منقول من yahooمكتوب
السبت، 11 أغسطس 2012
صور جديدة لكوكب المريخ
منقول من yahooمكتوب
الجمعة، 10 أغسطس 2012
مرايا… سلطنة اللغة ( هلموت هايسنبتل) ترجمة: هنري فريد صعب
بقلم: هنري فريد صعب
الأديب والشاعر الالماني هلموت هايسنبتل، موضوع هذه الكلمة، واحد بارز من تلك الجماعة. كان عضواً مؤثراً في “جماعة 47″ التي كان من اعضائها مَن هم اليوم طليعة ادباء المانيا، امثال غونتر غراس، غونتر آيش، وهاينريش بول. بعد إنجاز تخصصه المعمّق في الدراسات العلمية، اخذ يهتم بالبحث اللغوي والأدب، وكان له فيهما محاولات تجديدية. اليوم، بعد مرور الزمن، ماذا بقي من تلك المحاولات وأمثالها في الوسط الأدبي العالمي الذي سار في هذا الاتجاه؟
I
يبدو في ايامنا انهم غفلوا عن شيء مهم، وهو ان الادب لا يتكوّن فقط من صور، وتخيّلات، وانطباعات، وآراء، ومواضيع، وثيمات، ومناقشات، وغير ذلك من “مواد الاستهلاك المخصصة للمثقفين”، بل من لغة – ولا شيء آخر سوى ذلك. ولكن يبدو ايضاً اننا، في حال عدم غفولنا عن ذلك، نُدرك تماماً ما يعني هذا الأمر.
II
إن الادب، باعتباره لغة، لا يتميز عن الثرثرة التي يمارسها كلٌّ منّا يومياً، والتي نستعملها عادةً للتفاهم. نسمّيها لغة الحديث او الحكي الدارج. وهذا يعني، من جهة، شيئاً نستعمله، ومن جهة ثانية، شيئاً دارجاً. في تعبير آخر، تمثّل اللغة المستعملة الدرجةَ الدنيا للغة، دنيا بما يحددها، بشكل واسع، من ضرورات عملية، من التزام للتفاهم في اسرع ما يمكن واسهله. بينما في المقابل، يتميز الأدب بمبادئ مختارة ومنسّقة.
III
ان يكون قوام الأدب اللغة، يعني من ناحية اخرى، ان هذه اللغة هي وسيلة، شيء ما لإبلاغ ما يسعى الى الكشف عن نفسه للعلن والوعي. هذه الوسيلة تتميز عن وسيلتَي الرسم والموسيقى، بما انها محددة مسبقاً بشكل اوسع جداً، مما هي الالوان والأنغام. في الواقع تشمل اللغة دائرة شاسعة من المعاني، تضمّ الفوارق الدقيقة في مختلف انواعها. ويعمل فيها عنصران: الكلمات، والعلاقات بين الكلمات في الجُمَل. على ان الكلمات لا معنى لها وحيداً ومحدّداً بوضوح، بل تغطّيها هالة ما (معانيها تختلف تاريخياً تبعاً لعلم الاشتقاق، او محلياً، تبعاً لجماعة او شخص معيّن). ترتكز العلاقات التركيبية للجُمَل على قاعدة: فاعل – مفعول – صفة. هذه القاعدة توجب كل مواجهة فعلية “Verbal” مع العالم، ان تفترض دائماً وجود شيء ما يُرجَع اليه، وشيء آخر في مقابل هذا المرجع؛ وكلا الشيئين مرتبط احدهما بالآخر بطرائق عمل وسلوك. وقد أخذت هذه القاعدة النموذجية اشكالاً متنوعة. نظام بكامله من الاضافات والتسلسلات يتفاعل مع اضعف الدوافع. ادق الفوارق تتبدّى. ويحدث ذلك كلّه ما إن نتكلم. وذلك كلّه قد ادى، في كل مرة جرى التعبير بطريقة ادبية، اي مثالياً، الى القبول مسبقاً ببعض المسلّمات “Axiomes”. يضاف الى ذلك، ان الخطاب المثالي للأدب او الشعر، قد بدّل دائماً، وجدّد الدائرة العامة في اللغة.
IV
وفيما اللغة بطبيعتها قد زوّدت الأنسان قاعدة نموذجية، وتخطيطات تسمح له بأن يهتدي الى طريقه، فإن الادب قد ذهب بعيداً في مغامرته، فزوّد الانسان على الدوام نماذج خاصة. نماذج خاصة تساعده في ان يفهم ذاته. وإن الاستعمال المكثّف لهذه النماذج الخاصة، هو ما يميّز العبارة الأدبية عن العادية. والمبادئ التي تنظّم هذه العملية كانت ولا تزال ثمرة الضوابط الاعتيادية للغة.
اما التغيّرات التي تطرأ على اللغة، فتعني ان شيئاً ما قد تغيّر في تفسير العالم. والأدب هو وليد هذه السيرورة ومسرّعها في الوقت نفسه. وتعود ديمومة بعض المفاهيم والقواعد الى الظروف التي كانت تُجيز لها الاستمرار. ولكن دائماً كانت ثمة محاولات، إما للعودة الى الوراء، وإما لتجديد الطرائق المختبرة. ويظهر ان ذلك صعب في ايامنا الحاضرة. إن اساليب الرواية مثلاً، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قد شاخت. ومَنْ يريد اليوم ان يتخذ بلزاك وأمثاله نماذج له، فلا شك في فشله، إلا اذا انقلب عالمنا على نفسه، وعاد الى الركائز التي كان يرفعها أجدادنا الاقربون والأبعدون.
V
يرى هايسنبتل انه عندما حاول التعبير بشكل “الجُمَل الأحادية” “Monophrases” (ثمة نماذج منها في المنتقيات التالية)، تبيّن له في الواقع ان شيئاً ما اساسياً تغيّر في اللغة. وما تغيّر يمكن ان نفصّله في اوجه عديدة عند القراءة. وبما انه ذو نشاط أدبي، ويعمل على ان يحيا في اللغة (لغته)، بحيث تستجيب متطلباته، فالذي يهمّه هو: ممّ يتكوّن جواب اللغة؟
ان القاعدة النموذجية: “فاعل – مفعول – صفة” قد سقطت. وما زلنا نستعملها. لكنها جامدة. مستهلكة. مفككة. النظام اللغوي نفسه اصبح “كلاسيكياً” في زعم المحافظين. وحيث يعمل دائماً المحافظون، تكون الجيفة غير بعيدة. وكل هجوم على ايّ ظاهرة جديدة، وغير مألوفة، انما يستخدم حجج المحافظين. وكل هذه الحجج تستند الى مصادرة “Postulat” صلاحيتها النهائية. ولكن، بصدق، من لا يزال يفهم مثل هذه المصادرات؟ كيف يمكن التحدث عن صِيَغ جامدة؟ كيف ننفعل؟ ان الحد بين ما أحدده كأناي، وما لست أناي، قد امّحى. فهل يمكن بعدُ التحدّث عن ذلك؟
VI
حاول هايسنبتل في مراحل متتالية، ان يدخل في قلب الأشياء. والجوهري، وهذا ما شعر به كأنه يتغيّر، تكشَّف له حيث التعبير النموذجي الأدبي، ملزَمٌ ان يحتل بوضوح، وبنوع خاص، اسساً في اللغة. عندما يختفي نمط التعبير التقليدي، ينبغي الدخول تقريباً في صميمية اللغة، من طريق كَسْر اللغة، وتقصّي علاقاتها جدّ الخفيّة. لكن المحصّلة لا يمكن ان تكون لغة جديدة. إنها طريقة في التعبير تستخدم نهجاً يتناقض مع تركيب الجملة التقليدي والاستعمال التقليدي للكلمات. الكلمات استُهلكت حتى اختلط بعضها ببعض، لأن تحقيق هويتها الواضح قد تحلّل في هالة يتعذّر تحديدها طبيعياً. هذا العامل الجوهري في اللاتحديد لا يسمح بالوصول الى ما تمكن تسميته صورة او مجازاً. الصورة أو المجاز، بما هما قابلان لتعيين هويتهما جلياً، يكونان جزءاً من اللغة التي تختفي تماماً. الفاعل، المفعول، الصفة في الجملة تزول. لأن الاختبار الذي نحن في صدده، يبقى خارج العلاقة المحددة في الفاعل – المفعول. العلاقات لا تتشكّل وفق إدغامات نسَقية او منطقية سانتاكسية، بل تنبثق من المعاني الثانوية، من الالتباسات التي تبرز في قلب سانتاكس مهدّم. اللغة تصبح هي الموضوع. لا تعود تبدو كوسيلة، او سلاح، او نظام اشارات: إن إمكان التعبير او عدمه، يحتلاّن مركز الصدارة. لماذا؟ لأن النماذج اللغوية البدئية التي حدّدها الاستعمال مسبقاً، بدءاً من الجملة البسيطة حتى الأنواع الأدبية، قد فقدت تأثيرها، وتالياً قدرتها على أن تمثّل دور الوسيط.
في تدهور هذه النماذج اللغوية، تكمن إواليّة طاقة أُحادية الاتجاه لا تقدَّر بثمن. ينتج من ذلك ان العناصر اللغوية نفسها، تبرز ثانيةً تقريباً، خارج الاطار النسَقي الذي كان يحبسها. ومن الممكن ان نميّز تفاعلين في هذه الظاهرة. من جهة، سيتم السعي مبدئياً، في عزم محافظ، الى انقاذ ما بقي للانقاذ، ولكن من دون اي نتيجة سوى تضخيم المشكلة. ومن جهة اخرى، فإن عناصر اللغة، سواء أكانت ألفاظاً ام فونيمات “Phonèmes” أم شذرات جمل معزولة، أم مخططات سانتاكسية تجريدية مكثفة في صيغ، إنما تُعتبر خطأً مادة بنائية بسيطة، مجرّد أحجار تُستعمل عند الحاجة. مثل هذا التفاعل لا يقود كما يظهر الى حلّ، بل الى تفاقم المشكلة. ويبدو أن لا حل واضحاً في الحاضر. ولكن لا يمكننا التعبير بطريقة أدبية، اذا لم نضع دائماً هذه المشكلة نصب أعيننا، أو بالاحرى، اذا لم تكمن هذه المشكلة في قلب تجربة الخلق، ولم نتخذها كنواة. كل كلمة نعبّر بها تطرح مشكلة. وهذه المشكلة هي أن اللغة تتجاوز بعيداً الاستعمال التقني البسيط للكلمات وإدغاماتها.
VII
تلك هي النقاط الرئيسية في مبحث هايسنبتل اللغوي التغييري. ولا شك أن مثل هذه المباحث التغييرية تحسن قراءتها. غير أن الزمان قد أسقط معظم هذه النقاط. فدعوته الى سلطنة اللغة في الأدب، ليست الوحيدة في تاريخ الثقافات العالمية. ثمة نشاطات موازية لها زمنياً، كانت قائمة في بلدان أوروبية، ولا سيما في فرنسا، ايطاليا، بريطانيا. ففي فرنسا، أواسط القرن الماضي، كانت تنشط ايضاً حركة ما سمّي “الرواية الجديدة”، وجماعة مجلة “Tel Quel” في رئاسة فيليب سولرز. وفي ايطاليا كانت الحركة الطليعية، وعلى رأسها الشاعر والروائي والمسرحي والناقد ادواردو سانغينتّي. وفي بريطانيا سطع اسم جيمس جويس المخبول باللغة، حتى أنه جعلها مادة خاماً لإعادة صناعة عالم جديد.
لدى هؤلاء جميعاً كانت اللغة “سلطانة”. اليك قول الفرنسي لوكليزيو الذي مُنح جائزة نوبل منذ عهد قريب، والمنضوي تحت لواء “الرواية الجديدة”: “لا شيء بالنسبة اليَّ غير اللغة. إنها المسألة الوحيدة، او بالاحرى، الحقيقة الوحيدة. كل شيء يوجد فيها. كل شيء مُعطى. أنا أحيا في لغتي. هي التي تصنعني. الكلمات هي إنجازات، وليست أدوات. في الواقع، ليس عندي همّ الاتصال”. كذلك مواطنه فيليب سوليرز، جرّب في مشروعه الشامل أن يستعيض باللغة، بما هي موضع اختبارات متعددة، نفسية، فيزيائية، إيديولوجية، عن وهم “الأنا”، بما هي “سلطة وحيدة”، قضى بها القانون، الجماعة، العقيدة، الما قبل ماضياً. وبلغ سولرز حدّاً تصعب فيه ملاحقته. فأصدر بحسب زعمه روايتين، الأولى عنوانها “H”، 185 صفحة (ربما هو أول حروف كلمة حشيشة)، والثانية عنوانها “فردوس”، 254 صفحة. كلتاهما بدون علامات الوقف، كالنقطة او الفاصلة او الاهلّة. وبدون بياض ومقاطع وفصول، على امتداد الصفحات كلها، بحيث تشعر كأنك أمام غابة سوداء من الكلمات المتراصة لا تدور حول حكاية، بل ألوف الحكايات.
كذلك فعل ادواردو سانغينتّي الواسع الثقافة. فقد اختار اللغة الاختبارية لإنقاذ العالم، كما ادّعى، وبأيّ ثمن، من اجترار التقليد. فبات النص عنده ظاهرة عنفية تعمد الى “الكشف” عن “العمق” من طريق إبراز التناقضات بين الوعي والحقيقة، بين النظرية والتطبيق العملي. والمحصلة، أعمال مستغلقة. حتى أنه ذهب في اختباره اللغوي الى تطعيم نصه بالالمانية والانكليزية والفرنسية واللاتينية، بتأثير من عزرا باوند وإليوت، ولكن بأشدّ إغراباً.
أما جيمس جويس فقد ولّى اللغة أمنع سلطان قُدِّر لها، في مؤلفه “فينيغانز ويك”. ففي هذه الشبكة العنكبوتية من الكلمات، المسمّاة رواية، والتي طوى جويس سبعة عشر عاماً من عمره في كتابتها، ابتدع له فيها لغة غريبة أشبه بكبسولات ضمّ فيها مفردات من تسع وستين لغة من كل أنحاء العالم. وساعده في ذلك إتقانه الفرنسية والايطالية والالمانية واللاتينية واليونانية، وإلمامه بالعديد من اللهجات. اضافة الى تمتّعه، وهذا الأهم، بذاكرة قوية لتحتفظ بكل هذه الثروات.
VIII
أخال في هذا السياق، أن اللغة لم تُمنَ بسلطان واسع عند أقوام الى حدّ التقديس، كما عند العرب. سوى أن هذا السلطان لم يرقَ الى قمة تطرّفه، الاّ على يد أبي العلاء المعري وأصحاب المقامات. فالمعرّي قد ركب اللغة كفروسيّ لا كرحّالة. متعة الفروسية اللغوية هذه، أفردته عن الأقران قبله وبعده. ولا سيما في كتابه “الفصول والغايات”. هنا اللغة أصبحت عُقَداً خالصة. لا لسبب الاّ لأنه كان يطلبه دائماً في اللفظ الغريب والتركيب الغريب، الممعن في الاغراب، لا عن حاجة، بل سعياً وراء غاية يقصدها لذاتها، كدعاة الفن للفن.
أما أصحاب المقامات، وأميرهم بديع الزمان الهمذاني، الحريري، الحصكفيّ، واليازجي آخرهم، فكان حافزهم الوحيد على إنشاء أعمالهم: اللغة. ولا همّ آخر.
المقامة أشبه بمصيدة أنيقة لاقتناص الالفاظ ونوادر التراكيب وبدائع الأسجاع، في قالب قصصي بسيط يقرّبها من القارئ.
IX
هؤلاء جميعاً نسوا او تناسوا أن اللغة ليست عقلاً (بعضهم أفاق من سُكره اللغوي كفيليب سولرز مثلاً). اللغة كائن حي. إنها كما الانسان بادعها: ذاتٌ وعقلُ وروح. واستعمالنا أيَّ ركن من هذا الثالوث على حدة، يعني قتلاً للإنسان وبَدعه. إذ لا لغة بدون انسان. وبالعكس. كلاهما متلازمان. ما قيمة ألوف الكلمات في المعاجم إن لم ينسجها على نَوله انسان.
منتقيات من هاليسنبتل
تمهيد
عبارات بسيطة
فيما أنا أكتب يسقط الظلّ
وتضع شمس الصباح الرسمَ الأوّلي
التفتّح مشروع مميت
مع موافقتي
أنا أحيا
رسائل هجائيّة (مقاطع)
I
الحاضر يستسلم لعبادة الاسلوب الفارغ
استشهادات باهتة
أفكار عرجاء تكتشف النعوتَ الظرفية الحزينة (ظروف)
نصوص غنائية ناجحة تتحدّى الزمان
الخطيبة عند النافذة المخلوعة تُمطر في الحلم
مندوليناتُ الغرفة المظلمة تتنزّه
السنون تقول كلمتها
فوق الأقنية الوقتية ترتعش هندسة الانهيار العظيم
على المشاهد شبه الظاهرة ينحني نهدا الماضي العاريان
II
تاريخي الانجيلي يبدأ مع رائحة الارض البائرة في الخريف
عصري الحجري القديم لا يعود الاّ الى طفولتي
عروضُ عرباتِ السكة الحديد
مجرى الزمان المتقطّع
أمس كان منذ ثلاثة أسابيع خلت
عناقيد الايام تتدلّى في الخارج على جدران الماضي
تُقلقني رؤية الماء التي تقسمها المجاذيف
تُقلقني ضجّة زهر النرد على الطاولة
زوايا المَشاهد تنغلق بانحراف فوق جبيني
III (أمثال)
الضوء امرأة عارية منتوفة الشَعر بدقّة
قريباً سنتحدث عن الصمت كما عن حكاية
أن تكون مسحوراً يبدو طموحاً كافياً لكل شخص ذي إحساس (ورد هذا البيت بالانكليزية)
مهمّةُ الحياة هي في صنع العزلة التي ليست الوحدة (ورد بالانكليزية)
الوضع: أن أحدهم ليس على وفاق حتى مع نفسه
كل العبارات متساوية
الحزن يُسدّد دَينه (ورد بالفرنسية)
(ملاحظة: هذه الابيات مستمدة من نصوص كتّاب وشعراء، من بينهم هنري ميشو، جرترود شتاين، هانز آرب)
IV
زمنُ البؤس يتناكح مع العصر الحديث لولادة آراء معروفة
ذكريات مخيفة تجول بأيدٍ فارغة
في البثّ الخاص بالمرأة يُدحَض نيتشه
هتلر شخص من ابتكار ميشو
نحمل معنا العائلة
الماضي الوزاري يتدلّل
يمرّ على الوجوه الضاحكة ظلّ الضباب الذرّي
موديلاتُ السيارات تنتقل بصفتها بدائل عبر المشاهد الطبيعية القابلة للتبادل
العصر الحديث يسطع ويأفل كنجمة المساء في أيلول
V (مقطفات من الصحف)
احتمالٌ في التقدير كان يجب أن يظهر
تقدير إجماعي سيكون وجهة نظر
على العموم بعد كل معطيات الظروف
الظروف التي كان من نتيجتها
أن أفضل عناصر المستنَد الممكن
تتعلّق من نواحٍ باحتمالاتٍ في تحوّلٍ دائم
الى نواحٍ تتعلّق بورطةٍ لا خلاص منها
قد تكون احتمالاً تجب مواجهته
هنا وهناك تنتصب الطواحين السوداء على فكرتي الرئيسة
جامدةً تنبثق رؤى الافتراض الزرقاء في الظلمة كانعكاسات الضوء في الماء
مقارئُ الأفكار السوداء المجْهَضة تظهر عند الحاجة
خربش القمر على الجدران علاماته
وسط الحركات العفوية يفوح عطر الليمونة
عند الأفق اليَقِظ تدعونا السيرينات الى الرحيل
في كل التنويعات الممكنة تتلألأ صنّاجات الصمت
في قلب الأذن ينفجر صنج تشرين الأول الصامت
صورة مجازية
في وضعية الغطس. كنت معلّقاً عمودياً فوق ظل شيء لم يكن له وجود قط. زمن أخضر. الأرضية محصبة وصافية ومغطاة بنباتات صغيرة وظلال متغيرة. انعكاسات اضواء حيوية وخضراء. ضوء ناعم بعد الاضاءة العنيفة السابقة. سكون متأرجح للديمومة المذابة. عدم الدوام طويلاً. اجمل ايام موتي. بلا حوادث بلا انتظار.
قبل الغطس تخيلتُ تلك الحالة كمن في تحرّر نهائي. ولكن لم يكن سوى الغياب الموقت للوجود. انه معنيٌّ اكثر منسيٌّ مفقود.
في هذا الأكواريوم العجيب لمحتوايَ الشعوري ثمة ميت. هوذا ما يهمّني مجدداً. لا يزال يهمّني. ويدفعني الى الامام. فأن اكون غطستُ لم يكن يعني شيئاً سوى اني غطست. لا أكثر. لقد نسيت الاسماك الكبيرة. انها تتجمع الآن.
معلّقاً عمودياً فوق الظل أتمايل تحت صدماتها. الآن ترتمي الأسماك عليَّ جماعات جماعات بقيادة اكبرها حجما واشدها سواداً متدفقةً من الزوايا الوهمية في ذلك الكهف المنسي. عدمٌ اخضر تملأه صدمات زعانفها الغاضبة. شبه ظلٍّ اخضر حائل في حركة فائرة ومزيدة بفعل صدمات زعانفها. ميدوسات صامتة تطفح بالنوستالجيا. هل جئتُ الى هنا حقاً بملء ارادتي؟ ما كان قبل مجيئي الى هنا يأخذ الواناً محببة. بسبب الصدمات التي كانت تزداد عنفاً دائماً، بدأ رأسي ينفصل شيئاً فشيئاً. احيانا بعد صدمات اخفّ، كان يتحرك بحرية. هل تكون الاسماك راضية حين تحصل عليه؟
غرامّاطيق سياسي
المضطهِدون يضطهدون المضطهَدين. لكن المضطهَدين يصبحون مضطهِدين. ولأن المضطهَدين يصبحون مضطهِدين ينتج من ذلك أن المضطهَدين يصبحون مضطهَدين يَضطهدون وأن المضطهِدين يصبحون مضطهِدين يُضطَهَدون. لكن المضطهِدين المضطهَدين يصبحون بالعكس مضطهِدين (مضطهِدين مضطهَدين يضطهدون). والمضطهَدون اذ يَضطهدون يصبحون بالعكس مضطهَدين (مضطهَدين يضطهِدون مضطهِدين).
المضطهِدون يُنتجون مضطهَدين. المضطهَدون إذ يَضطهدون يَضطهدون المضطهِدين. المضطهِدون المضطهَدون إذ يضطهدون يَضطهدون المضطهَدين المضطهِدين. وهكذا الى ما لا نهاية.
قصيدة التدرب على الموت
(مقاطع)
دخان غابة فوق هِسلاخ يحجب شمس شباط
ضجيجٌ على طول رَدْم السكة الحديد نداء صدىً خطىً
مشاهد نموذجية
في الشبكة المستعرضة نصوصٌ باطلة ملحّة متروّية لامبالية
أفكارٌ مبطَّنة خلفياتٌ الشهيةُ تدور ربع دورة
جدار رصاصيّ اللون انعكاساتٌ كبريتُ الرصاص في المغاور الصيفية
في يوم صينيّ بدقة ألمانيٌّ عجوزٌ في مشهد غابةٍ توتونية
محطةٌ قديمة توقّفٌ ثان للسكة الحديد.
تصبّرٌ طويل الأمد طويلٌ بالتدرج وجهُ
الأب ينثقب حقلٌ – مثقوب قرميدةٌ بنيةٌ مصاريع
ومشاهد بيضاء في ساعة العصر تقهقراتٌ زرقاء
مراقٍ تدريجية مدرَّجة نحو السهل المغمور
بالرياح فيما تمتد
الثرثرات في عصر أحدٍ مشوّشةً مختلطة معقدة
ما العلاقات بين الوجود الذي أعيشه
وكثيرٍ مما يروج هنا وله وجودٌ
ولا يروج وله معنى وليس بشيء وكيف
ينكشف هذا الموقف بذاته
وعلى ذلك ثمة الكثير حقاً من…
لأن واحدنا هنا
له الأفضلية في تنوعاته بأن يكون
معنياً على الأغلب عندما نعاني الحسد
اضاءةٌ مستعرضة تقريباً نورٌ مائل
ينتشر مساء
محطة قديمة دنتيلا في مغزل استراحةٌ تمثيلية ايمائية
حفلة ظلالٍ راقصة
نافذةٌ معتمة خلفياتٌ مخروطيات الشكل تعرّجاتُ نهرٍ
على جانبي الوادي تختفي في الأمواج
وعلى المراقي مستقبل الما بعد او ماذا او ماذا
يا للخسارة حقاً انا آسف ولكن هذه هي الحال
آه رويدك نحن نعيش زمناً عجيباً
الا ترى كيف اقول دائماً لا يصحّ ذلك
انا اقول لك هذا جنونٌ هذا مخيفٌ
كذّب الباطل والله يعرف ماذا
لكن التجربة الموفى بها غالياً تلبس نقابها الأحمر
احاديث مباشرة عملياتٌ بعيدا من القواعد
اميركيون في القطار انعكاسات نورٍ على ليما السويّة
تقسيم النهار شبحٌ جرسُه – المائي زبدٌ – انسانيّ
لهاث – ثلجيّ وجهٌ – حجريّ معيّن – لبلابيّ حزمة – ضوئية
النوارس ترسم زخارف جانحةً من علاها على الشاطئ (…)
نورٌ باهت لكنه مقبول وما العلاقات
بين الوجود الذي أعيشه والكثير مما يروج
هنا و
يوجد ولا يروج وله معنى وليس بشيء
وكيف ينكشف هذا الموقف بذاته
على ذلك الكثير حقاً من…
لأن واحدنا هنا
له الأفضلية في تنوعاته بأن يكون معنياً
على الأغلب عندما نعاني الحسد
شبهُ عطر لأيد متصالبة تهتز من الجذور
ترمسٌ اصفر افقيّ عبر شبكة الأصابع سلسلةٌ
من الخطوط الصغيرة – القضبان
شاطئ تغطيه حراشف – الظلال بدون نسق وهمٌ
ماكر يقترب من الخلف ويبقى هناك على السطح
تخمٌ تكنسه بهياج شديد
أضواء بيضاء حيث الشبح يبدل اتجاهه
وكانت تظهر عند أطراف السماء
ملائكة الموت مستلّين عواصف سوداء وكانت
أناشيدهم تعلو ثمة بقعةُ ظلٍّ أو
صهبُ قمحٍ تألّقُ فَرْو غيومٍ في
تنتوريتّو حظيرةٌ مقطرَنة رائحةُ قطران
رائحة عشب ثقبُ ظلٍّ
وهمٌ منتفخ بالكنايات الملتوية مظهرٌ رقيقٌ
ممزّقٌ ملتبسٌ ومغروسٌ بالانعكاسات الملتمعة
في جلبة المساء المبطّنة
أروقةٌ منقلبة هذا كثير أجد هذا كثيراً
ثقبُ ظلٍّ أو صهبُ قمحٍ شذراتُ ضوء
وحيدٍ وأبديّ وشرفةٌ خالية دائماً
في ذلك المبنى الجديد الأسود – الرواق لأنه كان
ضياءً نهاراً أجوف
صدمةً جوفاء مميتة في المترو
من أعمال Helmut Heissenbuttel
-1 Livres de Lecture, Ed Denoël, 1969
-2 De la littérature, Ed Denoël.
منقول من موقع فوبيا
الأحد، 5 أغسطس 2012
بعدما اقتربت الأرض مني كثيراً
بقلم: وديع سعادة / استراليا
لا ينفع ان يقرأ احد هذه الكتابة ولا اية كتابة اخري. الاجدي ان يبحث الناس عن الحياة في مكان آخر، اذا كان لديهم وقت بعد. اما الذين مثلي، في آخر عمرهم، فلا حياة بعد لهم، ولذلك يحاولون اختراع تسلية لكي يمضي ما بقي من وقتهم بوطء اقل.
اني ألعب الان. ألعب مع الكلمات واغشها علي ان اربح شوطا معها هذه التي خسرت معها في الماضي كل الاشواط. ألعب معها واضحك عليها وتضحك عليّ. ما بيني وبينها اليوم هو غير ما كان بالامس. سقط وقارها وفقدت جديتها وصارت مجرد لعبة.
يقال ان البشر سيصيرون جميعهم ألعابا تسير بكبس ازرار. لا اظن اني سأعيش الي ذاك الوقت الذي اصير فيه لعبة كاملة. اني الان لعبة ناقصة، نصف لعبة، ولهذا اخترت ما قد يجعلني لعبة كاملة: الكلمات.
سيصير الناس ألعابا. شيء جميل. يا لمتعة الازرار التي ستحركهم! ورحمة علي… لا ليس رحمة علي المشاعر، فهي جعلتهم دائما بؤساء.
بلا مشاعر، هكذا محصنون، هكذا مغلقون علي الآخر الذي كان يسطو علي احاسيسهم، علي الايدي التي كانت تمتد الي عروقهم وتفسد دمهم، علي الكلمات التي ما كانت تقال الا لتسقط قتلي في روحهم… سيصيرون ألعابا، فيا لروعة الجماد الذي سيصيرون!!
لن اعيش الي ذاك الوقت، لن اعيش تلك الروعة. لا تزال هناك ايد وكلمات تمتد الي عروقي وتُسقط قتلي في روحي. مع ذلك علي ان اخرج من هذه المعركة بأقل دم ممكن. عليّ ان اصافح الأيدي بأية حيلة، وان استدرج الكلمات للعب وهي ترفع خنجرها عليّ. هكذا ربما اجعلها صديقة. هكذا ربما أكسب استراحة. هكذا ربما اخرج من هذه المعركة غير قاتل، ولو خرجت قتيلا.
تعالي يا ألف أريد ان ألعب معك. أيتها العمود الجميل، السلم الرائع الي مجهول رائع. تسلقي عليه واتسلق عليك، علنا، ايتها المبتدأ، نطل علي نهاية جميلة.
فلنلعب. البدء كان لعبة والبادئ كان لاعبا. فلنكمل لعبته برقة لم يكن يملكها، علنا نضفي علي وجهها جمالا.
وتعالي يا باء. يا بهاء ملتفا علي ذاته انا شريكك. ارمِ لي الطابة، انها تحت وسادتك، فنتقاذفها مسرورين. الطابة كنزك، ولا سرور لمالك الكنز ان لم يقذفه بقدميه.
اريد ان ألعب مع الاحرف. هي مثلي وحيدة وتحتاج الي من يسليها.
اريد ان اكون صديق التي أسيء اليها منذ ان تعلم الناس النطق. صديق التي ولدت لتلعب، فجروها الي الجدية والصرامة والمآتم والقتل.
فلنلعب يا كلمات يا قاتلة ناطقيها وسامعيها. يا من ولدت بريئة عودي الي براءتك، مرة واحدة كرمي للمقتولين بك. عودي بريئة يا كلمات والعبي. انا قتيلك وأريد ان ألعب معك. أنا القتيل وأريد ان ألعب. أريد ان ألعب.
من زمان من زمان، حين مررت مرة امام لعبة توقفت وقلت لها كوني لي. لم تكن. حاولت ان يكون قولي لها لعبة. لم يكن. حاولت ان اجعل نسيانها ونسيان كلماتي لعبة، وفشلت ايضا، أليس في الارض ألعاب؟ اعطوني واحدة. ماذا اقول للذي يقال انه هناك ويسأل الاموات ماذا فعلتم في الحياة؟ أأقول له عشت بلا لعبة؟ وان قال خلقتكم ألعابا لماذا لم تلعب؟ بماذا اجيب؟ اعطوني لعبة لدقيقة واحدة، فأنا لدي حجج كثيرة افحمه بها الا واحدة، فاعطوني لعبة.
هوذا الغيم أتي فأهلا يا صديقي. لم يكن مطرك مرة دمع غائبين، كان ذلك كذبا مني. كنت كذوبا جدا. قلت انك لهاث بعيدين، وانك نظرات ضيعها اصحابها وهم يحدّقون في الشفق. تعال الان يا صديقي انك غيم، غيم فقط، وهذا جميل جدا.
اعترف الان بأني اخترعت أكاذيب كثيرة من الكلمات. ما قلته وما كتبته لم يكن سوي كذب. ابن لقيط لمخيلة مجنونة. ما قلته وكتبته كان خيانة لبراءة الكلمات، هذه التي اطالبها بالبراءة وأمارس العهر معها.
لقد ظلمتُ الغيم. وظلمت رئيس الطيور ونشارة الخشب. ظلمت الشجر حين قلت يثمر من النظرات، والجبال اذ ألبستها اقداما. وظلمت الموتي حين اعدت عظامهم الي الحياة، والحياة حين اعدتها الي الموتي.
ظلمت الناس والاشياء والحياة. هؤلاء كانوا شيئا آخر غير ما ظننت وما أملت، وكان عليّ ان اعرف ذلك. كان عليّ ان اعرفهم كما هم، لا كما ارغب، وان احبهم.
تعال ايها الغيم اريد ان ألعب معك. انت بعيد وأنا اعرف الان ان اللعب لا يكون جميلا الا بين بعيدين. الجمال هو البعيد، البعيد فقط. فلنلعب أيها الغيم يا حيلتي الوحيدة الباقية في البعيدة، بعدما اقتربت الارض مني كثيرا.
اقتربت مني الارض فرأيت احشاءها. رأيت دمها وبولها وبرازها. التصقت الارض بي فأغماني العفن.
أيها البعيد يا صديقي. يا صديقي أيها البعيد.
مثل عصفور ينقر نقرة واحدة ويطير، هكذا كنت اريد حياتي.
وكنت موقوف وهم: وهم ارض حسبتها ملكي، ووهم مكان اعتقدت أني مقيم فيه، ووهم كلمات ظننت اني انا قائلها، ووهم افعال تخيلت اني انا فاعلها، ووهم وجود ظننته نفسي.
استطالت الارض فلتعد مستديرة عليّ اتوهم بعد شيئا جميلا في مقلبها لا اراه.
جالس الان وكل شيء مكشوف امامي. أريد شيئا مختبئا، اريد استعادة جمال الغائب.
يا مقلب الارض عد. أريد ان امضي فيك ما بقي من وقتي.
سلام سلام علي الغيم هناك. علي شجر قد يكون موجودا فيه ولا اراه. علي اوراق ربما سقطت منه في ارض بعيدة. علي نقاطه التي نزلت علي نهر وغابت. سلام سلام علي البعيد. علي دفتري المدرسي. علي اللعبة التي لم املكها. علي قلب اللوز الذي سقط من يدي فهرسته الدواليب واختفي… سلام علي الحياة.
امسك يدي وألعب بأصابعها. ألا تزالين يا أصابع صديقة؟
خنصر بنصر سبابة… يا لهول ما تعلمناه! يا لهراء التسميات التي افسدت طفولتنا.
اري الان جمعا من الموتي، هاي، انت هناك، ما اسمك؟ كان علي الارض شبيه بك ألتقيه كل يوم. لم تكلمني مرة مع اننا مشينا كتفا علي كتف وكنت احب ان اسمع صوتك. كان صوتك سيؤنسني وصوتي سيؤنسك في ذاك الشارع الذي كان كل من فيه وحيدا.
وأنتِ، انت الوحيدة في الزاوية هناك، ألست أمي؟ اقسم انك أنت، ولو ان نظراتك باردة وجوفاء كأنك لا تعرفينني. انسيتني يا أمي!
بخار فوق بخار. كأن الكون عاد الي بدئه.
كأن الحياة اكتملت اخيرا.
أنقب في البخار انقب في الموتي اريد ان اري ضلعي. كان لي ضلع، اتذكر، فأين صار؟ كان لي ضلع وأحبه، أريد ان اراه.
يا هذياني الجميل يا الهي، ابق معي. اسهر معي بعد هذه الليلة.
اني أري الموتي. اري الموتي والاحياء في الضمادات، ويشعلون القماش لكي نراهم.
هو هراء، هراء يا كلمات. فهؤلاء حين لا يرون مرآتي أكون لا اراهم، لان الاشياء صارت ورائي لا امامي.
فلنلعب يا حاء يا حرباء يا حياتي. يا حاء يا فاء يا حفيف الضلوع اذ تنحلّ ترابا يا فحيح الافاعي. يا سين يا ميم يا سمي وموتي، هذه هي سروتي، سدرتي، يائي.
لقد اقتربت الارض مني. الارض اقتربت كثيرا.
قلت اختزنك في نظراتي أيها الغيم. قلت اختزن للموت شيئا خفيفا طائرا عله يرفع معه عيني، تلك التي رأت فقتلتها رؤاها.
كانت الرؤية قاتلة ايضا، هل كان ينبغي عليّ ألا اري؟
ليس العمي هو المتاهة بل الرؤية. الرؤية يا بورخيس، الرؤية. النظرات تقودنا من متاهة الي متاهة. وكل نظرة تقتل ما تراه، وتقود الي شيء آخر تقتله نظرة اخري. الاشياء ضحايا النظرات يا بورخيس.
رأيت كثيرا فقتلت كثيرا وقتلت كثيرا. ما بقي حيا كان فقط في المقلب الآخر الذي لا اراه. غير ان الارض انبسطت وصار كل ما فيها قتيلا.
أيها البعيد يا صديقي، يا صديقي أيها البعيد، وأنت ايضا لم يعد فيك شيء غير مرئي لكي يحييني؟ أو انت ايضا يا صديقي؟
طير جاء. جاء طير الان وحط علي شجرة أمامي. الي هنا، الي حديقة صغيرة معزولة صامتة جاء طير، فيا للحياة الجميلة!
جاء طير حط لحظة وطار. لم ينظر الي، اني حي اذن، اني خارج النظر، فيا للحياة الجميلة! لكن حياتي كانت كلها نظرات، فهل كنت ميتا دائما؟
هوذا الغيم أتي فأهلا يا صديقي. لم يكن مطرك دمع عيون، كنت كذوبا. ظننت العين شيئا رائعا واحبك، فاخترعت لك عيونا. انك اعمي واحب الان عماك. انت اعمي ولذلك تحيي. استعيد الان نقاطك التي نزلت علي في الشوارع. نقاط كثيرة وكانت بمنديل تمحي. وذاك المحو، ذاك المحو علي الارجح، كان حياتي.
الاشياء ضحايا النظرات. احببت هذه الجملة ولذلك اكرر كتابتها علي الكلمات التي نحبها ان تبقي دائما في افواهنا وان نعيد كتابتها مرارا علي الورق. علينا ان نكررها دائما لانها تمنحنا شعورا بأن الحياة لا تزال فيها كلمات حبيبة وبأننا لا نزال نستطيع قول شيء نحبه. الكلمات التي نحبها تجعلنا نشعر بالكرامة وبعزة القول. الكلمات التي نحبها تجعلنا نشعر بأننا حقا موجودون.. الاشياء ضحايا النظرات، الاشياء ضحايا النظرات.
اكتب فقط لكي اتسلي. اقول الكلمات لكي اتسلي. ولان هذه الكتابة لعبة زائفة وللرمي في القمامة، يمكنني ان انتصر عليها. يمكنني ان ابدد معانيها وأنا ابدد الوقت بها. يمكنني ان اكتب كل شيء من دون ان اقول اي شيء. ان اكتب سخافاتي بحرية، وان اسلخ جلد الكلمات عن عظمها، وان احرّف القول واربك المعني.. يمكنني اخيرا ان اخرج من هذا السجن المعذب الرهيب الذي يفرض وجود معني لكل شيء، ويحدد هوية الجميع، والذي قضيت فيه وقضي الجميع كل اعمارهم.
الخروج من المعني، هذا بالضبط ما اريده.
اليوم مات صديقي. كان شاسعا، لم تسعه الارض فخرج.
اليوم مات صديقي يا كلاما. مت اليوم يا كلاما يا صديقي.
ما اقوله الان رجع خطاك. اقول ظلك أيها الكلام يا صديقي. اقول غيابك. الغياب لغتي.
صديقي؟ من صديقي؟ هل كان لي حقا اصدقاء؟
كانوا علي الارجح نتاج نظرات، هؤلاء الذين مروا في حياتنا وغادرونا.
كانت دروبنا ايضا، ومقاعدنا، نتاج نظرات.
الرؤية ترمي. العمي يحمينا.
لكن كثيرين ماتوا والكل ميت او سيموت، لم التوقف هنا؟ لي صديق كاتب في استراليا يكتب عن الحمير، عن الاموات منها وعن الاحياء. احببته. فكل الكتاب يكتبون عن البشر وهو يكتب عن الحمير. الذين يكتبون عن البشر يرفسهم البشر، لكني لم اسمع ان حمارا رفس واحدا لانه كتب عنه. ذلك، ببساطة، لان الحمير لا يقرأون، وهذا برهان آخر علي ان العمي، العمي المعرفي، مسالم وغباؤه جميل: لا يرمي ولا يرفس.. لكن الذين لا يقرأون من البشر يرفسون ايضا، والقارئون يفعلون الفعل نفسه. فهل يعني هذا ان الرفس، بسبب وبغير سبب، هو صفة ملازمة للبشر كيفما كانوا وان الدنيا تبقي بألف خير طالما فيها حمير؟
احترت. انا قاعد الان في منزل مستأجر في سيدني ومحتار: هل احب البشر ام احب الحمير؟ هل أبقي احب البشر واتغاضي عن رفساتهم كما كنت دائما ام احول محبتي نحو حيوان علي وشك ان ينقرض، عرفته حين كنت فتيا ولم اعد اراه منذ ذاك الحين؟ لكن لم الحيرة؟ فلطالما اتجهت محبتي نحو الغائبين والمنقرضين، ولطالما كان المنسيون والمنبوذون وحدهم اصدقائي. لم الحيرة والاشياء كلها الان لي سواء: رافسها وعاضها وقاضمها والواقف منتظرا حتي يعض فيعض. لم الحيرة، كل الاشياء تساوت لدي، وها انا لا اريد سوي فقط ان انساها كلها، وامضي.
ولكن امضي الي أين؟ الي العالم الآخر؟ وإنْ هناك عالم آخر، هل فيه حمير؟
يقال فيه ملائكة وشياطين فقط، وناس يتوزعون بين هؤلاء واولئك. لم اسمع احدا يقول ان في العالم الآخر حميرا. الي أين تذهب الحمير اذن؟ ألا يجب ان يبقي الرفاق رفاقا في الحياة والموت معا، ام ان في العالم الآخر عنصرية اشرس مما في عالمنا فلا يستقبل الحمير حتي اذلاء؟
هذه عنصرية والله لا تُحتمل. فأي حمار يرغب ان يكون في عالم كذاك؟
احب ان امضي ولكن ليس الي هناك. احب ان امضي الي حيث يمضي الحمير.
لا احب الملائكة ولا الشياطين. فالملائكة ستستقبلني باعتقاد أنها اكثر طهارة مني، والشياطين ستستقبلني باعتقاد انها اكثر نجاسة مني، وكلاهما مخطئان ومع ذلك سيستأسدان عليّ. لن اذهب الي العالم الآخر. خذوني الي حيث يذهب الحمير.
كان آدم ضجرا، قيل، فجيء بحواء كي يتسلي. وقيل سقطا في اختبار التفاحة فجيء بهما الي الارض.. يا للعقل البشري الخرف!
اريد ان ألتهم التفاحة التهاما فاءتني بها يا عقلا خرفا. عقل بور كهذا أية ارض يمكن ان يزرع؟ وأي زرع هذا المحرم، وما نفعه؟
اسمعوني يا زوار هذه الارض القاحلة، ازرعوا تفاحا كثيرا وكلوه كله. بذلك، ربما، قد تغيرون مبدأ الارض المؤسس علي اليباب، ومبدأ الخلاص المؤسس علي الجوع، ومبدأ الفضيلة المؤسس علي النسك، ومبدأ العالم الآخر الحلمي المؤسس علي الغاء عالم اليقظة.. بذلك، ربما، تخلقون الحياة حقا!
اسمعوني وكلوا، ولا تسمعوا زارع التفاح للزينة والعقاب. هذه ارضكم لا ارضه، ازرعوها وكلوا. ومن يبقي في ارضه بوصة بلا زرع وأكل، يبقي في رأسه فجوة من الدماغ الخرف.
ايتها الارض الجميلة أين كنت؟
حين كنت استطيع ان ازرعك جمالا لماذا استسلمت لدعاة اليباب؟
لماذا تبعت الخرافة وضللت عنك؟
كذبا بكذب كان ذاك كله. وكذب أني الان اتسلي. اني أتألم.
من ذا الذي يمكنــه ان يتسلي؟ هذا هراء. ان لعـــب مع الارض فهي طــــابة كبيرة عليه، وان لعب مع ذاته فهي صغيرة وتنزلق من بين يديه، ولن يمسكها ابدا.
لا العالم يمسك ولا الذات، ولا النظرات التي نرسلها للامساك بشيء في العالم ستعود الينا.
ضالون ومضللون. العالم اوسع مما ينبغي والذات اضيق مما ينبغي. الاول ضلالنا، والثانية ضالتنا.
ضلال بضلال. اهذه ما اسموها حضارة؟ قبلها كان الانسان علي الارجح ملك ذاته والارض ملكه. كانا يتبادلان الملك او يظنان ذلك، وكانا اعميين في التبادل والظن. وذاك العمي، ذاك الغباء، ما كان أجمله!
ابتعدت ابتعدت وها الارض تلتصق بي اخيرا.
تلتصق حتي اني لم اعد اميز بينها وبين جلدي. اخذتْ جلدي ولم تعطني جلدها. التصقت الارض بي وصرت بلا جلد.
2
يجب ان اتكلم. ما قلته وما كتبته في الماضي لم يكن كلاما. ما قلته وما كتبته كان صمتا.
قلت كثيرا وكتبت كثيرا لكنه لم يكن سوي صمت. اشعر الان يجب ان اقول شيئا. يجب ان اتكلم، لا يجوز ان اذهب من دون كلام.
علي، ربما، ان اتحدث مع الغابة. ان اقول للشجر شكرا علي الأقل، لانه اطعمني وأدفأني. يجب ان اقول شيئا للتراب، وللغيم الذي امطر عليه وعليّ، وللسماء، والنظرة. شيئا للاسفلت، للرحلة، للكلب الغريب. يجب ان اقول شيئا لنقطة الماء الاخيرة التي نزلت من دلو أمي علي الحبقة، وللدرجة السفلي التي قعد عليها أبي، وللدمي التي ابتهج بها اطفالي. يجب ان اقول شيئا للرمل، لجزيرة الجرحي، للعظمة التي كانت تنقص العالم كي يمشي. شيئا للجبال العالية، وللشبكة التي رسمتها لانهيار أيامي لكي تصل الي الوادي سليمة.
يجب ان اقول شيئا لاحد. ولكن أين هو؟ وماذا أقول؟
صمت اذن. كان ذاك صمتا، وهذا صمت ايضا.
هناك بقعة بعيدة، بعيدة، احب ان اراها.
عصفور رأيته لاول مرة ودهشت، أريد ان اراه مرة ثانية. قمر ونجوم، والتفاتات ظلال مزهوة، وصوت بعيد ياتي من مصبه.
موتي في قطار، بقايا نظرات، وذبابة تحوم حول ذراعي.
ورقة منسية، زر قميص ضائع، وواحد يقول آه ! هؤلاء هم، هؤلاء من أريد ان اقول لهم شيئا.
والعشب اذ يرتبك.
أريد ان اتحدث مع الارتباك..
واقف في الشارع في منتصف الليل، ونقطة ماء نزلت علي من غيمة.
السماء ترسل اشارة رطبة الي مرضاها.
أم انها نظرة اخري ضائعة في الفضاء، ولجأت الي ظانة أني عينها؟
إنني أعمي، أعمي، يا نقطة. فقدت عيني من زمان، ولا تزال نظراتي الاولي تبحث عنهما ولا تجدهما. ما اظن اني اراه ليس سوي ترسب لمعان قديم في ذاكرتي. فنحن الذين تحت، يا آتية من فوق، لا نري غير ذكري، ولا نسمع غير ذكري، ولا نقول غير ذكري. نحن يا صديقتي لسنا نحن. نحن ذكري انفسنا، اننا فقط ذكري.
ام انها نقطة الماء التي نزلت علي حبقة أمي تبخرت وعادت الي؟
ولماذا تعود؟ فلا حبقة لدي ولا أم. لا عين ولا نظرة. لدي فقط وهمي. وهذا يصنع الخرافات، ويصنع المعجزات. يجعل الفراغ يمطر، واليباب يثمر، وخنجر الاحلام زهرة جميلة في الجرح. وهو علي الارجح صنع الارض، وصنع السماء. انه افق الانسان وعمقه، امتداده وعلوه ورجاؤه وايمانه. فهل يعجز صانع المعجزات هذا عن اسقاط نقطة ماء من غيمة علي رجل واقف في الشارع؟ هل يعجز وهم عن اسقاط ماء وهمي علي رجل وهمي في ليل وهمي؟
لم يعجز، وقد فعل، وسقطت تلك النقطة علي ولا غيمة في السماء ولست في الشارع.
هذا، تماما، مثلما كنت انسي معطفي في المقاهي، ومع ذلك اكون ارتديه وانا عائد الي بيتي.
فما ابهاك ايها الوهم! انت الجمال الوحيد. المنتصر الاوحد علي البشاعة. كاسر المقاييس ومحطم المبادئ. قالب الارض رأسا علي عقب، والسماء رأسا علي عقب. خالق ما لا يخلق ومكون ما لا يكون.. ما ابهاك ايها الوهم، يا إلهي.
كان وهما جميلا، لكنه مات هو ايضا.
امشي الان بلا إله. أمشي بلا وهم. محاط بالحقيقة من كل جانب، فمن يقوي علي تحمل هذا؟!
ربما لذلك شخت. ربما لذلك عجزت، وصرت اتعب من المشي حتي في بيتي. الحقيقة التي تتعب ارواحنا تتعب اجسادنا ايضا، وتجعلنا عاجزين عن الانتقال من غرفة الي غرفة.
يا ميم يا شين يا ياء عودي واتحدي، فلعلي امشي.
بالتحام الاحرف تلتحم ضلوع الناس ايضا. فالضلوع البشرية ليست سوي احرف، تنتظر من يلحمها لكي تصير شخصا يمشي.
زرعت اليوم نبتة في سيدني. ضلوع مفككة ومع ذلك زرعت نبتة. وستصير النبتة شجرة انظر اليها وارحل، لكن الهواء سيبقي، اذ يلمسها، يشم رائحة اصابعي.
فافرح بهذا الخلود يا وديع. الخلود الذي هو ذكري رائحة، خيال يد في التراب. الخلود الذي هو عبور هواء، صمت ورق.
افرح بهذا الوهم الذي هو ايضا ضلوع مفككة، ولكن بالتحام الاحرف تلتحم الضلوع، فجيئوا بالاحرف كي نلحمها. الحموا الوا و الهاء و الميم . الحموا الخاء و اللام و الواو و الدال . الحموا ضلوع الوهم وضلوع الخلود، فيصيران شخصين مثلنا، يزوراننا في الليالي، ونشرب معهما العرق ونلعب الورق.
والحموا الشين و الجيم و الراء و الراء و التاء . السعادة هي أن ننظر الي شجرة زرعناها، ثم نذهب الي النوم.
ألحم الاحرف وأعد المائدة: الوهم والخلود ضيفاي.
في الليالي المقمرة يسعد الموتي. يخرجون ليتقمروا. يستلقون تحت ضوء القمر ويخبرون بعضهم حكايات. يعيدون علي مسامع انفسهم حكاياتهم الاولي هناك، حين كانوا يستلقون تحت ضوء الشمس ليتشمسوا.
لا يخرج الموتي في النهارات من مقابرهم. الضوء الساطع هو ضوء الجن والعفاريت والاشباح المخيفة. عالم الشمس مرعب وقاتل وهم يريدون سلاما وطمأنين..
يخرج الموتي في الليالي ليستعيدوا حكايات لم يعد ينزف قتلاها دما ولا عاد الموت يرعبهم. يستعيدون وجوههم التي سقطت برعب هناك، وتسقط الان في بالهم مطمئنة.
تعرفت الي موتي كثيرين. جالستهم طويلا حين كانوا احياء، وجالستهم طويلا بعدما صاروا موتي. قعدنا وشربنا وأكلنا معا وتحدثنا كثيرا.. لكني سمعت لغة غريبة من الموتي، ولا اعرف لماذا فهمتها اكثر مما فهمت لغة الاحياء.
لن تفهموا لو قلت لكم ما قاله لي الموتي. يجب ان تدخلوا في الموت مثلي، وتجالسوا الموتي، لكي تفهموا.
هل جلستم مرة مع العدم؟ هل تعلمتم لغة العدم وسمعتم ماذا يقول؟
كيف لعدمي اذن ان يوصل الي الممتلئين بالحياة كلاما مفهوما؟ كيف يقنعهم بأن الكلمات مخلوقات اخري غير ما يعتقدون، لها طبائعها وامزجتها ومفاهيمها التي لن تخطر لهم علي بال. مخلوقات شبحية متقلبة خبيثة ومفترسة. تكون تمضغهم في الوقت الذي يعتقدون انهم ينطقونها. وتكون تضلهم في الوقت الذي يعتقدون انها الطريق. وتقتلهم حين يظنون انهم يحيون بها، ويحيون اذ يمحونها.
كيف لميت ان يفهم الاحياء لغة الموتي؟ كيف يقنعهم مثلا بأن الواو اداة قطع ونقص لا اداة وصل واضافة؟ فهل ينقطع شيء ان لم يكن موصولا؟
واذ يكون بلا وصل ألا يكون مكتملا بذاته فيأتي تطلب الوصل لكي يجعله ناقصا؟
وهل يقتنع الاحياء بأن الكاف التي قيل لهم انها للتشبه انما هي لمحو الشبيه؟ اذ كيف لا يمحي وجه ان شبه بآخر؟ كيف تكون له خصوصية ملامح ان كانت شبيهة سواها؟ كيف يكون هو، ان كان آخر؟ الكاف حرف مفترس ايضا، فالتشبيه افتراس للشبيه لا احياء في شبه.
لن يفهم الاحياء معاني الكلمات التي اعتادوا نطقها. لن يفهموها الا اذا اكتسبوا طبائع الموتي. فالذين صاروا هناك فهموا اللغة كلها، ولن يفهمها الذين هنا الا اذا نسفوها كلها وادركوا انها لغة موتي لا لغة احياء.
انني ادرك تماما عجز الناطقين وعجز السامعين. فأنا كنت مثلهم، الي ان ادركت ان لغة حياتي هي لغة موتي.
افهم عجز الجميع، لان الجميع يريد ان يكون حرف وصل وأداة تشبيه. افهم عجز الجميع لان الجميع يريد ان يكون الجميع. فالوصل عجز والقطع قدرة، والتشبه اضمحلال والفرادة وجود. ولذلك لا وجود، ولا قدرة، الا لناسفي هذه اللغة. لا وجود ولا قدرة الا لجحافل المتمردين.
وهؤلاء هم، هؤلاء هم القتلي، الذين لغة حياتهم هي لغة موتهم.
اقترب أيها الغيم يا لهاثنا. يريد الموتي ان يضعوا فيك كائنات جديدة.
يريد الموتي ان يصنعوا عالما آخر، فاقترب أيها الغيم.
بانخطاف الدخول في الهواء والاندماج في الندي، يولدون. تتكون النطفة من شفافين. من خفيفين لا مرئيين. لا يقسوان لئلا يُلمسا فيضيعان في يد اخري. ولا يريان لئلا يذوبا في نظر.
اقترب يا غيم، هناك ملاك مهاجر.
ملاك مهاجر يا غيم يبحث عن مكان، فاقترب. ألا مكان في الفضاء ايضا لملاك مهاجر؟!
قال لي أبي: تعلّم من الشجر، فأنت سنديانة مقيمة.. أريد الهواء يا أبي أريد هبوب الريح. ألمس الشجر وأبتعد، ألمس الشجر وأبتعد، ألمس الوجوه واختفي!
اقامتي الفضاء الشاسع، اقامتي اللامكان. شارد لا رفاق لي. الشجر مسلي وليس رفيقي. بين قفز وقفز ألاعب اوراقه، ليس رفيقي ولا سلفي ولا نسلي.
والوجوه ليست محفظتي. ليس لي محفظة يا أبي. لا احتفظ بشيء، لا الوجوه ولا غيرها. فأنا هارب وليس ورائي سوي غبار.
لا، لا، ليست الحياة الجميلة شجرة زرعناها ننظر اليها ثم نذهب الي النوم.
الحياة الجميلة هي الهواء الذي يلمس الشجر، ويمضي.
وأنا في سيدني تلقيت نبأ من بيروت أني ميت. لم أن اعرف اني ميت حتي تلقيت نبأ موتي فعرفت. اتصلوا بي وسألوني: هل انت ميت حقا كما قيل لنا؟ فوجئت واحترت.. ثم اجبت: نعم.
لا يعرف الواحد انه ميت حتي يخبره سواه. الموت خبر، ويصير حالة بالمعرفة. كنت حيا او اظن، وحين عرفت مت.
وصل الي نبأ موتي في الرابعة فجرا. لم يكن ليلا ولا نهارا. كان وقتا خارج العتمة وخارج الضوء. لم يكن وقتا كان هيولي وقت. وكان هيولي مكان وهيولي حالة.
نظرت من النافذة ورأيت روعة ما لا يري. رأيت جمال اللامرئي.
وفي تحسس غيابي، أيقنت جمال لمس الفراغ.
كم هو رائع هذا اللامرئي كم هو رائع! لا يخدش نظرا ولا يطلب رؤية. لا يسعي الي عين ولا العين تحتاج الي سعي لكي تراه. لا تحتاج الرؤية الي عين لكي تمتلئ بروعته.
نظرت من النافذة. لا غيم لا شجر. أين أنت أيها الغيم اريد ان اودع فيك آخر انفاسي.
نفس ربما يصير ماء ذات يوم وينزل علي شجرة. ربما يصير عينا تلتقي بنظرتها. ربما يصير عصفورا، ينقر نقرة ويطير، كما كنت اريد حياتي.
تعال يا غيم اريد ان اودع فيك آخر اسراري:
انا الغراب الذي أرسله نوح ولم يعد. الغراب الذي صار الجهة الخامسة، ويبحثون عنها ولا يجدونها.
تعلم من الشجر، قال أبي. أين الشجر يا أبي أين الاقامة؟ السماء اذ تنجلي تأخذ ملامحها معها. نقاؤها فراغها النقاء هو الفراغ يا أبي، الاقامة امتلاء.
أريد غيما محيرا متقلبا، غيما عصي الملامح، أريد ارباك الفراغ.
اريد اختراق الفراغ وارباكه. جعله حائرا قلقا كالامتلاء. اريد مساواة الامتلاء بالفراغ والوجود بالعدم.
هكذا، علي الاقل، يجلس الحاضرون والغائبون معا، ويتسامرون طوال الوقت، الي الابد.
هكذا لا يرغب الحاضرون في امتلاء، فيخفون كريش. ولا يرغب الغائبون في حضور، فيبقون هواء.
هكذا تلتقي الخفقة بنفسها، ويولد كون جميل.
راكض لاهث ضائع، ليس لي ريش ولست هواء. كيف اجمع حضوري بغيابي وألد منهما كوني؟
الحياة التي نزفت دما كثيرا أثقلها دمها وغرقت فيه. الفم الذي قال كلاما كثيرا سحقه حطام كلامه. الرئة التي لهثت كثيرا اختنقت تحت ركام لهاثها.
كيف اجعل من الغرق والحطام والاختناق كونا؟
في البعيد خشبة، هذا أمل الغرقي. في البعيد غيم، هذا أملي.
عدتم؟ اهلا بكم أيها الموتي. هل اصطدتم شيئا في هذه الرحلة؟ اوقدوا النار اذن، أريد ان اشارك في الوليمة. هل كان نائما، مختبئا، ام جافلا هذا الاله الذي اصطدتموه؟ وقولوا، صفوا لي ملامح وجهه وهو ينتظر الرصاصة. هل خاف؟ هل بان الرعب عليه؟ وهل كان رعبه شبيها برعبكم امام رصاصة؟
اوقدوا النار اريد ان آكل وأشرب وأسكر معكم. اريد ان اشرب نخبكم يا صيادي الالهة في مجاهل العدم، في رحلة الانقلاب العظيم، حيث يحيا القتيل ويموت القاتل، وينحني السيد ويشمخ العبد، وتصير الرعية الله والله الرعية.
خذوا كلوا.. هذا هو الجسد الذي جعلكم جائعين.
سينفجر البركان قريبا. وصلت النار الي الحد وسينفجر. ستكون للارض مائدة عامرة من اجساد مشوية. ستطهي الملائكة والقديسون والآلهة، وتطبخ العفاريت والشياطين والجن، ويجد المشردون في الارض والجائعون اطباقا وضعت فجأة امامهم.
سيكون احتفال كبير للمنسيين علي الارض. فالبركان اقترب انفجاره، وسيشبع الجوعي من فحم الارض اخيرا.
راكض لاهث لا درب لي ولا وجهة. هارب من فم الارض. الارض اقتربت مني كثيرا وأريد ان ابتعد. ظلمت ريش الطيور كيف اطير؟ ظلمت الموتي كيف يستقبلونني؟
والغيم ان أتي بماذا ألعب معه؟ والوهم ان تخيلته كيف اقيم فيه؟
راكض لاهث كيف تؤويني الكلمات؟ والاشياء اذا نظرت اليها كيف تعرفني؟
وماذا اقول للارتباك ان تحدثت اليه؟ وكيف اربكك الارتباك وهو مربكي؟ وان، بالوهم، اخترقت الفراغ وأربكته، فهل يمكن حقا ان اساويه بالامتلاء؟
لقد اقتربت الارض.
اقتربت الأرض مني كثيرا.
الأرض اقتربت من الفراغ.
°°°°°
وديع سعادة: شاعر من لبنان يقيم في استراليا
منقول من موقع فوبيا
السبت، 4 أغسطس 2012
قصائد ... حلمي سالم
حلمى سالم
|
|
أجنحة
هذا هو الفَصُّ
الذي يحملُ تكاثرَ الخَلاَيا
ويوزِّعها علي المُعْوَزين
قلتُ للخلايا:
ألهاكم التكاثرُ
أطلّتْ من الغبشةِ وجوهُ آبائي:
عبدالمطلب، معهم، موافي، الشايب
عنتر، سليمان، اليماني،
يفردون أجنحةً ملوّنةً
لكي أطيرَ بها إلي ماسبيرو،
حيثُ دبابةُ مرّتْ
علي بطنِ الفتي،
وقتَ أن لمَعَ الصليبُ
فوق الصّدر
نور علي نور
الشهيقُ رسالةُ الأنبياء
والزفيرُ معجزةُ الربّ
قالت بنتُه الصغيرةُ:
لا تكن سيّيءَ الظَنّ بالحيَاة
وقالت بنتُه الكبيرةُ:
رحمةُ الله واسعةُ
وعندما أتي الصوتُ من أعالي البحار:
لكَ السلام،
تهادي علي حوائطِ العنبر
سرابُ التريكو،
ورنّتْ بسمعي صوتياتٌ قديمةٌ تقول:
»أخي طلعت حرب، إزيّك؟«
وقفز إلي هواء غرفة الأشعّات
عَزْفُ عازفينْ في حُلكَةٍ،
لأن جسميهما سراجٌ علي سراجٌ
قالت الصغيرةُ:
لا تكن سيّيءَ الظَنّ بالحيَاة،
فكل امرئٍ له ليلةٌ غبراءُ
وقالت الكبيرةُ:
رحمةُ الله واسعةٌ،
وعقابُ الله ضيِّقٌ
ساعتَها، كان النزلاءُ ينظرون إلي الكورنيش،
حيث صفُّ شهداءَ يمروّنَ
ملفوفينَ في قماشٍ أحمرَ،
ثم في قماشٍ أبيضَ،
ثم في قماشٍ أسودَ،
خلفهم شجرٌ يمشي إلي أعلي،
وأمامهم دعواتُ ريِّسةِ الديوان
قلتُ: يا عين يا ليلُ
سيجيء ويلٌ وراءه ويلُ
فردّتْ البنتان:
يا ليلُ يا عينُ
المحبّاتُ دِينٌ
ودَيْنُ
الجسر
سري المخدّرُ الكليُّ فصرتُ في محيط مجلس الوزراء، قالوا: ماذا تَري؟ قلتُ: أري جنوداً هوّامينَ علي ذؤاباتِ غاباتٍ، لهم زعانفُ وحشيةٌ تضربُ العابرينَ علي أكبادهم وهي عليلةٌ.. سَرَي مشرطٌ في الضلوع فصرتُ قدّام البرلمان، قالوا: ماذا تري؟ قلتُ: أري القدمَ الحديديّةَ دوّاسةً علي حديقةِ النباتات.. ثمَّ قَصُّ الفَصِّ الذي عليه العينُ.
فصرتُ فوق الجسر، قالوا: ماذا تري؟ قلتُ: أري شيخاتِ زار يدْققن الأرضَ بأجسادٍ عصابيّةٍ، وهُنّ يُنْزلنَ من أفواههّنَ رغوةً كرغوةِ البهائمِ، وأري صِبْيَةً مبقورينَ بسِنْجةٍ، بينما الذقون تجهّز حلقةَ الذّكر، حتي يخرجَ الميتُ من الحيّ، ويخرجَ الحيّ من الميّت، فيما الأسيادُ يستلون الزيتَ والبطاطس من زكاة بيت المال ليشتروا بها أنفَ كليوباترا.
من وراء حجابٍ، تقول:
يابنَ بطني
ستأتيك نقطةٌ فاصلةٌ
وأنتَ في منزلةٍ بينَ المنزلتْين،
تري فيها النفريَّ سليماً
إذْ هوَ صاحبُ البحر والمخاطرة والنجاة،
وإذ هو قاهرُ البلاءِ بالحرف،
وإذ هو أميرُ الجيوش
توكة
كنتُ أسمعُ صوتَها
بينما لحظةُ التشريحِ شَغّالةٌ:
ينبغي أن نعودَ إلي ابتسامةِ الموناليزا
وكنتُ أُراقبُ ارتعاشةَ الشَفَتيْن،
وهيَ تفُكُّ توكةًعن شَعرها الطويل،
قبل الزيارة
لعل فكَّ توكةٍ يقدِّم عوناً
لغرفةِ العملياتِ.
هنا شروطُ المجلسِ العسكريّ:
الشَّعُر المحلولُ،
الكحلُ الأسودُ،
چيبةُ الأنثي لا بنطلونُ الغلمانِ
البنجُ خفيفٌ عليَّ
أنَا أرَيَ عينيها فوق حاجبيَّ
وأري الشعراءَ يزعقون:
يا عبدالغنيّ
لماذا ذوّقتَ طفلَكَ
حلاوةَ المقامرة؟
البنجُ خفيفٌ عليَّ
أنا أشمُّ القنابلَ المسيلةَ للدموع،
في جناحِ جراحةِ الصّدر
هكذا يا شقيقةَ الشهَّر:
قطعنا عِرقاً
وسيّحنا دَمَه
رسمُ قلب
تهادي صوتُ التي شالتْه
وهناً علي وهنٍ:
الشهيقُ رسالةُ الأنبياء
والزفيرُ معجزةُ الرّب
فتراءَيَ له بغبشةٍ:
كان اللواءاتُ يمشونَ عليَ حائطٍ،
كحواةٍ مقدّسينَ،
يُخرجون من جيبِ الساعةِ الأرانبَ،
وينفضون عن الحزام الملائكة،
وعلي المنصّة المطربُ العاطفيُّ ينشدُ:
يالرقة الجيش
كأن المغني الغريبَ مازالَ يرثي حضارةً:
»دارْ يا دارْ يا دارْ«،
فتراءي له بغبشةٍ:
رسمُ القلب
يشير إلي سكاكين الزمان:
1975: تحت ثوبها المنقوطِ بالأزرق،
تعلمتُ أن الجسَدْ قبّةُ الروح،
1977: انتفاضة الجوع
بعد أن طارت يمامةٌ،
1986: باح الفتي بغرناطةٍ:
»تَقْلِبينَ خُطّةَ القَلب«
فجلجلت ضحكةٌ ساخرةٌ،
2005: الريشةُ التي مسّت المُخَّ
لكن أنفاسَ الأحباءِ،
ذوّبتْ شللَ العينِ والسّاقِ والذراعْ
2007: قفاطينُ
يطلبون رأسي،
لأنني قلتُ إن الله أوسعُ من مخاليقه.
خايلتْه أصواتُ عزّافينَ يهزجون:
»فؤادي في غشاءٍ من نبالٍ«
تحليل دم
تعرّجاتُ الرّسم ميّاسَةٌ:
صعودٌ، خرائبُ،
وديع الصافي، خنجرٌ، زجاجٌ مهَشمٌ،
متنبي، تشكيلٌ سرياليٌّ،
بقايا غرامةٍ وغرامٍ، شجوةٌ مطبوخةٌ،أشرف نجاتي، حروف منحوتة علي الأورطي:
»تكسّرتِ النّصالُ علي النصّالِ«.
قلتُ لشقيقةِ الشهر:
أريدُ بعد خروجي من البئر بناتي أمامي
نشلوني من البئر في قفّة
فكنتُ خلف خوصِ قفّةٍ أتبيّن الصّبَايا:
لميس: ذكاءُ القلبِ، والندّيةُ، حكمةُ الحنانِ، عيونُ القطط، ورائحةُ »زاهية«
رنيم: حصّةٌ في الرّقة، القَافزة خلف البحر قبل موسم القفز، الذوبانُ لحاله،
حنين: سلامة الفطرة، ملحُ الأرض، التي لا يعجبها »دهاليزي والصيف ذو الوطء«،
وبسببي حفظت مستشفياتِ القطر
تراءي له آخرَ الهزيع
أن العسكرَ حوله ينظرون
في تحليلِ دمٍ:
قطرانٌ ثقيلٌ،
مخلفاتُ الضغائنِ،
الهمزةُ اللمزةُ،
روَثُ النظام السياسيّ،
سيانور البوتاسيوم
تراءي له بليلٍ جوهرُ الأطباء،
فأنشدَ المطربُ العاطفيُّ:
يالفتنة الجيش
لكن طفلاً علي الكورنيش مزّقَ السكونَ
حين ألقي سؤالَه الخفيض:
لماذا إذن مصُّوا الهواءَ
من مصر؟
النبع
يأتي عوَّادونَ من جلطةِ المخّ،
ويأتي عازفو بيانو من عجْز كليتين،
ويأتي لاعبو كمنجةٍ من ارتفاعِ الضغط،
كلُّ بَكَّاءٍ يحمل الآلةَ تحت الإبط،
وفي أطرف الأصابع شاراتُ الخسارة.
أما أنا فمهمتي كانت
تجميعَ الآلاتِ والرئاتِ،
علي كاهلِ المصابينَ،
كلُّ رئةٍ وآلتُها المكسورةُ،
كلُّ آلةٍ ورئتُها النازفة،
وأهتفُ: يعيش انسجامُ الكسيرَيْن،
ثم تجميعُ الخسائر في جسدٍ واحدٍ،
يمرُّ من مطهرٍ إلي جحيم
قلتُ لقائدِ البحر:
اجعلْ لي آيةً
قال: آيتُك أن تتجلي للجار
ليلةً
علي هيئةِ حلمٍ،
وأن تتجلّي للجارْ
ليلةَ
علي هيئةِ كابوسٍ،
وعندما تعذّبه حيرةُ الليّالي،
اتركْ علي سرير الجار علامةً:
نقطةَ دمٍ طرٍّي
وفي مطلع كلِّ أسبوعٍ،
خُذ الجارَ إلي النبعِ،
وغُطَّة في الماءِ كلَّه،
إلاّ كعبَه.
واتركْ له علي حافةِ النبعِ
قصاصة تقولَ:
»في المخاطرةِ جزءٌ مِنْ النجاةِ«.
منقول من أخبار الأدب
الجمعة، 3 أغسطس 2012
من هو علاء أبو القاسم صاحب أول ميدالية مصرية
يستعرض FilGoal.com السيرة الذاتية للبطل المصري علاء الدين أبو القاسم صاحب أول ميدالية أوليمبية مصرية في أوليمبياد لندن 2012.
وحقق أبو القاسم الميدالية الفضية في لعبة المبارزة بعدما خسر أمام البطل الصيني ليل شينج في المباراة النهائية بصعوبة 15-13.
من هو علاء؟
الاسم: علاء الدين محمد أبو القاسم
السن: 21 عاما
الميلاد: الاسكندرية
الدراسة: طالب بكلية الهندسة بالأكاديمية البحرية
الوالد: توفي قبل خمسة أشهر
الوالدة: جزائرية
تاريخه مع اللعبة:
بدأ ممارسة المبارزة عندما كان سنه ثماني سنوات، وانضم لمركز الموهوبين عندما بلغ من العمر عشر سنوات، حقق المركز الثاني ببطولة الجمهورية تحت 15 عاما.
من بعدها، توج ببطولات الجمهورية طوال مراحل الناشئين والشباب حتى وصل للأوليمبياد.
حقق الميدالية البرونزية ببطولة البحر المتوسط تونس 2011.
الترتيب الحالي: المصنف الثامن على العالم.
الانجازات: حقق الميدالية البرونزية في بطولة العالم 2008 دون 20 عاما.
حقق الميدالية الذهبية في بطولة العالم 2010 دون 20 عاما.
أول مصري وعربي وإفريقي يحقق ميدالية في الأوليمبياد في هذه اللعبة.
منقول من yahoo مكتوب
الأربعاء، 1 أغسطس 2012
فوكنر في كلمة نوبل
مأساتنا اليوم هي الخوف
ترجمة: أمير زكى
|
|
سيداتي وسادتي
أدرك أن هذه الجائزة لم تُمنح لي كشخص، ولكن لأعمالي عمل عمر في معاناة وكفاح الروح الإنسانية، لا للمجد وبالطبع لا للربح، ولكن لخلق شيء من مواد الروح الإنسانية لم يوجد من قبل. بهذه الطريقة فالجائزة ملكي فقط كمسئولية. لن يكون من الصعب إيجاد تخصيص للجزء المالي فيها لمكافأة غرض ودلالة أصلها. ولكني أود أن أقوم بالشيء نفسه بالنسبة للتقدير أيضا، عن طريق استخدام هذه اللحظة كذروة لما يمكن أن أكون قد سمعته عن طريق الشباب والشابات الذين وهبوا أنفسهم بالفعل لنفس الألم والمهنة، ومن ضمنهم هذا الشخص الذي سيقف يوما ما هنا في المكان الذي أقف فيه.
مأساتنا اليوم هي خوف جسدي عام وعالمي طال تكبده إلي الآن وكذلك نستطيع تحمله. لم تعد هناك مشاكل للروح. هناك فقط السؤال: متي سيتم تفجيري؟ بسبب هذا، الشاب - أو الشابة - الذي يكتب اليوم نسي مشاكل القلب الإنساني الذي في عراك مع نفسه، هذا الذي يصنع وحده الكتابة الجيدة، لأن هذا فقط ما يستحق الكتابة عنه، ويستحق الألم والكدح.
عليه أن يتعلم ذلك مرة أخري. عليه أن يُعلّم نفسه أن أساس كل الأشياء هي أن يكون خائفا؛ وأن يُعلَم نفسه ذلك معناه أن ينساه للأبد، لا يترك مساحة في عمله لأي شيء إلا لحقائق وتأكيدات قلبه القديمة، حقائق العالم القديمة: - أي قصة تفتقد هذا هي قصة عابرة وميتة لا محالة الحب والشرف والشفقة والفخر والرحمة والتضحية. وحتي يفعل ذلك فهو يعمل تحت لعنة؛ هو لا يكتب عن الحب بل عن الشهوة، عن الهزائم التي لا يخسر فيها أي أحد أي شيء ذو قيمة، عن انتصارات بلا أمل، والأسوأ من الكل، بلا شفقة أو رحمة. أحزانه لا تؤثر في عظام العالم، لا تترك ندوبا. هو لا يكتب عن القلب ولكن عن الغُدد.
حتي يعيد تعلم هذه الأشياء، سيكتب وكأنه يقف وسط البشر ويشهد نهايتهم. أنا أرفض تقبل نهاية الإنسان. من السهل بما يكفي القول إن الإنسان خالد ببساطة لأنه سيتحمل: فحين تطرق الضربة الأخيرة للقدر وتخفت من علي الصخرة الأخيرة التي لا قيمة لها المعلقة الساكنة في المساء الأحمر المحتضر الأخير، حتي في وقتها سيظل صوتا واحدا باقيا: صوته الضعيف الذي لا يهدأ، لا يزال يتكلم.
أنا أرفض أن أقبل ذلك، أنا أؤمن أن الإنسان ليس فقط سيتحمل: ولكنه سينتصر. إنه خالد، ليس فقط لأنه الوحيد بين المخلوقات الذي لديه صوت لا يهدأ ولكن لأن لديه روح، نفس قادرة علي الرحمة والتضحية والتحمل. واجب الشاعر والكاتب هو أن يكتب عن هذه الأشياء. إنه امتيازه ليساعد الإنسان ليتحمل عن طريق تعلية قلبه، بتذكيره بالشجاعة والشرف والأمل والفخر والرحمة والشفقة والتضحية، تلك التي كانت مجد ماضيه. صوت الشاعر لا يحتاج فقط لأن يكون تسجيل للإنسان، إنه يمكن أن يكون واحدا من الدعائم، العواميد التي تساعده علي أن يتحمل وينتصر.
1949
منقول من أخبار الأدب
الثلاثاء، 31 يوليو 2012
غابرييل غارسيا ماركيز …
بقلم: غابرييل غارسيا ماركيز
* سأمنح الأشياء قيمتها ، لا لما تمثله ، بل لما تعنيه …
* سأنام قليلاً ، وأحلم كثيراً ، مدركاً أن كل لحظة نغلق فيها أعيننا تعني خسارة ستين ثانية من النور …
* سوف أسير فيما يتوقف الآخرون ، وسأصحو فيما الكلّ نيام …
* لو شاء ربي أن يهبني حياة أخرى ، فسأرتدي ملابس بسيطة واستلقي على الأرض ليس فقط عاري الجسد وإنما عاري الروح أيضاً …
* سأبرهن للناس كم يخطئون عندما يعتقدون أنهم لن يكونوا عشاقاً متى شاخوا ، دون أن يدروا أنهم يشيخون إذا توقفوا عن العشق …
* للطفل سوف أعطي الأجنحة ، لكنني سأدعه يتعلّم التحليق وحده …
* وللكهول سأعلّمهم أن الموت لا يأتي مع الشيخوخة بل بفعل النسيان …
* لقد تعلمت منكم الكثير أيها البشر … تعلمت أن الجميع يريد العيش في قمة الجبل غير مدركين أن سرّ السعادة تكمن تسلقه …
* تعلّمت أن المولود الجديد حين يشد على أصبع أبيه للمرّة الأولى فذلك يعني انه أمسك بها إلى الأبد …
* تعلّمت أن الإنسان يحق له أن ينظر من فوق إلى الآخر فقط حين يجب أن يساعده على الوقوف …
* تعلمت منكم أشياء كثيرة … لكن ، قلة منها ستفيدني ، لأنها عندما ستوضب في حقيبتي أكون أودع الحياة …
* قل دائماً ما تشعر به وافعل ما تفكّر فيه …
* لو كنت أعرف أنها المرة الأخيرة التي أراكِ فيها نائمة لكنت ضممتك بشدة بين ذراعيّ ولتضرعت إلى الله أن يجعلني حارساً لروحك …
* لو كنت أعرف أنها الدقائق الأخيرة التي أراك فيها ، لقلت ” أحبك” ولتجاهلت ، بخجل ، انك تعرفين ذلك …
* هناك دوماً يوم الغد ، والحياة تمنحنا الفرصة لنفعل الأفضل ، لكن لو أنني مخطئ وهذا هو يومي الأخير ، أحب أن أقول كم أحبك ، وأنني لن أنساك أبداً …
* لأن الغد ليس مضموناً لا للشاب ولا للمسن … ربما تكون في هذا اليوم المرة الأخيرة التي ترى فيها أولئك الذين تحبهم … فلا تنتظر أكثر ، تصرف اليوم لأن الغد قد لا يأتي ولا بد أن تندم على اليوم الذي لم تجد فيه الوقت من أجل ابتسامة ، أو عناق ، أو قبلة ، أو أنك كنت مشغولاً … كي ترسل لهم أمنية أخيرة …
* حافظ بقربك على من تحب ، أهمس في أذنهم أنك بحاجة إليهم ، أحببهم واعتني بهم ، وخذ ما يكفي من الوقت لتقول لهم عبارات مثل: أفهمك ، سامحني ، من فضلك ، شكراً ، وكل كلمات الحب التي تعرفها …
* لن يتذكرك أحد من أجل ما تضمر من أفكار ، فاطلب من الربّ القوة والحكمة للتعبير عنها ، وبرهن لأصدقائك ولأحبائك كم هم مهمون لديك …
منقول من موقع فوبيا
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)