البردي التي أهداها الدكتور هنري أمين عوض والتي تبلغ حوالي 240 قطعة
من أهم المخطوطات التي تضم كتابات تاريخية ورسائل متنوعة للمعاملات
الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الإسلامي علي مر العصور. كما يقتني
المتحف مجموعة من المخطوطات المصورة في الطب والأعشاب والهندسة والتاريخ
والملاحم والشعر.
كما يضم مجموعات قيمة من السجاجيد
التركية والإيرانية من الصوف والحرير ترجع إلي الدولة السلجوقية والمغولية
والصفوية والهندية المغولية في فترة القرون الوسطي الميلادية؛ وهي من صنع
أصفهان وتبريز بإيران وأخري من صناعة آسيا الصغري، حتي إن مجموعة المتحف
من السجاجيد تعتبر من أغني المجموعات العالمية، وبصفة خاصة مجموعة د.علي
باشا إبراهيم، لتنوعها الهائل..حيث اشتملت علي السجاد التركي والإيراني
وسجاجيد الأناضول والقوقاز، ومن خلالها يمكن القيام بدراسة توضح
مميزات طرز السجاد وطرق صناعتها وأساليب زخرفتها من بلد لآخر في العصور
الإسلامية المختلفة.
أما مجموعة المتحف من الخزف فهي من
أغني المجموعات في العالم، لأنها تشتمل علي تحف متنوعة من الخزف المصري
والإيراني، وبلاد ما وراء النهر، واسيا الصغري والعراق والأندلس،
وتعتبر مجموعة فريدة في تنوعها وفي تقديمها للطرز الفنية المختلفة،
بالإضافة إلي خزف البورسلين والسيلادون الصيني.
وكان
من أهم المجموعات الأثرية الكاملة التي اقتناها المتحف في تاريخه: كنز
من العملات النقدية الذهبية "دنانير" بلغ عددها 3611 قطعة،
عثر عليها محفوظة في جرتين من الفخار وجدتا مطمورتين تحت عتب بيت "زينب
خاتون"، وفي عام 1992 اقتني المتحف كنزا ثانيا من دنانير الذهب
يتألف من 701 دينار وقد عثر عليه بالصدفة أثناء إزالة أعمال ردم في
أطلال بيت قديم بدرب القزازين في حي السيدة زينب. وبشكل عام يمكن القول
إن المتحف يضم أغني وأندر مجموعات الفن الإسلامي في العالم.
بعد ست سنوات من الافتتاح:
كنوز دار الكتب تعود إلي المخازن
طارق الطاهر
|
|
لم تمر أكثر من ست سنوات علي إعادة افتتاح مبني دار الكتب
العريق بباب الخلق، الذي تكلف ملايين.. فقد سبق أن خضعت الدار العريقة
لترميمات، استمرت لسنوات، لتتحول بعد ذلك لتكون متحفا لأندر
المخطوطات، وتم نقل الكتب والمراجع الأخري لدار الكتب بكورنيش النيل،
كما احتضن المبني بباب الخلق منذ ما يقرب من العامين معرض الزعيم الراحل
جمال عبد الناصر، وضم مقتنياته الشخصية وكتاباته، ولم يقع لفتارين
العرض التي تحتويه أي سوء.
دار الكتب بباب الخلق افتتحت
عام 1904، وكانت المكان الذي ارتبط به كبار المثقفين والأدباء، كما
ترأسها نخبة من المفكرين، واستمرت تؤدي دورها باعتبارها " المكتبة
الوطنية" حتي أغلقت أبوابها في عام 2004، لتبدأ عملية ترميم شامل
لهذا المبني التاريخي، وبعد الانتهاء منه، تم افتتاحه مجددا في
2007، واختصرت مهام وظيفته ليكون متحفا لأندر المخطوطات في مختلف
المجالات، ولكن بعد هذا الحادث الإجرامي، ستغلق الدار أبوابها مرة
أخري، وربما يستمر ذلك لسنوات، فالمبلغ المبدئي لإعادة الترميم
يبلغ 50 مليون جنيه، حسب تصريحات د. صابرعرب وزير الثقافة، كما
تم نقل محتويات الدار، حتي يتم الترميم.
هذا
المبني، الذي يجرد اليوم من محتوياته، يضم مجموعة كبيرة من المصاحف
المملوكية، التي جئ بها من المساجد والمدارس، التي أنشأها
المماليك، ومن هذه المصاحف جزء من مصحف منسوب للخطاط أبو علي محمد بن
مقلة، وفرغ من كتابته عام 308هـ، وهو مجلد مخطوط بقلم نسخ والغلاف
مطرز بالذهب، فضلا عن مجموعة من المخطوطات في العلوم الدينية منها: "
الجامع في الحديث النبوي" لأبي محمد بن عبد الله، الذي توفي 197هـ
، وهو مرتب علي طريقة المحدثين والفقهاء، ويشتمل علي كتاب الأنساب،
وكتاب الصمت، وكتاب الختم، وهو يعد الكتاب العربي الوحيد الذي وصل
إلينا علي البردي، وكشف عنه عام 1922 في حفائر كان يجريها المعهد
العلمي الفرنسي بالقاهرة في إدفو بصعيد مصر، وفي الأدب نجد مجموعة من
المصادر الهامة منها: مقامات الحريري التي تعود لعام 516 هـ، وكتاب
الأغاني، للأصفهاني، المتوفي 356 هـ، ويعد من أحد أهم مصادر
الأدب العربي المبكر، والموجود ثلاثة أجزاء من نسخه بأول كل منها منمنمة
نادرة ملونة بماء الذهب واللازورد والحمرة، وفي مجال الجغرافيا نجد "
عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات للقزويني، المتوفي 682 هـ، وهو
كتاب من قسمين، الأول يتناول الحديث علي الأجرام السماوية وسكان ذلك
العالم أي الملائكة، والثاني يتناول الأرض وظواهرها، كما توجد في هذه
الدار- قبل التدمير- النسخ الأصلية من كليلة ودمنة، والشاهنامة.
ومن
جهة أخري، ولتوثيق ما فعله الحادث الإجرامي بمقتنيات الدار، أقامت
وزارة الثقافة مساء الأربعاء الماضي معرضا توثيقيا، يضم 25 لوحة تبين
المبني قبل وبعد الدمار.
بعضها يعود للقرن الحادي عشر الهجري:
|
|
المخطوطات المدمرة
|
|
|
|
|
| كل الديكورات الداخلية دمرت |
شوه العمل الإرهابي الغاشم الذي استهدف مديرية أمن القاهرة
وامتدت آثاره علي دار الكتب العريقة بباب الخلق مجموعة من المخطوطات
وأوراق البردي، وبالتحديد سبع مخطوطات بعضها غير معروف تاريخ نسخه،
مما يدل علي قدمه الشديد، وبعضها يعود للقرون الحادي عشر ،
الثاني عشر، والثالث عشر الهجري، ومن هذه المخطوطات »الجزء الثاني
من كتاب الشفاء« لابن سينا، و»المنصوري في الطب« لابن الرازي،
»منهاج الدكان« للكوهين العطار، »ريحانة الروح في رسم الساعات علي
مستوي السطوح« لابن معروف تقي الدين محمد، والذي تسبب فتح صنابير
المياه في دمار الكتاب، بالاضافة لـ : »روزنامة فلكية«
»تحفةالموازين« لمحمد الطاهر بن حسن الشاطبي، »مجموعة تصاوير فارسية
وهندية وتركية«.
أما البرديات فتسبب البلل المائي
الشديد في فقد 50٪ من بردية »وثيقة عنق جارية« لإبراهيم علي وتعود
لعام 393 هجرية، وجار التعامل معها الآن علي أمل انقاذها، أما
بردية »أمر توليه الخلافة في العصر العباسي« فقد تسبب البلل المائي في
تحويلها لكتلة واحدة، وجار الآن محاولة انقاذها.
»أخبار الأدب« تنشر معلومات وافية عن هذه المخطوطات والبرديات من واقع سجلات دار الكتب.
قسم الطبيعيات من كتاب الشفاء
المؤلف : ابن سيناء شرف الملك الحسين بن عبدالله (ت. سنة 428هـ / 1037م)
اللغة : العربية
مكان وتاريخ النسخ : غير مستدل
كتاب
الشفاء من أهم مؤلفات ابن سيناء وأشهرها علي الإطلاق والذي قدم من خلاله
مزجا للفلسفة الأفلاطونية والأرسطية والفقه الإسلامي. قسم هذا الكتاب علي
أربعة أقسام كبري وهي : المنطق، والطبيعيات، والرياضيات،
والإلهيات، وقسم كل قسم إلي فنون، والفنون إلي مقالات ثم فصول.
ويتناول هذا الجزء الثاني المتعلق بالعلوم الطبيعية الكثير من الحيوانات
والمخلوقات الأخري، بما في ذلك الدراسة المعروضة هنا حول العقارب، مع
طرق المداواة من لدغة العقرب.
المنصوري في الطب
المؤلف : الرازي أبوبكر محمد بن زكريا (ت. سنة 313هـ / 925م)
اللغة : العربية
تاريخ النسخ : القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي
ألف
الرازي ما يفوق المائتي كتاب في الطب والفلسفة والكيمياء وفروع المعرفة
الأخري. وينسب له عدد من الابتكارات في مجال الجراحة، وترجمت العديد من
مؤلفاته إلي اللاتينية وظلت المرجع الأول للجامعات الأوروبية حتي القرن
الحادي عشر الهجري / السابع عشر الميلادي. يصف هذا الكتاب أعراض وطرق
علاج الأمراض البدنية والنفسية والعقلية.
ريحانة الروح في رسم الساعات علي مستوي السطوح
المؤلف : ابن معروف، تقي الدين محمد. (ت. سنة 975هـ / 1585م)
الكاتب : بخط المؤلف
اللغة : العربية
مكان وتاريخ النسخ : القاهرة تقديرا، سنة 975هـ / 1567م
هذا المخطوط من أشهر مؤلفات ابن معروف «ابن الأمير ناصر الدين خمارتكين»،
الراصد
الذي عمل في خدمة علي باشا الوالي، ثم عينه السلطان سليمان الأول كبير
الفلكيين بالبلاط الملكي سنة 956هـ / 1549م. والكتاب يتناول رسم
المزاولة الشمسية علي سطوح الرخام ومعالمها، ويوضح الرسم الوارد بأعلي
اليمين مثالا علي هذه المزولة والتي صممت في إسطنبول. وحقق هذا النمط علي
وجه التحديد من المزولة الشمسية إنجازات علمية كبيرة، مما جعل هذا
الكتاب موضع اهتمام بعض العلماء اللاحقين والذين ترجموه إلي لغات عدة.
المخطوطات روزنامه فلكية
اللغة : تركية
مكان وتاريخ النسخ : القاهرة، نسخ هذا الجزء سنة 1197 هـ / 1784م
مخطوط
مكون من عدة رسائل مختلفة، معظمها متعلقة بعلم الفلك والبروج وعلم
الميقات. كما يحتوي علي العديد من الجداول والصور التوضيحية لدراسات
مختلفة متعلقة بموقع الكعبة وعلاقتها باتجاهات البوصلة والرياح. وتعرض
الرسوم التوضيحية الواردة هنا برجي الحوت والدلو، بجانب أشكال بشرية
وحيوانية أخري تشير للأجرام السماوية مستقاة من مصادر تنتمي لحضارات شرقية
وغربية قديمة.
تحفة الموازين لمن أراد الرياسة في الهندسة من أهل القوانين
المؤلف : التونسي محمد الطاهر بن حسن الشاطئ الحنفي
اللغة : العربية
مكان
وتاريخ النسخ : تونس، القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي
تقديرا ألفه الشاطئ في عام 1275هـ / 1858م، حينما كان أبوالمحاسن
محمد صادق باشا حاكما لتونس. استهل المؤلف كتابه بمقدمة وعظية عن أهمية
الجهاد وأهمية تطوير الجيوش، ثم وصف فيه أحدث التقنيات الحربية التي
شهدها عصره. ويتخلل هذه النسخة العديد من الرسومات الهندسية التي تظهر
التكتيكات الحربية، والخطط الدفاعية، والأسلحة مثل التحصين الموجود علي
اليسار والذي يبرز صفين من المدافع.
مجموعة تصاوير فارسية وهندية وتركية
الرسام : فنانون مختلفون
مكان وتاريخ النسخ : إيران والهند، وتركيا. القرن الثاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي
مجموعة
من الصور الملونة يبلغ عددها ستا وثلاثين صورة، يوجد علي بعضها
كتابات من أشعار فارسية، رسمها مجموعة متنوعة من الفنانين والرسامين.
يصور المشهد علي اليمين السفن الأوروبية والتركية المبحرة التي ربما تتحرك
في مضيق البوسفور. اللوحة علي اليسار هي تصوير بارع التنفيذ لسفينة
هولندية، تحمل توقيع الفنان سراج ديدي.
برديات
وثيقة عتق جارية
الكاتب : إبراهيم علي
اللغة : العربية
مكان وتاريخ الكتابة : مصر، آخر شهر رمضان سنة 393هـ/ 1002م
ويتناول
نصها عتق رقبة جارية اسمها بالعربية صفراء وبالقبطية دجاشة بنت أرينه،
كانت ملك السيدة اسطورهيوه ابنة سرجه بن ابليده. كتبها إبراهيم علي
بخطه، وبدأ الخطاب بالبسملة وختم بتوقيع الشهود.
منقول من اخبار الأدب
الجمعة، 3 يناير 2014
فرانز كافكا.. ترجمة - الدسوقي فهمي
الأحد، 29 ديسمبر 2013
فيدل كاسترو يكتب عن الحدث المنسي في العلاقة بين كوبا وجنوب أفريقيا مات مانديلا.. لماذا نخفي الحقيقة حول التمييز العنصري ؟
ترجمة: سمىة ربىع
|
|
| . |
بحسب ما أتذكر، لم يصدم خبر في الحاضر أو في الماضي الرأي العام العالمي مثل وفاة مانديلا. ولم يكن السبب هذه المرّة الثروة والمال، وإنمّا بسبب دفئه الإنساني ونبل مشاعره وأفكاره.
يكتب هنا فيدل كاسترو علي فراش مرضه ناعياً نيلسون مانديلا، الذي تعاطف العالم معه ليس بسبب ثراءه وإنما نبل أفكاره. يذكر كاسترو القراء بالمعركة العسكرية المنسية التي دارت رحاها بين كوبا وبين جنوب أفريقيا العنصرية ودور مانديلا في المعركة. لا يلزمنا الاتفاق مع جميع ما يقوله في هذا المقال الذي نشرته جريدة "جرانما"، وهي الجريدة الرسمية للجنة المركزية بالحزب الشيوعي في كوبا. فقط نقدم للقراء مادة مثيرة للاهتمام وللجدل علي حد سواء، احتراماً لحقهم في المعرفة.
ربما اعتقدت الامبراطورية أن شعبنا لن يوفّي كلمته عندما أكدّنا، في أيّام مرتبكة من القرن الماضي، أنه حتّي وإن اختفي الإتحاد السوفيتي، فإن كوبا ستواصل القتال.
اندلعت الحرب العالمية الثانية عندما غزت النازية الفاشية بولندا في الأوّل من سبتمبر عام 1939. وسقط هذ الخبر كالصاعقة علي الشعب البطولي لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، والتي ساهمت بـ 27 مليون روح للحفاظ علي حياة البشرية من تلك المجزرة الوحشية التي أنهت حياة أكثر من 50 مليون انسان.
من ناحية أخري، فإن الحرب هي النشاط الوحيد علي مر التاريخ التي لم يكن الجنس البشري أبدا قادرًا علي تجنبها، وهو ما دفع أينشتاين لأن يقول: لا أعرف كيف ستكون الحرب العالمية الثالثة ، ولكن الرابعة ستكون بالعصي والحجارة.
الولايات المتحدّة وروسيا، وهما أكبر قوتين موجودتين الآن، لديهما عشرون ألف رأس نووي. يجب أن نعرف جيدا أنه بعد ثلاثة أيام من تولّي جون ف. كينيدي رئاسة بلاده في 20 يناير 1961 ، كانت قاذفة القنابل بي-52 التابعة للولايات المتحدة الأمريكية في رحلة روتينية وعلي متنها اثنان من القنابل الذرية ذات قدرة تدميرية أكبر 260 مرة من تلك المستخدمة في هيروشيما، وأصيبت بعطل عجّل بهبوطها إلي الأرض. في مثل هذه الحالات، تعمل تقنيّات آلية متطورة علي تفعيل وسائل تحول دون إشتعال القنابل. سقط الأول علي الأرض من دون مخاطر تُذكر، أمّا بالنسبة للقنبلة الثانية، فإن ثلاثا من معدّات الوقاية لم تعمل، الرابعة كانت في حالة حرجة، وبالكاد أدّت دورها. القنبلة، بالصدفة، لم تنفجر.
بحسب ما أتذكر، لم يصدم خبر في الحاضر أو في الماضي الرأي العام العالمي مثل وفاة مانديلا. ولم يكن السبب هذه المرّة الثروة والمال، وإنمّا بسبب دفئه الإنساني ونبل مشاعره وأفكاره.
علي مدار التاريخ، وحتي قرن ونصف قرن فقط من الآن، وقبل أن تصبح الآلات والروبوتات التي تكلفنا طاقة أقل، هي المسؤولة عن القيام بالمهام المتواضعة ، لم تتواجد أي من المظاهر التي تحرّك الإنسانية اليوم، وتتحكم بشكل لا رحمة فيه في حياة البشر كلّهم: رجالاً ونساء، أطفالا وكبارا مسنين، وشبابًا وناضجين، ومزارعين وعمّال مصانع، أصحاب العمل اليدويّ والمفكرّين. أصبح الاتجاه السائد هو الاستقرار في المدن، بحيث أصبح خلق فرص العمل وتوفير وسائل النقل والمعيشة الأساسية يتطلب استثمارات ضخمة تأتي علي حساب إنتاج الغذاء وغيرها من أشكال الحياة المنطقيّة.
ثلاث قوي عظمي استطاعت الهبوط علي سطح القمر. في نفس اليوم الذي لُفَّ فيه جسد نيلسون مانديلا في علم بلاده ، ودفن في باحة المنزل المتواضع الذي ولد فيه منذ 95 عاما، استطاعت الصين أن تُرسل وحدة متطوّرة هبطت علي جزء من الجانب المضيء لقمرنا. كان تلاقي هذين الحدثين في نفس اليوم من قبيل الصدفة البحتة.
يبحث ملايين العلماء المواد والإشعاعات علي سطح الأرض وفي الفضاء. وعن طريقهم نعرف أن "تيتان"، أحد أقمار زحل، يحتوي علي نفط يعادل أربعين مرّة كل النفط الموجود علي كوكبنا منذ أن بدأنا استهلاكه من 125 عامًا، والذي لن يستمر سوي لقرن واحد آخر بالمعدلات الحالية للاستهلاك.
وُلدت روابط المشاعر الأخوية العميقة بين الشعب الكوبي ووطن نيلسون مانديلا من حدث لم يتم ذكره حتي، ولم نقل عنه -عديدة: مانديلا، لأنه كان رسولا للسلام ولا يريد أن يؤذي أحدًا، وكوبا، لأنها لم تقم أبدًا بشيء تسعي من خلاله إلي المجد والهيبة.
عندما انتصرت الثورة في كوبا، كنّا متضامنين مع المستعمرات البرتغالية في أفريقيا من السنوات الأولي. لقد عرضّت حركات التحرر في أفريقيا القوي الاستعمارية والإمبريالية للخطر، خصوصًا أن الحرب العالمية الثانية قد انتهت، وتحررت جمهورية الصين الشعبية - البلد الأكثر اكتظاظا بالسكان في العالم - بعد الانتصار المجيد للثورة الاشتراكية الروسيّة.
هزّت الثورات الاجتماعية الأسس القديمة للحكم والأنظمة. في عام 1960، كان تعداد سكان هذا الكوكب قد وصل إلي 3 مليارات نسمة. وبالتوازي، زادت قوة الشركات الكبيرة، والتي تتحكم في معظمها الولايات المتحدة. وأصبحت عملة الولايات المتحدّة، بدعم من احتكار الذهب والصناعة، في مأمن بعيدًا عن جبهات القتال؛ أصبحت هي مالكة الاقتصاد العالمي. وأصدر ريتشارد نيكسون قرارًا بأن الولايات المتحدة لن تغطي الدولارات الموجودة خارج حدودها برصيد من الذهب، وسيطرّت شركات بلاده علي الموارد الرئيسية و المواد الخام علي كوكب الأرض عن طريق الورق.
حتي الآن، لا يوجد
شيء لم يكن معروفً
ولكن لماذا يتّم إخفاء حقيقة أن نظام الفصل العنصري، والذي عانت بسببه أفريقيا، وغضبت منه الغالبية العظمي من أمم العالم، كان نتيجة لسياسات أوروبا الاستعمارية، وتم تحويله إلي قوة نووية تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل، في حين تُدان علنًا كوبا، البلد الذي أيد قتال المستعمرات البرتغالية في أفريقيا من أجل استقلالهم؟
أبدًا لم تستسلم بلادنا التي تنازلت عنها إسبانيا إلي الولايات المتحدة بعد النضال البطولي لأكثر من 30 سنة، لنظام العبيد الذي فُرض عليها لأكثر من 500 سنة.
في عام 1975، انطلقت بعض القوّات العنصريّة من ناميبيا -المحتلّة من قبل جنوب أفريقيا- مدعومة بدبابات خفيفة بمدافع قطرها 900 مم، واخترقت أكثر من ألف كيلومتر من ضواحي لواندا. لكنّ كتيبة من كتائب القوات الخاصة الكوبية تمّ إرسالها جويّا وبعض تشكيلات من الدبابات السوفييتية والتي كانت موجودة لأسباب أخري، استطاعت احتواء الأمر. حدث هذا في نوفمبر عام 1975، أي قبل 13 عاما علي معركة كويتو كوانافالي .
قلت أننا لم نفعل شيئًا أبدًا بحثًا عن هيبة أو فائدة . وإنما الحقيقة أن مانديلا كان رجلا نزيهًا وثوريًّا أصيلا واشتراكيًا حقيقيًا، تحمّل بحكمّة كبيرة 27 عامًا من السجن الإنفرادي. لم أتوقف أبدًا عن الإعجاب بصدقه وتواضعه وأهليته للاحترام.
وفّت كوبا واجباتها الأمميّة بدقّة. دافعت عن النقاط الرئيسية، ودربّت كلّ عام آلاف المقاتلين الأنجوليين ذمن أنجولا- علي التعامل مع الأسلحة، وتولّي الاتحاد السوفييتي مهمّة التسليح. ولكن علي الرغم من ذلك، فإن وجود مستشار عسكري تابع للجهة المورّدة للمعدّات لم تكن فكرة نستطيع أن نقبلها في تلك الفترة. كان الآلاف من الشباب الأصحاء الأنجوليين يتقدمّون بشكل مستمر بطلبات للاشتراك في الجيش الوليد. لم يكن المستشار الرئيسي في ذلك الوقت زوكوف أو روكوسوفسكي أو مالينوفسكي أو غيرهم الكثير الذي رسموا مجد الاستراتيجية العسكرية السوفييتية. كانت الفكرة المسيطرة هي إرسال ألوية قتالية أنجولية مسلّحة جيّدًا إلي الأراضي التي افتُرض أن توجد فيها الحكومة القبلية سافيمبي صاحبة جيش المرتزقة الذي يخدم الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا. كان الأمر مثل إرسال القوّات التي تقاتل في ستالينجراد إلي حدود الكتائب الإسبانية التي أرسلت أكثر من ألف جندي لقتال الإتحاد السوفيتية. كان هذا هو العام الذي يمكن أن تتم فيه عمليات لها هذا الطابع.
كان العدو يتقدّم، بعد أن ضرب عدة ألوية أنجولية علي مقربة من الهدف الذي تم إرسالهم إليه وعلي بعد حوالي 1500 كم من لواندا. من هناك جاءوا متبوعين بقوّات من جنوب أفريقيا، واتجهّوا نحو كويتو كوانافالي، القاعدة العسكرية القديمة لحلف الناتو وعلي بعد حوالي 100 كيلومتر من أوّل لواء للدبابات الكوبية.
أهنئ الرفيق راؤول لأدائه الرائع، وأهنئه خصوصًا علي الحزم والكرامة عندما حيّا رئيس حكومة الولايات المتحدّة بلفتة وديّة ولكن قويّة، وقال له بالإنجليزيّة: " سيدي الرئيس، أنا كاسترو".
في هذه اللحظة الحرجة، طلب رئيس أنغولا الدعم من القوات الكوبية. نقل لنا رئيس قواتنا في الجنوب الجنرال ليوبولدو ثينترا فرياس هذا الطلب، وهو شيء معتاد. وكان ردنا أننا سنقدّم هذا الدعم إذا وافقت كل القوات والفرق الأنجولية في هذه الجبهة أن تخضع للقيادة الكوبية في جنوب أنجولا. كان الجميع يفهمون أن طلبنا هذا كان يهدف إلي تحويل القاعدة القديمة إلي الشكل المثالي الذي يستطيع أن يضرب القوّات العنصريّة الآتية من جنوب أفريقيا.
في أقل من 24 ساعة وصلنا من أنجولا قرارها بالموافقة.
تم أخذ قرار بالإرسال الفوري للواء من الدبابات الكوبية إلي تلك المنطقة، وكانت عدّة لواءات أخري في نفس الطريق نحو الغرب. كان العائق الرئيسي هو الطين ورطوبة التربة خلال موسم الأمطار، لذا كان علينا أن نفحص كل متر في الأرض لتحاشي الألغام الأرضية. وتم إرسال أفراد إلي كويتو من أجل تشغيل الدبابات و البنادق.
كان نهر كويتو السريع والقويّ يفصل بين القاعدة والأراضي الواقعة في الشرق، ويصل بينهم فقط جسر متين. هاجم الجيش العنصري القوّات بنفاذ صبر؛ ونجحت طائرة بدون طيّار مليئة بالمتفجرات في تفجير الجسر وجعله غير صالح للاستخدام. وبالنسبة للدبابات الأنجولية المتراجعة، من يستطيع الحركة منها تم نقله إلي نقطة أخري في الغرب. الدبابات المتضررة تم دفنها بأسلحتها في اتجاه الشرق؛ وبالإضافة لكميّة كبيرة من الألغام الأرضية ومضادات الدبابات، تحوّل المكان إلي جدار عازل عبارة عن فخ للموت بالنسبة للجانب الآخر من النهر. عندما استأنفت القوات العنصرية تقدمها، وتفكك هذا الجدار، فتحت الدبابات وسلاح المدفعيّة التابعة للواءات الثوريّة النار من مواقع ارتكازهم الواقعة بمنطقة كويتو.
تم حجز دور خاص للـ ميج -23، والتي برغم سرعتها التي تقترب من ألف كم/الساعة وطيرانها علي ارتفاع مائة متر كانت قادرة علي تحديد ما إذا كان جندي المدفعيّة أبيض أم أسود، وبالتالي أطلقت النار باستمرار وبكفاءة ضد العدوّ.
عندما بدأ العدو المستهلَك وغير القادر علي الحركة في الانسحاب، استعدّت القوّات الثوريّة من أجل المعركة النهائية.
انتقلت العديد من الألوية الأنغولية و الكوبية بوتيرة سريعة و بمسافات مناسبة إلي الغرب، حيث كانت توجد الطرق الواسعة الوحيدة، والتي كانت قوّات جنوب أفريقيا تبدأ دائمًا الهجوم عبرها ضد أنجولا. علي الرغم من ذلك، كان المطار الذي يبعد 300 كم عن حدود ناميبيا محتّلاً بالكامل من قبل جيش التمييز العنصري.
في الوقت الذي كان يتم فيه إعادة تنظيم القوّات وإعادة تجهيزها، تم أخذ قرار اضطراري ببناء مدرّج لطائرات الـ ميج-25 علي وجه السرعة. كان الطيّارون يستخدمون المعدات الجوية التي تسلمنّاها من الاتحاد السوفييتي في أنجولا، ولم يكن طيّار وأنجولا جاهزين بعد لاستخدامها بشكل صحيح. فقدنا العديد من المعدّات الجويّة بسبب إصابات نجمت أحيانًا عن أخطاء قام بها جنودنا العاملون في سلاح المدفعيّة أو علي الأسلحة المضادّة للهجمات الجويّة. جنوب افريقيا لا تزال تحتل جزءاً من الطريق الرئيسي الذي يصل بين الهضبة الأنجولية وناميبيا. و فوق جسور نهر كونين القويّة، النهر الذي يصل بين جنوب أنغولا و شمال ناميبيا، بدأت في ذلك الوقت مباراة طلقات المدافع والتي ساعدها كونها ذات قُطر 140 مم أن تغطّي مجالا يقترب من 40 كم. كانت المشكلة الرئيسية أن مقاتلي جنوب أفريقيا العنصريين يمتلكون، وفقا لحساباتنا، ما بين 10 و 12 سلاحًا نوويا تم اختبارها حتي في البحار أو في المناطق الجنوبية المجمدة، وصرّح الرئيس رونالد ريغان باستخدامها. وسلّمتهم إسرائيل المعدّات اللازمة لتفجير الشحنة النووية. وجاء ردنا علي هذا هو تنظيم مجموعات قتاليّة من الجنود لا يزيد عددها عن 100 شخص تتحرّك ليلا بمصاحبة السيّارات المجهزّة بمدافع مضادّة للطائرات لتوسيع نطاق أرضنا.
وفقًا لتقارير موثوق بها، فإن الأسلحة النووية التي تمتلكها جنوب أفريقيا لا يمكن تفجيرها عن طريق الطائرات الميراج، كانت تحتاج قاذفات ثقيلة من النوع كان-بيرا. ولكن في أي حال، فإن قوات دفاعنا الجوي تشمل أنواعا عديدة متوافرة من الصواريخ التي يمكنها ضرب و تدمير الأهداف المحمولة جوا علي مسافات قد تصل إلي عشرات الكيلومترات. بالإضافة إلي ذلك، قامت مجموعة من المقاتلين الكوبيين والأنجوليين بالسيطرة علي مصدر ماء يقع في الأراضي الأنجولية، وبه 80 مليون كم. كان تفجير هذا الموقع يعادل أثر العديد من الأسلحة النووية.
ولكن مع ذلك، استطاعت كتيبة من كتائب الجيش جنوب الأفريقي استخدام بعض التيارات المائيّة القويّة لنهر كو-نيني قبل وصولها إلي حدود ناميبيا.
عندما بدأ العنصريون إطلاق مدافع الـ 140 مم في مسرح العمليّات، ضربت الميج ذ 23 كتائب الجنود البيض بقوّة، وغادر الناجون المكان تاركين وراءهم ملصقات تنتقد حتّي إدارتهم. هذه كانت الحالة عندما تقدمت القوات الكوبية والأنغولية نحو خطوط العدو .
كنت أعرف أن كاتيوشا بلانكو، مؤلفة العديد من الروايات التاريخية، كانت هناك، جنبًا إلي جنب مع الصحفيين والمصورين. كان الوضع متوترا ولكن أحداً لم يفقد أعصابه .
ثم جاء الخبر بأن العدو علي استعداد للتفاوض. نجحت محاولة وقف المغامرة الإمبريالية و العنصرية في القارة التي سوف يفوق عدد سكانها خلال ثلاثين عاما عدد سكان الصين والهند مجتمعين.
كان دور كوبا في هذه المفاوضات لا يُنسي، خاصّة بعد فشل أخينا وصديقنا نيلسون مانديلا.
أهنئ الرفيق راؤول لأدائه الرائع، وأهنئه خصوصًا علي الحزم والكرامة عندما حيّا رئيس حكومة الولايات المتحدّة بلفتة وديّة ولكن قويّة، وقال له بالإنجليزيّة: " سيدي الرئيس، أنا كاسترو".
عندما أعاقت حالتي الصحيّة قدراتي البدنيّة، لم أتردد لحظة في التعبير عن رأيي فيمن يمكنه حمل المسئولية من بعدي. إن حياة فرد هي مجرّد دقيقة في تاريخ الشعوب، وأعتقد أن من يستطيع أن يتحمّل المسئ-ولية في هذا الوقت يحتاج إلي الخبرة والقدرة الكافيّة ليواجه عددا لا نهائيا من المتغيرات.
ستحتفظ الإمبريالية دومًا بعدّة رسائل هدفها إخضاع جزيرتنا، ولكن سيكون عليها أولا أن تبيد سكانها، وتحرمها من الشباب والشابات، وتقدم الفتات من الأصول والموارد الطبيعية التي تنهبها من العالم.
فلتتناقش الآن أصوات الإمبراطوريّة عن كيف ولماذا ظهر التمييز العنصري.
منقول من موقع أخبار الأدب
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)