السبت، 10 أغسطس 2013

وداعا هيلين توماس.. محمد الزواوي


securedownload
توفيت عميدة مراسلي البيت الأبيض المتحدرة من أصل عربي هيلين توماس عن 92 عاما بعد مسيرة إعلامية استمرت 67 عاما قضت 50 عاما منها كمراسلة ومعلقة صحفية في البيت الأبيض وشملت 11 رئيسا أميركيا من أواخر فترة حكم الرئيس دوايت أيزنهاور حتى الرئيس باراك أوباما. وأصدر الرئيس أوباما بهذه المناسبة بيانا أعرب فيه عن حزنه، وجاء في البيان “كانت هيلين توماس رائدة فعلية، فقد فتحت الأبواب وكسرت الحواجز لأجيال من النساء في ميدان الصحافة، ولم تكف أبدا عن إبقاء الرؤساء – بمن فيهم أنا شخصيا – في حالة توخّ للحرص والحذر”. وشملت مسيرتها الصحفية 57 عاما مع وكالة يونايتد برس إنترناشنال وعشر سنوات مع صحف هيسرت التي انتهت باستقالتها في العام 2010 وهي على مشارف سن التسعين، وذلك بعد الإدلاء بتصريحات مؤيدة لحق الفلسطينيين في فلسطين ودعوة اليهود في فلسطين إلى العودة إلى الدول التي جاؤوا منها كبولندا وألمانيا وأميركا.

تعرفت شخصيا على هيلين توماس في واشنطن قبل أكثر من 50 عاما ونشأت بيننا صداقة منذ ذلك الوقت، وقمت قبل أقل من عامين بزيارتها في منزلها بواشنطن وبتسجيل مقابلة تلفزيونية معها نيابة عن الجمعية الأردنية للبحث العلمي عرضت في المؤتمر السنوي للجمعية. وتركزت هذه المقابلة على تصريحاتها المثيرة للجدل المتعلقة بالقضية الفلسطينية وعلى مسيرتها الصحفية في البيت الأبيض وتقويمها لبعض الرؤساء الأميركيين الذين تعاملت معهم.
وأكدت هيلين توماس خلال المقابلة أن الحل العادل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي هو أن “تعود فلسطين للفلسطينيين، وأن يرحل الإسرائيليون الأجانب عنها”، مضيفة “ليس للإسرائيليين حق في فلسطين، فهم أتوا من أوروبا وما يقومون به غير محتمل”، مشيرة إلى أنهم “يريدون القدس وكل شيء آخر، ويعملون على إذلال الفلسطينيين ويستمرون في بناء مستوطناتهم ومنازلهم على أرض فلسطين”.
وفيما يتعلق بتقويمها لبعض الرؤساء الأميركيين الذين قامت بتغطية أخبارهم، قالت هيلين توماس “إن جون كينيدي كان محبا للسلام” ووصفته بـ “الرئيس الأكثر تعاطفا مع القضايا العربية”. وحول حكومة الرئيس باراك أوباما، قالت هيلين توماس إنها “ضعيفة وفاشلة ورهيبة”، مضيفة “لا أحب أسلوب تعامل الرئيس أوباما مع القضايا العربية”. وكانت هيلين توماس قد وصفت الرئيس جوج بوش الابن إبان فترة حكمه بأنه أسوأ رئيس قامت بتغطية أخباره.
كانت هيلين توماس تفاخر بانتمائها العربي، وقالت إنها تشعر بانتمائها إلى ثقافتين، وكانت على معرفة متواضعة باللغة العربية. وقد هاجر والداها من مدينة طرابلس بلبنان. وانضمت هيلين توماس إلى وكالة يونايتد برس إنترناشنال في العام 1943، بعد عام من تخرجها من جامعة وين بمدينة ديترويت، وتحولت على مر السنين إلى أبرز صحفية في الولايات المتحدة. ومن الألقاب التي أطلقت عليها لقب “السيدة الأولى في الصحافة الأميركية” و”الصحفية الأسطورة”. وكانت هيلين توماس تحتل مقعدا أماميا محجوزا لها في قاعة المؤتمرات الصحفية للرؤساء الأميركيين في البيت الأبيض، وتقوم بتوجيه السؤال الأول وتختتم المؤتمرات الصحفية بعبارة “شكرا، السيد الرئيس”.
ووصفت جريدة كريستيان ساينس الأميركية المرموقة هيلين توماس في مقال نشر في العام 2008 بأنها “عنصر ثابت في السياسة الأميركية، وهي صريحة وجريئة وبارعة وقوية وصارمة”. وعندما سئل الرئيس الكوبي فيديل كاسترو عن الفرق بين الديمقراطية في كوبا وفي الولايات المتحدة، أجاب قائلا “أنا لست ملزما في كوبا بأن أجيب على أسئلة توجهها هيلين توماس”. واعتبرت هيلين توماس هذا الجواب قمة الإطراء لها.

منقول من موقع فوبيا

الجمعة، 9 أغسطس 2013

الحداثة ورائحة البارود.. الدكتور عبد الوهاب المسيري



زاد الحديث في الغرب‏ (‏وفي بلادنا أيضا‏)‏ عن التحديث في جميع المجالات‏:‏المجال السياسي‏(‏الديمقراطية‏)‏ - المجال الاقتصادي‏(‏مزيد من الخصخصة‏)‏- المجال التربوي ‏(‏تعديل المقررات الدراسية بما يتفق مع المعايير الغربية الحديثة‏).‏ وبدأ بعض يتحدثون عن أن الإسلام بطبيعته معاداة الحداثة، فانبري بعض المفكرين العرب والإسلاميين للدفاع عن الاسلام ولإثبات العكس، مبينين بالبرهان القاطع أن الإسلام بطبيعته ليس معاديا للحداثة، بل يرحب بها، ويمكنه أن يتبني مناهجها وقيمها.
وهذا الحوار يفترض أن مصطلح الحداثة مصطلح محدد المعني والدلالة، وأن الحداثة ليس لها تاريخ وأن تبدياتها لاتختلف من حضارة لأخري، أو من حقبة تاريخية إلي أخري، وأن هناك حداثة واحدة، وعادة مانعود للمعاجم الغربية لنعرف المعني الدقيق لأي مصطلح وماهد منه علي وجه الدقة، وبعد أن نقرأ التعريفات المختلفة للمصطلح ونتقبلها كلها أو بعضها بأمانة بالغة، تصبح الإشكالية هي كيف نترجمه دون أن نختبر هذه التعريفات ومدي مطابقتها للواقع، سواء كان واقعنا أم الواقع الغربي، ودون أن ندرس المراجعات التي تمهذا المصطلح في الغرب، ودون أن ندرس تاريخ تطور الظاهرة الذي يشير إليها هذا المصطلحومصطلح التحديث لايشكل أي استثناء لهذه القاعدة، فتوجد تعريفات كثيرة لمفهوم الحداثة، لكن ثمة ما يشبه الإجماع علي أن الحداثة مرتبطة تماما بفكر حركة الاستنارة الذي ينطلق من فكرة أن الإنسان هو مركز الكون وسيده، وأنه لايحتاج إلا إلي عقله سواء في دراسة الواقع أو إدارة المجتمع أو للتمييز بين الصالح والطالح، وفي هذا الإطار يصبح العلم هو أساس الفكر،مصدر المعني والقيمة، والتكنولوجيا هي الآلية الأساسية في محاولة تسخير الطبيعة وإعادة صياغتها ليحقق الإنسان سعادته ومنفعته.
هذا التعريف قد يبدو للبعض تعريفا جامعا مانعا أو علي الأقل كافيا، ولكننا لوفحصنا الأمر بدقة أكبر لوجدنا أن الحداثة ليست مجرد استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا، بل هي استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا المنفصلة عن القيمة، أو كما يقولون بالإنجليزية- فاليوفري
Value-free، وهذا البعد هو بعد مهم لمنظومة الحداثة الغربية، ففي عالم متجرد من القيمة تصبح كل الأمور متساوية، ومن ثم تصبح كل الأمور نسبية، وحين يحدث ذلك فإنه يصعب الحكم علي أي شيء، ويصبح من المستحيل التمييز بين الخير والشر وبين العدل والظلم، بل وبينالجوهري والنسبي، وأخيرآ بين الإنسان والطبيعة أو الإنسان والمادة‏.‏ وهنا يطرح السؤال نفسه كيف يمكن أن تحسم النزاعات والصراعات، وكيف يمكن أن نسوي الخلافات، وهي كلها من صميم الوجود الإنساني؟ في غياب قيم مطلقة، يمكن الاحتكام لها، يصبح الإنسان الفردالعرقية مرجعية ذاتها، وتصبح ماتراه في صالحها هو الأساس وماليس في صالحها هو الطالح‏.‏ وقد أدي هذا إلي ظهور القوة والإرادة الفردية كآلية واحدة لحسم الصراعات وحل الخلافات‏.
هذه هي الحداثة التي تبناها العالم الغربي والتي جعلته ينظر إلي نفسه باعتبار أنه هو‏(‏وليس الإنسان أو الإنسانية‏)‏ مركز العالم، وأن ينظر للعالم باعتباره مادة استعمالية يوظفها لصالحه باعتباره الأكثر تقدما وقوة، ولذا فإن منظومة الحداثة الغربية هي في واقع الأمر منظومة إمبريالية داروينية‏.‏ هذا هو التعريف الحقيقي للحداثة كما تحققت تاريخيا، وليس كما عرفت معجميا، وهذا هو التعريف الذي يمكننا من قراءة كثير من الظواهر الحديثة‏.‏
كانت الظاهرة الغربية الحديثة تؤكد أنها حضارة إنسانية‏(‏ هيومانية‏)‏ جعلت من الإنسان مركز الكون، وكانت المجتمعات الغربية مجتمعات لاتزال متماسكة من الناحية الاجتماعية والأسرية، ولم تكن كثيرا من الظواهر السلبية التي نلاحظها بأنفسنا ونقرأ عنها في صحفهم ومجلاتهم، والتي أصبحت نمطا ثابتا وظاهرة محددة، كانت مجرد حوادث متفرقة لاظواهر دالة، ومن ثم كان من السهل تهميشها‏.‏ واذا كان دعاة الإصلاح ‏(‏من الليبراليين والماركسيين والإسلاميين‏)‏ كلهم ينادون بضرورة اللحاق بالغرب‏(‏أي تبني منظومة الحداثة الغربية‏).‏ ولم يكن هناك أي أصوات تعارض الحداثة أو تنتقدها، بل كان الجميع يسبح بحمدها، وقد كانوا محقين إلي حد كبير في هذا، فشكل الحداثة الذي أدركوه آنذاك كان أمرا يثلج القلوب‏.‏
ولكن تدريجيا تكشف الوجه الدارويني حين أرسلت الحداثة الغربية لنا جيوشها الاستعمارية لتهلك الأخضر واليابس، وتحول بلادنا إلي مادة استعمالية كمصدر للمواد الخام والعمالة الرخيصة، وسوق مفتوحة بشكل دائم للسلع الغربية، ويبدو أن المفكرين الإصلاحيين الأول لم يربطوا بين الحداثة الغربية والإمبريالية الغربية، فقد ذهبوا إلي العواصم الغربية ولم يروا سوي النور والاستنارة، في الوقت الذي كانت المدافع الغربية تدك بلادنا دكا، ولذا فهؤلاء الذين بقوا في بلادهم رأوا ألسنة النيران المندلعة، وسمعوا قعقعة القنابل، وشموا رائحة البارود‏.‏
يقول أحد كتب التاريخ إنه قيل لأحد الشيوخ الجزائريين إن القوات الفرنسية إنما جاءت لنشر الحضارة الغربية الحديثة في ربوع الجزائر، فجاء رده جافا ومقتضبا ودالا، إذ قال ولم أحضروا كل هذا البارود إذن؟ لقد رأي هذا الشيخ علاقة الحداثة الغربية بالإمبريالية من البداية، وهو ما أدركه الكثيرون بعد ذلك‏.‏ فعصر الاكتشافات الجغرافية وعصر النهضة في الغرب‏(‏القرن السابع عشر‏)‏ هو أيضا العصر الذي بدأت فيه إبادة الملايين، وكما يقول الزعيم بن بيلا‏:‏ إن هذا الإله الصناعي الحديث إغتال عرقا بأكمله‏(‏العرق الأحمر‏),‏ أي السكان الأصليين في الأمريكتين، وأخذ زبدة عرق اخر‏(‏العرق الأسود‏)‏ عن طريق النخاسة واستعباد ملايين ‏(‏مما يضع عدد ضحايا هذه العملية نحو مائة مليون إنسان‏)‏ باعتبار أن عبدا واحدا يحتفظ به النخاسون الغربيون كان يقتل مقابله تسعة عبيد‏.‏ثم يشير بن بيلا إلي سكان المكسيك الذين تمت إبادتهم وإلي سكان الجزائر الذين أبيدت منهم الملايين في أثناء هباتهم المتكررة ضد الاستعمار الفرنسي، ويمكن أن نضيف إلي ذلك حرب الأفيون في الصين والمجاعات التي أصابت الهند بسبب تطبيق قوانين الملكية الغربية الحديثة، وحربين عالميتين كلفت الأولي الإنسانية ‏20‏ مليون قتيل، والثانية ‏50‏ مليون قتيل، وقنابل هيروشيما ونجازاكي، وضحايا معسكرات الجولاج في الاتحاد السوفيتي‏.‏ إن بطل رائعة الطيب صالح موسم الهجرة إلي الشمال قد لخص الموقف ببساطة حين قال‏: ‏إنني أسمع‏..‏ صليل سيوف الرومان في قرطاج، وقعقعة سنابك خيل اللنبي وهي تطأ أرض القدس‏.‏البواخر مخرت عرض النيل أول مرة تحمل المدافع لا الخبز، وسكك حديد أنشئت أصلا لنقل الجنود، وقد أنشأوا المدارس ليعلمونا كيف نقول نعم بلغتهم.
وقد جاءت هذه الجيوش الاستعمارية ففتت العالم العربي والإسلامي، وأخضعت شعوبه لكل أنماط الاستعمار‏:‏استعمار عسكري في مصر وسوريا ولبنان والمغرب والسودان والعراق وليبيا، واستعمار استيطاني في الجزائر، واستعمار استيطاني إحتلالي في فلسطين، وقد تعاون هذا الاستعمار مع القوي التقليدية والرجعية في المجتمع، وحاول إعاقة تحديث عالمنا الغربي فقام بتحطيم تجربة محمد علي، أول تجربة تحديثية خارج العالم الغربي، ثم قاموا بقمع ثورة عرابي الشعبية، وساندت الجيوش الغربية الحديثة الخديو ودعمته وساندته‏.‏ ثم انتهي الأمر بأن أقامت هذه الجيوش الدول الحديثة التي لاتعرف من الحداثة سوي الأجهزة القمعية والأمنية‏.‏ ثم زرع العالم الغربي الحديث في وسطنا بقوة السلاح مجموعة من المستوطنين الذين ادعوا أن فلسطين أرض بلا شعب وأنهم شعب يهودي يعود إلي أرض أسلافه حسب الرواية التوراتية‏.‏
ويطالب الصهاينة والأمريكيون في الوقت الحاضر بتحديث مؤسسات السلطة الفلسطينية، مع أنه من المعروف أن الصهاينة - شأنهم شأن كل المستعمرين- رفضوا من البداية التعامل مع القطاعات الحديثة في المجتمع الفلسطيني مثل نقابات العمال والأحزاب السياسية‏(‏بل قاموا باغتيال أحد زعماء نقابات العمال الفلسطينية قبل عام‏1948)، وفضلوا التعامل مع القطاعات التقليدية في المجتمع الفلسطيني، ظنا منهم أن هذه القطاعات قد تكون أكثر مرونة في التعامل معهم نظرا لعدم فهمها لطبيعة الهجمة الاستعمارية البريطانية‏/ ‏الصهيونية عليهم، ولكن خاب ظنهم، فحينما تحاور معهم بعض القيادات التقليدية ‏(‏برئاسة الشيخ رشيد رضا‏)‏ أبدي الفلسطينيون رغبتهم في تحديث مجتمعهم، ولم يجدوا أي غضاضة في الاستعانة برأس المال الأجنبي، والخبرة الأجنبية علي أن يتم تطبيق المبادئ الديمقراطية، أي إجراء انتخابات حرة بحيث يكون لكل مواطن صوت، باعتبارها الوسيلة الوحيدة لتحقيق السلام‏.‏ فعلق حاييم وايزمان بقوله هذا هو سلام القبور، وهو كان محقا تماما في ذلك، فتطبيق المثل الديمقراطية في فلسطين كان يعني أن المستوطنين الصهاينة سيكونون أقلية، ولن يتحكموا في مصائر الفلسطينيين، ولن يقيموا دولتهم اليهودية الخالصة التي يصرون عليها، والتي يدعمها الغرب الديمقراطي الحديث بكل ما أوتي من قوة، وقد قال أحد المعلقين الإسرائيليين إن الدولة الصهيونية لم تعد دولة ديمقراطية، وإنما دولة ديموجرافية‏(‏أي ذات أغلبية يهودية‏). ‏وهم الآن يطالبون بتحديث النظام السياسي العربي والنظام التربوي الإسلامي، ولكن التحديث هنا يعني في واقع الأمر تقويض المنظومات القيمية والثقافية التي تضفي علينا قدرآ من التماسك يمكننا من مقاومة محاولات الغزو العسكري والثقافي، ولذا فقد وصف أحد المعلقين هذا النوع من التحديث بالتحديث الطبيعي، أي التحديث الذي يجعلنا نقبل الظلم الواقع علينا، والاستغلال الذي ينزفنا ويثقل كاهلنا، والآثار السلبية للحداثة الداروينية لم تلحق بنا وحسب، بل ظهرت علي الكرة الأرضية، علي الجنس البشري بأسره‏.‏ فهذه الحداثة قد طرحت فكرة التقدم اللانهائي باعتباره الغاية النهائية للإنسان، ولكن التقدم دائما هو حركة نحو غاية، فلم تعرف هذه الغاية في المعاجم، ولكن في التطبيق نعرف كلنا أن غاية التقدم هي تسخير العالم بأسره لصالح الإنسان الغربي، وأصبحت أهم مؤشرات التقدم هو الاستهلاك والمزيد من الاستهلاك، إستهلاك الإنسان الغربي للموارد الطبيعية اللامتناهية، وانتهي الأمر بأن الشعوب الغربية التي تشكل ‏20%‏ من شعوب العالم تستهلك ‏80%‏ من موارد الكون الطبيعية، ويبلغ حجم مااستهلكه الشعب الأمريكي في القرن الماضي أكثر مما استهلكه الجنس البشري عبر تاريخه، ولكن المصادر الطبيعية محدودة، الأمر الذي تسبب في الأزمة البيئية التي ستودي بنا جميعا، وقد جاء في إحدي الدراسات أنه لو عم التقدم بأسره علي النمط الغربي فإن الجنس البشري سيحتاج إلي ست كرات أرضية ليستخلص منها المواد الخام، وكرتين ليلقي فيها بنفاياته، كل هذا يعني أن المشروع الحداثي الدارويني الغربي مشروع مستحيل لايستفيد منه سوي العالم الغربي، وبعض أعضاء النخب الحاكمة في العالم الثالث، وما العربدة الأمريكية الداروينية ضد العراق سوي تعبير عن إدراك المؤسسة الحاكمة الأمريكية لهذه الحقيقة، فهي تود الهيمنة علي مصادر الموارد الطبيعية في عالم تتناقص فيه هذه الموارد حتي يمكنها الاحتفاظ للإنسان الأمريكي بمعدلاته الاستهلاكية العالية، فهذا هو وعد الحداثة الداروينية له‏.‏
وقد اتضح لنا جميعا أن الثمن المادي والمعنوي لمنظومة الحداثة الداروينية مرتفع للغاية، ولنأخذ الجانب المادي أولا‏:‏ تتحدث بعض الدراسات عما يسمي رأس المال الطبيعي الثابت
fixed natural capital‏ أي العناصر الطبيعية التي لايمكن استبدالها، وثمة إحصائية تذهب إلي أنه لو تم حساب التكاليف الحقيقة لأي مشروع صناعي غربي‏(‏أي حساب المكسب النقدي المباشر مخصوما منه الخسارة الناجمة عن استهلاك رأس المال الطبيعي الثابت‏)‏ لظهر أنه مشروع خاسر، وأن المشروع الصناعي الغربي قد حقق ماحقق من نجاح واستمرار لأن الجنس البشري بأسره قد دفع الثمن، وقام الإنسان الغربي وحده بأخذ الغنيمة، وقد أدي هذا إلي فداحة ثمن التقدم الذي تنادي به الحداثة الإمبريالية الداروينية‏:‏تآكل طبقة الأوزون - تلوث البحار - التصحر الناتج عن قطع الغابات - النفايات النووية - تلوث الهواء - تزايد سخونة الغلاف الجوي‏.‏
والحداثة الداروينية لها أثرها علي نسيج المجتمع، وعلي منظوماته الحاكمة‏..‏ ولنذكر بعض الظواهر الاجتماعية السلبية المختلفة‏:‏تآكل الأسرة - تراجع التواصل بين الناس - الأمراض النفسية - تزايد الإحساس بالاغتراب والوحدة والغربة - ظهور الإنسان ذي البعد الواحد - هيمنة النماذج الكمية والبيروقراطية علي الإنسان - تزايد العنف والجريمة ‏(‏يعد قطاع السجون هو أسرع القطاعات توسعا في الاقتصاد الأمريكي‏)‏- الإباحية‏ (‏التكاليف المادية لإنتاجها والتكاليف المعنوية لاستهلاكها‏)‏ - السلع التافهة ‏(‏التي لاتضيف إلي معرفة الإنسان ولاتعمق من إحساسه، والتي تستغرق وقتا إجتماعيا في إنتاجها واستهلاكها‏)‏- تضخم الدولة وهيمنتها من خلال أجهزتها الأمنية والتربوية علي الأفراد - تضخم قطاع اللذة والميديا وغزوها حياة الإنسان الخاصة ودورها الضخم في صياغة صورة الإنسان وطموحاته وأحلامه، برغم أن القائمين علي هذا القطاع لم يتم انتخابهم ولاتتم مساءلتهم- تزايد الإنفاق علي التسلح وأدوات الدمار الشامل ‏(‏يقال إنه لأول مرة في التاريخ البشري ينفق الإنسان علي السلاح أكثر مما ينفق علي الطعام والملبس‏)‏- ظهور إمكانية تدمير الكرة الأرضية إما فجأة‏ (‏من خلال الأسلحة النووية‏)‏ أو بالتدريج‏(‏من خلال التلوث‏),‏ وكل مايسببه هذا من قلق للإنسان الحديث، وعند هذه النقطة تلتقي الآثار المادية بالآثار المعنوية بحيث لايمكن التفريق بين الواحد والآخر‏.‏
وقد أدرك كثير من المفكرين الغربيين هذه الجوانب المظلمة للحداثة الداروينية، فعبارات مثل أزمة الحداثةوأزمة المعنى والأزمة الأخلاقية كلها عبارات تتواتر في علم الاجتماع الغربي، وتدل علي تنامي هذا الإدراك، وفكر الخضر تماما مثل رفض العولمة والرأسمالية المتوحشة وفكر مدرسة فرانكفورت، ونظريات التنمية الجديدة التي تتحدث عن التنمية المستديمة والدعوة إلي تطوير عولمة تراحمية هي كلها محاولات لرفض الحداثة الداروينية التي تهدد سكان الكرة الأرضية، وتهدد إنسانية الإنسان، وفي مجال نقده للحداثة الداروينية قال روجيه جارودي ‏(‏قبل تحوله للإسلام‏): ‏إن معركة عصرنا هي ضد أسطورة التقدم، والنمو علي المنوال الغربي، فهي أسطورة انتحارية، وهي أيضا معركة ضد الأيديولوجية التي تتسم بالفصل بين العلم والتكنولوجيا‏(‏تنظيم الوسائل والقدرة‏)‏ من جهة، والحكمة‏(‏التبصر بالغايات وبمعني حياتنا‏)‏ من جهة أخرى‏.‏
هذه الأيديولوجية تتسم بأنها تؤكد فردانية متطرفة تبتر الإنسان عن أبعاده الإنسانية، وفي نهاية الأمر خلقت قبرا يكفي لدفن العالم‏.
وهو محق في ذلك تماما فالحداثة علي النمط الغربي بدأت بادعاء أنها تري الإنسان مركزا للعالم وانتهت بكلمات ميشيل فوكوه‏:‏لايسع المرء إلا أن يقابل بضحك فلسفي كل من لايزال يريد أن يتكلم عن الإنسان وعن ملكوته وعن تحرره‏..‏ فسيضمحل الإنسان مثل نقش علي رمال الشاطيء تمحوه أمواج البحر، بدأ العالم بدون الإنسان وسينتهي بدونه، ومايتأكد في أيامنا هذه ليست غياب الإله أو موته بقدر ماتتأكد نهاية الإنسان‏.‏
إن وعد الحداثة الغربية كان هو تأكيد مركزية الإنسان في الكون، ولكن تحققها تاريخيا يسير بنا كلنا بخطي حثيثة نحو موت الإنسان بل وموت الطبيعة‏.‏ والموقف الإنساني من الحداثة الداروينية المنفصلة عن القيمة هو جزء من هذه الثروة العالمية ومن المحاولة الرامية إلي مراجعة المفاهيم المعادية للإنسان التي سيطرت علي الحضارة الحديثة‏.‏
ولذا، فقد يكون من الأجدي أن يوحد الجميع قواهم وأن يتعاونوا علي توليد المشروع الحداثي العربي والإسلامي كجزء من المحاولة الإنسانية العامة التي تحاول تجاوز الحداثة الداروينية، المنفصلة عن القيمة، المبنية علي الصراع، والتنافس والتقاتل والاستهلاك المتصاعد حتي نتوصل إلي حداثة إنسانية، تنطلق من إنسانيتنا المشتركة، حداثة تدير المجتمع بطريقة مختلفة، فهي لاتري الإنسان مادة محضة، ولاتنفصل عن القيمة‏..‏ وإنما تدور في إطار منظومة قيمية تري أن تحقيق السعادة لايكون بالضرورة عن طريق زيادة الثروة ونهب الطبيعة، واستغلال الإنسان، وانما عن طريق تبني قيمة إنسانية تبني مثل العدل والتكافل والتراحم، والتوازن‏ (‏مع الذات ومع الطبيعة‏)..‏وفي ذلك خيرنا‏..‏ وخير الإنسانية كلها‏.‏
والله أعلم‏.‏

منقول من موقع الدكتور عبد الوهاب المسيري

الثلاثاء، 6 أغسطس 2013

التكنولوجيا الرقمية والإعلام الجديد.. د. أحمد أبو زيد






يشغل الإعلام مساحة واسعة في حياة الإنسان المعاصر الذى يعتمد عليه في الحصول على المعلومات وتوفير الراحة الذهنية، والمتعة الفنية في بعض الأحيان.
تقدم أجهزة الإعلام أفكارًا متنوعة ورؤى جديدة للأشياء والأحداث، تهيئ للإنسان المعاصر إمكان الانفتاح على العالم الخارجي بل ونقل ذلك العالم بكل أحداثه المعقّدة والمتلاطمة إليه، وذلك كنتيجة طبيعية للتقدم الهائل في أساليب الاتصال. ويظهر مدى قوة ارتباط الإنسان المعاصر بالإعلام إذا نحن نظرنا إلى طول الفترة التي يقتطعها الفرد العادي من حياته اليومية لمشاهدة التلفزيون، ومتابعة برامج الإذاعات العالمية، وتصفح الجرائد والمجلات، وبخاصة في أوقات الأزمات العالمية المتواصلة، ثم تقليب صفحات الإنترنت وزيارة المواقع المختلفة على الشبكة الدولية، لمعرفة المزيد من أحوال العالم الذي يعيش فيه، مما يقوي الشعور بالانتماء إليه والإحساس بأنه مواطن عالمي، وليس مجرد فرد يعيش في مجتمع محلي محدود المساحة والتأثير. فالإعلام يعتبر إذن إحدى حقائق الحياة المعاصرة، وواحدًا من أهم قوى تشكيل السلوكيات والقيم والعلاقات الإنسانية والثقافية، بما يبثه من خلال قنواته المتعددة والمتنوعة من أفكار وآراء تتسلل في رفق وهوادة إلى أذهان الجماهير العريضة، فتعمل على تغيير واقع حياتهم وتغرس فيهم قيمًا جديدة تزيح أمامها أنماط القيم، التي درجوا عليها خلال عصور طويلة سابقة من حياة المجتمع. وهذا معناه في آخر الأمر أن الإعلام يقوم بدور حيوي في نشر ثقافة عامة موحدة بين فئات وشرائح المجتمع الواحد من ناحية، مثلما يعمل من الناحية الأخرى على التقريب بقدر الإمكان بين الثقافات المختلفة، ويساعد بالتالي على نشر روح الاحترام من خلال التعرف على تلك الثقافات المغايرة، وإن كان هذا لا يخلو من شبهة وخطورة احتمال اندثار بعض مظاهر الثقافات الوطنية، وتمهيد الساحة لهيمنة الثقافات التي تتمتع بقدرة فائقة على الانتشار والتأثير، بفضل ما يساندها من تقدم علمي وتكنولوجي ومادي تفتقر إليه غالبية دول العالم. وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار الإعلام جسرًا يربط بين حياة الأفراد الشخصية الخاصة والعالم الكبير الذي يعيشون فيه، بحيث يستطيع المرء أن يرى نفسه من خلال البرامج التي تبثها وسائل الإعلام المختلفة.
ويلعب الإعلام عدة أدوار قد تكون متعارضة ولكنها تكمل بعضها بعضًا. فهو بالنسبة للجماهير مصدر تسلية وترفيه ومعلومات وأخبار ومعرفة عامة وتثقيف محدود، وموجه في أغلب الأحيان، بينما هو بالنسبة للعاملين في مجاله مجرد (صناعة) – أو على أحسن تقدير – رسالة – يقومون بأدائها كمهنة يتعيشون منها، بينما هو بالنسبة للأجهزة أو الهيئات، التي تتولى الإشراف عليه ورسم سياساته والتي يمكن اعتبارها هنا (ملاكا) له مصدر لتحقيق مكاسب اقتصادية أو سياسية محسوبة بكل دقة، بينما يقوم في المجتمع ككل بدور مهم في التطبيع الاجتماعي والتقارب الثقافي. ومن هنا تأتي خطورته الحقيقية، إذ يتغلغل تأثيره في كل جوانب الحياة بغير استثناء مما جعله يتمتع بسلطة رهيبة يحسب لها الجميع حسابها.
آفاق مفتوحة
وقد مرت تكنولوجيا الإعلام بمراحل عديدة من التطوير والتجديد، إلى أن وصلت أخيرًا إلى المرحلة التي يعتمد فيها الاتصال الجماهيري على التكنولوجيا الرقمية (الكمبيوتر). ولايزال مجال التطوير مفتوحًا على مصراعيه، بحيث يصعب التكهن الآن بالمدى الذي قد يصل إليه ولا بالمسارات التي سوف يسلكها، وتأثيرات ذلك في المستقبل ليس فقط على العملية الإعلامية من إنتاج ونشر وتوزيع، بل وأيضًا على كثير من القضايا الاجتماعية والثقافية التي تتأثر باتجاهات الإعلام بشكل مباشر. ولقد طرأت على المجال الإعلامي كثير من التغيرات بعد ظهور الإنترنت واستخدامه كوسيلة للاتصال الجماهيري من ناحية، والسرعة الرهيبة التي تتميز بها التكنولوجيا الرقمية في الوصول إلى المعلومات ونشرها على نطاق واسع للغاية من الناحية الأخرى، وذلك فضلاً عما تتميز به هذه التكنولوجيا المتطورة من قدرات على فتح قنوات بين وسائل الاتصال المختلفة وربطها بعضها بعضًا، بحيث يمكن الإفادة منها جميعًا في الوقت نفسه، ودون أي جهد إضافي، وهذه حقيقة أشار إليها منذ سنوات عالم الاجتماع الكندي مارشال ماكلوهان حين قال: «إن بعض أشكال الإعلام الجديد سوف تنجم عن تكامل واندماج الوسائل المختلفة، للحصول على المعلومات من المصادر المتعددة المتباعدة والمتباينة».
والواقع أن التطورات التي حدثت في مجال الإنترنت خلال الفترة القصيرة التي مرت، منذ الاعتماد عليه، لا يمكن أن تقاس إليها أي تطورات أخرى حدثت في أي مجال آخر من مجالات الاتصال والإعلام، ولذا فإنه من الصعب التنبؤ بما سيكون عليه الوضع في المستقبل، في ضوء ازدياد الإقبال على استخدام الكمبيوتر والالتجاء إلى وسائل أخرى غير التلفون العادي للدخول إلى الشبكة الدولية. ويمثل هذا الإقبال الشديد ثورة إعلامية ومعلوماتية باهرة، نظرًا لاتساع وتنوع مصادر ومجالات الاتصال والمعرفة والحصول على المعلومات، مع إمكان إعادة صياغتها ونشرها في صور وأشكال جديدة ومتعددة يظهر فيها عنصر الابتكار والإبداع. وهي ثورة هادئة لاتكاد تجذب إليها الأنظار على الرغم من خطورتها ودلالاتها ونتائجها البعيدة المدى، بفضل ما تنطوي عليه من إمكانات ضخمة للتغلب على كل فوارق الزمان والمكان التي قد تعوق عمليات نشر المعرفة بسرعة ودون تكاليف تذكر، كما أنها تؤدي إلى تغيير موازين القوى – إن صح التعبير – في مجال الإعلام لأنها تسمح للأطراف المختلفة المشاركة في العملية الإعلامية بفرص متساوية للاتصال، بمعنى أنه يمكن لكل طرف أن يقوم بعمليتي الإرسال والاستقبال في وقت واحد، وذلك بعكس ما هو عليه الوضع في وسائل الإعلام الأخرى، حيث يؤدي كل طرف دورًا محددًا لا يتعداه. فالتلفزيون (يرسل) والمشاهد (يستقبل)، بينما يستطيع المرء عن طريق الإنترنت أن يرسل ما يشاء من رسائل، في الوقت الذي يستقبل كل ما يرد إليه من مختلف أنحاء العالم.
سرعة التواصل
بيد أن هذا لا يستلزم بالضرورة اختفاء التلفزيون أو أن يحل الإنترنت محل الصحف وإن كان سيؤدي إلى حدوث تغييرات جوهرية في طبيعة الإعلام والمعلومات، وسرعة الحصول عليها ونشرها، خاصة أن هناك من يتحدى أنه لايمكن أن يمر أكثر من عشرين دقيقة على وقوع أي حدث، مهما كان صغيرًا في أي مكان من العالم، دون أن يتم نشره على الشبكة الدولية. ويكفي أن نشير هنا إلى أن محرك الأبحاث الشهير جوجل Google يرجع بصفة دائمة ومستمرة إلى أربعة آلاف وخمسمائة مصدر من مصادر الأخبار، يستمد منها المعلومات التي يتولى نشرها لحظة تسلمها مع الإشارة طيلة الوقت إلى جميع المصادر التي أوردت تلك المعلومة وهو ما تعجز عن فعله وسائل الإعلام الأخرى. وفي أحد المؤتمرات الأخيرة ذكر مدير البحوث والتنمية في Yahoo أن حجم الشبكة العامة يستوعب أربعين بليون صفحة وأنه يضاف إلى هذا العدد في كل لحظة عدة آلاف جديدة من الصفحات… والطريف في الأمر هو أننا أصبحنا ننظر إلى هذا الوضع على أنه أمر مسلم به، ولا يستدعي الدهشة أو يستحق الإعجاب.
وليس المهم هنا وفرة المعلومات وتنوعها بقدر ماهو إمكان الوصول إليها في الوقت والمكان اللذين يحددهما الشخص نفسه، بعكس الحال بالنسبة لوسائل الإعلام الأخرى من صحف وإذاعات وقنوات تلفزيونية تلتزم بأوقات معينة ومحددة تصدر فيها أو تبث أثناءها فقط برامجها المحددة، ويتعين على القارئ أو المستمع أو المشاهد أن ينتظر حتى يحين موعد نشر أو بث البرامج المتعلقة بالموضوعات المطلوبة، حتى وإن اقتضى ذلك مرور بضعة أيام. فمستخدم الإنترنت هو الذي يتحكم في تحديد المعلومات ومصادر الحصول عليها، واختيار الوقت الذي يناسبه هو في الحصول عليها، بينما تتولى وسائل الإعلام الأخرى هذه المهام حسب سياساتها ونظرتها الخاصة، ودون أدنى اعتبار لرغبات أي طرف آخر. ويعتبر هذا النقص أو العيب نوعًا من التحدي الذي تحاول تلك الوسائل التقليدية التصدي له، بأساليب وطرق مختلفة لم تفلح تمامًا في التغلب عليه.
ويزيد من صعوبة الوضع بالنسبة للإعلام القديم أن الجماهير لم تعد تقنع بالحصول على المعلومات والأخبار بالرجوع إلى مصدر واحد وإنما ترجع إلى مصادر متعددة، بل وإلى كل ما هو متاح لها وهو ما يوفره الإنترنت، وذلك حتى تتمكن من مقارنة المعلومات والأخبار للتأكد من صحتها وصدقها، ويتيح الإنترنت الفرصة لمناقشة ونقد ماتقدمه المصادر العديدة والرد عليها، وتبادل الآراء والأفكار حولها، مما يعني أن الإعلام الجديد لم يعد أحادي التوجيه وإنما أصبح مفتوحًا للمناقشة والتوجيه من كل الأطراف المعنية، حتى وإن لم تنتسب إلى الصناعة الإعلامية. وهذا هو ماكنا نقصده حين أشرنا إلى توازن القوى بين كل أطراف العملية في الإعلام الجديد.
الطرق المزدوجة
إذا كانت العملية الإعلامية تسير في اتجاه أو مسار واحد معين في كل وسائل الإعلام القديمة، أي من المرسل إلى المتلقي وكان ذلك ينطبق على الصحافة مثلما يصدق على الإذاعة والتلفزيون والفيديو والسينما، وأنه لم يشذ عن هذه القاعدة إلا التلفون الذي يسمح بتبادل الأفكار والمعلومات بين طرفي الاتصال، بحيث يقوم كل طرف بدور المرسل والمتلقي في الوقت نفسه, فإن هذه العملية المزدوجة تظهر بأجلى صورها في الإنترنت، مع فارق مهم يميزه عن كل وسائل الإعلام والاتصال الأخرى، بما في ذلك التلفون نفسه. فهو يتيح الفرصة عن طريق البريد الإلكتروني لإجراء ذلك التبادل بين أعداد هائلة من الأشخاص، الذين ينتشرون في كل أنحاء العالم، والذين لا توجد بينهم أي صلة أو علاقة سابقة، وإنما يربطهم جميعا الاهتمام بموضوع واحد مشترك هيأ لهم الإنترنت فرصة مناقشته وفحصه، والإدلاء فيه بأفكارهم المختلفة دون أن يكون هناك سابق ترتيب أو اتفاق أو إعداد، كما يحدث أحيانا فيما يعرف باسم مؤتمرات التلفون التي يتولى فيها عدد معين ومحدود من الأشخاص مناقشة إحدى المشكلات من خلال الاتصال التلفوني بينهم جميعا ودون أن يغادر أي منهم مكانه، وذلك بترتيب خاص سبق الإعداد له في أغلب الأحيان. ولم يكن في الإمكان تحقيق هذا التطور في اتساع رقعة انتشار الإعلام لولا هذه الثورة الرقمية وماترتب عليها من إقرار البروتوكولات المنظمة لاستخدام الإنترنت، وانتشار الكمبيوترات على هذا النطاق الواسع والذي يزداد اتساعها طيلة الوقت مما أتاح الفرصة ليس فقط لتبادل ذلك القدر الهائل من المعلومات المتوافرة من كل أنحاء العالم، وإنما أتاح أيضا مساحة واسعة جدا للمشاركة بالرأي وتصحيح المعلومات إن اقتضى الأمر ذلك.
وهكذا لم تعد العملية الإعلامية مركزة في أيدي هيئة واحدة أو عدد محدود ومعلوم من الأشخاص أو الهيئات، التي تحتكر المعلومات وتتولى نشرها بالطريقة التي تناسبها والصيغة التي تخدم أغراضها الخاصة والوقت الذي تحدده، وإنما أصبحت أكثر ديمقراطية – إن صح التعبير – ومفتوحة أمام الجمع على مستوى العالم للمناقشة والنقد والتعديل والقبول أو الرفض.
الفرد والجماعة
فالإعلام الجديد يجمع على هذا الأساس بين خصائص الوسائل الفردية الشخصية، والوسائل الجماهيرية فالرسالة الواحدة يمكن أن توجه إلى شخص واحد معين بالذات، ولكن يمكن إرسالها هي ذاتها إلى عدد غير محدود من الناس في كل بقاع العالم، بحيث يتلقونها جميعا في اللحظة نفسها، مع إمكان إدخال تعديلات وتغييرات عليها إذا أريد ذلك حتى تتم مخاطبة كل فرد بالطريقة المناسبة. وإذا كان الإعلام القديم أو المألوف إعلامًا موجهًا من مصدر واحد إلى عديد من المستقبلين أو المتلقين فإن الإعلام الجديد الذي يسترشد بالتكنولوجيا الرقمية المتطورة يقوم على الاتصال بين أطراف عديدين يستطيع كل طرف منهم أن يرسل أو يتلقى ما شاء من رسائل، في الوقت نفسه على ما سبق أن ذكرنا. فالإعلام الجديد إذن تواصل بين الكثرة والكثرة، ولا يقف دون انتشاره أي قيود. إنه ساحة مفتوحة أمام الجميع إذ عن طريق ملايين أجهزة الكمبيوتر المرتبطة بالشبكات الدولية يمكن الحصول على قدر غير محدود من المعلومات حول أي موضوع قد يطرأ على البال، وتصنيف تلك المعلومات وإعادة صياغتها في صيغ وأشكال مختلفة حسب رغبات المستفيدين من هذه المعلومات، بل إنه يمكن من خلال هذه التكنولوجيا الرقمية نفسها إصدار الجريدة اليومية الواحدة في صور وأشكال ومحتويات متنوعة تنوع المشتركين فيها واستجابة لرغباتهم، وهذه مسألة سبق لنا معالجتها في مقال سابق (مقال: الصحافة ومستقبلها غير المضمون – عدد فبراير 2006). والشيء نفسه يصدق على التلفزيون، حيث يمكن للمشاهدين التدخل في سير وتسلسل الأحداث مثلا والتلاعب في الحبكة الروائية وتغيير الحل النهائي للمشكلة المطروحة، وهكذا، وهذه كلها تجريدات قد يصعب تحقيقها بغير التكنولوجيا الرقمية الجديدة، ولم تكن تخطر على البال منذ سنوات قليلة فقط.
وتؤلف هذه الأفكار والإمكانات جزءا من الثورة المعلوماتية الجديدة، التي تمثل مرحلة تطورية أكثر تقدمًا من الثورة الصناعية التي ظهرت فوق أنقاض الثورة الزراعية،. ولكن إذا كانت الثورة الصناعية أفلحت في تحقيق الإنتاج الضخم الكبير، المتمثل في مئات الآلاف من القطع المتشابهة والمتماثلة فإنها عجزت عن أن تجعل لكل قطعة مقاييس خاصة بها تميزها عن غيرها، بحيث لا تناسب إلا شخصًا واحدًا بالذات دون غيره من المستفيدين من هذا الإنتاج الكبير، وذلك بعكس ما تحققه الثورة الإعلامية والمعلوماتية الحالية عن طريق التكنولوجيا الرقمية، مما يجعلها تجمع – كما قلنا من قبل – بين الإنتاج الإعلامي على النطاق الواسع مع إمكان توجيهه في الوقت ذاته لتلبية المطالب والاهتمامات الفردية الخاصة.
السيطرة على الإعلام
ويواجه الإعلام الجديد عددًا من المشاكل التي يبدو أنها سوف تتفاقم في المستقبل وتحد من فاعليته، بل وقد يترتب عليها بعض النتائج السلبية التي تتنافى مع رسالة الإعلام الأساسية وهي نشر المعرفة على أوسع نطاق وإتاحتها بغير قيود للراغبين فيها كخطوة أساسية للتقريب بين الشعوب والثقافات. وإحدى أهم هذه المشكلات هي الميل المتزايد للسيطرة على الإعلام وتوجيهه نحو أهداف ورغبات معينة، لتحقيق مصالح خاصة، عن طريق امتلاك وسائل الإعلام، وتركيز هذه الملكية إما في أيدي عدد محدود من أصحاب رءوس الأموال أو الشركات الكبرى لإحراز المكاسب المادية والقوة السياسية من خلال البرامج الموجهة، حتى في المجالات الترفيهية والثقافية. وإما في أيدي الدولة كما هو الشأن في كثير من مجتمعات العالم الثالث، وتسخيرها لخدمة النظام القائم بكل ما يقتضيه ذلك من تقييد لحرية الرأي والتدخل في حيادية الأخبار.
وقد تلجأ الدولة تحت ضغط بعض الأوضاع الداخلية أو الدولية إلى (خصخصة) وسائل الإعلام، ولكن ذلك يحمل معه مخاطر تحكم رأس المال في توجيه السياسة الإعلامية، وتدعيم قوة الشركات الكبرى في مجالات الإنتاج الإعلامي الموجه ونشره وتوزيعه على مستوى العالم وبذلك تتحول (الخصخصة) إلى (احتكار). والخطورة في هذا كله تتمثل في إمكان تزييف الحقائق، أو حتى إخفائها كلية تبعًا لمصلحة الجهات المالكة، إذا كانت هذه الأخبار تتعارض مع مصالح تلك الهيئات أو الشركات. ولذا يتخوف الكثيرون من تراجع بعض جوانب الإعلام الجادة أمام هجمة البرامج السطحية الفجة، التي تخاطب الغرائز وليس العقول والأذهان، وهذا أمر واضح الآن في أفلام السينما تحت دعوى السينما الواقعية، بل وحتى في الصحافة (الجادة) التي أصبحت أكثر ميلا إلى الإثارة والحديث بالتفصيل الشديد عن الفضائح السياسية والمالية والأخلاقية، وحالات الطلاق بين المشاهير والكوارث الطبيعية واليومية، والبيانات الرسمية التي تحمل طابع الدعاية وما إليها، دون أن تشفع ذلك بالقراءة التحليلية الجادة المتعمقة لهذه الأحداث والبيانات. فالخوف إذن هو أن يصبح الإعلام الجديد أداة لنقل وتوصيل رسائل مناوئة للثقافة الراقية والفكر المتفتح المستنير والقيم الرفيعة، وأن يوجه خطابه بدلاً من ذلك إلى ممالأة الجماهير التي ينقصها الوعي بمشكلات العصر وانعكاساتها على المجتمعات التي تعيش فيها، والتي يمكن أن تخضع بسهولة للتأثيرات السلبية لتلك البرامج الإعلامية الرافضة لكل القيم والمبادئ الإنسانية الرفيعة.
هل هي دعوة للانحلال؟
وتثير هذه التطورات الشكوك حول الدور الذي سوف يضطلع به الإعلام الجديد في عالم الغد. فالكثيرون يعتبرون هذا الإعلام مزيجا من مضيعة الوقت وإهدار الموارد المالية، والدعوة إلى الانحلال الأخلاقي والاجتماعي بما ينشره من برامج وأخبار وأفلام تتعلق بالجنس والعنف والعري والتهريب والإدمان، لجذب أكبر عدد من القراء أو المستمعين أو المشاهدين، بكل ما يترتب على هذه البرامج والأخبار والصور والأحداث من آثار سلبية سوف تزداد ضراوة في المستقبل. ولكن هناك على الجانب الآخر من يرى أن هذه المخاوف فيها كثير من المبالغة، وأن ليس ثمة ما يبررها، إذ ليس من السهل أن يتنازل المجتمع الإنساني عن تراثه وقيمه الراسخة، وأن يتنكر لكل تاريخه الفكري والثقافي الطويل والعريق وأن الاتجاهات السطحية التي تسيطر الآن على السياسات الإعلامية هي مجرد نزعات أو نزوات عارضة لتحقيق أكبر قدر من الربح المادي للشركات الرأسمالية الكبرى التي تحرص على الاستئثار بأكبر مساحة ممكنة من عالم الإعلام الفسيح، وأن هذا كله هو أحد مظاهر العولمة التي لن تلبث أن تنحسر أمام صحوة الشعوب لاسترداد هويتها الثقافية، مما يتيح الفرصة لأن يسترجع الإعلام حريته واستقلاله عن نفوذ أصحاب رءوس الأموال وهيمنة الدولة. ولكن الأغلب هو أن تبقى كل هذه الصور المتناقضة جنبا إلى جنب، وأن يتقبلها كلها مجتمع الغد، الأكثر انفتاحًا وتسامحًا، بحيث نجد الآن من يطلق عليه اسم «مجتمع الإباحة» -Permissive Society, وليس الإباحية.

منقول من مدونة الدكتور زياد قدور

رحيل الكاتب الشاب هاني درويش







إعلان فشل الخيال السياسي‮: ‬بعد أن فسخ الواقع الخيال،‮ ‬يحبو الخيال قزماً‮ ‬بين أشجار اللا طمأنينة،‮ ‬تبدو الطرق في مفترقاتها متاهة بورخيسية مكتملة،‮ ‬من هنا سكة الندامة،‮ ‬من هنا سكة البلاهة،‮ ‬إن لم تستطع الاختيار،‮ ‬خذ حبة المهدئ كاملة،‮ ‬واثبت علي الأقل في مكانك،‮ ‬حتي تتغير أبعاد المتاهة،‮ ‬أو‮ ‬ينتهي الجيم بانقضاء الوقت،‮ ‬المرحلة القادمة تحتاج جيوستيك أحدث‮.‬
كانت تلك آخر كلمات الكاتب الشاب هاني درويش علي صفحته الشخصية علي الـ‮ »‬فيس بوك‮« ‬تعبر عن رأيه فيما‮ ‬يحدث الآن في مصر‮. ‬كلمات ربما لا تناسب شخصية هاني الذي عرفه أصدقاؤه وقراؤه‮ ‬يتمكن عادة من الوصول إلي معني مما‮ ‬يحدث حوله‮ ‬يكون من خلاله رأيه وينطلق مدافعاً‮ ‬عنه ومجادلاً‮ ‬حوله في حماس‮. ‬إنما‮ ‬يبدو أن القلب كان قد تعب،‮ ‬قلب الشاب الثلاثيني لم‮ ‬يحتمل أكثر،‮ ‬فتوقف عن العمل،‮ ‬عصر الثلاثاء الماضي تاركاً‮ ‬كل من عرفه في مصر ودول عربية من كتاب ومثقفين في صدمة عبرت عنها كلماتهم علي صفحته وصفحاتهم‮.‬
عمر هاني درويش‮ (٤٧٩١) ‬كان مليئاً‮ ‬بالنشاط والطاقة‮.. ‬بدأ منذ فترة الدراسة الجامعية حيث كان واحداً‮ ‬من الناشطين السياسيين في جامعة عين شمس،‮ ‬جزءا من تنظيم الاشتراكيين الثوريين،‮ ‬معبراً‮ ‬بوضوح عما‮ ‬يعتقد فيه،‮ ‬ففي عام‮ ‬1996‮ ‬شارك في التضامن مع الطلاب المعوقين بعد إلغاء النسبة الخاصة بهم في التعيين بالوظائف الحكومية،‮ ‬وهو الموقف الذي تم القبض عليه بسببه وخضع للتحقيق في النيابة ثم أفرج عنه بعد شهر تقريباً‮.‬
عرف الوسط الثقافي المصري واللبناني هاني درويش من خلال كتاباته المتنوعة في مجالات مختلفة لا‮ ‬يربط بينها سوي حماسه اللافت لما‮ ‬يكتب عنه،‮ ‬في الأدب والسياسة بشكل خاص،‮ ‬وبالقدر نفسه من الاحتراف عن المكان والبشر،‮ ‬مستفيداً‮ ‬في ذلك بسعة إطلاع،‮ ‬واتصال دائم بما‮ ‬يحدث حوله في المجتمع،‮ ‬وبهواياته أيضاً‮ ‬التي مارسها بالشغف نفسه وعلي رأسها ولعه بكرة القدم‮.‬
نشر هاني درويش كتاباته في أكثر من موقع منها جريدة‮ »‬الحياة‮« ‬اللندنية،‮ ‬وفي مجلات وجرائد لبنانية‮: »‬نوافذ‮«‬،‮ ‬ومؤخراً‮ ‬في جريدة‮ »‬المدن‮«‬،‮ ‬و»بالمستقبل،‮« ‬وكان من العناصر الفاعلة في تجربة جريدة‮ »‬البديل‮« ‬المصرية،‮ ‬كما عمل لفترة في مؤسسة‮ »‬أخبار اليوم‮« ‬وتحديداً‮ ‬في مجلة‮ »‬آخر ساعة‮«‬،‮ ‬وأشرف في العام الأخير من حياته علي الجزء المصري من موقع‮ »‬مراسلون‮« ‬وهو مشروع ألماني كان هدفه دعم مراسلي الأقاليم الصحفيين في مصر وتونس وليبيا‮. ‬
ننشر هنا لهاني درويش واحداً‮ ‬من آخر مقالاته التي نشرها في جريدة‮ ‬‮»‬المدن‮« ‬الإلكترونية في ‮٥٢/٧/٣١٠٢.‬
جمعة تفويض الفاشلين قتل البلطجية
دعوت قبل شهر،‮ ‬في مقالي بـ‮ »‬المدن‮«‬،‮ ‬إلي عقلنة الإخوان المسلمين،‮ ‬وذلك قبل أيام من خروج ملايين المصريين إلي الشوارع في ‮٠٣ ‬يونيو‮. ‬كان افتراض العقلنة قائماً‮ ‬علي تصور مبسط يخلو من السذاجة،‮ ‬بل ويبشر في مضمونه بقدرة التيار الإسلامي علي التسييس‮. ‬فتجربة عام من حكمهم أظهرت ما في‮ »‬سياستهم‮« ‬أحياناً‮ ‬من التوحش والغبن،‮ ‬بل وأكاد أضيف الانقلاب علي مفهوم السياسة نفسه،‮ ‬كصراع للمصالح‮. ‬كان مقالي عن العقلنة دعوة،‮ ‬لا إلي مواجهة أطراف أخري تبدي الجنون،‮ ‬بل إلي مواجهة الميل للانتحار الجماعي لدي التيار الذي سقطت مشروعيته السياسية حتي قبل‮ ‬30‮ ‬يونيو‮. ‬كان الإسلام السياسي الذي أتمناه عاقلاً،‮ ‬مدعواً‮ ‬من كل الأطراف إلي تبني مصالحة‮. ‬نذكره،‮ ‬كخصوم،‮ ‬بمصالحة في البقاء جزءاً‮ ‬من المشهد السياسي،‮ ‬معترفين له بالغلبة لا بالمغالبة،‮ ‬نكاد نتوسل إليه النظر خارج مجاري الانحطاط التي يشد إليها مجمل المجال السياسي‮.‬
دارت الأيام الصعبة،‮ ‬وكتبت هنا أيضاً،‮ ‬عن احتمالات العنف،‮ ‬وإمكان حفر التيار الإسلامي لقبره بيده،‮ ‬إن أدام عنفاً‮ ‬منفلت العقال في مواجهة الدولة بأدواتها التسلطية المشرعنة،‮ ‬وفي مواجهة الناس في بيوتهم وأحيائهم‮. ‬وما تخيلته في انفلات العقال،‮ ‬واختيار العنف بديلاً‮ ‬من التفاوض تم بحذافيره،‮ ‬بل ووصلنا اليوم،‮ ‬بطلب الجيش من الجماهير تغطية عنفه الآتي،‮ ‬إلي انغلاق المصيدة كاملة علي الطائفة الإسلامية السياسية‮. ‬فبعد أسابيع من توزيع الصدامات في قسمة لا تخلو من جنون،‮ ‬بين سيناء وكمائن الشرطة من جهة،‮ ‬وبين الهجوم السافر علي أحياء قاهرية في عز صوم المصريين وتقواهم البراغماتية،‮ ‬أثبت التيار الإسلامي جنونه المطبق‮. ‬لقد تحول من طائفة سياسية إلي عشيرة من اللصوص القتلة،‮ ‬معبّرين عن كمّ‮ ‬الكره الدفين للمجتمع،‮ ‬غير مفرّقين في عنفهم بين أجهزة الدولة التسلطية التي تمارس العنف المشرعن بشكل‮ ‬غير فني أو قانوني،‮ ‬وبين آحاد الناس من الأهالي المتنقلين في شوارعهم،‮ ‬لتلتحم إرادة تأديب التيار الإسلامي وتتساند،‮ ‬جيشاً‮ ‬وشعباً‮.‬
لماذا أذكر القارئ في هذا المقال بمقالات سابقة،‮ ‬حاولت استشراف المستقبل القريب،‮ ‬المستقبل الذي بات الآن حاضراً‮ ‬أو ماضياً؟ لأن بعضاً‮ ‬من التفاعل الجاري الآن مع الأزمة مقطوع الصلة بسياق التاريخ القريب والمقدمات الموضوعية‮. ‬ولأن ماكينة العنف الدائرة أنست الكثير من المتابعين مسؤولية أي من الأطراف عن إدامتها،‮ ‬بل والسباق نحو إطلاق سعارها‮. ‬فما طرحته أيضاً‮ ‬حول ميل المصريين إلي نبذ العنف المستدام،‮ ‬أو الانتقام،‮ ‬ثبت حسن ظنه‮. ‬الإسلاميون يسيطرون منذ شهر علي ميدان النهضة بالجيزة‮. ‬خرجوا منه،‮ ‬في عنف ممنهج،‮ ‬إلي الأحياء القريبة،‮ ‬نحو أربع مرات،‮ ‬أسقطوا فيها عشرات القتلي،‮ ‬في ظل‮ ‬غياب كامل للشرطة والجيش الفاشلين إلا في حماية مقراتهما‮. ‬ورغم ذلك،‮ ‬أقول رغم ذلك،‮ ‬لم تلتئم عصبة هذه الأحياء بتنويعاتها الطبقية علي قلب رجل واحد للهجوم علي اعتصام القتلة الغرباء‮. ‬بل وتحمّل حيّ‮ ‬مدينة نصر،‮ ‬حيث اعتصام رابعة العدوية،‮ ‬بلادة وابتذال الاعتصام،‮ ‬واكتفي قاطنوه بالشكوي عبر فيديوهات،‮ ‬بوجوه مموهة،‮ ‬خشية الانتقام منهم‮. ‬أليس هذا دليلاً‮ ‬كافياً‮ ‬علي نبذ المواطنين العاديين لدعاوي الثأر لقتلاهم أو العصبوية المناطقية؟‮ ‬
لماذا أسجل هذا الآن؟ لأننا لو وضعنا،‮ ‬إلي جوار ذلك،‮ ‬الجهوزية الاستباقية للأجهزة الأمنية التي ثبت فشلها في حماية مقرات الجيش في سيناء،‮ ‬وثبت تهافتها في صد عدوان السلفيين والإخوان علي أقسام الشرطة،‮ ‬حيث استعملت القنابل والقناصة من قبل التيار الإسلامي،‮ ‬لاكتشفنا سوياً‮ ‬صدق وعد الإسلاميين الإلهي في ابتزاز العنف‮. ‬نحن أمام أجهزة دولة مذعورة،‮ ‬حمت فقط مقر الحرس الجمهوري بمذبحة،‮ ‬وجمهور صائم منقسم علي نفسه حول حرمة الشهر الكريم،‮ ‬فيما الطرف المبادر بالهجوم،‮ ‬الجوال بين الأحياء والميادين،‮ ‬بأسلحته وإرهابه،‮ ‬مدرك لحجم هذه الرخاوة،‮ ‬وقادر علي استغلالها حقوقياً‮ ‬ودولياً‮ ‬في ظل عفن شامل بإسم الشرعية الصندوقية المجهضة‮.‬
وأعود وأذكر بما قلته هنا من قبل،‮ ‬الآن،‮ ‬قبل ساعات من مشهد المعركة الاخيرة‮ (‬دعوة السيسي لملايين المصريين للخروج لشرعنة عنفه‮)‬،‮ ‬أن الباب الموارب لاستيعاب‮ »‬الجماعة‮« (‬بعدم القبض علي قياداتها التي تمارس التحريض جهراً،‮ ‬أو بعدم تنفيذ حكم حل جماعتهم بشكل قانوني،‮ ‬أو بتصميم الجيش علي محاكمة مرسي وإخفائه بشكل قسري بتهم تافهة كالتخابر‮)‬،‮ ‬هو الجزرة التي طالت فقضمها‮ »‬الإخوان‮« ‬حتي عروشها الخضراء‮. ‬بل وأكلوا،‮ ‬في سباق العض التفاوضي،‮ ‬اليد التي حمتهم من الملاحقة القانونية الحقيقية،‮ ‬أي الجيش نفسه‮. ‬وحتي بعد خروج دخان التفاوض السري حول إجلاء مرسي من دون محاكمة،‮ ‬هو وقيادات جماعته،‮ ‬في مقابل فض الاعتصام،‮ ‬علي ما رشح من تقارير صحافية،‮ ‬ظل‮ »‬الإخوان‮« ‬والسلفيون في هلوسة جماعية يرتلون نغمة عودة مرسي المستحيلة‮. ‬هذا في العلن،‮ ‬فيما وفودهم الجوالة علي مقرات السفارات الأجنبية لا تخفي الازدواجية التفاوضية‮. ‬الجيش وبالإخوان‮« ‬يتفاوضون سراً‮ ‬علي عدم المحاسبة،‮ ‬فيما يستثمر الطرفان في جمهوريهما أرصدة العنف،‮ ‬ويدفع الثمن علي الأرض أناس عاديون،‮ ‬هم في الغالب ضحايا‮ »‬الإخوان‮« ‬في الأحياء والطرق‮. ‬وعلي العاديين الآن تفويض الجيش الذي لم يحمهم بإدامة قمع كاسح يعيدهم إلي البيوت سالمين‮.‬
ولكي يكتمل المشهد،‮ ‬اختفت القوي المدنية الديموقراطية بالكامل‮. ‬عاجزة هي كالعادة عن طرح جدول أعمال حقيقي لنداء التفويض‮. ‬استسلم البرادعي،‮ ‬وهناك تشكيل الحكومة الجديدة لأداء الدور البيروقراطي الإنقاذي النخبوي‮. ‬وذلك من دون أي قدرة علي التفريق بين جمهورهم السياسي التائه الآن رعباً‮ ‬من تصاعد فاشيتين،‮ ‬وبين‮ ‬غريزة الجماهير العادية،‮ ‬التي ستنزل بأكبر تفويض سياسي تاريخي لإدامة العنف خارج القانون،‮ ‬مستسلمين للشرط الأخلاقي المبدئي حول اللاتفاوض اللحظي مع سافكي الدماء من الإسلاميين،‮ ‬ومن دون حتي طرح مبادرة أو جدول أعمال يثني الجيش عن إجراءاته الاستثنائية الملوح بها‮. ‬جدول أعمال لإنقاذ السياسة نفسها من‮ ‬غشم الطرفين،‮ ‬مستسلمين إلي لاعقلانية توقيع شيك أبيض‮. ‬الثورة علي محك،‮ ‬ويبدو أن استمرارها يبقي رهينة الغرائز
هاني درويش‮ ‬


منقول من موقع أخبار الأدب

بعد مسيرة علمية وثقافية جادة وثرية‮:‬ رحيل العالم الدكتور أحمد أبوزيد




بعد مسيرة مليئة بالعطاء والدراسات الثقافية والميدانية والأكاديمية المتميزة والجادة،‮ ‬رحل عن عالمنا في الأسبوع الماضي،‮ ‬د‮. ‬أحمد مصطفي أبوزيد عن عمر‮ ‬يناهز الـ٩٢‮ ‬عاما،‮ ‬فهو من مواليد‮ ‬٣‮ ‬مايو‮ ‬١٩٢١

يعد الراحل الكبير أحد رواد علم الأنثربولوجيا في مصر والعالم العربي،‮ ‬تخرج في كلية الآداب جامعة الإسكندرية،‮ ‬قسم فلسفة والاجتماع عام‮ ‬١٩٤٤،‮ ‬ثم حصل علي الماجستير والدكتوراه من جامعة أكسفورد‮ ‬١٩٥٣،‮ ‬وله العديد من الأبحاث الميدانية الهامة والمبكرة في وقتها‮ ‬،‮ ‬إذ أنه من الأساتذة الذين لعبوا دورا في تنمية مجتمعاتهم،‮ ‬وإلقاء الضوء علي الظواهر المختلفة فيه‮ ‬،‮ ‬فمنذ تخرجه وهويعلم أن الأستاذ ليس فقط من‮ ‬يدرس للطلبة في الجامعة،‮ ‬بل أن مهمته الأصلية هي في دفع المجتمع للأمام،‮ ‬والعمل خارج الأسوار،‮ ‬ومن دراساته‮: » ‬الواحات الخارجة‮.. ‬ثلاثة عشر شهرا‮« ‬١٩٥٤‮- ‬١٩٥٥،‮  »‬جماعة البدو الرحل في الصحراء الغربية بمصر والصحراء السورية‮« ‬صيف عام‮ ‬١٩٥٩،‮  ‬الثأر في إحدي قري الصعيد‮.. ‬قرية بني سميح مركز أبو تيج كذلك القيام بالعديد من الدراسات الميدانية في صحاري الشرق الأوسط وشمال أفريقيا‮: ‬المغرب،‮ ‬الجزائر،‮ ‬ليبيا،‮ ‬الأردن،‮ ‬العراق،‮ ‬السعودية،‮ ‬إيران١٩٦١،‮ ‬القيام بدراسات في عدد من القبائل في شرق وغرب الإريقيا‮ ‬١٩٦٢

وله إسهامات واضحة في الكتابة عن الثقافة المصرية والدفاع عن قضاياها،‮ ‬ومن ذلك‮: ‬مستقبل الثقافة في مصر،‮ ‬موقفنا من التراث،‮ ‬الاستشراق واستعلاء الغرب،‮ ‬الابداع والموسيقي والهوية الثقافية،‮ ‬الثقافة السينمائية،‮ ‬مصر والثقافة الأفريقية‮.‬

من مؤلفاته‮: ‬تايلور ــ مجموعة نوابغ‮ ‬الفكر الغربي‮  ‬١٩٥٨،‮ ‬دراسات في المجتمع الليبي‮ ‬،‮ ‬البناء الاجتماعي, المدخل إلي البنائية‮ ‬،‮ ‬الطريق إلي المعرفة،‮ ‬مقالات أنثروبولوجية‮ ‬،الواقع والأسطورة،‮ ‬هوية الثقافة العربية‮ ‬،‮ ‬المعرفة وصناعة المستقبل‮. ‬

ومن الجوائز التي حصل عليها خلال مسيرته العلمية‮: ‬جائزة النيل للعلوم الاجتماعية٢٠١١،‮ ‬جائزة الدولة التقديرية‮ ‬١٩٨٢،‮ ‬جائزة الدولة التشجيعية‮ ‬١٩٦٨.‬

الدكتور أحمد عمل أستاذا زائرا في العديد من الجامعات العربية،‮ ‬كما كان عضوا في لجان أكاديمية البحث العلمي والمجلس الأعلي للثقافة‮.

 منقول من موقع أخبار الأدب

الاثنين، 5 أغسطس 2013

ديفيد جريبرصاحب شعار " نحن الــــ ٩٩٪ ". في حياة كل منا وهم اسمه الدولة



حوار‮: ‬جيه بى أومالى ترجمة‮: ‬أحمد شافعى
حظيت الحركة الأناركية في الولايات المتحدة بدعم من كبار المفكرين الليبرتاريينlibertarian  من أمثال »نعوم تشومسكي« لكنها بقيت تفتقر إلي الشخص الذي بوسعه أن يتناول مبادئها الهادية ليحولها إلي ما يشبه حركة سياسية. في خريف عام 2011، بدا أن »ديفيد جريبر« David Graeber  هو الشخص القادر علي إدخال الأناركية في متن السياسة.
كان جريبر هو الذي صاغ ـ مع غيره من الشخصيات الريادية في حركة »احتلال Occupy « ـ شعار »نحن التسعة والتسعون في المائة«. ليسري هذا الشعار مسري النار في الهشيم، ولا تمضي غير أسابيع ـ بفضل وسائل التواصل الاجتماعي ـ إلا وقد تحولت »احتلال« من جماعة صغيرة قوامها حفنة من المثاليين الذين لا يلقون دعما يذكر، إلي شبكة راديكالية تحتل ثمانمائة مدينة حول العالم.
يحتوي أحدث كتاب لجريبر، وهو »مشروع الديمقراطية« علي بعض التفاصيل المتعلقة بحركة احتلال، وفيه كذلك كثير من الحجج المتعلقة بشبكة من المسائل الفلسفية التي ترابطت عبر التاريخ: ما معني الديمقراطية فعلا؟ وكيف لنا أن نعيش في مجتمع يتساوي فيه حق كل شخص في الإسهام في عملية صنع القرارات، خاصة ما تعلق منها بكيفية عمل الحكومة والحكم؟
صلب هذه الإشكالية يتمثل في تبديد الأساطير الغامضة التي حيكت حول الحركة الأناركية. يقول جريبر إن الأناركية في جوهرها تتعلق بمنح الكتلة التصويتية سلطة الحكم الذاتي من خلال عملية صنع للقرار تقوم علي المساواة، ومن ثم تبطل الهيراركية. ويطلب جريبر من القارئ أن يحيّد شكوكه ويعمل خياله فيشطح إلي مكان تتخذ فيه القرارات جماعيا من خلال عملية اسمها التوافق consensus.
تحدثت مع جريبر في كانتين جامعة جولدسميث في لندن التي يقوم فيها حاليا بتدريس مادة الأنثروبولوجيا. تناقشنا في السياسة، والتاريخ، وفي أفكار أخري.
تقول إن الجدل السياسي العام في الولايات المتحدة ممتلئ حد التخمة بالكلمات الشفرية والعبارات البديلة المرققة. هل ثمة أي سبب لما طرأ علي لغة السياسة اليوم من سقم أو تحفظ؟
ـ كان دأب الناس في السياسة دائما أن يفكروا في الأمور الكبيرة، في الأمم المتحدة، في برامج الفضاء، في دولة الرفاه، وما إلي ذلك. ولكن ما من حكومة اليوم تفكر في شيء بمثل هذا الحجم، بل إنها فيما يبدو عاجزة كل العجز عن ذلك. ويبدو أن رجال الدولة يئسوا من فكرة أن بوسعهم الإتيان بشيء جديد لا سابق له، أو جريء لا مثيل لجرأته. وأحسب أن للغة علاقة كبيرة بهذا. وواضح طبعا أنها العرض، لا المرض.
تنظر أيضا إلي تاريخ كلمة الديمقراطية. تقول إنه في الفترة ما بين 1770 و1800 كانت مصطلحا سيئ الاستخدام، وفي الفترة ما بين 1830 و1850 بدأت كل من فرنسا والولايات المتحدة تعتبر نفسها ديمقراطية. ما السبب في هذا التغير؟
ـ تلك واحدة من أكثر أحاجي التاريخ غموضا. ما حدث في أمريكا هو أن »أندرو جاكسُن« (سابع رؤساء الولايات المتحدة) قال عن نفسه إنه ديمقراطي فكان قوله ذلك أداة ترويج نجحت نجاحا منقطع النظير.
ومر بالناس زمان كانوا ينسبون فيه أنفسهم إلي المصطلح، لكنهم ما كانوا يفعلون ذلك إلا ابتغاء للصدمة. بل إن (ماكسمليان روبسبيير) نفسه قال عن نفسه إنه ديمقراطي في مرحلة ما، ولكنه لم يكن يريد من ذلك إلا ترويع الناس لا أكثر. وفعلها الاشتراكيون في فرنسا، وبدأ الناس يتبنون المصطلح في كندا، وكسبوا من ذلك. وأدرك الناس أن للأمر فعالية لا تصدق.
لسبب ما، وبرغم أن أحدا لم يسمع قط عن الديمقراطية من أفواه المثقفين، كان أغلب الناس معجبين بالفكرة إعجابا حقيقيا. ومن جراء ذلك، وفي غضون عقد واحد فقط، حدث تغير هائل في أغلب الدول التي دأب أهلها علي اعتبار أنفسهم جمهوريين وكارهين للديمقراطية، حدث أنهم أعادوا تسمية الجمهوريات، باسم الديمقراطيات، وصار حتما علي كل شخص أن يكون ديمقراطيا. وهكذا، انتهي بنا الأمر، وهذا من قبيل المفارقات، إلي هذه البنية المؤسسية التي نشأت في الأصل لقمع أخطار الديمقراطية، ولكنها اليوم تحمل اسم الديمقراطية.
ـ تذهب إلي أن الديمقراطية ينبغي أن تكون مسألة حل جماعي للمشكلات. فماذا تقول لمن يزعمون أن هذه الفكرة ما هي إلا حلم طوباوي غير قابل للتحقق؟
ـ أعتقد أننا أنشأنا مؤسسات غايتها أن تحملنا علي الظن بأن هذا مستحيل. ومن بين الأشياء التي لا تكف النظم الأوتقراطية علي القيام بها أنها تحاول إقناعنا بأننا لا نتصرف تصرفات الناس العاقلين، الذين يستندون إلي المنطق. وذلك شيء لا غني عنه لحكم من أعلي لأسفل.
هل تعطينا مثالا لشرح حجتك؟
ـ يكفي أن نقارن الأجورا  في أثينا Athens Agora  والفورم في روما Roman Forum  وفيهما بالدرجة الأساسية كان الناس يجتمعون في اليونان وروما القديمتين علي الترتيب. في أثينا القديمة كانوا يأتونها للنقاش في القضايا العامة ومحاولة الوصول إلي حلول للمشكلات المشتركة. كان الأمر في جوهره محاولة للوصول إلي ما هو بنَّاءٌ لدي الناس.
أما روما، في المقابل، فلم تكن تحفل بالديمقراطية وكان الحكم فيها أوتقراطيا. فكان دأب روما في إنجاز شئونها أن تقول: هل تريدون بحق أن تكونوا مسئولين عن الحكم؟ هذا إذن ما يجب علي أفراد الشعب أن يفعلوه. يسعون إلي تحويل الناس إلي كتلة. واستمرت هذه الفكرة ألفي سنة، واستمرت الشعوب تقول: نحن لا يمكن أن نحظي بالديمقراطية، كانت الشعوب تتصرف مثلما كان يتصرف شعب روما. وفي أي نظام أوتقراطي ـ وأنا أدرج أوربا وأمريكا في هذا ـ هناك مؤسسات تعمل عمل الفورم في روما. وهو ما يسمي بالأثر المرآوي القبيح، وجوهره أن يقال للمرء إنك سوف تسيء التصرف إن أنت تحملت أي نوع من المسئولية. فخير لك أن تترك الأمر لمن هم أهل له.
هل تري أنه من الممكن فعلا ـ وما عمر الدول بطويل في تاريخ البشرية ـ أن نرجع إلي المجتمع الذي لم تكن للدول فيه وجود؟
ـ بل أذهب إلي ما هو أبعد. فالشيء الذي نطلق عليه الدولة ما هو إلا نتاج صدفة أدت إلي تقارب بين العديد والمختلف من العناصر التي لا تربط أحدها ببقيتها أية علاقة حقيقية.
كل ما هنالك أنها تلاقت بالمصادفة، ولكنها فيما بعد سوف تتفرق. هناك شيئان يحدثان بالتزامن مع تكوين الحكم، ولكن لكل منهما أصلا مستقلا إن أنت نظرت إليه في سياقه التاريخي. الأول هو البيروقراطية الإدارية التي يمكن أن توجد بمعزل عن السلطة المركزية. والثاني هو مبدأ السيادة، أي ـ بعبارة أخري ـ السلطة المركزية ذات القوة القاهرة للجميع. إذن يمكن أن تكون لدينا دول ذات سيادة بدون بيروقراطية، وتكون لدينا بيروقراطية بدون أي وجود من أي نوع للسيادة.
هذا تنافس قائم بين كيانين سياسيين باحثين عن الدعم والسبل القادرة علي تنفيذ المشاريع السياسية، ولكن لكل من الكيانين منشأ منفصلا تماما، والتنافس نفسه منشؤه الثقافة  الأرستقراطية. وبطريقة ما، خرج »الدولة« من وسط هذه الفوضي. وإذن سهل جدا أن نفهم إمكانية تفكك هذه الأشياء.
إذا أردت مثالا علي ذلك اليوم، يكفي أن تنظر إلي النظام الإداري العالمي القائم فينا الآن (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، إلخ)، ألا تري أنه قائم بغير دعم من مبدأ السيادة؟
ما رأيك في تدمير الممتلكات كوسيلة لتنفيذ العصيان المدني: هل تراها وسيلة فعالة إن استخدمها الأناركيون علي النحو الصحيح؟
ـ شوف، أعتقد أن أغلب الذين كان لهم دور في إنشاء »احتلال« في بدايتها الأولي، ربما لم يكن لهم سابق تورط في تدمير الممتلكات. ومع ذلك، أظن أنهم لا يعتقدون أنها عمل شرير. ولكننا فهمنا جميعا وعلي الفور أن هذا الأمر ليس ملائما في سياق »احتلال«. الأخلاق، بالنسبة لي أنا علي المستوي الشخصي، تعني عدم إيذاء الآخرين. وأعتقد أن أغلب من يعدون تدمير الممتلكات تكتيكا مشروعا لا يرونه مشروعا إن نجمت عنه معاناة شخص ما. فلو أننا نتكلم عن بقال، لن تجد من يريد إيذاءه في لقمة عيشه. ثمة أخلاقيات تحكم الأمر.
في معرض ذكرك لما تحاول حركة احتلال أن تحققه، رجعت إلي مصطلح التوافق consensus بوصفه عملية تمكِّن كل شخص أن يشارك في القرار. هل تعرض هذه الفكرة بمزيد من التفصيل؟
ـ حسن، إن لهذا الأمر بالفعل تاريخا شائقا، لأن هذه الطريقة في اتخاذ القرارات تجري تقريبا في كل مكان في العالم يري أهله أنه ضرورة لأن يكون لكل شخص رأي مساو لآراء غيره، لكنهم لا يملكون سبيلا لإرغام أقلية علي القبول بذلك. بصفة عامة،  يكون هناك أحد أمرين. إما أن تكون لدي أصحاب السلطة آلية تحمل الأغلبية علي المشاركة، ولكن أصحاب السلطة لا يبالون برأي أغلب الناس لأنهم يمارسون سلطة أوتقراطية. أو يكون لديك في السلطة من تهمهم آراء الجميع، ولكنهم يعجزون عن إرغام الجميع علي المشاركة.  ولذلك فإنك تضع نظاما تصل من خلاله إلي ما يمكن أن يتقبله الجميع.
وحركة احتلال تحاول أن تقيم هذا؟
ـ نعم. وكانت هناك محاولات علي مدار السنوات ـ من الحركات السلمية والحركات النسوية ـ لإقامة أنظمة يمكن من خلالها تحقيق هذا. وهو أمر منطقي، لأنهم بقيامهم بهذا، يحاولون الوصول إلي قرارات لا تهدد أي أحد بالإرغام علي التوصل إلي القرارات. ولكن من المهم أن نتذكر أن هذه العملية لا تعدو وسيلة لتحقيق الهدف. ففي نهاية المطاف هناك مبدأ يقول إننا بحاجة إلي الإصغاء إلي آراء الجميع، وبحاجة إلي أن يكون لكل رأيه بالتساوي، وإن شعر البعض أن هناك مبدأ أساسيا لا يريدون أن يتعايشوا معه، فلا يمكن إكراههم علي التعايش مع قرار لا يريدونه. وأنت لو أعملت هذه المبادئ فإن ما سوف تتعايش معه هو شيء شبيه بالتوافق.
هل لك أن تبين كيف لهذا أن ينجح في احتجاج سياسي واقعي أو في موقف حياتي فعلي؟
ـ لنقل إن هناك مظاهرة تحتج علي هدم مبني ما. ولنفرض أنك تقول »استفتاء برفع الأيدي: هل ننام أمام البلدوزرات أم لا ننام أمامها؟ فيقول ستون شخصا »هيا ننم أمام البلدوزرات«. أي سبب يمكن أن ، يجعل الأربعين شخصا يتقبلون هذا ويتعايشون معه؟ أنت عندما انضممت إلي الجماعة كان فيها حكم الأغلبية، وأنت في الأساس وافقت علي هذا بانضمامك وبالتزامك بالأغلبية.
ومن ثم، بمعني من المعاني، حتي تصويت الأغلبية يقوم علي التوافق ما دام لا يوجد من يرغم أحدا علي تقبل شيء. فلو أنك قلت: هل الجميع موافقون علي الالتزام بالقرار؟ وقرر الجميع أن بوسعنا إجراء اقتراع، يكون مبنيا علي التوافق.


منقول من موقع أخبار الأدب

الأحد، 4 أغسطس 2013

دراسات هيغل والاسلام لوثـرية فـي ثوب فلسَفي.. حسين الهنداوي


تنبع الأهمية الاستثنائية لدراسة منظور الفيلسوف الالماني الكبيرجورج فيلهلم فريدريك هيغل Georg Wilhelm FriedrichHegel (1770ذ1831) حول الاسلام من واقع ان الفلسفة الهيغلية تمتلك نفوذاً متزايداً في عقلنة سيادة الغرب على العالم. وهذا يصدق حصراً في مجال فلسفة التاريخ، اذ أن فلسفة التاريخ الهيغلية هي اليوم اكثر الفلسفات تأثيراً في كافة النظريات والأيديولوجيات السياسية الغربية الكبرى المحافظة منها والثورية وغيرهما على حد سواء. فمنذ الأربعينيات اعتبر الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي (1961- 1908)، ان الفلسفة الهيغلية «مصدر كل ما انجز في الفلسفة منذ قرن»، فيما يرى مؤرخ الفلسفة الهيغلية في القرن العشرين جاك دونت أن الفلسفة الهيغلية «غيرت مصير العالم».
وهنا ينبغي ان نشير ايضاً الى الجدل الحاد الذي اثاره في مطلع القرن الحالي المنظر الاستراتيجي الامريكي فرانسيس فوكوياما عبر فكرته حـول ما اسماه بـ(نهاية التاريخ) زاعما ان الهيغلية تنبأت بالانتصار الحتمي وحتى الابدي للعقل الامريكي كعقل كوني على النظم العقلية الاخرى معتبرا ان طلائع ذلك الانتصار تمثلت بسقوط جدار برلين واثره على الامبراطوية السوفييتية وولادة «النظام العالمي الجديد» متمثلا بالسيطرة الكونية للنظام الليبرالي الرأسمالي بنموذجه الامريكي خاصة زاعما، وهو ما تراجع عنه لاحقا، انه يستند في استنتاجاته تلك على تفسير خاص به لأطروحات هيغلية حول هذا الموضوع.
وبالطبع فان هذه الاقوال والكثير غيرها في ابراز الاهمية الكبيرة للفلسفة الهيغلية ليست مجرد عبارات مديح مجاني او مبالغات اكاديمية انما هي قناعات فلسفية تستند الى افكار هيغلية صريحة كما تسعى الى عقلنة اسسها وطرحها كحقائق ملموسة. لاننا، بالفعل، اذا اخذنا الفلسفات الغربية المعاصرة المهمة نجدها جميعاً تأخذ الكثير من هيغل وتعترف بالتأثر به وبفضله عليها. فالماركسية كفلسفة وكايديولوجيا ما كانت ستحقق ما حققته من نفوذ لولا فلسفة هيغل،اذ من المعروف ان كارل ماركس كان تلميذاً وفياً لهيغل وعنه بالتحديد اخذ نظريته الديالكتيكية ومنظوراته الخاصة في تفسير التاريخ الانساني وان كان قد ادخل عليها تغييرات جوهرية اصيلة وكبيرة. والفوضوية مدينة هي ايضاً للهيغلية بالكثير. فنحن نعرف بالفعل ان باكونين كان احد الهيغليين اليساريين في بدء حياته السياسية. والفلسفة الوجودية، بتياريها الملحد والمؤمن، ما كانت ستبلغ ما بلغته على يد سارتر وكارل ياسبرز وغابريل مارسيل وغيرهم لولا تشبعهم المسبق بالفلسفة الهيغلية. ونفس الشيء فيما يتعلق بالفلسفة البراغماتية الامريكية والفلسفة الوضعية المنطقية وفلسفات الجمال بتياراتها المتعددة.
من جانب اخر يمكن القول دون تردد ان الايديولوجيات الغربية الحديثة المختلفة التي تحكم العالم اليوم تجد -رغم تناقضاتها العميقة- اصولاً مشتركة لها ومتطورة الى هذا الحد او ذاك في الفلسفة السياسية الهيغلية وتتبنى اطروحات سجلها هيغل او اوحى بها في واحدة او اخرىمن كتاباته. والاكثر طرافة هو ان معظم التناقضات التي نجدها بين تلك الفلسفات وهذه الايديولوجيات تجد اصولها هي ايضاً في الفكر الفلسفي الهيغلي ذاته لا سيما السياسي منه وكانعكاس للتناقضات العميقة التي عرفها الفكر السياسي الغربي ابتداءً من النصف الثاني للقرن الثامن عشر.
ان عبقرية الفلسفة الهيغلية تتأتى،في رأينا، من ثلاث خصائص اساسية فيها حرص هيغل على تطويرها بشكل متواصل وعميق. وهي اولاً: ارساء الفلسفة على أسس منطقية دقيقة وثابتة بشكل تصبح معه كـ «علم» أسوة بالرياضيات او الفيزياء مثلاً بما يضمن لها الاعتماد على منهجية صارمة، ما يجعل الفيلسوف متخصصاً محترفاً وليس مجرد متأمل يطرح اسئلة كونية او وجودية ويقترح الاجابة عليها.
وثانياً، القيام بجعل الوعي العقلاني الانساني بمثابة الموضوع الوحيد والمادة الاولية للبحث الفلسفي مع اخذ هذا الوعي ضمن شموليته المطلقة بشكل لا يمكن معه للميتافيزيقيا ان تستقل عن السياسة او الاخلاق، او لفلسفة الجمال أن تستقل عن الدين او المنطق مثلاً. انما اخذ جميع هذه الميادين الفرعية الفلسفة ضمن وحدتها العميقة كفروع لعلم واحد هو الفلسفة دون الغاء استقلاليتها الداخلية في نفس الوقت.
وثالثاً، السعي الى اخذ الوعي الانساني ضمن وحدة مطلقة سواء على الصعيد الجغرافي- الثقافي (شرق- غرب) او على الصعيد التاريخي (ماضي- حاضر- مستقبل) او اخيراً على الصعيد الروحاني حيث لا تهم التسميات الخارجية للوعي (مسيحي او يهودي او احيائي او اسلامي)، انما فقط محتواه الداخلي الذي تتمحور حوله طبيعة العلاقة بين العقل المطلق والعقل الجزئي، اي بين الله والانسان في هذه الروحانية او تلك.
هذا المنهج الذي بلوره هيغل وسعى الى وضعه موضع التطبيق في الفلسفة كان لابد ان يقوده الى تناول كل التاريخ الانساني وكامل تاريخ الفلسفة والفنون والفكر السياسي والديني ضمن الحدود التي تسمح له بها المعلومات التي يقدمها ويمتلكها عصره الثقافي والمعرفي خصوصاً فيما يتعلق بتاريخ وحضارات وفلسفات وفنون الشعوب الاخرى غير الغربية وغير المسيحية. اذ ان انتماءه للمسيحية كدين وللغرب كحضارة وفر له معرفة كاملة نسبياً بهما،لا سيما وان هيغل كان قارئاً نهماً ومطلعاً مثابراً وعارفاً عميقاً بالعقائد المسيحية والثقافة الغربية القديمة (الاغريقية والرومانية) والوسيطة (القرون الوسطى) والجرمانية اي الحديثة (بمكوناتها الرئيسية الالمانية والانكليزية والفرنسية). وقد ساعده على معرفته العميقة بالديانة المسيحية كونه قضى عدة سنوات من حياته كطالب في مدرسة دينية لوثرية كان من المفترض ان يتخرج منها كقس لوثري لولا انه اختار العمل الاكاديمي على مهنة رجل الدين. كما ان معرفته العميقة باللغات الانجليزية والفرنسية والالمانية الى جانب اللغتين القديمتين الاغريقية واللاتينية سهلت له امكانية الاطلاع مباشرة على النصوص الاصلية لكبار المفكرين والكتاب الغربيين وعلى خفايا الثقافة الغربية إجمالاً.
قبل ان نتناول المنظور الهيغلي حول الاسلام كدين وحضارة وتاريخ وفلسفة ودولة وقوة سياسية كونية وغيرها، لا بد من التأكيد هنا على ان فهم هذا المنظور يسمح بشكل كبير بامتلاك رؤية اكثر وضوحاً عن معضلات الموقف من الاسلام في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة اجمالاً لا سيما الفلسفة السياسية وفلسفة التاريخ وانعكاسات ذلك في شتى جوانب الثقافة الغربية من جهة، ويسمح من جهة اخرى في ادراك الكثير من التناقضات العميقة والمظاهر التي تطبع اشكاليات الفكر الغربي حيال الاسلام والشرق عموماً والعالم العربي والشرق الاسلامي خاصة.
مصادر هيغل حول الاسلام
لقد ذكرنا قبل قليل ان هيغل كان قارئاً نهماً للكتب باللغات الفرنسية والانجليزية واللاتينية اضافة الى الالمانية مما يجعل من العسير جداً علينا القيام هنا بتقديم جرد او تحديد دقيق للمؤلفات التي اخذ منها مادته عن الاسلام. فهذه المصادر عديدة جداً ومتنوعة ومتشابكة ومتناقضة. بيد اننا نستطيع بالمقابل حصر اصنافها بأربعة لعبت دوراً مباشراً او غير مباشر، سلبياً او ايجابياً في بلورة المنظور الهيغلي حول الاسلام. وهذه الاصناف الاربعة هي:
أ- الكتب والمؤلفات الدينية المسيحية لا سيما كتابات لوثر.
ب- المؤلفات الفكرية والادبية والتاريخية التي وجدت في الغرب قبل ولادته او ظهرت اثناء حياته والتي تعبر بشكل او باخر عن منظور تقليدي غربي حول الاسلام.
ج- كتب الرحالة الغربيين الذين زاروا العالم الاسلامي والمكتشفين الاوروبيين الذين كتبوا حول هذا العالم.
د- النصوص العربية والاسلامية التي كانت متوفرة في الغرب بترجمات المانية او فرنسية او انجليزية او لاتينية بغض النظر عن دقة او عدم دقة هذه الترجمات او الاهمية الكبيرة لهذه النصوص.
أ- كتب التراث الديني
مما لاشك فيه ان هيغل تعرف على الاسلام اول ما تعرف خلال فترة السنوات الخمس بين 1788 و1793 عندما كان طالباً في المدرسة اللاهوتية اللوثرية المسماة بـ«ستيفت توبنغن» والتي تخرج منها بنجاح مرشحة اياه ليصبح قساً بروتستانتيا. ففي هذه المدرسة كانت العلاقة بين المسيحية والاسلام هي موضوع اساسي من مواضيع مادة التاريخ. وبالطبع فان هذه العلاقة تطرح من وجهة نظر مسيحية شديدة العداء للاسلام آنذاك. ولما كنا نعرف ان هيغل ظل طوال حياته الفكرية شديد الانسجام الداخلي مع العقيدة المسيحية كما يؤكد ذلك الكاتب الفرنسي ميشيل هولان في كتابه «هيغل والشرق»(1)، فاننا نستطيع التيقن من ان تأثير هذه الفترة ظل كبيراً على هيغل ولم يستطع الخروج عليه بشكل تام. صحيح ان السجال ضد الاسلام اخذ طابعاً اقل حدة في اللاهوت اللوثري، الا انه ظل ذا محتوى مناهض في الجوهر حيث استمرت البروتستانتية على اعتبار الاسلام في احسن الاحوال كمتمرد على الكنيسة وغيرها من الاعتبارات الموروثة والسطحية. واضافة الى هذه المواقف التي كونتها الكنيسة حيال الاسلام منذ القرن السابع الميلادي اثر انتصار الاسلام عليها جنوب حوض المتوسط وطردها نهائياً من كل الشرق تقريباً، جاء التراث الغربي المسيحي المتكون خلال القرون الوسطى الاخيرة كنتيجة للحروب الصليبية ليغني الترسانة المسيحية المعادية للاسلام التي ورثتها البروتستانتية الالمانية. وعلاوة على كل ذلك فان الاخطار العسكرية التي كانت تمثلها الامبراطورية العثمانية على المانيا في زمن لوثر «وحتى فترة قريبة من ولادة هيغل» قادت اللوثرية اضافة الى عناصر جديدة الى هذه الترسانة وتتجسد هذه العناصر في عدة كتابات دونها لوثر نفسه ضد الاسلام وضد الاتراك وأهمها رسالة طويلة بعنوان «موعظة بالصلاة ضد الاتراك» يعتبر المسلمين فيها بانهم «جيش من الشياطين».(2)
ويمكن القول باختصار ان الصورة (المغالية، المتعصبة) التي يقدمها هذا الصنف من المصادر حول الاسلام والعرب تتمحور حول الاستنتاجات الثلاثة التالية:
أولاً: اعتبار النبوة المحمدية والديانة الاسلامية زائفتين ومن صنع الشياطين وموجهتين ضد المسيح والمسيحية.
ثانياً: اعتبار القرآن كمجموعة من النصوص المقتبسة بشكل مشوه من الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد.
ثالثاً: اعتبار العرب شعباً بدائياً يحب العنف وبسيط العقلية وبالتالي عاجزاً عن أي تفكير منطقي او انتاج روحاني او فلسفي جديدين.
ب- المؤلفات الفكرية والادبية الغربية
هذا الصنف من المصادر شديد التنوع والاهمية ويتباين جداً في موقفه من الاسلام حيث نجد فيه مؤلفات صريحة في عدائها للاسلام واخرى اكثر موضوعية واتزاناً وثالثة تتراوح في مواقفها بين العداء والموضوعية بل ان بعضها يتناقض هو ذاته في موقفه من العالم الاسلامي والاسلام والعرب. فالبعض منها يعادي الاسلام كدين ويعترف بعبقرية العرب ككتابات الفرنسي قسطنطين فولني بين اخرين، والبعض الاخر يمتدح الاسلام التركي ويهاجم الاسلام العربي كالمستشرق النمساوي فون هامر بورغستال في مؤلفاته المختلفة سيما كتابه الضخم بعنوان «تاريخ الامبراطورية العثمانية» والبعض الثالث يرفض كل ما هو اسلامي دفعة واحدة كما هو الحال بالنسبة لمونتسكيو في «روح القوانين» وكذلك بالنسبة للمفكر الالماني فريدريك تشليغل في كتابه «فلسفة التاريخ» والبعض الرابع يعترف بعمق الاسلام وعبقرية نبيه وبفضل المسلمين على الانسانية كما نجد لدى غوته في كتابه «الديوان الغربي الشرقي».
ان كتابات هؤلاء الكتاب المذكورين وكتابات فولتير وهيردر وجيبون وكتابات عصر التنوير حول الاسلام كانت مصدراً أساسياً في منظور هيغل في هذا المجال فقد قدمت له مادة ثرية وعميقة ولكنها تركت عليه آثار تناقضاتها في نفس الوقت.
توخياً للدقة نذكر هنا اهم هذه المؤلفات التي، لدينا الدليل القاطع، من خلال كتابات هيغل ورسائله واثاره، على انه اطلع عليها مباشرة وهي:
- كتاب «التشريع الشرقي» للمستشرق الفرنسي انكتيل دو بيرون الصادر في امستردام في عام 1778 «منشورات مارك ميشيل».
- كتاب «القاموس التاريخي والنقدي» للفيلسوف الفرنسي بيير بيل الصادر في روتردام عام 1715 «جزءان».
- كتاب «تاريخ الامبراطورية العثمانية» تأليف المستشرق الفرنسي كانتمير الصادر في باريس عام 1743.
- كتاب «تدهور وسقوط الامبراطورية الرومانية» من تأايف المؤرخ الانجليزي ادوارد جيبون، الصادر في لندن عام 1776.
- كتاب «الديوان الغربي- الشرقي» من تأليف غوته، الصادر في عام 1819.
- كتاب «فرقة الحشاشين» من تأليف هامر بورغستال الصادر في شتوتغارت عام 1818.
- كتاب «تاريخ الامبراطورية العثمانية» من تأليف هامر بورغستال، الصادر بثلاثة اجزاء ضخمة في عام 1827 في بيست.
- موسوعة «المكتبة الشرقية» من تأليف المستشرق الفرنسي ديربياو، الصادرة في باريس عام 1697 «سبعة اجزاء».
- كتاب «روح القوانين» لمونتسكيو، الصادر في جنيف عام 1748.
- كتاب «آثار دين محمد» من تأليف الالماني اولسنر، الصادر في باريس عام 1810.
- كتاب «المنطق العربي»(باللاتينية) من تأليف سولاندري الصادر في اوبسالا عام 1721.
- مسرحية «التعصب او محمد النبي» لفولتير الصادرة في عام 1741 في باريس.
اضافة الى كتابات فولتير الاخرى التي جاء فيها على ذكر الاسلام والشرق الاسلامي.
ج- كتب الرحلات والاكتشافات
ان هذا الصنف من المؤلفات اقل اهمية من سابقه كمصدر معلومات لهيغل حول الاسلام. غير انه يستخدم مراراً اشارات من مؤلفات الرحالة الانجليزي جيمس بروس التي يتحدث عن لقاءاته مع عدد من المسلمين في افريقيا وذلك في كتابه «رحلة لاكتشاف منابع النيل» الصادر في لندن ابتداء من عام 1763، وبشكل اهم بالنسبة لكتاب «رحلة في مصر وسوريا» للفرنسي فولني الصادر في باريس عام 1787.
د- النصوص العربية والاسلامية المترجمة
في كتاباته المختلفة ذكر هيغل القرآن مراراً مشيراً الى هذا النص او تلك الفكرة فيه، ورغم انه من غير الثابت بانه قرأ القرآن فعلاً فالأكيد انه عرف بعض مقتطفات منه في كتابات اخرى او في بعض الترجمات العديدة الموجودة، ومن جهة اخرى يشير هيغل مراراً الى شخصية النبي محمد والى السنة النبوية عموماً مما يوحي بانه يمتلك فكرة ما عنها. اما النصوص العربية والاسلامية الاخرى فقد عرف هيغل الكثير من الشعر الصوفي والشعر العربي وافكار المعتزلة والفلاسفة المسلمين الاخرين. هذه النصوص كان بإمكانه مراجعتها او قراءتها في العديد من المصادر انذاك وأهمها:
- كتاب «الف ليلة وليلة» في الترجمة الفرنسية التي نشرها انطوان غالاند في باريس عام 1704 والتي تمت ترجمتها الى الالمانية ونشرت عام 1712.
- رسالة «حي بن يقظان» لابن طفيل التي ترجمها اشوهرن للالمانية ونشرها في برلين عام 1783.
- كتاب «الشاهنامه» للفردوسي، حيث قام المستشرق الالماني غورس بترجمته الى الالمانية ونشر الترجمة بجزءين في برلين عام 1820.
- ديوان الشاعر الصوفي الايراني حافظ الشيرازي الذي ترجمه المستشرق النمساوي هامر بوغستال الى الالمانية ونشره في فيينا عام 1812.
- كتاب «دلالة الحائرين» للفيلسوف اليهودي العربي موسى بن ميمون الذي ترجمه بوكستورف الى اللاتينية ونشره في بال عام 1629.
- كتاب «مختارات تاريخية عربية» اعداد وترجمة بوكوك، المنشور باللاتينية في اوكسفورد عام 1650.
- قصائد «مولانا جلال الدين الرومي» في ترجمة الشاعر الالماني الكبير روكيرت، المنشور في توبنغن عام 1822.
- كتاب «مختارات عربية» -جزءان- ترجمة المستشرق الفرنسي الكبير سيلفستر دو ساسي المنشور في باريس عام 1826.
اذن، من الواضح من كل ما تقدم ان معلومات هيغل عن الاسلام والعرب والشرق الاسلامي كانت مهمة جداً نسبياً وواسعة ومتنوعة بشكل مثير ولهذا فهي ستسمح له في بلورة منظوره الفلسفي الخاص حول الضرورة التاريخية والطبيعة العميقة للاسلام كمكون اساسي في الحضارة وفي التاريخ الانساني. وهذا المنظور يبدو كاملاً وعميقاً في الواقع اذا تفحصنا كتابات هيغل بدقة على الرغم من ان آراءه بهذا الصدد تكاد تكون خفية في كتاباته التي نشرها في حياته ثم متفرقة ومبعثرة جداً في دروسه البرلينية التي تحولت بعد موته الى مؤلفات مهمة مثل «دروس فلسفة التاريخ» و»دروس فلسفة الدين» و«دروس تاريخ الفلسفة» و«دروس فلسفة الجمال» ولننتقل الآن الى معرفة خصوصية منظوره حول الشرق الاسلامي ومختلف جوانب هذا المنظور أي موقفه من الدين الاسلامي ومن الفن الاسلامي ومن الفلسفة الاسلامية ومن التاريخ الاسلامي اجمالاً سيما السياسي منه. ونلاحظ من الان ان تناول هذا الموضوع غير ممكن الا في اطار فلسفة التاريخ الهيغلية.
3- الشرق الاسلامي في فلسفة الهيغلية للتاريخ
في تحليل وتقسيم تاريخ الوعي الانساني عموماً ينطلق هيغل من الاطروحة اللاهوتية المسيحية القائلة بان الانسان هو في جوهره ابن الله، فالوعي الانساني استنتاجاً هو انعكاس بشكل او باخر للوعي الالهي وكذلك الامر بالنسبة للارادة والابداع ومختلف الصيرورات الاخرى. ويؤكد هيغل في اكثر من موضع في كتاباته تبنيه لهذه الفكرة اللاهوتية المسيحية مع فارق جوهري هو انه يصوغها بلغة الفلسفة بينما تطرحها المسيحية بلغة الايمان او الدين.
ويقوم المنهج الفلسفي الهيغلي من جانب اخر على مفهوم الضرورة والغاء أي دور للصدفة. فعلى مسرح تاريخ الوعي الانساني يبدو كل عنصر فاعل مكلف -دون دراية او ارادة منه- بمهمة محددة يولد من اجلها ويتحضر لانجازها ثم ينجزها فعلاً. وبعدئذ تدق ساعة نهايته ويستوجب عليه شاء أم أبى ان يترك المسرح لقوة جديدة صاعدة. وفي هذه السيرورة لا يبدو ذلك العنصر على شكل فرد او مجموعة صغيرة من الأفراد «النخبة» انما على هيئة شعب او أمة. والتاريخ ايضاً هو تعاقب هذه الأمم على قيادة العالم ضمن مخطط خارج ارادتها جميعاً هو انعكاس لمخطط الهي تطوري. حيث أن سيرورة تطور الوعي الانساني الكوني تشبه الى حد كبير سيرورة تطور طبيعة معتادة وهيغل يذهب الى حد مقارنتها مجازاً بتطور الفرد الانساني انطلاقاً من حالته الجنينية قبل الولادة ثم مرحلة الولادة والطفولة تليها مرحلة الشباب والحيوية، تليها مرحلة الرجولة والمسؤولية، تليها مرحلة الكهولة والحكمة. وهذه المراحل من التطور التي يقطعها تاريخ الوعي الانساني في سيرورته الشاملة هي انعكاس برأي هيغل لتطور «الروح المطلق» كما ان تاريخ الوعي الانساني هو انعكاس لتاريخ اخر هو تاريخ وعي «الروح المطلق» عن ذاته.
من جانب اخر يرى هيغل ان تطور الوعي الانساني، يتجسد موضوعياً في عدد من الفعاليات والحركات التاريخية والابداعات الروحية ذات الطابع الملموس. فهو يتجسد قبل كل شيء في شكل الدولة وطبيعة تنظيم العلاقة فيها بين الروح الفردية والروح الجماعية، بين الروح الجزئية والروح الكلية. فالدولة الابوية هي الاطار الخاص بمرحلة جنينة الوعي الانساني ودولة الاستبداد الفردي هي الاطار الخاص يمرحلة طفولة الوعي الانساني، والدولة الديمقراطية البدائية هي الاطار الخاص بمرحلة شباب الوعي الانساني، ودولة استبداد القانون هي الاطار الخاص بمرحلة رجولة الوعي الانساني، اما الدولة الديمقراطية التمثيلية البرلمانية فهي الاطار الخاص بمرحلة كهولة ونضج الوعي الانساني.
ان وجود الدولة هو الشرط الضروري الاول لولادة المؤسسات الروحية الاخرى وهي الدين والفن والفلسفة بشكل خاص وعن هذه المؤسسات تتولد مؤسسات روحية اخرى ثانوية نسبياً هي الاخلاق والعلوم والعلاقات الدبلوماسية وغيرها. ففي الدولة الابوية لا يمكن ان نجد الا ديناً يقوم على السحر وعبادة الطبيعة المباشرة، وفناً يقوم على تقليد مظاهر الطبيعة وبعض الاخلاق والعلوم والعلاقات البدائية جداً والعفوية تماماً. وفي الدولة الاستبدادية لا يمكن ان نجد الا ديناً يقوم على عبادة الطبيعة لكن مجردة وغير مباشرة هذه المرة وفناً يعكس هذا التجريد وفلسفة بدائية اقرب الى العقيدة الدينية ومصاغة بلغة الايمان. اما في الدولة الديمقراطية البدائية فنجد ديناً قائماً على عبادة طبيعة مجردة وشخصانية مؤنسة، أي ممنوحة وعياً وحيوية عقلانية، وفناً يجعل الانسان مركزه ونقطة انطلاقه وفلسفة مستقلة بذاتها عن الدين لكنها لم تغادر الأجواء الدينية بعد.
وفي اطار الدولة الاستبدادية المؤسساتية نجد ديانة تقوم على عبادة الطبيعة مجردة بشكل مطلق، وبشكل لا يبقى من الطبيعة المادية سوى وجودها الرمزي مطروحاً على شكل إله واحد ونجد فناً يعكس هذا التجريد وهذه الرمزية، ونجد فلسفة معقدة ظاهرياً لكنها شكلية المحتوى داخلياً. اما في الدولة الديمقراطية التمثيلية فنجد ديناً يقوم على الاتحاد الواعي بين الله والانسان، وفناً يمجد الانسان باعتباره ابن الله وممثل تحققه الارضي، وفلسفة متطورة في مختلف المجالات.
هذه هي باختصار شديد المحتويات الاساسية للنظام الفلسفي الهيغلي في تفسير تاريخ تطور الوعي الانساني. واذا انتقلنا الان الى تلمس ذلك على الصعيد الواقعي التاريخي للانسانية فان هذه التصنيفات تتجسد لدى هيغل على الشكل التالي:
- مرحلة جنينية الوعي الانساني وتتجسد بافريقيا التي يعتبرها هيغل «ليل الوعي الانساني» اي ما قبل الوعي التاريخي حيث يلاحظ ان افريقيا لم تنجح في اقامة أية دولة وبالتالي لم تنجز الا اشكالاً بسيطة على الصعيد الديني والفني والاخلاقي متجسدة في روحانية قائمة على السحر وعبادة الاشجار والانهار، وأكل لحوم البشر والغاء أية قيمة للإنسان بذاته.
- مرحلة طفولة الوعي الانساني وتتجسد بالشرق عموماً سيما الصين والهند وبلاد فارس وبابل ومصر القديمة، حيث يلاحظ ان الديانات التي قامت في هذه المناطق كانت تقوم جميعاً على تقديس الطبيعة المباشرة متجسدة رمزياً بالامبراطور في الصين وبرؤساء نظام الطبقات في الهند وبعبادة النار في ايران القديمة وبعبادة التماثيل ذات الهيئة الانسانية او الحيوانية في بابل ومصر. ففي هذه المرحلة يشعر الانسان انه يمتلك قيمة بذاته لكنها قيمة ثانوية مقارنة مع قيمة الامبراطور والرؤساء والنار.
- مرحلة شباب الوعي الانساني وتتمثل بالحضارة الاغريقية القديمة حيث يقدس الانسان رموزاً له بتماثيل الالهة المنحوتة بدقة على شكل جسم انساني، أي ان الفن الكلاسيكي وحقوق المواطنة في الديمقراطية الاغريقية، وموضوعات الفلسفة الاغريقية تدل جميعاً على شعور عالٍ بقيمة الانسان في العالم الاغريقي، لكن هذه القيمة غير شمولية بعد. فشعور الفرد الاغريقي بقيمته لا تتأتى لديه من هويته الخاصة كإنسان بل من هويته الخاصة كأثيني وكأغريقي. وهذا العجز في الوعي الاغريقي يجد نتائجه الملموسة في وجود نظام الرق في المجتمعات الاغريقية القديمة، وايضاً في كون الوعي الفردي الاغريقي ظل اسير فردانيته ولم يفهم ان قيمته الفعلية تكمن في عالميته، اي في ضرورة ان ترسى القيمة الانسانية للفرد على اساس انتمائه للانسانية العالمية، وليس فقط للانسانية اللاتينية او الاغريقية.
- مرحلة الرجولة تتمثل بالحضارة الرومانية حيث يقدس الانسان رموزاً له بالقانون والدولة وهي مؤسسات معنوية ومجردة وليست مادية طبيعية. وهذا التطور يقترن بتطور اخر متمثلاً بالنزعة العالمية للحضارة الرومانية والوعي الذي طورته. لكن هذا التطور يظل محدوداً نظراً لأن قيمة القانون والدولة طغت على قيمة الفرد الانسان. كما ان النزعة العالمية للحضارة الرومانية اقترنت بنزوعها لفرض عالميتها بالقوة والعنف، مما جعلها عملياً تسحق الفرد الملموس باسم العالمية المجردة.
- مرحلة الكهولة والنضج النموذجي يتمثل بالحضارة الغربية -المسيحية التي تقرن عالميتها -حسب هيغل- باحترام عميق للفرد الانساني باعتباره ابن الله، وباشاعة المحبة بين البشر وبموازنة العلاقة بين الفرد والمجموع العالمي بشكل يصبح احترام قيمة الفرد شرطاً ضرورياً لمشروعية قيمة المجموع العالمي. وتعتبر الديمقراطية التمثيلية الانتخابية عن هذه الموازنة امثل تعبير. وهذه المرحلة هي الذروة العليا لتطور الوعي الانساني.
وهنا لابد ان نلاحظ بان هيغل يؤكد على الدوام بان سيرورة تطور الوعي الانساني تذهب جغرافياً من الشرق باتجاه الغرب بالضرورة. وكلما انتقلنا من الشرق باتجاه الغرب كلما بدت الروحانية الواعية اكثر سمواً. فبعد ان يترك القارة الافريقية جانباً باعتبارها خارج تاريخ الوعي، يرى هيغل ان الصين هي نقطة البداية الاولى الفعلية، تليها الهند فبلاد فارس فبابل فمصر وكلها مكونات داخلية ضمن ديالكتيك الوعي الشرقي الذي بمجموعه هو طفولة الوعي الانساني. واذا تقدمنا اكثر باتجاه الغرب يأتي العالم الاغريقي يليه العالم الروماني وتقف اوربا الغربية كخاتمة لهذه السيرورة على الصعيد الجغرافي. وبموازاة ذلك يؤكد هيغل ان التطور يتم بالضرورة ايضاً على الصعيد الزماني، فالحضارة الصينية تسبق الحضارة الهندية، وهذه تسبق الفارسية تليها البابلية فالمصرية فالاغريقية فالرومانية واخيراً الحضارة المسيحية الحديثة.
والحال ان ظهور الاسلام في الشرق بالذات جغرافياً وبعد المسيحية بالذات يبدو كضربة قوية لهذا المنظور التطوري الجغرافي- التاريخي. لاننا لا نستطيع ان نفهم كيف يستطيع الشرق ان يلعب دوراً عالمياً في تطور الوعي في حين ان هذا التطور لا يمكن ان يحصل الا في الغرب من جهة، ومن جهة اخرى ان ظهور الاسلام بعد المسيحية تاريخياً لابد ان يقود الى الاستنتاج ان الاسلام كوعي روحاني هو بالضرورة اكثر تطوراً من الوعي الروحاني المسيحي سيما وان هذا الاستنتاج يبدو بديهياً اذا احترمنا المنهج الهيغلي نفسه. فإلى أية حدود التزم هيغل نفسه بهذا المنهج الذي اراد له ان يكون علمياً وصارماً، والى أية مدى استطاع الانحياز لـ»العلم الفلسفي» والتحرر من انحيازه الطبيعي لثقافته الخاصة؟
قبل الاجابة على هذه الاسئلة من الضروري ان نلاحظ ان النصوص التي يتحدث فيها هيغل عن الاسلام هي نصوص سريعة دائماً وشديدة التبعثر غالباً، الا انها مركزة وعميقة باستمرار بشكل يوحي لنا بان هذا الفيلسوف الالماني الكبير واجه مشكلة حقيقية في ادخال الاسلام في نظامه الفلسفي وهي مشكلة تفضح برأينا تناقضاً جوهرياً في عمق نظامه الفلسفي. ومما يدهش جداً ان دروسه حول فلسفة الدين لا تضم أي فصل مكرس للاسلام على الرغم من انه حلل في هذه الدروس جميع اديان البشرية الصغيرة والكبيرة الاخرى. وهذا الحال اثار انتباهنا ان دروسه الاخرى حول فلسفة التاريخ وحول فلسفة الجمال وحول تاريخ الفلسفة لا تتضمن الا فصولاً عجولة مفروضة عليه بشكل او بآخر. ومع ذلك فان ما هو موجود يكفي للقول بوجود منظور كامل لدى هيغل حول الاسلام.
العرب قبل الاسلام في فلسفة هيغل
ان المعضلة الاولى التي يطرحها الاسلام، كدين وكحضارة، على الفلسفة الهيغلية هي ظهور هذا الدين في الجزيرة العربية وبين العرب بالذات. فهذا الشعب الذي عرفه هيغل جيداً الى حد ما من خلال كتابات فولتير وغوته وفولني وغيرهم من كتاب ومفكري عصر التنوير والمؤرخين والرحالة، يبدو له كشعب مشتت متكون من عدد كبير من القبائل الصحراوية المتنقلة المتنازعة فيما بينها ومع جيرانها بشكل لا يسمح لهم بناء دولة متطورة ومجتمع مدني متقدم لأن حياتهم في الصحارى وحركة تنقلاتهم الدائمة تتناقض بشكل عميق مع قيام الدولة والمجتمع المدني. يقول هيغل عن العرب قبل الاسلام:
«ان هذه الجموع من القبائل الرحالة لا تستطيع ان تحقق تطوراً وتربية بشكل ذاتي اصيل، فهي لا تكتسب الحضارة الا بعد استقرارها في السهول التي تحتلها وتستقر فيها والا بعد ان تفقد طبائعها الاولى. غير ان هجماتها على الحضارات المجاورة تؤدي بذاتها الى احداث انقلابات في الشكل الخارجي للعالم».(3)
في القسم الاخير من هذا النص يبدو واضحاً ان هيغل يسعى هنا الى وضع اللبنات الاولى لتفسيره الهادف الى اخذ الفتوحات العربية الاسلامية كواحدة من الهجمات الكبرى التي قام بها شعب من الرحالة على الحضارات المجاورة. لكن الفتوحات العربية مع الاسلام ليست أول هجمة من هذا النوع فقد سبقتها وتلتها هجمات عربية عديدة. ففي كتابه «دروس حول فلسفة التاريخ» يقول هيغل: «ان بابل ونينوى كانتا تشعران بحاجة دائمة لوقاية انفسهما من هجمات العرب الرحل عليهما لذلك كانتا تسعيان على الدوام الى تصفية حياتهم البدوية وجرهم الى الاستقرار في مناطق ثابتة عبر العمل في الزراعة والمهن والتجارة. وحتى في فترة لاحقة ظلت بغداد تعاني دورياً من عبث البدو».(4)
لكن هيغل لا يرى في العرب قبل الاسلام شعباً همجياً او بدائياً. انما بالعكس. فهو يجد ان العرب، وما دامت الصحراء تقدم لهم اكتفاءهم الذاتي من الزاد والماء، هم شعب طيب الاخلاق نبيل ورقيق، لديه شعر جميل، ويحب الحرية ويعتز بنفسه وكرامته الى درجة قادت هيغل في فلسفة الجمال الى اعتبار العرب الجاهليين بمثابة «شعب من الابطال»(5). هذه النظرة الهيغلية نجدها مبكرة جداً في كتابات الفيلسوف. ففي مؤلفاته المسماة بـ»كتابات الشباب» كتب ما يلي عن الكرم العربي: «عندما يشرب العربي قدح قهوة مع الغريب يشعر بانه يرتبط مع هذا الغريب بعهد صداقة. وهذا الفعل المشترك يربطه مع الغريب الى درجة ان العربي يحرص على ان يظهر اشد انواع الوفاء وكل النجدة لذلك الغريب».(6)
ومهما يكن الامر فان هذه الصورة ظلت في ذهن هيغل عن العرب، وهذا هو ما نجده واضحاً بشكل خاص في فلسفة الجمال حيث يقول هيغل عن المعلقات الجاهلية: «ان هذا الشعر هو الشعر الحقيقي اللائق باشخاص ناجحين ومستقلين. شعر رغم كل الغرابة التي نجدها فيه يجعلنا نندهش بقدراتهم على اللعب بالصور والمقارنات وعلى التعبير عن روح انسانية واقعية»(7) ويضيف ايضاً: «ان هذا الشعر يتضمن نفحة تحمل الحياة».
لكن كل هذه المشاعر الهيغلية لا تغير من الاستنتاجات الفلسفية التي سبق ذكرها والتي تنص على ان الفتوحات العربية الاسلامية هي شكل من اشكال الهجمات العسكرية، قام بها البدو على الحضارات المجاورة. بيد ان هذا التفسير يظل تبسيطاً جداً، سيما وان هيغل يقر نفسه بان الروحانية الاسلامية هي «الدرجة الارقى في الروحانية الشرقية»(8). لحل هذه الصعوبة الكبيرة والتناقض الصارخ في منظوره سيلجأ هيغل الى بلورة مفهوم غريب يقول بان الاسلام هو «ثورة الروحانية الشرقية»(9)، أي «ثورة» ضد انتقال رسالة الوعي التاريخي الى يد الغرب المسيحي. ان الاسلام بكلمة اخرى يصبح بمثابة ردة الى الوراء وردة عنيفة وسلبية انتقاماً من الوعي الشرقي الذي لم يعرف ان يواصل التطور الى الامام.
لكن هذه الثورة العنيفة وهذه الردة السلبية هي ضرورة بحد ذاتها ضمن التطور التاريخي للوعي الانساني في سيره نحو الحقيقة المطلقة مع الروحانية المسيحية الغربية، اي انه كان لابد ان يجيء الاسلام ليدمر الاوثان ويهدم الدولة الفارسية المجوسية والدولة الرومانية الضعيفة في ايمانها بالمسيحية، لكي تخلق الارضية المناسبة والشروط الضرورية الاخرى لانتصار الروحانية المسيحية عالمياً.
ولحل مشكلة ضرورة التطور على اساس سيرورة زمانية- تاريخية ولما كان ظهور الاسلام لاحقاً على ظهور المسيحية فان هيغل سيطور مبدأ ينص صراحة على ان المسيحية الفعلية والحقيقية لم تظهر الا مع لوثر والبروتستانتية وهكذا يزول التناقض التاريخي- الزماني المذكور من نظامه الفلسفي. أما الكاثوليكية والمسيحية الشرقية السابقتين على الاسلام وعلى البروتستانتية معاً، فانهما بنظر هيغل مسيحية سطحية او بالاحرى تمهيدية لأن الحقيقة المسيحية المطلقة ظلت مجهولة من قبل المسيحيين حتى مجيء لوثر.
وبهذا التفسير «الفلسفي» يضرب هيغل ثلاثة عصافير بحجر واحد فهو يجرد المسيحية الشرقية من علاقة عميقة مع الحقيقة المسيحية، ويدين الكاثوليكية بسطحية فهم هذه الحقيقة ويسلب الاسلام أية علاقة مع الحقيقة الالهية المطلقة. وبهذا يصفي حساب البروتستانتية مع كل الديانات الاخرى التي يمكن ان تتهمها بالهرطقة واللاشرعية. وبالطبع فان انحياز هيغل لديانته البروتستانتية هنا صريح ومفجع بشكل يضرب في الصميم تأكيداته السابقة حول «العلمية» في الفلسفة، مما يدعم الرأي السائد في بعض الاوساط الفلسفية الكاثوليكية والقائل بأن الفلسفة الهيغلية ما هي في الواقع سوى العقيدة الدينية اللوثرية مصاغة بلغة الفلسفة وان كل مزاعم هيغل حول العلمية والحيادية والبحث العميق غير قادرة على طمس هذه الحقيقة الكبيرة.
خصوصية الدين الاسلامي
في الفلسفة الهيغلية
يرى هيغل «ان الدين الاسلامي هو دين روحاني مثل الدين اليهودي لكن مضمون الاسلام يطابق مضمون الدين المسيحي، لأن فكرة الله الاسلامية تناظر في تطورها فكرة الله المسيحية»(10). فماذا يجب ان نفهم من هذا القول؟
باعتبارها ذروة الروحانية الشرقية، تبدو الروحانية الاسلامية لدى هيغل بمثابة تطور كمي- نوعي للروحانية اليهودية والنقيض المطلق للروحانية المسيحية «في صيغتها البروتستانتية» التي هي بالنسبة لهيغل المجسد الاكثر اكتمالاً للحقيقة الالهية والوعي الراقي للعلاقة بين الذات الالهية والذات الانسانية. ان علاقة الاستمرارية بين الروحانية اليهودية والروحانية الاسلامية يحددها هيغل على الشكل التالي:
ان فكرة الله الواحد الاحد في اليهودية تمثل تقدماً هائلاً يحققه الوعي اليهودي على جميع مراحل الوعي الشرقي. فالاله الذي يبدو متجسداً بالامبراطور في الصين وبأعلى هرم الطبقات في الهند وبالنار في المجوسية، يفارق الطبيعة المباشرة او الشيئية عبر قطيعة حاسمة ومطلقة مع الاشياء ليصبح إلهاً ذا محتوى روحي بحت لا يدرك بالحواس المجردة انما عبر التأمل والفكر فقط. علاوة على ذلك فهو يبدو للتأمل الواعي كذات حرة سامية ومريدة. لكن ما ينقص الوعي اليهودي هذا هو سلبية تصوره للعلاقة بين الانسان والذات الالهية. فانعدام فكرة الحياة بعد الموت في اليهودية من جهة وتجريد الانسان الملموس من أية قيمة ايجابية في الدنيا حيال «يهوه» من جهة ثانية تمثل جانبين سلبين في الوعي اليهودي لأن هذا الوعي يعجز عن ادراك حقيقة ان الاقرار بقيمة الذات الالهية تتطلب كشرط سبق الاقرار بقيمة الذات الانسانية، صحيح ان الشعب اليهودي يجد قيمة وقناعة بفكرة كونه «شعب مختار» من قبل الله، الا ان هذه الحقيقة هي قيمة وهمية متخيلة فحسب. وعلاوة على ذلك فان القول بوجود شعب مختار من قبل الله ينطوي بحد ذاته على تجريد للذات الانسانية من قيمتها الفعلية لان فكرة الشعب المختار تحصر هذه القيمة بمجموعة من الناس فقط (أي اليهود) في حين ان الحقيقة الالهية المطلقة لا تعرف هذا التعبير. ولذلك فان المسيحية والاسلام يمثلان تقدماً هائلاً على اليهودية بالغائهما فكرة الشعب المختار واقرار مبدأ المساواة بين جميع الشعوب والافراد فيما يتعلق بامكانية الاتحاد الروحي مع الله واستلام حقيقته.
لكن هذا التطور الذي تحققه الديانتان المسيحية والاسلامية يأخذ اتجاهاً متضاداً بالنسبة لاحدهما الاخر. فقول المسيحية بمبدأ الاتحاد بين الله والانسان عبر فكرة التثليث «الاب والابن وروح القدس» وبمبدأ نزول الابن الى الارض للتضحية من اجل الانسان، يتضمن حسب التفسير الهيغلي مفهوماً عميق الدلالة على ايجابية قيمة الانسان ضمن هذا الاتحاد. وهذا ما تؤكده نصوص الكتاب المقدس الاخرى القائلة مثلاً «بان الله خلق الانسان على صورته كمثله» وغيرها. اذ ان مجموع هذه المبادئ ينعكس في الدولة التي تخرج من المسيحية جاعلاً منها دولة عدالة وموازنة بين الذات الانسانية والذات الجماعية ودولة ديمقراطية وحقوق. وينعكس في الفن والفلسفة وغيرها من العطاءات الروحية الملموسة بجعل الاهتمام بالانسان وتجسيد قيمته المذكورة هدفاً مركزياً لها ومحوراً لانشطتها وتأملاتها.
اما في الاسلام فان فكرة القول بالمساواة المطلقة للبشر لا تقترن بفكرة الاتحاد بين الله والانسان حسب هيغل. انما بفكرة الانفصال بينهما. وهذا الانفصال مؤسس في الجوهر على مبدأ الغاء أية قيمة للانسان الملموس امام القيمة المطلقة للذات الالهية وهذه الفكرة يعبر عنها هيغل كما يلي:
«ان الاسلام يكره ويحتقر كل ما هو ملموس. فالله هو واحد مطلق بشكل لا يبقي فيه للانسان أي هدف لذاته وأية قيمة خاصة»(11). ويضيف هيغل: «ان الهدف الذي يسعى له الاسلام هو هدف ذهني بحت لذلك فهو لا يسمح بأي تصوير او تمثيل لله»(12). هذا الهدف الذهني البحت يقود الوعي الاسلامي الى نوع من العدمية والشعور الذاتي باللاقيمة وكذلك الشعور بضرورة احتقار وتدمير كل ما هو ذو قيمة من الموجودات الملموسة لان كل شيء يجب ان يفقد قيمته امام عظمة ومطلقية القيمة الالهية.
وهذا التوجه يتجسد عملياً حسب هيغل، بشدة التعصب الاسلامي الى درجة انه يعتبر الاسلام بمثابة دين التعصب. وهو يعبر عن كل هذه الافكار بالنص التالي لهيغل: «ان السمات الاساسية للاسلام تتضمن ما يلي: يجب ان لا يزدهر شيء في الحياة الواقعية وان كل ما هو فاعل وحي يتجه بكل طاقاته نحو اللانهائي البعيد وان عبادة الاله الواحد يصبح الرابطة الوحيدة التي يجب ان توحد جميع المؤمنين. وفي مجرى التوجه نحو هذا اللانهائي البعيد يختفي كل حاجز وكل تمايز بين الامم والطبقات حيث لا توجد أية قيمة للامتيازات العرقية او الامتيازات السياسية بالولادة او الملكية والثروات. وحده الانسان المؤمن يمتلك قيمة خاصة. وهذه القيمة متأتية من فعل عبادة الله والايمان به والصوم والتخلص من الرغبات الجسدية الملموسة الخاصة. لكن جميع هذه الاوامر تظل بسيطة اذ ان الجدارة العليا للمؤمن هي الموت في سبيل الايمان والذي يسقط في المعركة من اجل الله يضمن الجنة بشكل اكيد».(13)
وضمن نفس السياق يضيف هيغل في مكان آخر قائلاً: «بالنسبة لمحمد وحدهم المؤمنون يؤخذون بنظر الاعتبار. وهذا الموقف لا يتأتى من موقف يقوم على النظرة المغلقة بل يقوم على التعصب. لان العلاقة القومية اي العلاقة النابعة عن الرابطة العائلية الطبيعية «التي نجدها في اليهودية عبر فكرة آل ابراهيم واسحق ويعقوب» والعلاقة النابعة عن رابطة الانتماء الى بلد محدد، تظل تسمح ببعض المجال».(14)
وعلى اساس ذلك يستنتج هيغل «ان الدين الاسلامي هو دين تعصب في الجوهر»(15)، وهذا التعصب «هو تعصب في سبيل تعميم اعتناق الاسلام»(16)، لأن الخوف من الله هو الذي يسيطر على المؤمن، وهذا الاستنتاج هو الذي سيستخدمه هيغل لتفسير الفتوحات العربية الاسلامية على اساس انها اعمال تدمير وتخريب. بكلمة اخرى ان التعصب لله ونشر الايمان به وتعميم اعتناق الدين الاسلامي تجعل المسلم يتجه كلياً وبكل طاقاته للتجرد من كل ما هو مصالح مادية او هدف ذاتي من جهة ولاخضاع كل ما هو خارجه ايضاً. ولهذا فشخصية المؤمن المسلم تبدو مزدوجة متناقضة بنظر هيغل فهو نبيل لا نظير له في النبل من جهة ومدمر لا مثيل له في حب الدمار من جهة اخرى. اذ يقول هيغل «ان المسلم قادر على اظهار اسمى درجات النبل والسمو. وهذا السمو المجرد من أية مصالح تافهة ينتج جميع الفضائل الدالة على العظمة الروحية والبطولة يبدو معها المسلم حراً بشكل لا مثيل له في النبل والكرم والشجاعة والحكمة. لكنه عندما يستسلم لمصالحه الذاتية لا يتردد ان يكون فظاً مخادعاً وقادراً على كافة البشاعات والفضائع».(17)
وهذا المنظور هو الذي قاد هيغل الى اظهار اعجاباً واحتراماً شديدين حيال المتصوفة المسلمين من جهة وادانة صريحة للفتوحات الاسلامية وللامبراطورية العثمانية من جهة اخرى.
واضح اذن ان هيغل ظل في جميع هذه الاحكام منحازاً كلياً لثقافته المسيحية ونظرتها التقليدية المعادية للاسلام. ولذلك فان جميع هذه الافكار تظل عديمة الاهمية ونقطة ضعف كبيرة في الفلسفة الهيغلية الخاصة بالتاريخ وبالدين. فهو ودون ان يكلف نفسه جهد فهم الاسلام بشكل عميق يسمح لنفسه باطلاق مختلف الاحكام الاعتباطية ضده.
الدولة والفلسفة
1- طبيعة الدولة الاسلامية
لابد من الاشارة هنا ان النظام الفلسفي الهيغلي يؤكد ان الدولة في عالم ما لا يمكن ان تكون الا انعكاساً لطبيعة الدين او الروحانية الدينية السائدة في ذلك العالم. فالدولة هي الناتج المباشر للدين حيث يقول هيغل موضحاً ذلك بما يلي: «عندما نقول بأن الدولة تتأسس على الدين وانها تمد جذورها فيه فاننا نقصد بذلك جوهرياً بأن الدولة تخرج من الدين وان كل دولة محددة هي نتاج حتمي لدين محدد»(18).
وانطلاقاً من هذا المفهوم،ولما كان الدين الاسلامي هو دين يشيع الخوف والطاعة لدى المؤمن حيال الله، فان الدولة التي تخرج من الدين الاسلامي لابد ان تكون وفق المنهج الهيغلي دولة خوف وطاعة هي ايضاً. لكن هذا الخوف وتلك الطاعة الموجهة نحو الله في الدين، تتوجه نحو الحاكم في الحياة ضمن الدولة الاسلامية التي تبدو بدورها دولة استبدادية بشعة بالضرورة في نظر هيغل، دولة لا وجود فيها لأبسط شكل من اشكال الحرية وحيث الأفراد لا يمتلكون أية قيمة بالنسبة للحاكم الذي يتصرف كما يشاء وكما تتطلبه شهواته ونزواته وتقلباته.
صحيح ان هيغل يقر «بان الانسان حر بطبيعته»(19)، لكنه يضيف بأن الفرد في ظل الدولة الاستبدادية مرغم بالضرورة ان يتخلى عن كل شكل من اشكال الحرية. والحرية الوحيدة المسموح بها في هذه الدولة هي حرية المستبد. يقول هيغل عن الدولة الشرقية التي يعتبرها جميعاً وبالضرورة دولاً استبدادية: «ان ما يهيمن في الشرق هو الاستبداد. فالانسان اما خائف ومتردد او يسيطر عبر اشاعة الخوف. فهو اذن اما سيد او عبد. وبكلمة ان الخوف هو الذي يحكم الشرق»(20). لكن الدولة الاسلامية تبدو كذروة الدولة الاستبدادية.
وهذه الحالة من العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الدولة الاسلامية عموماً يتأتى بنظر هيغل كانعكاس لطبيعة العلاقة بين الله والمؤمن سيما وان الحاكم يعتبر نفسه بمثابة «ظل الله على الارض» و»خليفة الله».
هيغل والفلسفة الاسلامية
في كتابه «دروس حول تاريخ الفلسفة» الذي يسعى الى تغطية كل تاريخ الفلسفة منذ سقراط الى ديكارت، وجد هيغل نفسه مضطراً الى تخصيص فصل صغير عن الفلسفة الاسلامية تحت عنوان «فلسفة العرب» فشهرة الفلاسفة العرب والمسلمين في الغرب لم تكن تسمح له باغفال تناولهم في مؤلف يزعم دراسة كل تاريخ الفلسفة.
وهنا ايضاً فان محتوى كل فلسفة خاصة يبدو لهيغل انعكاساً لمحتوى الدين الذي تنطلق منه هذه الفلسفة بالضرورة. ولما كانت الاديان الشرقية جميعاً تقوم على فكرة الفصل وليس الاتحاد بين الله والانسان، يرى هيغل: «ان الفلسفة الشرقية هي فلسفة دينية عموماً»(21)، بما في ذلك الفلسفة الاسلامية التي يؤكد هيغل بانها «لا تتضمن أية عطاء اصيل»(22)، ثم يضيف: «ان دراسة الفلسفة العربية بشكل مفصل هي مسألة غير مفيدة وغير ضرورية»(23). واذا كان لابد من التحدث عنها فذلك برأيه لأسباب تاريخية بحتة اذ يقال هيغل: «اننا لا نتحدث عن الفلسفات العربية هنا إلا لأسباب تاريخية وخارجية»(24). اما السبب في كون هيغل يرفض اعتبار الفلسفة الاسلامية كجزء اساسي مهم من تاريخ الفلسفة فذلك لأن هذه الفلسفة لا تمثل برأيه مرحلة خاصة في تاريخ تطور الفلسفة. لان العرب كما يقول «لم يستطيعوا تطوير مفهوم الفلسفة، ولأن المسائل الاساسية التي اهتموا بها هي ما يلي: معرفة فيما اذا كان العالم أبدياً واثبات وحدانية الله»(25).
اما هذه الفائدة التاريخية التي يجدها هيغل في تناول الفلسفة العربية- الاسلامية في محاضراته حول تاريخ الفلسفة فهي بالتحديد لأن العرب هم الذين قادوا الغربيين الى اكتشاف المؤلفات الفلسفية الاغريقية وبشكل خاص مؤلفات ارسطو. ويعترف هيغل في هذا المجال بـ»ان المعرفة التي قدمها العرب حول ارسطو ومحافظتهم على النصوص الارسطية كانتا مصدراً مهماً للعالم الغربي في هذا المجال. لأن الغربيين ظلوا لفترة طويلة لا يعرفون شيئاً عن ارسطو الا من خلال الشراح العرب».(26)
ولتجريد العرب من أية ابداعات اصيلة في تطوير الفلسفة يركز هيغل في القسم الاعظم من الفصل الذي خصصه للفلسفة الاسلامية، على الدور الذي لعبه المسيحيون والسريان في الترجمة من الاغريقية الى العربية. اي انه يجرد الابداع الفلسفي العربي- الاسلامي حتى من فضله في ترجمة الفلسفة الاغريقية والاحتفاظ بها.
من جانب آخر وفيما يتعلق بالجوهري لا يقوم هيغل في هذا الفصل سوى بتعداد اسماء الفلاسفة العرب والمسلمين كالكندي والفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد وابن طفيل وغيرهم، الذين يعتبرهم جميعاً مجرد شراح لارسطو وليس كفلاسفة فعليين.
وفي الواقع فاننا نلاحظ ان الاضطراب والتناقضات هي التي تسيطر على العرض الذي يقدمه هيغل في هذا الصدد.
هذا هو باختصار شديد موقف هيغل من الاسلام والعالم الاسلامي وحضارته. وعموماً فان الاستنتاج الكبير الذي تقدمه لنا دراسة منظور هيغل حول الاسلام هو ان هذا المنظور سطحي وتبسيطي ومتناقض للغاية. وهذه الامور تجد اصولها الجوهرية في منطلقات نظامه الفلسفية وانحيازه المسبق لثقافته الغربية- المسيحية. فانحيازه المطلق للغرب قاده الى التمسك بشكل قسري بفكرة ان الشرق لا يستطيع ان يبدي اي عطاء روحي اصيل او لعب دور يذكر باستثناء ذلك الخاص بـ«طفولة الوعي الانساني»، اما انحيازه للمسيحية ديانته، فقد قاده الى التناقض الخاص القائم على اعتبار كل ما يظهر بعد المسيحية في التاريخ الروحاني الانساني كظاهرة عديمة الاهمية وفارغة المحتوى. وفي هذه النقطة بالتحديد تكمن المشكلة الكبرى التي يثيرها الاسلام بوجه الفلسفة الهيغلية وبوجه جميع فلسفات التاريخ والدين الغربية التي لا تستطيع تجاهل الاسلام وحضارته من جهة ولا تستطيع الاعتراف له بدور كبير من جهة اخرى.
ولقد ترتب عن هذه المنطلقات القسرية، ان هيغل يجد نفسه غير قادر على اعطاء أي دور حضاري للاسلام، وبالتالي ذهب الى اختيار بعض الاطروحات التي تلائم منهجه المذكور بشكل انتقائي قسري هو الاخر.




الهوامش
1) HULIN Michel, Hegel etl?547;Orient, Paris, Vrin, 1979, p. 13.
2) LUTHER, Oeuvres, Genève, Lobor/Fides, 1962, tome 2, p. 288.
3) La Raison dansl?547;histoire, trad. Papaioannou, U.G.E.
, 10/18, 1965, p. 273
4) Leçons sur la philosophie de l?547;histoire, trad. Gibelin, p. 142
5) Esthétique, trad.Jankélévitch, tome 4, p. 151
6) L?547;esprit du Christianismeet son destin, trad.
J. Martin, p. 68
7) Esthétique, trad.Jankélévitch, tome 3, p. 151
8) La Raison dansl?547;histoire, trad. Papaioannou, U.G.E.
, 10/18, 1965, p. 293
9) Leçonssur la philosophie de l?547;histoire, trad.Gibelin, p. 276
10) Leçonsur la philosophie de la religion, trad.Gibelin
, Paris Vrin, 1959, tome 4, p. 209
11) Leçonsur la philosophie de la religion, trad.Gibelin
Paris Vrin, 1959, tome 4, p. 210
12)نفس المصدر اعلاه، الجزء الثالث، صفحة 27.
13) Leçonssur la philosophie de l?547;histoire, trad.Gibelin, p. 276
14) Leçonsur la philosophie de la religion, trad.Gibelin
, Paris Vrin, 1959, tome 4, p. 83
15)المصدر السابق، الجزء الرابع، صفحة 208.
16)المصدر السابق، الجزء الرابع، صفحة 208.
17) Leçonssur la philosophie de l?547;histoire, trad.Gibelin, p. 277
18) La Raison dansl?547;histoire, trad. Papaioannou, U.G.E.
, 10/18, 1965, p. 152.
19) نفس المصدر السابق، صفحة 141.
20) Leçonsurl?547;histoire de la philosophie, trad.Gibelin
tome 2, p. 21
21)المصدر السابق، صفحة 70.
22)المصدر السابق، صفحة 77.
(23)المصدر السابق، صفحة 1018.
(24)المصدر السابق، صفحة 1024.
(25)المصدر السابق، صفحة 997.
(26)المصدر السابق، صفحة 1035.
 
منقول من مجلة نزوى