الخميس، 1 مايو 2014

ميثولوجيا القرن الواحد والعشرين




لم تتخلى البشرية عن الميثولوجيا في يوم من الأيام فهي مرآة طبيعية لوجوهنا المغتربة لرغبتنا الجامحة في أن نسير عكس الحقيقة وأن بني وهمنا الذي نريد أن نسجن بداخله عسى أن نحصل على السلام النفسي وتنام أعيننا ملؤ الجفون تلك الرغبة التي لن نحصل عليها أبداً لأننا جعلنا من الإنسان كائن ميثولوجي بدلاً من أن يكون كائن ميتافيزيقي - كما يقول شوبنهاور – وأسمحوا لي أن أضيف وفيزيقيٌ في آن .



الميثولوجيا في مقابل الميتافيزيقا :



تختلف الميثولوجيا عن الميتافيزيقا إختلاف جذري فالأولى لها صفتان أساسيتان هما الوهم و الخيال الأبستمولوجي ( الوهم المعرفي ) المرتبط بالإغتراب عن أصول وآليات وحقيقة المعرفة البشرية والصفة الثانية هي إضافة قدرات غير حقيقية وخارقة لشخص ما أو شيء ما في حين تتصف الثانية ( الميتافيزيقا ) بالحقيقة المعرفية وتطابق القدرة مع الفعل هو أذن إختلاف جذري بين الوجود والعدم أو لنقل بين ما هو موجود بالفعل وما هو موجود بالوهم – لأننا نجد مظاهر ثقافية وحضارية تُبنى على أسس أيدولوجية وهمية – الميثولوجيا أذن هي حالة إغتراب عن الميتافيزيقا تسمح للإنسان بالخروج عن قواعدها وسلطانها لكي يكون قادراً على فعل ما يهوى وما يشاء بدلاً من أن يفعل ما يجب أن يكون .



هو أذن صراع دائم بين الميثولوجيا والميتافيزيقا مرت فيه البشرية بثلاث مراحل رئيسية الأولى هي مرحلة إستبدال الميتافيزيقا بالميثولوجيا البدائية ( القصصية ) حيث أستبدل الإنسان الإله بالآلهه وبنى نسق عقدي ملحمي مشوه وخيالي والمرحلة الثانية هي مرحلة تشويه الميتافيزيقا بإدخال معتقدات ميثولوجية إليها حيث قام الإنسان بتشويه الدين لخدمة اغراض سياسية وإقتصادية وإجتماعية وغيرها كما حدث في العصور الوسطى الأمر الذي أدى إلى الوصول إلى نقطة الصراع بين القاهر والمقهور العلم والدين السلطة والشعب وبطبيعة الحال التحول إلى المرحلة الثالثة وهي مرحلة قتل الميتافيزيقا وإستبدالها بالإنسان \ الإله .



هنا أستُبدل الدين بالأخلاق الوضعية وتخطى العلم قدراته ليصبح سيد الموقف وحل الإنسان محل الإله إلا أن الأمم المختلفة لا تتساوى في تلك المراحل فالشعوب العربية على سبيل المثال لا تزال في مرحلة تشويه الميتافيزيقا والسؤال الأهم هنا ما الداعي إلى قتل الميتافيزيقا أو قتل الفيزيقا من الأساس فالعلاقة بينهما علاقة تكاملية ولا ينشأ الصراع بينهما إلا في حالة تشويه أحدهما أو كلاهما الأمر الذي يؤدي إلى فقدهما لخصائصهما الحقيقية ويجعل حالة التكامل بينهما مستحيلة أو شبه مستحيلة .



كما أن الدين والواقع والإنسان ثلاثية يجب أن تكون مكوناً واحداً لا إنقسام فيه ولا تضاد فالدين يجب أن يكون متوافقاً مع الفطرة السوية للإنسان تلك التي تلبي إحتياجاته النفسية والروحية والجسدية بصورة صحيحة وسوية لكي لا يركن إلى ذلك الجزء الحيواني بداخله ولكي ينال السعادة في الدنيا والآخرة وإلا فلمن يكون الدين كما ان الواقع يجب أن يكون مرآة لإيمان الإنسان بالدين وتطبيقاً له في الحياة  إلا ان التاريخ ينبأنا بغير ذلك لا لأن الدين لا يتناسب مع الفطرة البشرية ولكن لأن الإنسان أغترب عنها ليصبح حيوان مفترس قادر على تشويه الدين ورسم واقع مآساوي ومظلم في آن هي أذن معضلة تاريخية قديمة قدم وجود الإنسان على الأرض حديثة بفعل الإغتراب المستمر لبني البشر .

ولكي تكون ثلاثية الدين والإنسان والواقع مكوناً واحداً لا إنقسام فيه ولا تناقض يجب علينا أن نقضي أولاً أو على الأقل أن نقلل من حالة الإغتراب الإنساني لأنه وحده القادر على تشويه الدين لكي يتناسب مع مايهوى الإنسان ومايشاء وبالتبعية رسم واقع مظلم ومأساوي كما ذكرت من قبل وفي ظل الوضع الراهن وظهور أشكال مختلفة من الكهنوت المقنع في عالمنا العربي والإسلامي وجب علينا ان أردنا أن نتحرر منه ومن كل أشكال العبودية الثقافية  ان نعود إلى التمييز بين الأصول والفروع الثوابت والمتغيرات المتن ومساحة الهامش التي يجب ان نتحرك فيها جميعاً كما يجب أن يفتح باب الإجتهاد بشكل جدي من جديد سواء بدأ من حيث أنتهى الاخرون  بما يتناسب مع أوضاع العصر أو بدأ من الأصول أي من القرآن والسنة كما يجب الفصل بين كل ما هو إجتماعي وماهو ديني نظرلصبغ العادات مع مرور الأيام بصبغة مقدسة مما يجعلها تحفظ في الذاكرة الشعبية بتلك الصبغة الدينية هذا بالإضافة إلى  أن التربية الدينية يجب أن تندمج مع الواقع ومشكلاته وأن تنتقل حتى على مستوى العقيدة من مرحلة إدراك الحقيقة إلى مرحلة إدراك أبعادها – أي إدراك الأسباب والنتائج  -  الأمر الذي سيؤدي إلى تربية وعي جمعي ناقد قادر على التحليل ومعالجة المشكلات بصورة لا ينفصل فيها ماهو ديني عن ماهو إنساني وواقعي وأخيراً يجب أن تنتقل تلك الرؤية إلى ديانات ومذاهب مختلفة وان تعمل على تنمية فكرة التعايش المشترك والسلام الإجتماعي والعالمي لكي تصل المجتمعات إلى حالة بنائية داخل المجتمع الواحد – أي حالة تعتمد على التكامل لا الصراع – والأمم إلى حالة من التعارف والتعايش السلمي كما ان تلك الرؤية لا يجب أن تكون لها قواعد ثابته اللهم إلا الحفاظ على الأصول والسعي من أجل إلغاء حالة الإغتراب الإنساني لكي لا تفقد ديناميتها وقدرتها على تحقيق مقاصدها بأختلاف الأزمنة والأمكنة .



فلسفة السلطة في مقابل إغتراب السلطة :



السلطة كما قال كثير من الفلاسفة هي نتاج تنازل الشعب عن بعض حقوقه للحكومة عن طريق إبرام عقد إجتماعي معها يُسمحُ لها بمقتضاه بإدارة شؤون الدولة نيابة عن الشعب هي أذن ضرورية ومنطقية في آن ولكن متى تكون السلطة مغتربة.. ؟ تكون السلطة مغربة إرادياً حينما لا تبنى على أيدولوجيا سليمة ( أي لا تتوافق مع المنطق والحدس السليميين أو بعبارة أخرى مع الفطرة البشرية هذا بالإضافة إلى هوية المجتمع الخاصة ) أو عندما لا تطبق تلك الأيدولوجيا على أرض الواقع وفي كلتا الحالتين ينشأ الصراع داخل المجتمع.. فالفطرة البشرية لا تقبل الظلم والقهر والقمع لا تقبل الفقر والإحتكار والتحكم ولا ترضى إلا بالمساواة والعدالة والحرية  هذا بالإضافة إلى التفرد أيضاً فيما يتعلق بهويتها الخاصة .



إلا ان السلطة لم تتخلى عن إغترابها إلا في حالات قليلة من تاريخ البشرية فالإنسان مر بحكم الإله ( الفرعون والإمبراطور وغيرهما ) ثم الحكم بأمر الإله في العصور الوسطى وفي المرحلة النهائية أنتقل إلى حكم الإنسان \ الإله في العصر الحديث هي أذن صورة ميثولوجية وهمية تتيح للسلطة فعل ما تشاء عن طريق السيطرة على الوعي الجمعي وللإنسان فعل ما يشاء ولكن لأننا كائنات ميتافيزيقية بطبعها علينا إستبدال الميتافيزيقا بصور مختلفة للميثولوجيا .

  



ثقافة الـ 0 في مقابل ثقافة الـ



الثورة هي " القضاء على حالة الإغتراب الإجتماعي والسياسي والإقتصادي للأمم  " تلك الحالة التي تجعل مغترباً إرادياً وآخر قهرياً ( ظالماً ومظلوماً ) في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة في معادلة سياسية وإقتصادية وإجتماعية مغلوطة الأمر الذي يؤدي إلى محاولة تغيير تلك المعادلة من أجل بناء نظام جديد سوي وعقلاني .



ذكرت من قبل أن التاريخ يسير بشكل دائري يتمثل في دائرتين تسيران بإتجاهين متعاكسين الأولى تبدأ بمرحلة الصراع بين أمتين ثم إنتصار أحدهما على الآخرى ثم مرحلة القوة والضعف والعودة إلى الصراع من جديد في حين تبدأ الثانية بمرحلة الصراع ثم الهزيمة ثم الضعف ثم مرحلة إفاقة إحدى الأمم والعودة إلى الصراع من جديد هذا الشكل الدائري للصراع يتسم به التاريخ بشكل عام وتاريخ الأمم المختلفة بشكل خاص وذكرت أن الحل يكمن في الوصول إلى حالة بنائية داخل الأمة الواحدة وحالة من التعارف والتعايش السلمي بين الأمم المختلفة وتلك هي وظيفة الثورات .



نعم فالثورات تدخل في دائرة الصراع لكي تصل إلى هاتين الحالتين في حين تحاول السلطة أن تقف عند مرحلة القوة وهي مرحلة الصفر أو العدم ( اللاشيء ) وسأحاول ان أشرح هذا بشيء من التفصيل فالثورة قبل أي شيء تكون ثورة معرفية ( فكرية ) لأنه بالرغم من ان العلاقة بين الفكر والمادة علاقة ديناميكية إلا أن الفكر يظل سابق على المادة – وأتحدث هنا عن علاقة الإنسان بالإنسان فقط – لأنه سابق على الفعل البشري المنشيء للمادة \ الواقع من الأساس .



السؤال الأهم هنا كيف يكون الصراع بين الثورة والسلطة.. ؟ أعتقد ان الصراع يكون عن طريق فرض حالة من " الحركة السالبة للثقافة " من قبل السلطة وإيجاد " حركة موجبة للثقافة " من قبل الثورة الأولى تتميز بشيئين الحركة السالبة أي حركة إلى الوراء ( عكس عقارب الساعة ) والهدم لبنى " الحركة الموجبة للثقافة " وهي حركة مغتربة عن العصر والتطور الطبيعي للثقافة البشرية وثقافات الأمم الخاصة وينتهجها كل من السلطة ومن والاها والأطراف الأخرى التي تريد أن تصل إلى السلطة ولكن مع الحفاظ على خصائصها " السيئة " كما هي أو بمعنى آخر الأطراف التي لا يشغلها التغيير في حد ذاته بل تغيير السلطة بسلطة أخرى والطرفان يحاولان أن يفرضا حالة من الحركة السالبة للثقافة لكي يحافظوا على مصالحهم ويمنعوا أي تغيير حقيقي في المجتمع .



والثانية تتميز بثلاثة أشياء الديناميكية ( الحركة التفاعلية ) والإنفتاح الفكري والسعي الدائم إلى تغيير الواقع للأفضل وإذا إستطاعت السلطة السيطرة على الوعي الجمعي فأنها تجعل حركة  المجتمع تسيرإلى الوراء حتى يصل إلى ثقافة الصفر وهي ثقافة تتميز بشيئين الإستاتيكية ( أي ثبات النظام ) والدوجما ( الإنغلاق الفكري ) وهي ثقافة عدم أو لا شيء إلا أنها وفي نفس الوقت تضفي على الواقع قيم مطلقة كالصفر الذي لا يساوي شيئاً إلا انه له قيمة رياضية مطلقة .



وبالفعل تحاول السلطة أن تفعل ذلك عن طريق فرض أسطورتين أساسيتين الأولى هي أسطورة الفناء عن طريق إيهام الوعي الجمعي بأن الثورة هي مجرد فعل فوضوي سيؤدي في نهاية المطاف إلى فناء الدولة التي لن تستطيع تلبية حاجات البشر الأساسية من مأكل وأمن ومأوى وهي الحاجات الأساسية للوجود البشري في حد ذاته والثانية هي أسطورة المنقذ من الفناء ( النظام أو الفرد أو الدولة ) وبغض النظر عن ماهيته يظل هذا المنقذ بطلاً أسطورياً نصنعه ليتحكم بنا .



أما إذا إستطاعت الثورة إقناع الوعي الجمعي فأنها تجعل حركة المجتمع تسير إلى الأمام حتى تترسخ مبادئها في عقله ووجدانه  وهنا ينتقل المجتمع إلى ثقافة الفاي ( المالانهاية ) التي تتميز بالديناميكية والإنفتاح الفكري والسعي الدائم إلى تغيير الواقع للأفضل فالثورة لا تتوقف – وأنا هنا لا أعني الإحتجاج وأن كان مهماً حتى تتحقق مطالب الثورة – ولكن أعني التطور المستمر للمنظومة المعرفية للمجتمع التي تجعل كل ما هو متغير في حالة تطور مستمرمع الحفاظ على ما هو ثابت بالطبع .



العلم في مقابل الميتافيزيقا :



الثورة معرفية في الأساس والمعرفة أشمل من العلم لأنها لا تقتصر فقط عليه وتُبنى على معتقدات فكرية حقيقية راسخة ورصينة فالثقافة العلمية على سبيل المثال تعتمد على أذهان تفكر بطريقة تفكيرعلمي تلك التي كانت ولازالت ضرورية لبناء المعرفة العلمية من الأساس وكما ذكرت من قبل نحن من نجعل الميتافيزيقا والفيزيقا العلم والدين المادي والملموس واللامرئي في حالة صراع لا تكامل لخدمة أغراض أخرى لها أبعادها السياسية والإقتصادية والإجتماعية المختلفة .





هناك من يرى أن التطور المعرفي يتسم بالتراكم والإتصال وهناك من يرى مثل ميشيل فوكو أن التطور المعرفي للبشرية يأتي من القطيعة لا الإتصال ويُقصد بالقطيعة هنا القطيعة المعرفية عما هو سائد في المجتمع في عصر معين هذا بالإضافة إلى أن المعرفة - حتى من منظورها التاريخي - متغيرة وفقاً لرؤى العصر الذي تُبنى فيه وأعتقد أن التطور المعرفي يتسم بالصفتين في آن بمعنى أنها تكون قطيعة معرفية عما هو سائد في المجتمع لكنها تظل تراكمية إذا نظرنا إلى التاريخ المعرفي للبشرية ككل فنسبية أينشتاين كسرت كل ما هو متعارف عليه وسائد لقوانين نيوتن وهذا أدى بطبيعة الحال إلى صراع شديد بين من يمتلكون عقل دوجمائي ومن يمتلكون عقل ديناميكي منفتح إلا أن النظريتان الان في حالة تكامل لا صراع فأينشتين لم يقضي على قوانين نيوتن بل وضعها في مكانها الصحيح وأضاف إلى المعرفة العلمية بصمته بطبيعة الحال .



العلم أيضاً في صراعه مع الميتافيزيقا مر بثلاثة مراحل الأولى هي مرحلة إستبدال العلم والميتافيزيقا بالميثولوجيا وهنا أتفق مع كانت في أنها كانت مرحلة لا علمية في الأساس وتعتمد على التفكير الأسطوري الخيالي والثانية كان فيها العلم خادماً للميتافيزيقا المشوهه والثالثة هي مرحلة العلم \ الميثولوجيا حيث حل العلم محل الميتافيزيقا وبالتبعية أصبح أسطورياً لأنه حل محل الإله وبطبيعة الحال أتصف بصفتي الوهم الأبستمولوجي وإضافة قدرات غير حقيقية وخارقة له إلا أن الخطير هنا هو توهم الإنسان القدرة المطلقة ومنها القدرة على الخلق مما جعله يحاول أن يشييء الإنسان ويؤنسن الشيء وبدلاً من أن يستخدم العلم في التوافق والتكيف مع الطبيعة وحل مشاكله المختلفة أصبح شغله الشاغل هو التحكم في الحياة نفسها الأمر الذي أدى إلى سقوطه في شرك الميثولوجيا والإغتراب .

الخميس، 17 أبريل 2014

غابرييل غارسيا مركيز


 رحل من عرف أن للإنسان أجنحة لا ترى فجعل الواقع سحرياً وسحر الخيال واقعاً يمشي على قديمن

«عظام الصدي‮».. قصة لصمويل بيكيت تنشر بعد رفضها من‮08 ‬سنة



داليا آلبيرج ت‮:‬‮ ‬أمير زكى

القصة الملغزة بعنوان‮ "‬عظام الصدي‮" ‬كان من المفترض أصلا أن تصبح القصة الأخيرة في المجموعة القصصية‮ "‬وخزات أكثر منها ركلات‮"‬،‮ ‬المجموعة المكونة من قصص متصلة ونشرت عام‮ ‬1934‭.‬‮ ‬ولكن الناشر في هذا الوقت،‮ ‬تشارلز برينتس بدار شاتو وويندوس،‮ ‬رفض الحكاية لأنها صعبة وغريبة جدا‮. ‬أبلغ‮ ‬برينتس الخبر لبيكيت في خطاب فظ‮: "‬إنها كابوس‮.. ‬إنها أغاظتني‮... ‬أنا متأكد أن عظام الصدي ستجعل الكتاب يفقد العديد من القراء‮. ‬سيضطرب الناس ويتحيرون ويرتبكون‮. ‬ولن يتحمسوا لتحليل الاضطراب‮". ‬مضيفا‮: "‬أنا أكره قول هذا‮".‬

القصة المكونة من‮ ‬13‭,‬500‮ ‬كلمة لم تُضَمَّن في المجموعة المنشورة وظلت مختبئة من ساعتها في الأراشيف الأمريكية،‮ ‬متلقية اهتماما محدودا من دارسي بيكيت‮. ‬نشر دار‮ "‬فيبر آند فيبر‮" ‬لها في‮ ‬17‮ ‬أبريل سيكون حدثا كبيرا للمعجبين بالكاتب الأيرلندي ومؤلف‮ "‬في انتظار جودو‮"‬،‮ ‬الذي مات عام‮ ‬1989‭.‬‮ ‬فاز بيكيت بجائزة نوبل في الأدب عام‮ ‬1968‮ ‬وألهم أدباء عظاما آخرين مثل هارولد بنتر‮.‬

حرر الطبعة الأخيرة من المجموعة د‮. ‬مارك نيكسون،‮ ‬القاريء بالأدب الحديث بجامعة ريدينج،‮ ‬وهو أيضا مدير مؤسسة بيكيت العالمية،‮ ‬هو رئيس مجتمع صمويل بيكيت ونشر بشكل واسع عن أعمال بيكيت‮. ‬كتب نيكسون في المقدمة‮: "‬الاعتبار الأدبي لعظام الصدي واضح‮: ‬وبالإضافة إلي ذلك هي وثيقة مهمة‮".‬

كان برينتس ناشرا يصعب إرضاؤه‮. ‬عام‮ ‬1932‮ ‬رفض أيضا عمل بيكيت السردي الأساسي الأول وهو روايته‮: "‬حلم جميل لنساء عاديات‮" ‬كـ‮ "‬شي‮ ‬غريب‮" ‬علي الرغم من أنه اعترف لاحقا بأن‮ "‬ربما كنت علي خطأ‮". ‬شعر أن المشكلة هي أنه‮ "‬لم يفهم نصفها‮". ‬حتي نشرت بعد وفاة بيكيت عام‮ ‬1992

عندما تلقي برينتيس المسودة لمجموعة‮ "‬وخزات أكثر منها ركلات‮" ‬في سبتمبر‮ ‬1933،‮ ‬طلب من بيكيت أن يزيد حجمها بإضافة قصة أخري‮: "‬10‭,‬000‮ ‬كلمة أخري أو حتي‮ ‬15‭,‬000‮ ‬لهذا الغرض،‮ ‬وأنا متأكد أن هذا سيساعد الكتاب‮". ‬ولكن برفضه لعظام الصدي،‮ ‬نشر المجموعة بعد عدة أشهر بـ‮ ‬10‮ ‬قصص وليس‮ ‬11

القصة المرفوضة تحتوي علي بطل القصة التاسعة،‮ ‬الأصفر‮. ‬في‮ "‬الأصفر‮" ‬الشخصية الرئيسية،‮ ‬بيلاكوا،‮ ‬يموت بعد إجراء جراحة في المستشفي‮. ‬في‮ "‬عظام الصدي‮" ‬يواجه بيلاكوا ما بعد الموت.في ديسمر عام‮ ‬1933،‮ ‬كتب بيكيت لصديق أن رفض القصة‮ "‬التي وضعت فيها كل ما أعرفه والكثير مما أنا مهتم به بشكل كبير،‮ ‬أحبطني بعمق‮".‬

يعتقد نيكسون أن فشل القصة دفع بيكيت ليكتب قصيدة بالاسم نفسه،‮ ‬ليستخدم العنوان مجددا في مجموعته الشعرية الأولي‮ "‬عظام الصدي ورواسب أخري‮"‬،‮ ‬التي نشرت عام‮ ‬1935‭.‬

يكتب في المقدمة أنه بالقراءة الأولي لقصة‮ "‬عظام الصدي‮" ‬لا يمكن للمرء سوي أن يتعاطف مع قرار برينتس،‮ ‬لأن القصة‮ "‬صعبة وغامضة في بعض الأحيان‮" ‬مضيفا‮ "‬ولكن إن كانت القصة جامحة وغير منظمةـ فهي كذلك بشكل رائع‮... ‬عظام الصدي بلا شك دالة بشكل مكثف،‮ ‬جويسية أكثر من أي عمل مبكر آخر بيكيت؛ سواء في المستوي السردي أو البناء،‮ ‬انها تستخدم مساحة من المواد،‮ ‬من العلوم إلي الفلسفة إلي الدين إلي الأدب‮... ‬وتمزج الحكايات الخيالية بالأحلام القوطية بالأساطير الكلاسيكية،‮ ‬عظام الصدي في أجزاء منها قصة رائعة ممتلئة بالعمالقة والمنازل الشجرية ونباتات اللفاح والنعام وعوش الغراب،‮ ‬تميل إلي تقليد القصص الشعبية كما اشتهرت علي يدي ييتس والأخوين جريم‮".‬

سئل نيكسون لم استغرق هذا الوقت الطويل قبل نشر القصة،‮ ‬فأجاب لجريدة الأوبزرفر‮: "‬أثناء حياته،‮ ‬كان بيكيت أقرب للسلبية تجاه معظم أعماله التي كتبت في الثلاثينيات،‮ ‬وكان متحفظا تجاه السماح بإعادة نشر النصوص التي نشرت في هذا العقد‮... ‬لم نكن لننشر هذا النص لو كان ببساطة قد تجاهلها أثناء عملية الكتابة‮. ‬أراد بيكيت بشكل واضح أن ينشر النص،‮ ‬وهذا هو سبب أنه كتبه وقدمه لدار شاتو،‮ ‬ليكون تحت تصرفهم‮". ‬إدوارد بيكيت ابن أخ الكاتب والقيم علي أعماله صرح للأوبزرفر‮: "‬هذا نص مهم جدا،‮ ‬أمر طيب أن يصير متاحا بعد وقت طويل‮".‬

عن الجارديان

منقول من موقع أخبار الأدب

الاثنين، 17 مارس 2014

ثمة أحدٌ نائمٌ في داخلي..مختارات من أليخاندرا بيثارنيك



ترجمة وتقديم - كاميران حاج محمود

أليخاندرا بيثارنيك إحدى الشاعرات البارزات في اللغة الإسبانيّة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. اتّسم شعرها بالسوداويّة، وبحضورٍ طاغٍ للخوف والعُزلة والموت، محُاذِياً اضطراب شخصيّتها الذي تفاقم ليتحوّل إلى كآبةٍ عميقةٍ ألمّتْ بها لاحقاً. ولا تُخفي النبرةُ الفريدةُ في شعرها، تشرُّبها العميق للتحوّلات التي حملتها حركة الأدب والفنّ الطليعيّ آنذاك. ولعلّ تأثرها المبكّر بالسرياليّة شكّل أوضح ملامح القصيدة عندها، وخصوصاً بعد انتقالها إلى باريس والتقائها بمجموعة من الأدباء والفنانين المُؤثِّرين، تعرّفت إليهم هناك، وانعقدت بينهم الصداقات أمثال أوكتابيو باث، وخوليو كورتاثر، وسواهما ممن ساعدوها على الدخول إلى المناخ الثقافي المُتّقد في ذلك الوقت.

لا تخفى الهواجس في شعرها، بيأسها واضطرابات ماضيها، فيما الهوسُ باللغة يقودُ إلى البحث المستمرّ عن صوتٍ ذاتيٍّ، تراهُ مفقوداً على الدوام. تبدو قصيدتُها كَيَدٍ تُزيحُ غلالةً رقيقة عن نافذةٍ تقعُ في الداخل، خلفها تتوارى رغبةُ بيثارنيك المُلحّة في إذابة الشعر والحياة، أحدهما في الآخر.

ولدت بيثارنيك في بوينس آيرس عام 1936 لعائلة مهاجرة تنحدر من أصولٍ يهوديّة روسيّة، ودرست الأدب في جامعة العاصمة الأرجنتينية. نشرت أعمالها المبكّرة في ثلاثة دواوين في خمسينيات القرن الماضي، تجلّى فيها تأثّرها بالشاعر الفرنسي آرتور رامبو. عام 1960 سافرت إلى باريس حيث درست الأدب الفرنسي في السوربون، وتعاونت مع عددٍ من الصحف والمجلّات الثقافيّة، نشرت فيها قصائدها وترجماتها لأدباء فرنسيّين كأنطونان آرتو، وهنري ميشو، وإيف بونفوا وغيرهم. سنة 1964 عادت بيثارنك إلى الأرجنتين بشهرةٍ كبيرةٍ وجوائز أدبيّةٍ عدّة، حيث نشرت أعمالاً جديدة اعتُبِرت الأهمّ في نتاجها الأدبي، كاشفةً عن نُضج شعرها وخصوصيّته مثل: «الأشغال والليالي (1965)»، و«استخراج حجارة الجنون (1968)»، و«الجحيم الموسيقيّ (1971)». بجرعةٍ زائدةٍ من الأدوية أنهتْ بيثارنيك حياتها سنة 1972.

أنا...



جناحَايَ؟

تُويجَان مُتعفّنان

عقلي؟

كؤوسٌ صغيرةٌ من نبيذٍ لاذِع

حياتي؟

فراغٌ مَدروسٌ بعِنايَة

جسدي؟

شَق ٌفي كُرسيٍّ

تردُّدِي؟

صَنجٌ طُفوليٌّ

وجهي؟

صِفرٌ مُتَخَفٍّ

عينايَ؟

آه! قِطعَتانِ مِنَ اللانهاية



الزمن



لا أعرفُ عن الطفولةِ

سِوى أنهّا خوفٌ مُضيءٌ

ويدٌ تجرُّني

نحوَ ضِفّتي الأُخرى.

طُفولَتي وعَبقُها

من مُلاطَفةِ عُصفور.

أزرق



كبرتْ يدايَ بالموسيقى

وراءَ الأزهار

لكنْ الآن،

لماذا أقْتفيكَ أيُّها الليلُ؟

لماذا أخلدُ إلى النومِ مع مَوتاك؟



من هذه الضفّة



لا أزالُ حينَ يلمعُ عاشقي

كنجمٍ غاضبٍ في دَمي

أنهضُ من جُثّتي،

وحذرةً كيلا أطأَ ابتسامَتي الميّتة

أذهبُ إلى لقَاءِ الشمس.

من ضفةِ الحنينِ هذِه

كلُّ شيءٍ يبدو ملاكاً.

الموسيقى صديقةُ الريحِ

صديقة الأزهارِ

صديقات المطرِ

صديق الموت.

***

قفزتُ مِنّي إلى الفجر.

تركتُ جسدي لِصقَ النّورِ

وأنشدتُ حُزنَ ما يُولَد

***

بقميصِها المُشتعلِ تَقفِزُ

من نجمةٍ إلى نجمة.

من ظلٍّ إلى ظلّ.

تمُوتُ من موتٍ بعيد

تلكَ، مَنْ تعشقُ الرّيح.

***

الآن

في هذه الساعةِ الوادِعة

نجلسُ، أنا والمرأةُ التي كنتُ

على عَتبةِ نظرَتي

***

أن أقولَ بكلماتٍ من هذا العالم

إنّ زورقاً انطلقَ مِنّي حاملاً إيّاي

***

القصيدةُ التي لا أبوحُ بها،

التي لا أستحِقُّها.

على دربِ المرآةِ

خوفُ أنْ أكونَ اثنتين:

ثمّةَ أحدٌ نائمٌ في داخلي

يأكلُني ويشربُني.

***

كقصيدةٍ تُدركُ

صمتَ الأشياء

أنتَ تتكلّمُ كيلا تراني

***

حينما أرى العُيونَ

التي وُشِمتْ في عينيَّ

***

في الليل

مرآةُ الصغيرةِ الميّتة

مرآةٌ مِن رُفات

***

أنتَ مَنْ يختارُ مَوضعَ الجُرح

حيثُ ننطقُ صمتَنا.

أنتَ مَنْ يجعلُ حياتي

هذا الاحتفالَ شديدَ النّقاء.



ظلُّ الأيّام الآتية



غداً

عندَ الفجرِ سيَكسُونَني بالرّمادِ

وسيملؤون فَمي بالأزهار.

سأتعلّمُ أن أنامَ

في ذاكرةِ جدارٍ،

في تنفُّسِ

حيوانٍ يحلُم.

***

ولكنّي أُريدُ أن أنظرَ إليك

إلى أن يبتعدَ وجهُك عن خَوفي

كما يبتعدُ طائرٌ عن حافّةِ الليلِ الحادّة.

***

فجأةً، كطفلةٍ من طباشيرَ ورديّةٍ على جدارٍ

رسمٌ قديمٌ محَاهُ المطرُ.

 ***

للّيل شكلُ صرخةِ ذئب.



مُقاربات



وأنا أُعانقُ ظلّك في حُلمٍ

كانت عِظامي تتقوّسُ مِثل أزهارٍ

***

خطواتٌ في ضبابِ

حديقةِ الليْلَك

القلبُ يرجِعُ

إلى نورهِ الأسود

***

تتمنّى لو تعيشُ أبداً

كشيءٍ منسيٍّ في يدِ ميّتٍ

***

أغنياتٌ غامضةٌ

من بلدٍ مّا جرفتْهُ الأمطارُ

أغنياتُ قارِعي الأجراسِ

ذكرياتُ الليلةِ التي أحبّها رجلٌ ما



إذا البحرُ من أجلِ قيثارةٍ

أغرقَ ملائكةً ساخطةً في الرّيح

***

عصافيرٌ مُغبرّةٌ

دماءٌ قديمةٌ على أجنحتِها

أزهارٌ معدنيّةٌ منسيّة

بيوتُ العنكبوتِ عاشقة الفضاء

حيثُ يعيشُ الزمنُ الذي يمضي

***

قلب المطرِ حلَلْتُ وِثاقه

أغنياتٌ شعبيّةٌ

أطعمتْ صمتي.

***

الليلُ موشومٌ على عِظامي.

الليلُ والعَدم.

***

ثمِلةٌ بصمتِ

الحدائقِ المهجورة

ذاكرتي تنفتِحُ وتنغلِق

كبابٍ في مهبِّ الرّيح
 
منقول من مجلة الدوحة الثقافية

الثلاثاء، 25 فبراير 2014



 



" الشاعر لا يلطخ يديه بالسياسة 
لكن روحه مطعونة بكل حرية "

أنسي الحاج

الأحد، 2 فبراير 2014

من المتحف الإسلامي ودار الكتب مشاهد حية للخراب



أسامة فاروق

في جهادهم لنصرة الإسلام دمر المجاهدون المكان الذي‮ ‬يضم أكبر وأهم وأندر ما تبقي من التراث الإسلامي‮..‬عبث،‮ ‬يقابله لامبالاة شعبية وتصريحات رسمية لاتقل عبثية،‮ ‬المسئولون الذين ربما اكتشفوا بالصدفه الكارثة التي لحقت بمتحف الفن الإسلامي ودار الكتب جراء التفجير الذي استهدف مديرية أمن القاهرة الأسبوع الماضي تركزت تصريحاتهم حول الأموال التي سبق وصرفت علي المبني،‮ ‬وعلي المجهودات الخارقة التي سيقمون بها لاعادة تجميع المبلغ‮! ‬أي مبلغ‮ ‬هذا الذي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يعيد مشكوات السلطان حسن،‮ ‬أو محراب رقية أو الوثائق التي دمرها التفجير الغشيم؟
ماحدث كارثة حقيقية للأسف شغلت العالم أكثر مما شغلتنا،‮ ‬تعيد المبني إلي نقطة الصفر وربما أبعد قليلا بعد رحلة علاج استمرت لأكثر من عشرات سنوات،‮ ‬تعود الآثار والوثائق الفريدة الي ظلمات المخازن مجددا بعد فترة عرض قصيرة لم‮ ‬يزها خلالها أحد تقريبا،‮ ‬فمن سيلتفت إلي التاريخ في الوقت الذي‮ ‬يفجر فيه الحاضر والمستقبل‮.‬
الغريب أنه عندما تم التفكير في إنشاء متحف الفن الإسلامي ودار الكتب كانت الفكرة الأساسية هي أن‮ ‬يكمل المبني صورة العمارة الإسلامية في القاهرة،‮ ‬اختير مكانه وسط القاهرة القديمة ليحقق هذا الغرض،‮ ‬المنقول‮ ‬يكمل الثابت فتعرض الحضارة الإسلامية كاملة من كل العالم الإسلامي ثم في مصر،‮ ‬وطريقة العرض كانت توضح ذلك،‮ ‬خاصة وأن الفن الاسلامي بالتحديد‮ ‬غير منفصل،‮ ‬فهو عبارة عن حقب تكمل بعضها وطرز معمارية وفنيه تتطور وتنتقي من بعضها،‮ ‬والان أصبح مكانة المميز سببا في دماره‮.‬
أكثر من مائة عام مرت عليه وهو ثابت في مكانة ويتغير العالم من حوله،‮ ‬تغير نظام الحكم،‮ ‬وتتابعت حكومات،‮ ‬وتغيرت أزياء وأنماط ووسائل المواصلات،‮ ‬وحده ظل الثابت الوحيد الذي لا‮ ‬يتغير،‮ ‬حتي ضاقت الدنيا من حوله،‮ ‬وزاحمته في مقره الذي كان بعيدا في‮ ‬يوم ما‮..‬ليته ظل في عزلته،‮ ‬فالعزلة بالتأكيد أفضل من الخراب‮.‬
نستعرض هنا مشاهد حيه للخراب الذي أصاب المبني ومايضمه من تراث نادر،‮ ‬نذكر بتاريخه وما‮ ‬يحويه من كنوز لاتقدر بثمن‮. ‬


من الحاكم لباب الخلق
 
 
الوجهة الرئيسية للمتحف الإسلامى فى الأربعينيات‮ ‬من القرن الماضى
ترجع فكرة متحف الفن الإسلامي إلي عام‮ ‬1869‮ ‬حين اقترح المهندس‮ "‬سالزمان‮" ‬علي الخديو إسماعيل إنشاء متحف للآثار الإسلامية‮ ‬يضم ما تيسر من تحف وآثار،‮ ‬غير أن هذه الفكرة ظلت معطلة حتي عهد الخديو توفيق،‮ ‬وحتي صدر عام‮ ‬1880‮ ‬مرسوم بتكليف وزارة الأوقاف بتخصيص مكان للمتحف الوليد‮.‬
لكن الحكاية بدأت قبل ذلك بكثير حين رأي مثقفو أوروبا المهتمون بالدراسات الشرقية مدي ما وصلت إليه حالة الآثار الإسلامية في مصر من تدهور شديد وإهمال،‮ ‬علي عكس الآثار الفرعونية التي كانت تحظي باهتمام العالم كله في ذلك الوقت من القرن التاسع عشر،‮ ‬وقتها اقترح‮ "‬جابرييل شارمز‮" ‬أحد أهم الكتاب الفرنسيين إنشاء لجنة لحفظ الآثار الإسلامية في مصر،‮ ‬علي‮ ‬غرار لجنة تأسست في باريس سنة‮ ‬1837‮ ‬لحفظ وحماية الآثار التاريخية وإحياء الطراز المعماري القوطي‮.‬
وكان من نتائج نشر كتاب‮ "‬وصف مصر‮" ‬أن قدم إلي مصر كثير من علماء الآثار المبهورين بالآثار الإسلامية،‮ ‬وشاهدوا وكتبوا عن تلك الآثار،‮ ‬ورسموها أيضا ومنهم‮ "‬بريس دافن‮"‬،‮ ‬و"باسكال كوست‮"‬،‮ ‬و"بورجوان‮"‬،‮ ‬كما ألف عالم الآثار‮ "‬أوين جونز‮" ‬كتابه النادر عن قواعد الزخرفة الإسلامية‮. ‬وكان حصيلة ما أنجزوه من كتب مصورة تسجيلا لحالة الآثار في القاهرة قبل حركة الترميم والتجديد التي بدأت سنه‮ ‬1882‭.‬
وبعد نشر هذه الكتب وغيرها في أوروبا كان لابد أن تؤتي ثمارها،‮ ‬فنشأت في باريس‮ "‬جماعة محبي الفن الإسلامي‮"‬،‮ ‬ووفد آلاف السياح إلي مصر،‮ ‬وكان من بينهم مغامرون ولصوص نهبوا الكثير من التحف الإسلامية والعناصر المعمارية وباعوها إلي متاحف أوروبا وأصحاب المجموعات الخاصة وتجار الآثار‮.‬
ونتيجة للنهب الذي حدث للآثار الإسلامية،‮ ‬استأنف الكاتب الفرنسي‮ "‬جابرييل شارمز‮" ‬دعوته إلي ضرورة إنشاء لجنة لحفظ الآثار العربية في مصر وحمايتها من السلب،‮ ‬وحث جابرييل علماء الآثار في أوروبا عن طريق كتاباته اليومية في صحف باريس علي أن‮ ‬يتحركوا لتحقيق ذلك،‮ ‬وكتب أن حكام مصر لم‮ ‬يهتموا علي الإطلاق بعمل أي شيء لترميم وحماية الآثار الإسلامية،‮ ‬رغم أنهم ــ من جهة أخري‮- ‬قاموا ببناء العديد من القصور الملكية الفخمة في القاهرة والإسكندرية،‮ ‬ولم‮ ‬يتوقف عن نضاله حتي أسفرت جهوده واستجاب الخديو توفيق،‮ ‬وفي‮ ‬18‮ ‬ديسمبر سنة‮ ‬1881‮ ‬أصدر الخديو أمرا عاليا بتشكيل لجنة حفظ الآثار العربية برئاسة محمد زكي باشا ناظر الأوقاف والمعارف العمومية،‮ ‬وكان الأعضاء المصريون في اللجنة سبعة فقط من بينهم محمود سامي البارودي وزير الحربية،‮ ‬ومصطفي فهمي باشا وزير الخارجية،‮ ‬واتخذت اللجنة الرواق الشرقي من جامع الحاكم بأمر الله مقرا لها‮.‬
عقدت لجنة حفظ الآثار العربية أول اجتماعاتها في فبراير‮ ‬1882‮ ‬وأعلنت عن أربع مهام أساسية تعمل اللجنة علي تحقيقها‮: ‬إجراء اللازم لجرد وحصر الآثار العربية القديمة،‮ ‬وملاحظة صيانة تلك الآثار وحفظها من التلف،‮ ‬والنظر في الرسومات والتصميمات التي تُعمل عن المرمّات اللازمة لهذه الآثار،‮ ‬وأخيرا إجراء حفظ جميع الأشغال التي تنجزها اللجنة في أرشيف نظارة الأوقاف،‮ ‬ونقل القطع التي تتخلف عن العمائر التي تم ترميمها إلي الأنتيكخانة‮.‬
ولما امتلأ الرواق الشرقي لجامع الحاكم بأمر الله بالتحف والعناصر الأثرية التي تنقلها اللجنة من المباني القديمة،‮ ‬والتي وصلت وقتها إلي تسعمائة تحفة،‮ ‬لم‮ ‬يعد المكان‮ ‬يتسع للمزيد،‮ ‬فسعت اللجنة لدي نظارة الأوقاف لبناء مقر جديد لدار الآثار العربية بصحن الجامع‮ ‬يتسع للعدد المتزايد من التحف الأثرية،‮ ‬خاصة بعد أن رفض علي باشا مبارك وزير المعارف العمومية وقتها تخصيص مبني خال في وزارته لنقل مقتنيات المتحف المتزايدة إليه،‮ ‬وبالفعل تم تشييد مبني في صحن الجامع ونقلت التحف إليه سنة‮ ‬1884
وبامتلاء هذا المبني بصحن جامع الحاكم طلبت لجنة حفظ الآثار العربية من نظارة الأوقاف إنشاء مبني أكبر‮ ‬يتسع لعدد التحف الأثرية الذي‮ ‬يزداد بصفة مضطردة،‮ ‬وفي‮ ‬1899‮ ‬وضعت أساسات المبني الحالي في باب الخلق علي الضفة الغربية للخليج المصري الذي تم ردمه في السنة نفسها‮. ‬وصمم المبني مهندس معماري ايطالي اسمه‮ "‬ألفونسو مانيسكالو‮" ‬وبناه من طابقين علي الطراز المملوكي المتطور،‮ ‬واكتمل البناء سنة‮ ‬1902‮ ‬وخصص الطابق الثاني من المبني ليكون مقرا لدار الكتب الخديوية‮ "‬المصرية بعد ذلك‮" ‬أما الطابق الأرضي فقد أصبح مقرا لدار الآثار العربية‮. ‬وفي السنة نفسها بدأ نقل التحف الأثرية من مبني الحاكم بأمر الله إلي المبني‮ ‬الجديد في باب الخلق‮.‬
 
 المجموعة الفريدة
 
كان الانتقال إلي المبني الجديد بمثابة بداية لعصر جديد في أساليب عرض الآثار في مصر،‮ ‬فقد قام ماكس هرتس مدير الدار بتصنيف التحف وعرضها حسب مادتها وزخارفها‮. ‬كما أن الانتقال‮ ‬يعتبر البداية الحقيقية لتكوين مجموعة المتحف فقد أقبلت الأسر الثرية والأمراء من أصحاب المجموعات الأثرية الخاصة علي إهداء التحف للدار،‮ ‬فبمناسبة الانتقال إلي المتحف الجديد وافتتاحه في ديسمبر‮ ‬1903‮ ‬قامت أمينة هانم والدة الخديو عباس حلمي الثاني بإهداء مجموعاتها الخاصة من التحف إلي المتحف،‮ ‬وكانت أولي الإهداءات المهمة،‮ ‬وبعدها توالت الاهداءات،‮ ‬فقام الأمير‮ ‬يوسف كمال بالأمر نفسه،‮ ‬وكذلك كريمة‮ ‬يعقوب أرتين باشا والذي كان عضوا في لجنة حفظ الآثار،‮ ‬ثم الملك فؤاد الذي قدم مجموعة ثمينة من المنسوجات،‮ ‬والأختام،‮ ‬والأمير محمد علي،‮ ‬والأمير‮ ‬يوسف كمال،‮ ‬والأمير كمال الدين حسين،‮ ‬وعلي باشا إبراهيم الذي زود المتحف بمجموعات كاملة من السجاد الإيراني والتركي والخزف والزجاج العثماني‮.‬
وكانت هذه الاهداءات مهمة للغاية لأنها أدت إلي إثراء مجموعات المتحف وتنوعها،‮ ‬
‮ ‬ولاسيما أنه حتي سنة‮ ‬1910‮ ‬لم تكن الحكومة تخصص أي اعتمادات مالية لدار الآثار العربية لشراء التحف،‮ ‬فكانت الدار تعتمد علي ما‮ ‬يصلها من لجنة حفظ الآثار العربية منقولا من المباني الأثرية القديمة‮. ‬لكن وابتداء من‮ ‬1926‮ ‬بدأت الحكومة في تخصيص اعتمادات مالية لدار الآثار العربية لشراء التحف،‮ ‬وبحلول عام‮ ‬1935‮ ‬ارتفع عدد التحف المسجلة إلي‮ ‬12895‮ ‬وفي السنة نفسها اتخذت الحكومة قرارا بنقل مجموعة التحف الأثرية التي ترجع إلي العصر العثماني وعرضها في مبني حكومي بشارع الإنشاء في حي السيدة زينب،‮ ‬فصار هذا المبني ملحقا لدار الآثار العربية،‮ ‬ولكن بعد عشر سنوات قررت الحكومة إعادة الآثار العثمانية إلي مكانها الأصلي بالمتحف لعدم نجاح تجربة عرضها في مبني منفرد،‮ ‬وبعدها توسعت الدار في شراء التحف من التجار وأصحاب المجموعات الخاصة فاشتري المتحف مجموعة المستشرق رالف هراري من التحف المعدنية بمبلغ‮ ‬25‮ ‬ألف جنيه،‮ ‬وأيضا مجموعة الطبيب المصري علي باشا إبراهيم وكانت من السجاد والخزف بمبلغ‮ ‬115‮ ‬ألف جنية،‮ ‬وبحلول عام‮ ‬1952‮ ‬ارتفع عدد التحف المسجلة إلي‮ ‬16324‮ ‬تحفة‮.‬
ومع استمرار تزويد المتحف بالتحف الأثرية عن طريق الحفائر،‮ ‬والشراء،‮ ‬والإهداء،‮ ‬وغيرها من المصادر اتسع مجال مجموعات المتحف،‮ ‬وصارت تغطي كل فروع الفن الإسلامي وتطوره منذ صدر الإسلام في القرن السابع الميلادي وحتي منتصف القرن التاسع عشر،‮ ‬كما أصبحت جغرافيا تغطي نتاج مساحات شاسعة من الأرض تمتد من الأندلس في الغرب إلي وسط آسيا في الشرق،‮ ‬ومن شبه جزيرة الأناضول شمالا إلي جنوب شبه الجزيرة العربية جنوبا،‮ ‬ولهذا السبب واعترافا بدور البلاد الإسلامية‮ ‬غير العربية في تطوير الفن الإسلامي وتنوع أشكاله وزخارفه،‮ ‬قامت الحكومة بتغيير اسم المتحف رسميا في أواخر عام‮ ‬1951‮ ‬من‮ "‬دار الآثار العربية‮" ‬إلي‮ "‬متحف الفن الإسلامي‮" ‬الأكثر شمولا ودلالة‮.‬
وفيما بين عامي‮ ‬1960‮ ‬و‮ ‬2003‮ ‬سجلت مجموعة المتحف ارتفاعا هائلا‮ ‬غير مسبوق،‮ ‬فقد ارتفع عدد التحف المسجلة إلي أكثر من‮ ‬مائة ألف قطعة أثرية‮.‬
 
 كنوز المتحف
 
 
إبريق مروان
المتابع للمتحف علي امتداد تاريخه سيجد انه حظي بهذه المكانة نتيجة للنمو الهائل في مجموعته المتحفية،‮ ‬وقطعا فتخطيط المتحف‮ ‬يشي بأنه‮ ‬يتسع لهذا العدد الكبير من القطع التي كانت تعرض في‮ ‬24‮ ‬قاعة،‮ ‬ويتسع لها مخزنه الكبير،‮ ‬فالمتحف‮ ‬يضم مجموعة نادرة من أدوات الفلك والهندسة والكيمياء والأدوات الجراحية والحجامة التي كانت تستخدم في العصور الإسلامية المزدهرة،‮ ‬بالإضافة إلي أساليب قياس المسافات كالذراع والقصبة،‮ ‬وأدوات قياس الزمن مثل الساعات الرملية،‮ ‬ومجموعة نادرة من المشكاوات المصنوعة من الزجاج المموه بالمينا،‮ ‬ومجموعة الخزف المصري والفخار من حفائر الفسطاط،‮ ‬والخزف ذي البريق المعدني الفاطمي،‮ ‬ومجموعة من أعظم ما أنتج الفنان المسلم من أخشاب من العصر الأموي،‮ ‬حيث‮ ‬يحتفظ متحف الفن الإسلامي بمجموعات متميزة من الخشب الأموي الذي زخرفه المصريون بطرق التطعيم والتلوين والزخرفة بأشرطة من الجلد والحفر،‮ ‬ومنها أفاريز خشبية من جامع عمرو بن العاص ترجع إلي عام‮ ‬212‮ ‬هـ‮. ‬
بالمتحف أيضا مجموعة مهمة من الخشب الذي أنتج في العصر العباسي،‮ ‬وأيضا في العصر الطولوني الذي‮ ‬يتميز بزخارفه التي تسمي‮ "‬طراز سامراء‮" ‬وهو الذي انتشر وتطور في العراق،‮ ‬ويستخدم الحفر المائل أو المشطوف لتنفيذ العناصر الزخرفية علي الخشب أو الجص وغيرها‮. ‬وتأتي أهمية التحف الخشبية التي‮ ‬يضمها المتحف من كونها تمثل تطور زخارف سامراء،‮ ‬وهي تحف نادرة،‮ ‬لم‮ ‬يعثر علي مثيلها في سامراء العراق نفسها‮. ‬
ومن أهم مقتنيات المتحف من أخشاب العصر الفاطمي‮: ‬محراب الجامع الأزهر وأمر بصنعه الحاكم بأمر الله،‮ ‬ومحراب السيدة نفسيه ويرجع إلي عصر الخليفة الفاطمي الحافظ لدين الله،‮ ‬ومحراب مشهد السيدة رقية وهو من أجمل المحاريب إذ‮ ‬يحتوي علي زخارف نباتية وهندسية‮ ‬غاية في الدقة،‮ ‬وهناك أيضا تابوت من الخشب من مسجد الحسين له أربعة جوانب حافلة بالحشوات متعددة الأشكال،‮ ‬بداخلها زخارف نباتية مورقة ومتشابكة وتحيط به كتابات بالخط الكوفي والخط اللين علي أرضية نباتية،‮ ‬تحف بها كتابات معظمها آيات قرآنية بعضها‮ ‬يشير إلي آل البيت‮.‬
ومن المعادن‮ ‬يوجد في المتحف مفتاح الكعبة المشرفة من النحاس المطلي بالذهب والفضة باسم السلطان الأشرف شعبان،‮ ‬ومن أندر ما‮ ‬يضمه المتحف من التحف المعدنية ما‮ ‬يعرف بإبريق مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين،‮ ‬ويمثل هذا الإبريق آخر ما وصل إليه فن صناعة الزخارف المعدنية في بداية العصر الإسلامي،‮ ‬وهو مصنوع من البرونز ويبلغ‮ ‬ارتفاعه‮ ‬41‮ ‬سم وقطره‮ ‬28سم،‮ ‬عثر عليه في أبي صير قرب الفيوم،‮ ‬وهناك أيضا دينار من الذهب مؤرخ بعام‮ ‬77‮ ‬هجرية؛ وترجع أهميته إلي كونه أقدم دينار إسلامي تم العثور عليه إلي الآن،‮ ‬بالإضافة إلي مجموعة متميزة من المكاحل والأختام والأوزان تمثل بداية العصر الإسلامي الأموي والعباسي ونياشين وأنواط وقلائد من العصر العثماني وأسرة محمد علي‮. ‬
يعتبر قسم المسكوكات هو أكبر أقسام المتحف علي الإطلاق وتضم مجموعة المتحف‮ ‬48‮ ‬ألف مسكوكة منها‮ ‬38‮ ‬ألف دينار من الذهب الخالص وتحمل كلها دلالات سياسية واقتصادية وفنية مختلفة،‮ ‬فمثلا الدنانير والدراهم وقت الأزمات كان‮ ‬يكتب عليها‮ "‬والذين‮ ‬يكنزون الذهب والفضة ولا‮ ‬ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم‮"!‬
كذلك فبالمتحف‮ ‬20‮ ‬ألف تحفة خزفية لامثيل لها،‮ ‬حتي في الدول المشهورة بصناعة الخزف‮. ‬وأكثر من ستة آلاف تحفه زجاجية‮ ‬يقتنيها المتحف الإسلامي،‮ ‬أهمها مجموعة السلطان حسن‮.‬
‮ ‬كما‮ ‬يضم المتحف مجموعة هائلة من شواهد القبور،‮ ‬تزيد علي ثلاثة آلاف شاهد،‮ ‬عليها نصوص بالخط الكوفي البارز أو الغائر،‮ ‬أقدمها علي الإطلاق شاهد قبر مؤرخ بعام‮ ‬31هـ،‮ ‬ومن المخطوطات النادرة التي‮ ‬يضمها المتحف،‮ ‬مجموعة نادرة من المصاحف أقدمها مكتوب بالخط الكوفي ويرجع إلي القرن الثاني الهجري،‮ ‬وآخر من العصر الأموي مكتوب علي‮ "‬رَقّ‮ ‬الغزال‮". ‬ولعل مجموعة أوراق البردي التي أهداها الدكتور هنري أمين عوض والتي تبلغ‮ ‬حوالي‮ ‬240‮ ‬قطعة من أهم المخطوطات التي تضم كتابات تاريخية ورسائل متنوعة للمعاملات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الإسلامي علي مر العصور‮. ‬كما‮ ‬يقتني المتحف مجموعة من المخطوطات المصورة في الطب والأعشاب والهندسة والتاريخ والملاحم والشعر‮. ‬
كما‮ ‬يضم مجموعات قيمة من السجاجيد التركية والإيرانية من الصوف والحرير ترجع إلي الدولة السلجوقية والمغولية والصفوية والهندية المغولية في فترة القرون الوسطي الميلادية؛ وهي من صنع أصفهان وتبريز بإيران وأخري من صناعة آسيا الصغري،‮ ‬حتي إن مجموعة المتحف من السجاجيد تعتبر من أغني المجموعات العالمية،‮ ‬وبصفة خاصة مجموعة د.علي باشا إبراهيم،‮ ‬لتنوعها الهائل‮..‬حيث اشتملت علي السجاد التركي والإيراني وسجاجيد الأناضول والقوقاز،‮ ‬ومن خلالها‮ ‬يمكن القيام بدراسة توضح مميزات طرز السجاد وطرق صناعتها‮ ‬وأساليب زخرفتها من بلد لآخر في العصور الإسلامية المختلفة‮.‬
أما مجموعة المتحف من الخزف فهي من أغني المجموعات في العالم،‮ ‬لأنها تشتمل علي تحف متنوعة من الخزف المصري والإيراني،‮ ‬وبلاد ما وراء النهر،‮ ‬واسيا الصغري والعراق والأندلس،‮ ‬وتعتبر مجموعة فريدة في تنوعها وفي تقديمها للطرز الفنية المختلفة،‮ ‬بالإضافة إلي خزف البورسلين والسيلادون الصيني‮.‬
وكان من أهم المجموعات الأثرية الكاملة التي اقتناها المتحف في تاريخه‮: ‬كنز من‮ ‬العملات النقدية الذهبية‮ "‬دنانير‮" ‬بلغ‮ ‬عددها‮ ‬3611‮ ‬قطعة،‮ ‬عثر عليها محفوظة في جرتين من الفخار وجدتا مطمورتين تحت عتب بيت‮ "‬زينب خاتون‮"‬،‮ ‬وفي عام‮ ‬1992‮ ‬اقتني المتحف كنزا ثانيا من دنانير الذهب‮ ‬يتألف من‮ ‬701‮ ‬دينار وقد عثر عليه بالصدفة أثناء إزالة أعمال ردم في أطلال بيت قديم بدرب القزازين في حي السيدة زينب‮. ‬وبشكل عام‮ ‬يمكن القول إن المتحف‮ ‬يضم أغني وأندر مجموعات الفن الإسلامي‮ ‬في العالم‮.
 
 
بعد ست سنوات من الافتتاح‮:‬
كنوز دار الكتب تعود إلي المخازن


طارق الطاهر
لم تمر أكثر من ست سنوات علي إعادة افتتاح مبني دار الكتب العريق بباب الخلق،‮ ‬الذي تكلف ملايين‮.. ‬فقد سبق أن خضعت الدار العريقة لترميمات،‮ ‬استمرت لسنوات،‮ ‬لتتحول بعد ذلك لتكون متحفا لأندر المخطوطات،‮ ‬وتم نقل الكتب والمراجع الأخري لدار الكتب بكورنيش النيل،‮ ‬كما احتضن المبني بباب الخلق منذ ما‮ ‬يقرب من العامين معرض الزعيم الراحل جمال عبد الناصر،‮ ‬وضم مقتنياته الشخصية وكتاباته،‮ ‬ولم‮ ‬يقع لفتارين العرض التي تحتويه أي سوء‮.‬
دار الكتب بباب الخلق افتتحت عام‮ ‬1904،‮ ‬وكانت المكان الذي ارتبط به كبار المثقفين والأدباء،‮ ‬كما ترأسها نخبة من المفكرين،‮ ‬واستمرت تؤدي دورها باعتبارها‮ " ‬المكتبة الوطنية‮" ‬حتي أغلقت أبوابها في عام‮ ‬2004،‮ ‬لتبدأ عملية ترميم شامل لهذا المبني التاريخي،‮ ‬وبعد الانتهاء منه،‮ ‬تم افتتاحه مجددا في‮ ‬2007،‮ ‬واختصرت مهام وظيفته ليكون متحفا لأندر المخطوطات في مختلف المجالات،‮ ‬ولكن بعد هذا الحادث الإجرامي،‮ ‬ستغلق الدار أبوابها مرة أخري،‮ ‬وربما‮ ‬يستمر ذلك لسنوات،‮ ‬فالمبلغ‮ ‬المبدئي لإعادة الترميم‮ ‬يبلغ‮ ‬50‮ ‬مليون جنيه،‮ ‬حسب تصريحات د‮. ‬صابرعرب وزير الثقافة،‮ ‬كما تم نقل محتويات الدار،‮ ‬حتي‮ ‬يتم الترميم‮.‬
هذا المبني،‮ ‬الذي‮ ‬يجرد اليوم من محتوياته،‮ ‬يضم مجموعة كبيرة من المصاحف المملوكية،‮ ‬التي جئ بها من المساجد والمدارس،‮ ‬التي أنشأها‮  ‬المماليك،‮ ‬ومن هذه المصاحف جزء من مصحف منسوب للخطاط أبو علي محمد بن مقلة،‮ ‬وفرغ‮ ‬من كتابته عام‮ ‬308هـ،‮ ‬وهو مجلد مخطوط بقلم نسخ والغلاف مطرز بالذهب،‮ ‬فضلا عن مجموعة من المخطوطات في العلوم الدينية منها‮: " ‬الجامع في الحديث النبوي‮" ‬لأبي محمد بن عبد الله،‮ ‬الذي توفي‮ ‬197هـ‮ ‬،‮ ‬وهو مرتب علي طريقة المحدثين والفقهاء،‮ ‬ويشتمل علي كتاب الأنساب،‮ ‬وكتاب الصمت،‮ ‬وكتاب الختم،‮ ‬وهو‮ ‬يعد الكتاب العربي الوحيد الذي وصل إلينا علي البردي،‮ ‬وكشف عنه عام‮ ‬1922‮ ‬في حفائر كان‮ ‬يجريها المعهد العلمي الفرنسي بالقاهرة في إدفو بصعيد مصر،‮ ‬وفي الأدب نجد مجموعة من المصادر الهامة منها‮: ‬مقامات الحريري التي تعود لعام‮ ‬516‮ ‬هـ،‮ ‬وكتاب الأغاني،‮ ‬للأصفهاني،‮ ‬المتوفي‮ ‬356‮ ‬هـ،‮ ‬ويعد من أحد أهم مصادر الأدب العربي المبكر،‮ ‬والموجود ثلاثة أجزاء من نسخه بأول كل منها منمنمة نادرة ملونة بماء الذهب واللازورد والحمرة،‮ ‬وفي مجال الجغرافيا نجد‮ " ‬عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات للقزويني،‮ ‬المتوفي‮ ‬682‮ ‬هـ،‮ ‬وهو كتاب من قسمين،‮ ‬الأول‮ ‬يتناول الحديث علي الأجرام السماوية وسكان ذلك العالم أي الملائكة،‮ ‬والثاني‮ ‬يتناول الأرض وظواهرها،‮ ‬كما توجد في هذه الدار‮- ‬قبل التدمير‮- ‬النسخ الأصلية من كليلة ودمنة،‮ ‬والشاهنامة‮. ‬
ومن جهة أخري،‮ ‬ولتوثيق ما فعله الحادث الإجرامي بمقتنيات الدار،‮ ‬أقامت وزارة الثقافة مساء الأربعاء الماضي معرضا توثيقيا،‮ ‬يضم‮ ‬25‮ ‬لوحة تبين المبني قبل وبعد الدمار‮.‬


بعضها‮ ‬يعود للقرن الحادي عشر الهجري‮:‬
المخطوطات المدمرة


كل الديكورات الداخلية دمرت‮ ‬
شوه العمل الإرهابي الغاشم الذي استهدف مديرية أمن القاهرة وامتدت آثاره علي دار الكتب العريقة بباب الخلق مجموعة من المخطوطات وأوراق البردي،‮ ‬وبالتحديد سبع مخطوطات بعضها‮ ‬غير معروف تاريخ نسخه،‮ ‬مما‮ ‬يدل علي قدمه الشديد،‮ ‬وبعضها‮ ‬يعود للقرون الحادي عشر‮ ‬،‮ ‬الثاني عشر،‮ ‬والثالث عشر الهجري،‮ ‬ومن هذه المخطوطات‮ »‬الجزء الثاني من كتاب الشفاء‮« ‬لابن سينا،‮ ‬و»المنصوري في الطب‮« ‬لابن الرازي،‮ »‬منهاج الدكان‮« ‬للكوهين العطار،‮ »‬ريحانة الروح في رسم الساعات علي مستوي السطوح‮« ‬لابن معروف تقي الدين محمد،‮ ‬والذي تسبب فتح صنابير المياه في دمار الكتاب،‮ ‬بالاضافة لـ‮ : »‬روزنامة فلكية‮« »‬تحفةالموازين‮« ‬لمحمد الطاهر بن حسن الشاطبي،‮ »‬مجموعة تصاوير فارسية وهندية وتركية‮«.‬
أما البرديات فتسبب البلل المائي الشديد في فقد‮ ‬50٪‮ ‬من بردية‮ »‬وثيقة عنق جارية‮« ‬لإبراهيم علي وتعود لعام‮ ‬393‮ ‬هجرية،‮ ‬وجار التعامل معها الآن علي أمل انقاذها،‮ ‬أما بردية‮ »‬أمر توليه الخلافة في العصر العباسي‮« ‬فقد تسبب البلل المائي في تحويلها لكتلة واحدة،‮ ‬وجار الآن محاولة انقاذها‮.‬
‮»‬أخبار الأدب‮« ‬تنشر معلومات وافية عن هذه المخطوطات والبرديات من واقع سجلات دار الكتب‮.‬
قسم الطبيعيات من كتاب الشفاء
المؤلف‮ : ‬ابن سيناء شرف الملك الحسين بن‮ ‬عبدالله‮ (‬ت‮. ‬سنة‮ ‬428هـ‮ / ‬1037م‮)‬
اللغة‮ :  ‬العربية
مكان وتاريخ النسخ‮ ‬‮: ‬غير مستدل
كتاب الشفاء من أهم مؤلفات ابن سيناء وأشهرها علي الإطلاق والذي قدم من خلاله مزجا للفلسفة الأفلاطونية والأرسطية والفقه الإسلامي‮. ‬قسم هذا الكتاب علي أربعة أقسام كبري وهي‮ : ‬المنطق،‮ ‬والطبيعيات،‮ ‬والرياضيات،‮ ‬والإلهيات،‮ ‬وقسم كل قسم إلي فنون،‮ ‬والفنون إلي مقالات ثم فصول‮. ‬ويتناول هذا الجزء الثاني المتعلق بالعلوم الطبيعية الكثير من الحيوانات والمخلوقات الأخري،‮ ‬بما في ذلك الدراسة المعروضة هنا حول العقارب،‮ ‬مع طرق المداواة من لدغة العقرب‮.‬
المنصوري في الطب‮ ‬
المؤلف‮ : ‬الرازي أبوبكر محمد بن زكريا‮ (‬ت‮. ‬سنة‮ ‬313هـ‮ / ‬925م‮) ‬
اللغة‮ : ‬العربية
تاريخ النسخ‮ : ‬القرن الحادي عشر الهجري‮/ ‬السابع عشر الميلادي
ألف الرازي ما‮ ‬يفوق المائتي كتاب في الطب والفلسفة والكيمياء وفروع المعرفة الأخري‮. ‬وينسب له عدد من الابتكارات في مجال الجراحة،‮ ‬وترجمت العديد من مؤلفاته إلي اللاتينية وظلت المرجع الأول للجامعات الأوروبية حتي القرن الحادي عشر الهجري‮ / ‬السابع عشر الميلادي‮. ‬يصف هذا الكتاب أعراض وطرق علاج الأمراض البدنية والنفسية والعقلية‮.‬
ريحانة الروح في رسم الساعات علي مستوي السطوح
المؤلف‮ : ‬ابن معروف،‮ ‬تقي الدين محمد‮. (‬ت‮. ‬سنة‮ ‬975هـ‮ / ‬1585م‮)‬
الكاتب‮ : ‬بخط المؤلف
اللغة‮ : ‬العربية
مكان وتاريخ النسخ‮ ‬‮: ‬القاهرة تقديرا،‮ ‬سنة‮ ‬975هـ‮ / ‬1567م
هذا المخطوط من أشهر مؤلفات ابن معروف‮ «‬ابن الأمير ناصر الدين خمارتكين‮»‬،
الراصد الذي عمل في خدمة علي باشا الوالي،‮ ‬ثم عينه السلطان سليمان الأول كبير الفلكيين بالبلاط الملكي سنة‮ ‬956هـ‮ / ‬1549م‮. ‬والكتاب‮ ‬يتناول رسم المزاولة الشمسية علي سطوح الرخام ومعالمها،‮ ‬ويوضح الرسم الوارد بأعلي اليمين مثالا علي هذه المزولة والتي صممت في إسطنبول‮. ‬وحقق هذا النمط علي وجه التحديد من المزولة الشمسية إنجازات علمية كبيرة،‮ ‬مما جعل هذا الكتاب موضع اهتمام بعض العلماء اللاحقين والذين ترجموه إلي لغات عدة‮.‬
المخطوطات‮  ‬روزنامه فلكية
اللغة‮ : ‬تركية
مكان وتاريخ النسخ‮ : ‬القاهرة،‮ ‬نسخ هذا الجزء سنة‮ ‬1197‮ ‬هـ‮ / ‬1784م
مخطوط مكون من عدة رسائل مختلفة،‮ ‬معظمها متعلقة بعلم الفلك والبروج وعلم الميقات‮. ‬كما‮ ‬يحتوي علي العديد من الجداول والصور التوضيحية لدراسات مختلفة متعلقة بموقع الكعبة وعلاقتها باتجاهات البوصلة والرياح‮. ‬وتعرض الرسوم التوضيحية الواردة هنا برجي الحوت والدلو،‮ ‬بجانب أشكال بشرية وحيوانية أخري تشير للأجرام السماوية مستقاة من مصادر تنتمي لحضارات شرقية وغربية قديمة‮.‬
تحفة الموازين لمن أراد الرياسة في الهندسة من أهل القوانين‮ ‬
المؤلف‮ : ‬التونسي محمد الطاهر بن حسن الشاطئ الحنفي
اللغة‮ : ‬العربية‮ ‬
مكان وتاريخ النسخ‮ : ‬تونس،‮ ‬القرن الثالث عشر الهجري‮/ ‬التاسع عشر الميلادي تقديرا ألفه الشاطئ في عام‮ ‬1275هـ‮ / ‬1858م،‮ ‬حينما كان أبوالمحاسن محمد صادق باشا حاكما لتونس‮. ‬استهل المؤلف كتابه بمقدمة وعظية عن أهمية الجهاد وأهمية تطوير الجيوش،‮ ‬ثم وصف فيه أحدث التقنيات الحربية التي شهدها عصره‮. ‬ويتخلل هذه النسخة العديد من الرسومات الهندسية التي تظهر التكتيكات الحربية،‮ ‬والخطط الدفاعية،‮ ‬والأسلحة مثل التحصين الموجود علي اليسار والذي‮ ‬يبرز صفين من المدافع‮.‬
مجموعة تصاوير فارسية وهندية وتركية
الرسام‮ : ‬فنانون مختلفون
مكان وتاريخ النسخ‮ : ‬إيران والهند،‮ ‬وتركيا‮. ‬القرن الثاني عشر الهجري‮ / ‬الثامن عشر الميلادي
مجموعة من الصور الملونة‮ ‬يبلغ‮ ‬عددها ستا وثلاثين صورة،‮ ‬يوجد علي بعضها كتابات من أشعار فارسية،‮ ‬رسمها مجموعة متنوعة من الفنانين والرسامين‮. ‬يصور المشهد علي اليمين السفن الأوروبية والتركية المبحرة التي ربما تتحرك في مضيق البوسفور‮. ‬اللوحة علي اليسار هي تصوير بارع التنفيذ لسفينة هولندية،‮ ‬تحمل توقيع الفنان سراج ديدي‮.‬
برديات‮ ‬
وثيقة عتق جارية‮ ‬
الكاتب‮ : ‬إبراهيم علي
اللغة‮ : ‬العربية
مكان وتاريخ الكتابة‮ : ‬مصر،‮ ‬آخر شهر رمضان سنة‮ ‬393هـ‮/ ‬1002م
ويتناول نصها عتق رقبة جارية اسمها بالعربية صفراء وبالقبطية دجاشة بنت أرينه،‮ ‬كانت ملك السيدة اسطورهيوه ابنة سرجه بن ابليده‮. ‬كتبها إبراهيم علي بخطه،‮ ‬وبدأ الخطاب بالبسملة وختم بتوقيع الشهود‮.‬

منقول من اخبار الأدب

الجمعة، 3 يناير 2014

فرانز كافكا.. ترجمة - الدسوقي فهمي


فرانز كافكا

ترجمة - الدسوقي فهمي





الحيوان في المعبد



في معبدنا يعيش حيوان في حجم النمس، وباستطاعة المرء غالباً أن يراه رؤية العين، لأنه يتيح للناس أن يقتربوا منه لمسافة مترين. لونه أزرق مخضر حائل. لم يلمس أحد قطّ فروته حتى الآن، وعلى هذا فلا شيء يمكن أن يُقال عنها، ويمكن للمرء على الأغلب أن يذهب إلى حدّ التأكيد بأن اللون الحقيقي لفرائه غير معروف، وربما كان اللون الذي يراه المرء قد نتج فقط عن التراب والطين اللذين أطفأا لون فروته. وإن اللون حقاً ليشبه لون طلاء المعبد من الداخل، وإن يكن، فقط، أفتح منه قليلاً. وبصرف النظر عن الجبن الذي يتّصف به، فهو حيوان هادئ بصورة غير معتادة وذو عادات مستقرّة؛ فلو لم يتعرَّض للإزعاج الزائد غالباً، فإنه نادراً ما كان ليوجد في هذا المكان على الإطلاق، ذلك أن مأواه المفضَّل هو ذلك الحاجز المتشابك الذي يحجز قسم النساء.

وبمتعة بادية ينشب مخالبه في داخل عيون الشبك المشغول، متمدِّداً ومحدِّقاً بنظرته المطرقة إلى داخل القاعة الرئيسية؛ كان يبدو أن هذا الوضع الجريء يبعث فيه السرور؛ إلاّ أن خادم المعبد كانت قد وُجِّهت إليه التعليمات بألا يتغاضى عن وجود الحيوان عند الحاجز الشبكي، لأنه سوف يعتاد على المكان، ولا يمكن السماح بذلك بسبب النساء الخائفات من الحيوان. أما لماذا هن خائفات، فالسبب ليس واضحاً.

حقاً إنه للوهلة الأولى يبدو مخيفاً، وبصفة خاصة عنقه الطويل، ووجهه المثلث، وصفّ الأسنان العليا التي تبرز إلى الخارج بصورة تكاد تكون أفقية، وفوق الشفة العليا خطّ من الشعيرات الشاحبة الطويلة البادية الخشونة التي تمتدّ إلى أبعد حتى من الأسنان. كل هذا قد يكون مخيفاً، إلاّ أن المرء لا يستغرقه الوقت طويلاً حتى يدرك إلى أي حدّ لا يبدو هذا الرعب الظاهري كلّه مؤذياً. وفوق هذا، فإنه يبقى مبتعداً عن البشر، إنه أكثر فزعاً من حيوان الغابة، ويبدو أنه لا يرتبط فحسب سوى بالمبنى، ولا شكّ أن سوء طالعه الخاص قد تمثّل في كون هذا المبنى هو معبد يهودي، أي أنه مكان يكون ممتلئاً أحياناً بالناس. فلو كان قد أمكن- فحسب- أن يتواصل المرء مع الحيوان، لأمكنه بالطبع، أن يعزِّيه بأن يخبره بأن شعب المعبد في مدينتنا الصغيرة هذه في الجبال يتضاءل عدده عاماً بعد عام، وأنه يواجه بالفعل صعوبة في توفير المال لصيانة المعبد، وأنه ليس من المستحيل إمكان أن يتحوَّل المعبد قبل وقت طويل إلى شونة للغلال، أو إلى شيء من هذا القبيل، وسيحصل عندئذ على السلام الذي يفتقده الآن بمرارة بالغة.

وللتأكيد، فإن النساء وحدهنّ هنّ الخائفات من الحيوان، فقد كفّ الرجال عن الاكتراث بأمره منذ وقت طويل. وهو ما بيّنه جيل للجيل الآخر، فلقد شوهد المرة بعد المرة، وبحلول ذلك الزمن لم يعد أي شخص يبدِّد اهتمامه بإلقاء نظره عليه؛ وحتى الأطفال- وإلى الآن وهم يرونه للمرة الأولى- لا يبدون أية دهشة. لقد أصبح هو ذلك الحيوان الذي ينتمي إلى المعبد؛ فلماذا لا يكون للمعبد حيوان أليف خاص به لا يوجد في أي مكان آخر؟ فلو لم يكن الأمر يتعلَّق بالنساء ما كان المرء ليعي الآن مطلقاً وجود الحيوان بسهولة. لكن حتى النساء لسن خائفات حقاً من الحيوان، فسيكون الأمر بالغ الغرابة بالفعل إن واصل المرء خوفه من مثل ذاك الحيوان يوماً بعد يوم، لسنوات ولعقود من السنين. وعذرهنّ هو أن الحيوان عادة أكثر قرباً منهن عنه من الرجال، وهذا حق. إن الحيوان لا يجرؤ علي أن يهبط إلي حيث يكون الرجال، فهو لم يُرَ بعد حتى الآن فوق الأرضية. فلو كان قد تمّ منعه من بلوغ الحاجز الشبكي لمقصورة النساء. فإنه يريد عندئذ على الأقل أن يكون على الارتفاع نفسه فوق الحائط المقابل. فهناك وفوق إفريز ضيّقٍ للغاية لا يكاد يبلغ البوصتين اتساعاً، ويمتدّ حول ثلاثة من جوانب المعبد اليهودي كان الحيوان معتاداً أحياناً على أن يمرق منطلقاً جيئة وذهاباً، لكن غالباً ما يجلس في هدوء متكوِّراً فوق بقعة معينة في مواجهة النساء. ويكاد يكون من غير المفهوم كيف استطاع بمثل هذه السهولة أن يتحايل لاستخدام هذا المَمّر الضيق، ومما تجدر ملاحظته رؤية الطريقة التي يستدير بها هناك فوق هذا الإفريز المرتفع عندما يبلغ نهايته، ذلك أنه، فوق هذا كله، حيوان عجوز جداً الآن، إلّا أنه لا يحجم عن الإتيان بقفزة بالغة الجرأة في الهواء، ولا هو حتى يفقد موقع قدمه قط، وبعد أن ينقلب في الهواء مستديراً، يجري مرة أخرى مباشرة راجعاً من حيث جاء. بالطبع عندما شاهد المرء هذا مرات عديدة، كان قد اكتفى برؤيته تلك له، ولم يعد ثمة ما يبرِّر أن يواصل المرء تطلُّعه إليه. كما أنه لم يكن الخوف، ولا الفضول هما ما يدفع النساء، إلى التململ؛ فلو كنّ يصرفن انتباههنّ أكثر إلى صلواتهنّ، فربما أمكنهنّ أن ينسين كل ما يتعلَّق بالحيوان؛ إن النساء التقيّات كنّ ليفعلن هذا لا شك، لو أن الأخريات، وهنّ الغالبية العظمى، تركنهن وشأنهن، إلّا أن هؤلاء الأخريات يحببن دائماً جذب الانتباه إلى أنفسهن؛ ويوفر لهنّ الحيوان ذريعة يرحبنّ بها. فلو كن قد استطعن، ولو كن قد جرؤن، لَكُنّ منذ زمن طويل قد أغوين الحيوان بأن يقترب منهن أكثر، عسى أن يرتعدن أكثر من ذي قبل. لكن لم يكن الحيوان في الحقيقة مَشُوقاً قطّ بأن يقربهن، فهو طالما تُرك لحاله، لا يلحظهن سوى ملاحظة قليلة للغاية، بالضبط بقدر ملاحظته للرجال، وربما كان أكثر ما يروق له هو أن يبقى مختبئاً في مكمنه حيث يعيش في الفترات التي تفصل بين أوقات أداء الشعائر، وهو ما قد يبدو، في وضوح، فجوة ما في الجدار لم نعثر بعد على مكانها. وإنه ليظهر فقط عندما يبدأ أداء الصلوات، عندما تفاجئه الأصوات. فهل يريد أن يرى ما الذي حدث! هل يودّ أن يبقى متحفِّزاً؟ هل يريد أن يكون في خارج مكمنه متأهِّباً للربّ؟ إنه ليخرج مرتعباً، وإنه ليقفز قفزاته في رعب، ولا يجرؤ على الانسحاب إلا عندما تشرف الطقوس الدينية على نهايتها. وإنه ليفضل بالطبع أن يكون في مكانه المرتفع لأنه يراه أكثر الأماكن أمناً، ويرى أن أفضل الأماكن التي تتيح له الانطلاق عَدْواً هما الحاجز الشبكي والإفريز، إلا أنه لا يبقى دوماً هنالك، ففي أحيان أيضاً يهبط قدماً نحو الرجال؛ فستارة تابوت العهد تتدلّى من قضيب لامع من النحاس الأصفر، ويبدو أن ذلك كان يلفت انتباه الحيوان، فغالباً ما يزحف نحوها، لكنه عندما يكون عندها هادئاً دوماً، وحتى عندما يكون ملتصقاً تماماً بالتابوت لا يمكن القول بأنه يسبب إزعاجاً ما، إنه يبدو محدِّقاً في حشد المصلين بعينيه اللامعتين اللتين لا تطرفان، واللتين ربما كانتا بلا جفنين، لكنه بالتأكيد لايكون عندئذ متطلّعاً إلى أي شخص، إنه يكون حينئذ فحسب في مواجهة مع الأخطار، تلك الأخطار التي يحسّها تتهدَّده.

وقد بدا في هذا المقام، حتى الآن على الأقل، أنه لا يزيد كثيراً في الذكاء عن نسائنا. فأية أخطار تلك التي قد يخشاها، على أي حال؟ ومن ذا الذي يريد به أيّ ضرر؟ ألم يترك تماماً وشأنه لسنوات طويلة؟.

إن الرجال لا يلقون بالاً لوجوده، وغالبية النساء قد يبتئسنَ لو قُدِّر له أن يختفي. وبما أنه كان هو الحيوان الوحيد في المبنى، فلم يكن له أي عدو من أي نوع. هذا شيء كان عليه حقاً أن يتداركه مع مرور السنوات. ومع أن الطقوس الدينية، بكل أصواتها، قد تكون مخيفة للحيوان للغاية، إلاّ أنها طقوس تُكَرَّر يومياً، على نحو أبسط؛ وعلى نطاق أعظم خلال الأعياد، بانتظام دائماً، وبلا انقطاع قط؛ وهكذا فإن أكثر الحيوانات جزعاً كان يمكنه إلى الآن أن يكون قد اعتاد عليها، وخاصة عندما يرى أن هذه ليست ضوضاء المطاردين له، لكنها بعض الضوضاء التي لا يمكنه أن يفهمها على الإطلاق. إلا أنه يوجد مع ذلك هذا الرعب. فهل هي ذكرى أزمان طويلة ماضية، أم هي النذر لأزمان قادمة؟ هل يعرف هذا الحيوان العجوز ربما أكثر مما تعرف الأجيال الثلاثة لهؤلاء الذين تجمَّعوا معاً في المعبد اليهودي؟

قبل سنوات طويلة مضت، هكذا قيل، كانت ثمة محاولات قد تمّت بالفعل لطرد الحيوان. ومن الممكن بالطبع أن يكون ما قيل قد حدث حقاً، إلاّ أن ما يبدو أكثر احتمالاً هو أن هذه القصص كانت محض اختراعات.

وثمة شاهد بأنه في ذلك الوقت كان قد تمّ بحث مسألة ما إذا كان من الممكن التغاضي عن وجود مثل هذا الحيوان في بيت الربّ، من وجهة نظر قانون الوصايا. وكان قد تمّ استطلاع آراء أحبار عديدين مشهورين، وقد انقسمت الاَراء، وكانت الأغلبية مع طرد الحيوان وإعادة تكريس بيت الربّ. لكن كان من السهل أن تصدر مراسيم من بعيد، أما في الواقع فكان مستحيلاً ببساطة مجرّد الإمساك بالحيوان، ومن ثم كان من المستحيل أيضاً طرده نهائياً إلى الخارج. ذلك أنه لو كان شخص ما قد استطاع فقط الإمساك به، ومن ثم أخذه بعيداً إلى مسافة نائية، فهل كان باستطاعته أن يكون قد حصل على شيء يقارب اليقين بتخلُّصه منه.

وكانت قد تمّت حقاً محاولات قبل سنوات طويلة مضت، هكذا قيل، لطرد الحيوان. ويقول خادم المعبد اليهودي أنه يتذكَّر كيف كان جدّه، الذي هو أيضاً خادم للمعبد، قد أحبّ سرد القصة. كان جدّه عندما كان صبياً صغيراً قد استمع كثيراً من المرات إلى حديث عن استحالة التخلُّص من الحيوان، ولهذا فإنه وهو يتحرّق شوقاً، ولأنه متسلّق ممتاز فقد تسلَّل إلى الداخل ذات صباح مشرق عندما كان المعبد كلّه بكل أركانه وشقوقه معرضاً لضوء الشمس، ومعه حبل ومرجام، وعصا ذات مقبض معقوف....



بروميثيوس



ثمّة أساطير أربع تتعلَّق ببروميثوس؛ فلقد كان تبعاً للأسطورة الأولى موثوقاً إلى صخرة في القوقاز لإفشائه أسرار الاَلهة لبني الإنسان، وأرسلت الآلهة عقباناً تنهش كبده، الذي كان يتجدّد على الدوام. وتبعاً للثانية ضغط بروميثيوس نفسه، بدافع من الألم الذي يسبِّبه نهش المناقير عميقاً عميقاً في داخل الصخرة، حتى أصبح هو والصخرة شيئاً واحداً. وتبعاً للثالثة تمّ نسيان خيانته بمرور الآلاف من السنين. نسي الآلهة، والعقبان نسيت، وهو نفسه نسي. وتبعاً للرابعة سئم كلّ امرئ ذلك الأمر الذي لا معنى له، سئمته الآلهة، وسئمته العقبان، واندمل الجرح في سأم. وبقيت هناك كتلة الصخر الغامضة التي لا تفسير لها – حاولت الأسطورة أن تفسِّر ما لا تفسير له. ولمّا كان ذلك الغموض قد صدر عن إحدى طبقات الحقيقة التحتية، فقد كان عليه، لهذا، أن ينتهي بدوره إلى ما لا تفسير له.



بناء المعبد



خفّ كلّ شيء لمساعدته في أثناء العمل

في البناء. أحضر العمال الأجانب كتل الرخام مصقولة التشكيل، تتوافق كل كتلة في التركيب مع الأخرى، وارتفعت الأحجار، واتخذت مواضعها تبعاً لتحرُّكات القياس التي اتَّخذتها أصابعه. لم يحدث قط أن وُجِد أي مبنى بمثل السهولة التي خرج بها ذلك المعبد إلى الوجود – أو على الأصح، أن هذا المعبد قد خرج إلى حيّز الوجود على النحو الذي ينبغي لمعبد أن يخرج به إلى الوجود. وحتى لا تنصبُّ عليه نقمة ما، أو أن يتدنَّس، أو يتحطّم تماماً، كانت أدوات تتميَّز في وضوح بحدَّتها الفائقة قد تمَّ استخدامها في خدش شخبطات خرقاء على كل حجر – من أي محجر جاءت هذه الأحجار؟ بأيدي أطفال غير واعين، أو الأرجح تدوينات للبرابرة قاطني الجبل، وذلك كي تدوم أبديّة تتجاوز وجود المعبد.



بوزايدون



جلس بوزايدون إلي مكتبه مستغرقاً في حساباته فإدارة كل المياه تلقي على كاهله أعباء لا نهاية لها. وقد كان في مقدوره أن يتَّخذ لنفسه من المساعدين ما شاء أن يتخذ لنفسه منهم، وإن لديه بالفعل منهم الكثيرين، لكنه لمّا كان قد أخذ عمله بغاية الجدية، فقد تعيَّن عليه أن يراجع كل الأرقام وكل التقديرات بنفسه، ولهذا لم يكن لمساعديه سوى القليل من النفع له. ولا يمكننا القول إنه وجد متعة ما في ممارسة عمله هذا، فهو قد قام بأدائه فحسب. لأنه كان قُدِّر له القيام به. وكان، في الحقيقة، قد قدّم بالفعل التماسات عديدة انطوى عليها ملفّه، التمس فيها، على حدّ قوله، عملاً أكثر بهجة. لكن محاولة إسناد عمل آخر إليه، كان يتَّضح في كل مرة أنه لا يناسبه عمل قط، كما يناسبه عمله الحالي. وكان صعباً على أي حال، صعوبة بالغة، إيجاد عمل آخر يمكن أن يسند إليه القيام به، وفوق هذا كله كان من المستحيل بالطبع أن تسند إليه إدارة بحر بعينه، بصرف النظر عن حقيقة أنه حتى في تلك الحالة، فإن النتيجة لن تسفر عن تخفيف للعبء عن كاهله بل عن تقليل لمركزه؛ فبوزايدون العظيم لا يمكنه بحال من الأحوال أن يضطلع بمجرَّد عمل تنفيذي. وعندما قامت ذات مرة فكرة أن يسند إليه عمل بعيد عن البحر؛ أعيته مجرَّد الفكرة في حَدّ ذاتها؛ ذلك أن أنفاسه الإلهية كانت تضطرب وصدره النحاسي كان يشرع في الخفقان. وبالإضافة إلى ذلك لم تكن شكواه تؤخذ قط مأخذ الجد، فعندما يحدث عادة أن يتكدَّر أحد الآلهة كانت تقوم شكليات توحي ببذل الجهد الذي لم يكن منه بدّ لتهدئته، ولقد كانت هذه المحاولات الشكلية تجري مهما بدت الحالة خطيرة وميئوساً منها إلى أبعد الحدود، ذلك أن حركة التنقلات في المناصب فعلياً، كانت أمراً غير وارد بالمرة بالنسبة لبوزايدون، لأنه كان قد نُصِّب إلهاً للبحر منذ البداية، وكان عليه أن يظل كذلك. أمّا أكثر ما كان يثيره - وهو ما كان يبعثه على أن يسخط على وظيفته - فهو سماعه لتلك التصورات التي تكوَّنت عنه؛ وعن الطريقة التي كان يتجوَّل بها دائماً في مركبته خلال حركة المدّ والجَزْر، وهو يمسك بصولجانه ذي الشعَب الثلاث. بينما كان قد جلس طوال الوقت هنا في أعماق محيط العالم يراجع حساباته بلا إزعاج؛ عدا رحلة قصيرة كان يقوم بها بين الحين والآخر متَّجهاً الي جوبيتر؛ حيث كانت هذه الرحلة هي وحدها ما يقطع اتّصال الرتابة – رحلة كان يعود منها، فوق ذلك، في حالة هياج. وعلى هذا فهو لم يكن قد أتيحت له حتى رؤية البحر تقريباً – ذلك أنه كان قد رآه رؤية عابرة في سياق طلعاته المتعجِّلة إلى جبل الأولمب، ولم يكن قد تجوَّل فعلياً قطّ في أنحائه. ولقد كان معتاداً أن يقول أنّ كل ما كان ينتظره، هو انهيار العالم؛ ثم قد تسنح له قبل ذلك ربما؛ لحظة ما من لحظات الهدوء على حافة النهاية؛ وبعد أن يكون قد أتمّ مراجعة خطّ أفكاره الأخيرة، قد يسعه فيها القيام بجولة سريعة قصيرة.

كان بوزايدون قد أصابه بحرُه بالسأم. وكان قد ترك صولجانه ذا الشعب الثلاث يسقط من يده؛ وجلس في صمت على الشاطئ الصخري. وكان أحد طيور النورس، وقد أصيب بالدوخة في حضرته، قد دوَّمَ محلِّقاً في دورات مترنِّحة حول رأسه.



جبل سيناء



يتجوَّل الكثيرون حول جبل سيناء. حديثهم مشوَّش، فهم إما يثرثرون وإما يصيحون، أو يظلّون صامتين. إلاّ أن أحداً منهم لم يحضر مباشرة عبر طريق عريض، ممهَّد حديثاً، طريق أملس يقوم بدوره في جعل خطى المرء واسعة، وأكثر سرعة.



مشكلة قوانينا



قوانيننا عموماً ليست معروفة، فهي قد ظلت سراً من أسرار المجموعة الصغيرة التي تحكمنا من النبلاء، ونحن مقتنعون بأن هذه القوانين القديمة قد تمّ الالتزام بها بدقّة. وعلى الرغم من ذلك، فإنه مما يؤلم إلى أقصى حدّ أن يُحْكَم المرء بواسطة قوانين لا يعرف عنها شيئاً. ولا تشغلني التناقضات المحتملة التي قد تنشأ عند تفسير القوانين، كما أنني لا أفكر في الأضرار المشتبكة التي يتسبَّب فيها السماح لقلّة فقط من الناس، وليس لكل الناس، بأن يكون لهم رأي في تفسيرها. وربما لا تكون لهذه الأضرار أهمّيّة بالغة. ذلك أن القوانين بالغة القدم؛ وكانت تفسيراتها عبئاً اضطلعت به القرون، واكتسبت هي ذاتها- بلا شك- منزلة القانون، ومع أنه ماتزال هناك حرّيّة ممكنة للتفسير، إلا أن هذه الحرية قد أصبحت الآن مقيّدة للغاية. وعلاوة على ذلك فإنه من الواضح أن النبلاء ليس لديهم ما يدفعهم إلى أن يتأثّروا في تفسيراتهم بالاهتمامات الشخصية الضارّة بنا، ذلك أن القوانين كانت قد صُنِعت لمصلحة النبلاء منذ بداية البداية، فهم أنفسهم يقفون فوق القانون، ويبدو أن هذا هو السبب في أن القوانين قد عُهد بها بصفة خاصة إلى أيديهم. ثمة حكمة في ذلك بالطبع. من ذا الذي يرتاب في حكمة القوانين القديمة؟ - لكن ثمة مشقة لنا أيضاً، وربما كانت هذه المشقّة أمراً لا يمكن تجنُّبه. إن وجود هذه القوانين مع ذلك، هو في الأغلب، مسألة افتراض. فثمة تقاليد تقول بأنها موجودة، وبأنها سِرّ قد عُهِد به إلى النبالة، إلا أنها ليست، ولا يمكن أن تكون أكثر من مُجَرَّد تقاليد قد صَدَّق عليها الزمن. لأن جوهر وجود شِفرة سرّية ما، هو أنها يجب أن تبقى خفيَّة.

ولقد تفحَّص البعض منا، من بين الشعب، بانتباه، أفعال النبالة منذ أقدم الأزمان؛ وامتلك سجلّات، سجّلها أسلافنا الأوائل ، وهي سجلّات قد أكملناها نحن بوعي، ويزعم هذا البعض منا أنهم يمكنهم أن يدركوا من بين ما لا حصر له من أعداد الحقائق، اتجاهات أساسية بعينها تسمح بهذه الصياغة التاريخية أو بتلك. لكن عندما نسعى طبقاً لهذه النتائج التي تمّ تفحصها بتدقيق، وتنظيمها منطقياً، إلى أن نوجِّه أنفسنا على نحو ما نحو الحاضر أو المستقبل، يصبح كل شيء مفتقراً إلى اليقين، ويبدو عملنا فقط مُجَرَّد لعبة فكرية؛ ذلك أن هذه القوانين التي نحاول أن نفسِّرها ربما لا تكون موجودة على الإطلاق. وثمة جماعة صغيرة العدد يعتقدون بالفعل بهذا الرأي، ويحاولون أن يظهروا أنه؛ إذا وُجدت أية قوانين، فإنها لن تكون سوى هذا: القانون هو كل ما يروق للنبالة أن تفعل. وترى هذه الجماعة في كل مكان، فقط الأعمال التعسُّفية للنبالة؛ وتنبذ التقاليد الشعبية، التي تملك فقط، في رأيهم، بعض الميزات الطفيفة الطارئة التي لا تقوى غالباً على مواجهة أضرارها الثقيلة، ذلك أنها تمنح الشعب أماناً زائفاً خادعاً، زائد الثقة بالغير في تصدّيها للأحداث الواردة. ولا يمكن أن ينكر هذه الأضرار أحد، إلاّ أن الأغلبية الشاملة لشعبنا تعلّلها بحقيقة أن التقاليد هي بطبيعتها أبعد ما تكون عن الاكتمال، ولا بدّ من أن يتمّ المزيد من التقصّي الزائد في أمرها، ذلك أن المادة المتاحة، على ضخامتها التي تتبدى بها، ما تزال بالغة العقم؛ وأن قروناً عديدة لا بدّ لها أن تمرّ قبل أن يتمّ لهذه المادة الكفاية حقاً. هذه الرؤية التي تبعث إلى هذا الحدّ البالغ على عدم الارتياح في ما يتعلَّق بالحاضر، لا يخفّف منها سوى الاعتقاد بأن الوقت سوف يحلّ في النهاية عندما تبلغ التقاليد وبحوثنا فيها معاً نتائجهما، ويجنيان- كما يقال- هامشاً لالتقاط الأنفاس، عندما يُقَدَّر لكل شيء أن يصبح واضحاً، سوف ينتمي القانون إلى الشعب، وسوف تتلاشى النبالة. ولا يستند هذا على شيء من روح الكراهية للنبالة؛ لاشيء من هذا على الإطلاق، ولا يحسّ أحد شيئاً منه. إننا ميالون أكثر إلى كراهية أنفسنا، لأننا لم نبدِ جدارتنا بأن نُؤتمن على القوانين. وهذا هو السبب الحقيقي في أن الجماعة التي ترى أنه لا يوجد أي قانون قد بقيت جماعة صغيرة العدد إلى هذا الحدّ، على الرغم من أن مذهبها هو من نواحٍ بعينها مذهب بالغ الجاذبية؛ ذلك لأنه يعترف اعترافاً قاطعاً بالنبالة وبحقِّها في مواصلة الوجود.



ويمكن للمرء فعلياً أن يعبّر عن المشكلة فقط في صورة مفارقة من نوع ما: أي جماعة قد تجحد، ليس فقط كل اعتقاد في القوانين، بل تجحد النبالة هي أيضاً، سوف تكسب الشعب كله خلفها؛ إلا أنه لن يتسنّى لمثل هذه الجماعة أن تظهر إلى الوجود؛ ذلك أنّ أحداً لن يجرؤ على أن يجحد النبالة. إننا نعيش فوق حدّ السكّين هذا. وقد لخّص أحد الكتاب الأمر ذات مرة، على هذا النحو: إنّ القانون الوحيد المرئي والذي لا ريب فيه، ذالك المفروض علينا، إنما هو النبالة، فهل لا بدّ لنا نحن أنفسنا أن نحرم من هذا القانون الوحيد؟.

منقول من الدوحة الثقافية